Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
الممتحنة
Al-Mumtahanah
She that is to be examined · Medinan · 13 ayahs
60:1Page 549
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١
O you who have believed, do not take My enemies and your enemies as allies,1 extending to them affection while they have disbelieved in what came to you of the truth, having driven out the Prophet and yourselves [only] because you believe in Allāh, your Lord. If you have come out for jihād [i.e., fighting or striving] in My cause and seeking means to My approval, [take them not as friends]. You confide to them affection [i.e., instruction], but I am most knowing of what you have concealed and what you have declared. And whoever does it among you has certainly strayed from the soundness of the way.
صفحة ٢٥٧
(سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ)
وهِيَ ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً مَدَنِيَّةً
﷽
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾
﷽
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ ما يَتَحَقَّقُ بِهِ التَّعَلُّقُ بِما قَبْلَها هو أنَّهُما يَشْتَرِكانِ في بَيانِ حالِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ الحاضِرِينَ في زَمانِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ، فَإنَّ بَعْضَهم أقْدَمُوا عَلى الصُّلْحِ واعْتَرَفُوا بِصِدْقِهِ، ومِن جُمْلَتِهِمْ بَنُو النَّضِيرِ، فَإنَّهم قالُوا: واللَّهِ إنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي وجَدْنا نَعْتَهُ وصِفْتَهُ في التَّوْراةِ، وبَعْضُهم أنْكَرُوا ذَلِكَ وأقْدَمُوا عَلى القِتالِ، إمّا عَلى التَّصْرِيحِ وإمّا عَلى الإخْفاءِ، فَإنَّهم مَعَ أهْلِ الإسْلامِ في الظّاهِرِ، ومَعَ أهْلِ الكُفْرِ في الباطِنِ، وأمّا تَعَلُّقُ الأوَّلِ بِالآخِرِ فَظاهِرٌ، لِما أنَّ آخِرَ تِلْكَ السُّورَةِ يَشْتَمِلُ عَلى الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ لِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِها، وأوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى حُرْمَةِ الِاخْتِلاطِ مَعَ مَن لَمْ يَعْتَرِفْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في «حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، لَمّا كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ» أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَجَهَّزُ لِلْفَتْحِ، ويُرِيدُ أنْ يَغْزُوَكم فَخُذُوا حِذْرَكم، ثُمَّ أرْسَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَعَ امْرَأةٍ مَوْلاةٍ لِبَنِي هاشِمٍ، يُقالُ لَها سارَّةُ، جاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمُسْلِمَةً جِئْتِ ؟ قالَتْ: لا، قالَ: أمُهاجِرَةً جِئْتِ ؟ قالَتْ: لا، قالَ: فَما جاءَ بِكِ ؟ قالَتْ: قَدْ ذَهَبَ المَوالِي يَوْمَ بَدْرٍ - أيْ قُتِلُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ - فاحْتَجْتُ حاجَةً شَدِيدَةً، فَحَثَّ عَلَيْها بَنِي المُطَّلِبِ فَكَسَوْها وحَمَلُوها وزَوَّدُوها، فَأتاها حاطِبٌ وأعْطاها عَشَرَةَ دَنانِيرَ وكَساها بُرْدًا واسْتَحْمَلَها ذَلِكَ الكِتابَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَخَرَجَتْ سائِرَةً، فَأطْلَعَ اللَّهُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذَلِكَ، فَبَعَثَ عَلِيًّا وعُمَرَ وعَمّارًا وطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ خَلْفَها وهم فُرْسانٌ، فَأدْرَكُوها وسَألُوها عَنْ ذَلِكَ فَأنْكَرَتْ وحَلَفَتْ، فَقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: واللَّهِ ما كَذَبْنا، ولا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ، وسَلَّ سَيْفَهُ، فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِ شَعْرِها، فَجاءُوا بِالكِتابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَضَهُ عَلى حاطِبٍ فاعْتَرَفَ، وقالَ: إنَّ لِي بِمَكَّةَ أهْلًا ومالًا فَأرَدْتُ أنْ أتَقَرَّبَ مِنهم، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ بَأْسَهُ عَلَيْهِمْ، فَصَدَّقَهُ وقَبِلَ عُذْرَهُ، فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبُ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ ﷺ: ما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ
صفحة ٢٥٨
فَقالَ لَهم: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم، فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ، وقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ فَنَزَلَتْ، وأمّا تَفْسِيرُ الآيَةِ فالخِطابُ في: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَدْ مَرَّ، وكَذَلِكَ في الإيمانِ أنَّهُ في نَفْسِهِ شَيْءٌ واحِدٌ وهو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ أوْ أشْياءُ كَثِيرَةٌ وهي الطّاعاتُ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ فاتَّخَذَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وهُما عَدُوِّي وأوْلِياءُ، والعَدُوُّ فَعُولٌ مِن عَدا، كَعَفُوٍّ مِن عَفا، ولِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ أُوقِعَ عَلى الجَمْعِ إيقاعَهُ عَلى الواحِدِ، والعَداوَةُ ضِدُّ الصَّداقَةِ، وهُما لا يَجْتَمِعانِ في مَحَلٍّ واحِدٍ، في زَمانٍ واحِدٍ، مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، لَكِنَّهُما يَرْتَفِعانِ في مادَّةِ الإمْكانِ، وعَنِ الزَّجّاجِ والكَرابِيسِيِّ ”عَدُوِّي“ أيْ عَدُوُّ دِينِي، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”المَرْءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلُ“» «وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِي ذَرٍّ: ”يا أبا ذَرٍّ أيُّ عُرى الإيمانِ أوْثَقُ ؟ فَقالَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: المُوالاةُ في اللَّهِ، والحُبُّ في اللَّهِ، والبُغْضُ في اللَّهِ“» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿تُلْقُونَ﴾ بِماذا يَتَعَلَّقُ، نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: هو وصْفُ النَّكِرَةِ الَّتِي هي أوْلِياءُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: قالَ في الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلا تَتَّخِذُوا حالًا مِن ضَمِيرِهِ، وأوْلِياءُ صِفَةٌ لَهُ.
الثّالِثُ: قالَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، فَلا يَكُونُ صِلَةً لِأوْلِياءَ، والباءُ في المَوَدَّةِ كَهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ والمَعْنى: تُلْقُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَ النَّبِيِّ ﷺ وسِرَّهُ بِالمَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: اتِّخاذُ العَدُوِّ ولِيًّا كَيْفَ يُمْكِنُ، وقَدْ كانَتِ العَداوَةُ مُنافِيَةً لِلْمَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ، والمَحَبَّةُ والمَوَدَّةُ مِن لَوازِمِ ذَلِكَ الِاتِّخاذِ، نَقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ العَداوَةُ بِالنِّسْبَةِ إلى أمْرٍ، والمَحَبَّةُ والمَوَدَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى أمْرٍ آخَرَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] والنَّبِيُّ ﷺ قالَ: ”«أوْلادُنا أكْبادُنا» “ .
الثّانِي: لَمّا قالَ: (عَدُوِّي) فَلِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ حَتّى قالَ: ﴿وعَدُوَّكُمْ﴾ لِأنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إنَّما هو عَدُوُّ المُؤْمِنِينَ ؟ نَقُولُ: الأمْرُ لازِمٌ مِن هَذا التَّلازُمِ، وإنَّما لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ عَدُوًّا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونَ عَدُوًّا لِلَّهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ .
الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ بِالعَكْسِ ؟ فَنَقُولُ: العَداوَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِسَبَبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّةِ رَسُولِهِ، فَتَكُونُ مَحَبَّةُ العَبْدِ مِن أهْلِ الإيمانِ لِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِعِلَّةٍ، ومَحَبَّةُ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ لا لِعِلَّةٍ، لِما أنَّهُ غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، فَلا حاجَةَ بِهِ إلى الغَيْرِ أصْلًا، والَّذِي لا لِعِلَّةٍ مُقَدَّمٌ عَلى الَّذِي لِعِلَّةٍ، ولِأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ لَهُ نِسْبَةٌ إلى الطَّرَفَيْنِ، فالطَّرَفُ الأعْلى مُقَدَّمٌ عَلى الطَّرَفِ الأدْنى.
الرّابِعُ: قالَ: ﴿أوْلِياءَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولِيًّا، والعَدُوُّ والوَلِيُّ بِلَفْظٍ، فَنَقُولُ: كَما أنَّ المُعَرَّفَ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ يَتَناوَلُ كُلَّ فَرْدٍ، فَكَذَلِكَ المُعَرَّفُ بِالإضافَةِ.
الخامِسُ: مِنهم مَن قالَ: الباءُ زائِدَةٌ، وقَدْ مَرَّ أنَّ الزِّيادَةَ في القُرْآنِ لا تُمْكِنُ، والباءُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الفائِدَةِ، فَلا تَكُونُ زائِدَةً في الحَقِيقَةِ.
* *
صفحة ٢٥٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكم أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكم إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ .
﴿وقَدْ كَفَرُوا﴾ الواوُ لِلْحالِ، أيْ وحالُهم أنَّهم كَفَرُوا ﴿بِما جاءَكم مِنَ﴾ الدِّينِ ﴿الحَقِّ﴾، وقِيلَ: مِنَ القُرْآنِ ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ ﴿أنْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ لِأنْ تُؤْمِنُوا ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو شَرْطٌ جَوابُهُ مُتَقَدِّمٌ وهو: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ، وقَوْلُهُ: ﴿جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ مَنصُوبانِ لِأنَّهُما مَفْعُولانِ لَهُما، ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ عَنْ مُقاتِلٍ بِالنَّصِيحَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن أحْوالِهِمْ شَيْءٌ، فَقالَ: ﴿وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ﴾ مِنَ المَوَدَّةِ لِلْكُفّارِ (وما أعْلَنْتُمْ) أيْ أظْهَرْتُمْ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا عامًّا في كُلِّ ما يُخْفِي ويُعْلِنُ، قالَ بَعْضُهم: هو أعْلَمُ بِسَرائِرِ العَبْدِ وخَفاياهُ وظاهِرِهِ وباطِنِهِ، مِن أفْعالِهِ وأحْوالِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكِنايَةُ راجِعَةً إلى الإسْرارِ، وإلى الإلْقاءِ، وإلى اتِّخاذِ الكُفّارِ أوْلِياءَ، لِما أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ مَذْكُورَةٌ مِن قَبْلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ عَدَلَ عَنْ قَصْدِ الإيمانِ في اعْتِقادِهِ، وعَنْ مُقاتِلٍ: قَدْ أخْطَأ قَصْدَ الطَّرِيقِ عَنِ الهُدى، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلا تَتَّخِذُوا، يَعْنِي لا تَتَوَلَّوْا أعْدائِي إنْ كُنْتُمْ أوْلِيائِيَ، و﴿تُسِرُّونَ﴾ اسْتِئْنافٌ، مَعْناهُ: أيُّ طائِلٍ لَكم في إسْرارِكم وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الإخْفاءَ والإعْلانَ سِيّانِ في عِلْمِي.
الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ الآيَةَ، قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ فَلا يُمْكِنُ وُجُودُ الشَّرْطِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ بِدُونِ ذَلِكَ النَّهْيِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يُمْكِنُ، فَنَقُولُ: هَذا المَجْمُوعُ شَرْطٌ لِمُقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيِ، لا لِلنَّهْيِ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ، ولا يُمْكِنُ وُجُودُ المَجْمُوعِ بِدُونِ ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ دائِمًا، فالفائِدَةُ في ابْتِغاءِ مَرْضاتِي ظاهِرَةٌ، إذِ الخُرُوجُ قَدْ يَكُونُ ابْتِغاءً لِمَرْضاةِ اللَّهِ وقَدْ لا يَكُونُ.
الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِما أسْرَرْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ، مَعَ أنَّهُ ألْيَقُ بِما سَبَقَ وهو تُسِرُّونَ، فَنَقُولُ فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ذَلِكَ، فَإنَّ الإخْفاءَ أبْلَغُ مِنَ الإسْرارِ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ [طه: ٧] أيْ أخْفى مِنَ السِّرِّ.
الرّابِعُ: قالَ: ﴿بِما أخْفَيْتُمْ﴾ قَدَّمَ العِلْمَ بِالإخْفاءِ عَلى الإعْلانِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِهَذا مِن غَيْرِ عَكْسٍ، فَنَقُولُ: هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِنا، لا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ تَعالى، إذْ هُما سِيّانِ في عِلْمِهِ كَما مَرَّ، ولِأنَّ المَقْصُودَ هو بَيانُ ما هو الأخْفى وهو الكُفْرُ، فَيَكُونُ مُقَدَّمًا.
الخامِسُ: قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن فَعَلَ هَذا الفِعْلَ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ نَقُولُ: إذا كانَ المُرادُ مِن ﴿مِنكُمْ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَظاهِرٌ، لِأنَّ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ الفِعْلَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا.
60:2–3Page 549
إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢
If they gain dominance over you, they would be [i.e., behave] to you as enemies and extend against you their hands and their tongues with evil, and they wish you would disbelieve.
لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣
Never will your relatives or your children benefit you; the Day of Resurrection He will judge between you. And Allāh, of what you do, is Seeing.
صفحة ٢٦٠
ثُمَّ إنَّهُ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِعَداوَةِ كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ فَقالَ:
﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَثْقَفُوكُمْ﴾ يَظْفَرُوا بِكم ويَتَمَكَّنُوا مِنكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ﴾ في غايَةِ العَداوَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَظْهَرُوا عَلَيْكم يُصادِقُوكم ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ بِالضَّرْبِ ﴿وألْسِنَتَهُمْ﴾ بِالشَّتْمِ ﴿ووَدُّوا﴾ أنْ تَرْجِعُوا إلى دِينِهِمْ، والمَعْنى أنَّ أعْداءَ اللَّهِ لا يُخْلِصُونَ المَوَدَّةَ لِأوْلِياءِ اللَّهِ لِما بَيْنَهم مِنَ المُبايَنَةِ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ﴾ لَمّا عُوتِبَ حاطِبٌ عَلى ما فَعَلَ اعْتَذَرَ بِأنَّ لَهُ أرْحامًا، وهي القَراباتُ، والأوْلادُ فِيما بَيْنَهم، ولَيْسَ لَهُ هُناكَ مَن يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، فَأرادَ أنْ يَتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا لِيُحْسِنُوا إلى مَن خَلَّفَهم بِمَكَّةَ مِن عَشِيرَتِهِ، فَقالَ: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ الَّذِينَ تُوالُونَ الكُفّارَ مِن أجْلِهِمْ، وتَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِمْ مَخافَةً عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ وبَيْنَ أقارِبِكم وأوْلادِكم فَيَدْخُلُ أهْلُ الإيمانِ الجَنَّةَ، وأهْلُ الكُفْرِ النّارَ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ بِما عَمِلَ حاطِبٌ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾ كَيْفَ يُورِدُ جَوابَ الشَّرْطِ مُضارِعًا مِثْلَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ووَدُّوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي نَقُولُ: الماضِي وإنْ كانَ يَجْرِي في بابِ الشَّرْطِ مَجْرى المُضارِعِ في عِلْمِ الإعْرابِ فَإنَّ فِيهِ نُكْتَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ووَدُّوا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ كُفْرَكم وارْتِدادَكم.
الثّانِي: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ظَرْفٌ لِأيِّ شَيْءٍ ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ أوْ يَكُونُ ظَرْفًا لِـ﴿يَفْصِلُ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: يُفْصَلُ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ، ويَفْصِلُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ، ونَفْصِلُ بِالنُّونِ.
الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: خَبِيرٌ، مَعَ أنَّهُ أبْلَغُ في العِلْمِ بِالشَّيْءِ، والجَوابُ: أنَّ الخَبِيرَ أبْلَغُ في العِلْمِ والبَصِيرَ أظْهَرُ مِنهُ فِيهِ، لِما أنَّهُ يَجْعَلُ عَمَلَهم كالمَحْسُوسِ بِحِسِّ البَصَرِ واللَّهُ أعْلَمُ.
60:4Page 549
قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤
There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾
اعْلَمْ أنَّ الأُسْوَةَ ما يُؤْتَسى بِهِ مِثْلُ القُدْوَةِ لِما يُقْتَدى بِهِ، يُقالُ: هو أُسْوَتُكَ، أيْ أنْتَ مِثْلُهُ وهو مِثْلُكُ، وجَمْعُ الأُسْوَةِ أُسًى، فالأُسْوَةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُقْتَدى بِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ وأصْحابَهُ تَبَرَّءُوا مِن قَوْمِهِمْ وعادَوْهم، وقالُوا لَهم: إنّا بُرَآءُ مِنكم، وأمَرَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتَسُوا بِهِمْ وبِقَوْلِهِمْ، قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أفَلا تَأسَّيْتَ يا حاطِبُ بِإبْراهِيمَ في التَّبْرِئَةِ مِن أهْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ وهو مُشْرِكٌ وقالَ مُجاهِدٌ: نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ
صفحة ٢٦١
إبْراهِيمَ لِأبِيهِ فَيَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُشْرِكِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: ائْتَسُوا بِأمْرِ إبْراهِيمَ كُلِّهِ إلّا في اسْتِغْفارِهِ لِأبِيهِ، وقِيلَ: تَبَرَّءُوا مِن كُفّارِ قَوْمِكم فَإنَّ لَكم أُسْوَةً حَسَنَةً في إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ في البَراءَةِ مِن قَوْمِهِمْ، لا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ أنَّ إبْراهِيمَ عاداهم وهَجَرَهم في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في قَوْلِهِ لِأبِيهِ: (لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرَهُ، بَلِ المَعْنى قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ في كُلِّ شَيْءٍ فَعَلَهُ، إلّا في قَوْلِهِ لِأبِيهِ: ﴿لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ يَقُولُ لَهُ: ما أُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، ولا أدْفَعُ عَنْكَ عَذابَ اللَّهِ إنْ أشْرَكْتَ بِهِ، فَوَعَدَهُ الِاسْتِغْفارَ رَجاءَ الإسْلامِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ وأصْحابِهِ: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾ الآيَةَ، أيْ في جَمِيعِ أُمُورِنا ﴿وإلَيْكَ أنَبْنا﴾ رَجَعْنا بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ إلَيْكَ إذِ المَصِيرُ لَيْسَ إلّا إلى حَضْرَتِكَ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وحْدَهُ﴾ والإيمانُ بِهِ وبِغَيْرِهِ مِنَ اللَّوازِمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَنَقُولُ: الإيمانُ بِالمَلائِكَةِ والكُتُبِ والرُّسُلِ واليَوْمِ الآخِرِ، مِن لَوازِمِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، إذِ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (وحْدَهُ) هو وحْدَهُ في الأُلُوهِيَّةِ، ولا نَشُكُّ في أنَّ الإيمانَ بِأُلُوهِيَّةِ غَيْرِهِ، لا يَكُونُ إيمانًا بِاللَّهِ، إذْ هو الإشْراكُ في الحَقِيقَةِ، والمُشْرِكُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أيِّ شَيْءٍ هو، نَقُولُ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لِما أنَّهُ أرادَ بِالأُسْوَةِ الحَسَنَةِ قَوْلَهُمُ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتَسُوا بِهِ، ويَتَّخِذُوهُ سُنَّةً يَسْتَنُّونَ بِها.
الثّالِثُ: إنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ مُسْتَثْنًى مِنَ القَوْلِ الَّذِي سَبَقَ وهو: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فَما بالُ قَوْلِهِ: ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وهو غَيْرُ حَقِيقٍ بِالِاسْتِثْناءِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ نَقُولُ: أرادَ اللَّهُ تَعالى اسْتِثْناءَ جُمْلَةِ قَوْلِهِ لِأبِيهِ، والقَصْدُ إلى مَوْعِدِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ وما بَعْدَهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ وتابِعٌ لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: أنا أسْتَغْفِرُ لَكَ، وما وُسْعِي إلّا الِاسْتِغْفارُ.
الرّابِعُ: إذا قِيلَ: بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾ نَقُولُ: بِما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، وهو مِن جُمْلَةِ الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى هو الأمْرُ بِهَذا القَوْلِ تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ وتَتْمِيمًا لِما وصّاهم بِهِ مِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكَفَرَةِ، والِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ وقَوْمِهِ في البَراءَةِ مِنهم تَنْبِيهًا عَلى الإنابَةِ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِعاذَةِ بِهِ.
الخامِسُ: إذا قِيلَ: ما الفائِدَةُ في هَذا التَّرْتِيبِ ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لا يُحِيطُ بِهِ إلّا هو، والظّاهِرُ مِن تِلْكَ الجُمْلَةِ أنْ يُقالَ: التَّوَكُّلُ لِأجْلِ الإفادَةِ، وإفادَةُ التَّوَكُّلِ مُفْتَقِرَةٌ إلى التَّقْوى، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] والتَّقْوى الإنابَةُ، إذِ التَّقْوى الِاحْتِرازُ عَمّا لا يَنْبَغِي مِنَ الأُمُورِ، والإشارَةُ إلى أنَّ المَرْجِعَ والمَصِيرَ لِلْخَلائِقِ حَضْرَتُهُ المُقَدَّسَةُ لَيْسَ إلّا، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ الشَّيْءَ، وذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَكُونُ مِنَ اللَّوازِمِ لِإفادَةِ ذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، والقِراءَةُ في ”بُرَآءُ“ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: بُرَآءُ كَشُرَكاءَ، وبِراءٌ كَظِرافٍ، وبُراءُ عَلى إبْدالِ الضَّمِّ مِنَ الكَسْرِ كَرُخالٍ، وبَراءٌ عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، والبَراءُ والبَراءَةُ، مِثْلُ الطَّماءِ والطَّماءَةِ.
60:5–7Page 549
رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥
Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."
لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦
There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧
Perhaps Allāh will put, between you and those to whom you have been enemies among them, affection. And Allāh is competent,1 and Allāh is Forgiving and Merciful.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُسَلِّطْ عَلَيْنا أعْداءَنا فَيَظُنُّوا أنَّهم عَلى الحَقِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ فَيَقُولُوا لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أصابَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: لا تَبْسُطْ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ دُونَنا، فَإنَّ ذَلِكَ فِتْنَةٌ لَهم، وقِيلَ: قَوْلُهُ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً، أيْ عَذابًا أيْ سَبَبًا يُعَذَّبُ بِهِ الكَفَرَةُ، وعَلى هَذا لَيْسَتِ الآيَةُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا﴾ الآيَةَ، مِن جُمْلَةِ ما مَرَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ أعادَ ذِكْرَ الأُسْوَةِ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ، فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أيْ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ، وهَذا هو الحَثُّ عَنِ الِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ وقَوْمِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَبْغَضُونَ مَن خالَفَ اللَّهَ ويُحِبُّونَ مَن أحَبَّ اللَّهَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (لَكم) وبَيانُ أنَّ هَذِهِ الأُسْوَةَ لِمَن يَخافُ اللَّهَ ويَخافُ عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ يُعْرِضْ عَنِ الِائْتِساءِ بِهِمْ ويَمِيلُ إلى مَوَدَّةِ الكُفّارِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ مُخالَفَةِ أعْدائِهِ ﴿الحَمِيدُ﴾ إلى أوْلِيائِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: (عَسى اللَّهُ) فَقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ شَدَّدُوا في عَداوَةِ آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ وجَمِيعِ أقارِبِهِمْ والبَراءَةِ مِنهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن كَفّارِ مَكَّةَ (مَوَدَّةً) وذَلِكَ بِمَيْلِهِمْ إلى الإسْلامِ ومُخالَطَتِهِمْ مَعَ أهْلِ الإسْلامِ ومُناكَحَتِهِمْ إيّاهم. وقِيلَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ، فَلانَتْ عِنْدَ ذَلِكَ عَرِيكَةُ أبِي سُفْيانَ، واسْتَرْخَتْ شَكِيمَتُهُ في العَداوَةِ، وكانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ قَدْ أسْلَمَتْ، وهاجَرَتْ مَعَ زَوْجِها عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إلى الحَبَشَةِ، فَتَنَصَّرَ وراوَدَها عَلى النَّصْرانِيَّةِ فَأبَتْ، وصَبَرَتْ عَلى دِينِها، وماتَ زَوْجُها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ، فَخَطَبَها عَلَيْهِ، وساقَ عَنْهُ إلَيْها أرْبَعَمِائَةِ دِينارٍ، وبَلَغَ ذَلِكَ أباها فَقالَ: ذَلِكَ الفَحْلُ لا يُفْدَغُ أنْفُهُ»، و(عَسى) وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ يُرِيدُ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ آمَنُوا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، مِنهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، والحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ، وتَغْيِيرِ الأحْوالِ، وتَسْهِيلِ أسْبابِ المَوَدَّةِ، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ إذا تابُوا وأسْلَمُوا، ورَجَعُوا إلى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَ بَعْضُهم: لا تَهْجُرُوا كُلَّ الهَجْرِ، فَإنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى الخَفِيّاتِ والسَّرائِرِ. ويُرْوى: «أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما، عَسى أنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا ما» .
ومِنَ المَباحِثِ في هَذِهِ الحِكْمَةِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ إذا كانَ تَأْوِيلُهُ: لا تُسَلِّطْ عَلَيْنا أعْداءَنا مَثَلًا، فَلِمَ تَرَكَ هَذا، وأتى بِذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: إذا كانَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ هَذا، فَإذا أتى بِهِ فَكَأنَّهُ أتى بِهَذا وذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لَيْسَ في الِاقْتِصارِ عَلى واحِدٍ مِن تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ.
الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا﴾ وقَدْ كانَ الكَلامُ مُرَتَّبًا إذا قِيلَ: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. فَنَقُولُ: إنَّهم طَلَبُوا البَراءَةَ عَنِ الفِتْنَةِ، والبَراءَةُ عَنِ الفِتْنَةِ لا
صفحة ٢٦٣
يُمْكِنُ وُجُودُها بِدُونِ المَغْفِرَةِ، إذِ العاصِي لَوْ لَمْ يَكُنْ مَغْفُورًا كانَ مَقْهُورًا بِقَهْرِ العَذابِ، وذَلِكَ فِتْنَةٌ، إذِ الفِتْنَةُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَقْهُورًا، و﴿الحَمِيدُ﴾ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحامِدِ، وبِمَعْنى المَحْمُودِ، فالمَحْمُودُ أيْ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِن خَلْقِهِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، والحامِدُ أيْ يَحْمَدُ الخَلْقَ، ويَشْكُرُهم حَيْثُ يَجْزِيهِمْ بِالكَثِيرِ مِنَ الثَّوابِ عَنِ القَلِيلِ مِنَ الأعْمالِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما ذَكَرَ مِن تَرْكِ انْقِطاعِ المُؤْمِنِينَ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الكُفّارِ رَخَّصَ في صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ:
60:8–9Page 550
لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨
Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.
إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩
Allāh only forbids you from those who fight you because of religion and expel you from your homes and aid in your expulsion - [forbids] that you make allies1 of them. And whoever makes allies of them, then it is those who are the wrongdoers.
﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنَ ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهم أهْلُ العَهْدِ الَّذِينَ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى تَرْكِ القِتالِ، والمُظاهَرَةِ في العَداوَةِ، وهم خُزاعَةُ كانُوا عاهَدُوا الرَّسُولَ عَلى أنْ لا يُقاتِلُوهُ ولا يُخْرِجُوهُ، فَأمَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبِرِّ والوَفاءِ إلى مُدَّةِ أجَلِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والمُقاتِلَيْنِ والكَلْبِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا، وقِيلَ: هُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أنَّها نَزَلَتْ في أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قَدِمَتْ أُمُّها قُتَيْلَةُ عَلَيْها وهي مُشْرِكَةٌ بِهَدايا، فَلَمْ تَقْبَلْها ولَمْ تَأْذَنْ لَها بِالدُّخُولِ، فَأمَرَها النَّبِيُّ ﷺ أنْ تُدْخِلَها وتَقْبَلَ مِنها وتُكْرِمَها وتَحْسُنَ إلَيْها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم قَوْمٌ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ أُخْرِجُوا يَوْمَ بَدْرٍ كُرْهًا، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ المُسْلِمِينَ اسْتَأْمَرُوا رَسُولَ اللَّهِ في أقْرِبائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَصِلُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ الآيَةُ في المُشْرِكِينَ، وقالَ قَتادَةُ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ وكَذَلِكَ ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ والمَعْنى: لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما يَنْهاكم عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ، وهَذا رَحْمَةٌ لَهم لِشِدَّتِهِمْ في العَداوَةِ، وقالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ البِرِّ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنْ كانَتِ المُوالاةُ مُنْقَطِعَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ بِالصِّلَةِ وغَيْرِها ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ يُرِيدُ أهْلَ البِرِّ والتَّواصُلِ، وقالَ مُقاتِلٌ: أنْ تُوفُوا لَهم بِعَهْدِهِمْ وتَعْدِلُوا، ثُمَّ ذَكَرَ مَنِ الَّذِينَ يَنْهاهم عَنْ صِلَتِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ﴾ ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّهُ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences