Ar-RaziAl‑Ma'idah · 5:1–2

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

المائدة

Al-Ma'idah

The Table Spread · Medinan · 120 ayahs

5:1Page 106

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ ١

O you who have believed, fulfill [all] contracts.1 Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur’ān] - hunting not being permitted while you are in the state of iḥrām.2 Indeed, Allāh ordains what He intends.

صفحة ٩٧

(سُورَةُ المائِدَةِ)

مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةَ ٣ فَنَزَلَتْ بِعَرَفاتٍ في حَجَّةِ الوَداعِ وآياتُها ١٢٠ نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ

﷽

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾

﷽

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: وفى بِالعَهْدِ وأوْفى بِهِ، ومِنهُ ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] والعَقْدُ هو وصْلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِيثاقِ والإحْكامِ، والعَهْدُ إلْزامٌ، والعَقْدُ التِزامٌ عَلى سَبِيلِ الإحْكامِ، ولَمّا كانَ الإيمانُ عِبارَةً عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ وأفْعالِهِ وكانَ مِن جُمْلَةِ أحْكامِهِ أنَّهُ يَجِبُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ إظْهارُ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى في جَمِيعِ تَكالِيفِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ فَكانَ هَذا العَقْدُ أحَدَ الأُمُورِ المُعْتَبَرَةِ في تَحَقُّقِ ماهِيَّةِ الإيمانِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ يَعْنِي يا أيُّها الَّذِينَ التَزَمْتُمْ بِإيمانِكم أنْواعَ العُقُودِ والعُهُودِ في إظْهارِ طاعَةِ اللَّهِ أوْفُوا بِتِلْكَ العُقُودِ، وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّكالِيفَ عُقُودًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى رَبَطَها بِعِبادِهِ كَما يُرْبَطُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ بِالحَبْلِ المُوَثَّقِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يُسَمِّي هَذِهِ التَّكالِيفَ عُقُودًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائِدَةِ: ٨٩] وتارَةً عُهُودًا، قالَ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠] وقالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ [النَّحْلِ: ٩١] وحاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أمَرَ بِأداءِ التَّكالِيفِ فِعْلًا وتَرْكًا.

صفحة ٩٨

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ العِيدِ أوْ نَذَرَ ذَبْحَ الوَلَدِ لَغا، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بَلْ يَصِحُّ.

حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ نَذَرَ الصَّوْمَ والذَّبْحَ فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ والذَّبْحُ، بَيانُ الأوَّلِ أنَّهُ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ العِيدِ، ونَذَرَ ذَبْحَ الوَلَدِ، وصَوْمُ العِيدِ ماهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الصَّوْمِ ومِن وُقُوعِهِ في يَوْمِ العِيدِ، وكَذَلِكَ ذَبْحُ الوَلَدِ ماهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الذَّبْحِ ومِن وُقُوعِهِ في الوَلَدِ، والآتِي بِالمُرَكَّبِ يَكُونُ آتِيًا بِكُلِّ واحِدٍ مِن مُفْرَدَيْهِ، فَمُلْتَزِمُ صَوْمِ يَوْمِ العِيدِ وذَبْحِ الوَلَدِ يَكُونُ لا مَحالَةَ مُلْتَزِمًا لِلصَّوْمِ والذَّبْحِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ والذَّبْحُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: ٢] ولِقَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنْسانِ: ٧] ولِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«فِ بِنَذْرِكَ» “ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ لَغا هَذا النَّذْرَ في خُصُوصِ كَوْنِ الصَّوْمِ واقِعًا في يَوْمِ العِيدِ، وفي خُصُوصِ كَوْنِ الذَّبْحِ واقِعًا في الوَلَدِ، إلّا أنَّ العامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ.

وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنَّ هَذا نَذْرٌ في المَعْصِيَةِ فَيَكُونُ لَغْوًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» “ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: خِيارُ المَجْلِسِ غَيْرُ ثابِتٍ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ثابِتٌ.

حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ لَمّا انْعَقَدَ البَيْعُ والشِّراءُ وجَبَ أنْ يَحْرُمَ الفَسْخُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ .

وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ بِالخَبَرِ، وهو قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ما لَمْ يَتَفَرَّقا» “ .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الجَمْعُ بَيْنَ الطَّلَقاتِ حَرامٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَيْسَ بِحَرامٍ.

حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ مِنَ العُقُودِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٥] فَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ رَفْعُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الطَّلْقَةِ الواحِدَةِ بِالإجْماعِ فَيَبْقى فِيما عَداها عَلى الأصْلِ، والشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَصَّصَ هَذا العُمُومَ بِالقِياسِ، وهو أنَّهُ لَوْ حَرُمَ الجَمْعُ لَما نَفَذَ وقَدْ نَفَذَ فَلا يَحْرُمُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ بِالآيَةِ الأُولى عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الِانْقِيادُ لِجَمِيعِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ كالأصْلِ الكُلِّيِّ والقاعِدَةِ الجَمِيلَةِ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في ذِكْرِ التَّكالِيفِ المُفَصَّلَةِ، فَبَدَأ بِذِكْرِ ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ فَقالَ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالُوا: كُلُّ حَيٍّ لا عَقْلَ لَهُ فَهو بَهِيمَةٌ، مِن قَوْلِهِمْ: اسْتَبْهَمَ الأمْرُ عَلى فُلانٍ إذا أشْكَلَ، وهَذا بابٌ مُبْهَمٌ أيْ: مَسْدُودُ الطَّرِيقِ، ثُمَّ اخْتُصَّ هَذا الِاسْمُ بِكُلِّ ذاتِ أرْبَعٍ في البَرِّ والبَحْرِ، والأنْعامُ هي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النَّحْلِ: ٥ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ [النَّحْلِ: ٨] فَفَرَّقَ تَعالى بَيْنَ الأنْعامِ وبَيْنَ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ. وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] وقالَ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢]

صفحة ٩٩

إلى قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] وإلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [ الأنْعامِ: ١٤٤] قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ولا يَدْخُلُ في اسْمِ الأنْعامِ الحافِرُ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن نُعُومَةِ الوَطْءِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في لَفْظِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: أنَّ البَهِيمَةَ اسْمُ الجِنْسِ، والأنْعامَ اسْمُ النَّوْعِ فَقَوْلُهُ: ﴿بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: حَيَوانُ الإنْسانِ وهو مُسْتَدْرَكٌ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ قالَ: أُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ، لَكانَ الكَلامُ تامًّا بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ فَأيُّ فائِدَةٍ في زِيادَةِ لَفْظِ البَهِيمَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ البَهِيمَةِ بِلَفْظِ الوُحْدانِ، ولَفْظَ الأنْعامِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالبَهِيمَةِ وبِالأنْعامِ شَيْءٌ واحِدٌ، وإضافَةُ البَهِيمَةِ إلى الأنْعامِ لِلْبَيانِ، وهَذِهِ الإضافَةُ بِمَعْنى ”مِن“ كَخاتَمِ فِضَّةٍ، ومَعْناهُ البَهِيمَةُ مِنَ الأنْعامِ أوْ لِلتَّأكُّدِ كَقَوْلِنا: نَفْسُ الشَّيْءِ وذاتُهُ وعَيْنُهُ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالبَهِيمَةِ شَيْءٌ وبِالأنْعامِ شَيْءٌ آخَرُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ الظِّباءُ وبَقَرُ الوَحْشِ ونَحْوُها، كَأنَّهم أرادُوا ما يُماثِلُ الأنْعامَ ويُدانِيها مِن جِنْسِ البَهائِمِ في الِاجْتِرارِ وعَدَمِ الأنْيابِ، فَأُضِيفَتْ إلى الأنْعامِ لِحُصُولِ المُشابَهَةِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِبَهِيمَةِ الأنْعامِ أجِنَّةُ الأنْعامِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ بَقَرَةً ذُبِحَتْ فَوُجِدَ في بَطْنِها جَنِينٌ، فَأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ بِذَنَبِها وقالَ: هَذا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها أجِنَّةُ الأنْعامِ، وذَكاتُهُ ذَكاةُ أُمِّهِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أنَّ الجَنِينَ مُذَكًّى بِذَكاةِ الأُمِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ الثَّنَوِيَّةُ: ذَبْحُ الحَيَواناتِ إيلامٌ، والإيلامُ قَبِيحٌ، والقَبِيحُ لا يَرْضى بِهِ الإلَهُ الرَّحِيمُ الحَكِيمُ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الذَّبْحُ حَلالًا مُباحًا بِحُكْمِ اللَّهِ. قالُوا: والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ لَيْسَ لَها قُدْرَةٌ عَنِ الدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِها، ولا لَها لِسانٌ تَحْتَجُّ عَلى مَن قَصَدَ إيلامَها، والإيلامُ قَبِيحٌ إلّا أنَّ إيلامَ مَن بَلَغَ في العَجْزِ والحَيْرَةِ إلى هَذا الحَدِّ أقْبَحُ.

واعْلَمْ أنَّ فِرَقَ المُسْلِمِينَ افْتَرَقُوا فِرَقًا كَثِيرَةً بِسَبَبِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَقالَتِ المُكْرَمِيَّةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ تَتَألَّمُ عِنْدَ الذَّبْحِ، بَلْ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ ألَمَ الذَّبْحِ عَنْها. وهَذا كالمُكابَرَةِ في الضَّرُورِيّاتِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الإيلامَ قَبِيحٌ مُطْلَقًا، بَلْ إنَّما يَقْبُحُ إذا لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِجِنايَةٍ ولا مُلْحَقًا بِعِوَضٍ، وهَهُنا اللَّهُ سُبْحانَهُ يُعَوِّضُ هَذِهِ الحَيَواناتِ في الآخِرَةِ بِأعْواضٍ شَرِيفَةٍ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ هَذا الذَّبْحُ عَنْ أنْ يَكُونَ ظُلْمًا، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قُلْناهُ ما تُقُرِّرَ في العُقُولِ أنَّهُ يَحْسُنُ تَحَمُّلُ ألَمِ الفَصْدِ والحِجامَةِ لِطَلَبِ الصِّحَّةِ، فَإذا حَسُنَ تَحَمُّلُ الألَمِ القَلِيلِ لِأجْلِ المَنفَعَةِ العَظِيمَةِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في الذَّبْحِ. وقالَ أصْحابُنا: إنَّ الإذْنَ في ذَبْحِ الحَيَواناتِ تَصَرُّفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في مُلْكِهِ، والمالِكُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ إذا تَصَرَّفَ في مُلْكِ نَفْسِهِ، والمَسْألَةُ طَوِيلَةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الأُصُولِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ مُجْمَلٌ؛ لِأنَّ الإحْلالَ إنَّما يُضافُ إلى الأفْعالِ، وهَهُنا أُضِيفَ إلى الذّاتِ فَتَعَذَّرَ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ، ولَيْسَ إضْمارُ بَعْضِ

صفحة ١٠٠

الأفْعالِ أوْلى مِن بَعْضٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إحْلالَ الِانْتِفاعِ بِجِلْدِها أوْ عَظْمِها أوْ صُوفِها أوْ لَحْمِها، أوِ المُرادُ إحْلالُ الِانْتِفاعِ بِالأكْلِ، ولا شَكَّ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِلْكُلِّ فَصارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٥] دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ إباحَةُ الِانْتِفاعِ بِها مِن كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ.

* *

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ ألْحَقَ بِهِ نَوْعَيْنِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذا الِاسْتِثْناءِ مُجْمَلٌ، واسْتِثْناءُ الكَلامِ المُجْمَلِ مِنَ الكَلامِ المُفَصَّلِ يَجْعَلُ ما بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ مُجْمَلًا أيْضًا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ هو المَذْكُورُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ ووَجْهُ هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ يَقْتَضِي إحْلالَها لَهم عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّها إنْ كانَتْ مَيْتَةً، أوْ مَوْقُوذَةً أوْ مُتَرَدِّيَةً أوْ نَطِيحَةً أوِ افْتَرَسَها السَّبُعُ أوْ ذُبِحَتْ عَلى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى فَهي مُحَرَّمَةٌ.

النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الِاسْتِثْناءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أحَلَّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ ذَكَرَ الفَرْقَ بَيْنَ صَيْدِها وغَيْرِ صَيْدِها، فَعَرَفْنا أنَّ ما كانَ مِنها صَيْدًا، فَإنَّهُ حَلالٌ في الإحْلالِ دُونَ الإحْرامِ، وما لَمْ يَكُنْ صَيْدًا فَإنَّهُ حَلالٌ في الحالَيْنِ جَمِيعًا واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أيْ: مُحْرِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الإحْرامِ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ أوْ أحَدِهِما، يُقالُ: أحْرَمَ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ فَهو مُحْرِمٌ وحُرُمٌ، كَما يُقالُ: أجَنْبَ فَهو مُجْنِبٌ وجُنُبٌ، ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، يُقالُ قَوْمٌ حُرُمٌ كَما يُقالُ قَوْمٌ جُنُبٌ. قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦٥] .

واعْلَمْ أنّا إذا قُلْنا: أحْرَمَ الرَّجُلُ فَلَهُ مَعْنَيانِ: الأوَّلُ هَذا.

والثّانِي: أنَّهُ دَخَلَ الحَرَمَ. فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يَشْتَمِلُ عَلى الوَجْهَيْنِ، فَيَحْرُمُ الصَّيْدُ عَلى مَن كانَ في الحَرَمِ كَما يَحْرُمُ عَلى مَن كانَ مُحْرِمًا بِالحَجِّ أوِ العُمْرَةِ، وهو قَوْلُ الفُقَهاءِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الصَّيْدَ حَرامٌ عَلى المُحْرِمِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ فَإنَّ ”إذا“ لِلشَّرْطِ، والمُعَلَّقُ بِكَلِمَةِ الشَّرْطِ عَلى الشَّيْءِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، إلّا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ المُحَرَّمَ عَلى المُحْرِمِ إنَّما هو صَيْدُ البَرِّ لا صَيْدُ البَحْرِ، قالَ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائِدَةِ: ٩٦] فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيانًا لِتِلْكَ الآياتِ المُطْلَقَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: انْتَصَبَ ”غَيْرَ“ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ كَما تَقُولُ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّعامُ غَيْرَ مُعْتَدِينَ فِيهِ. قالَ الفَرّاءُ: هو مِثْلُ قَوْلِكِ: أُحِلَّ لَكَ الشَّيْءُ لا مُفَرِّطًا فِيهِ ولا مُتَعَدِّيًا، والمَعْنى أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ

صفحة ١٠١

الأنْعامِ إلّا أنْ تُحِلُّوا الصَّيْدَ في حالِ الإحْرامِ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكم ذَلِكَ إذا كُنْتُمْ مُحْرِمِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أباحَ الأنْعامَ في جَمِيعِ الأحْوالِ، وأباحَ الصَّيْدَ في بَعْضِ الأحْوالِ دُونَ بَعْضٍ، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: ما السَّبَبُ في هَذا التَّفْصِيلِ والتَّخْصِيصِ كانَ جَوابُهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى مالِكُ الأشْياءِ وخالِقُها فَلَمْ يَكُنْ عَلى حُكْمِهِ اعْتِراضٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهَذا هو الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا إنَّ عِلَّةَ حُسْنِ التَّكْلِيفِ هي الرُّبُوبِيَّةُ والعُبُودِيَّةُ لا ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن رِعايَةِ المَصالِحِ.

5:2Page 106

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢

O you who have believed, do not violate the rites of Allāh or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of iḥrām, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Ḥarām lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allāh; indeed, Allāh is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى: لَمّا حَرَّمَ الصَّيْدَ عَلى المُحْرِمِ في الآيَةِ الأُولى أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مُخالَفَةِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الشَّعائِرَ جَمْعٌ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها جَمْعُ شَعِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: واحِدُها شَعارَةٌ، والشَّعِيرَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مُفَعَّلَةٍ، والمُشَّعَرَةُ المُعَلَّمَةُ، والأشْعارُ الأعْلامُ، وكُلُّ شَيْءٍ أُشْعِرَ فَقَدْ أُعْلِمُ، وكُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ عَلَمًا عَلى شَيْءٍ أوْ عُلِّمَ بِعَلامَةٍ جازَ أنْ يُسَمّى شَعِيرَةً، فالهَدْيُ الَّذِي يُهْدى إلى مَكَّةَ يُسَمّى شَعائِرَ لِأنَّها مُعَلَّمَةٌ بِعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِها هَدْيًا. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِشَعائِرِ اللَّهِ، وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِن شَعائِرِ اللَّهِ وفَرائِضِهِ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ وأوْجَبَها عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَشَعائِرُ اللَّهِ عامٌّ في جَمِيعِ تَكالِيفِهِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: شَعائِرُ اللَّهِ دِينُ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ شَيْءٌ خاصٌّ مِنَ التَّكالِيفِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ لا تَحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم في حالِ إحْرامِكم مِنَ الصَّيْدِ.

والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحُجُّونَ البَيْتَ ويُهْدُونَ الهَدايا ويُعَظِّمُونَ المَشاعِرَ ويَنْحَرُونَ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ .

الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: كانَتْ عامَّةُ العَرَبِ لا يَرَوْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ الحَجِّ ولا يَطُوفُونَ بِهِما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: لا تَسْتَحِلُّوا تَرْكَ شَيْءٍ مِن مَناسِكِ الحَجِّ وأْتُوا بِجَمِيعِها عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ.

الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: الشَّعائِرُ هي الهَدايا تُطْعَنُ في أسَنامِها وتُقَلَّدُ لِيُعْلَمَ أنَّها هَدْيٌ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحَجِّ: ٣٦] وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ شَعائِرَ اللَّهِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها الهَدْيَ، والمَعْطُوفُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ أيْ: لا تُحِلُّوا الشَّهْرَ الحَرامَ بِالقِتالِ فِيهِ.

واعْلَمْ أنَّ الشَّهْرَ الحَرامَ هو الشَّهْرُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تُعَظِّمُهُ وتُحَرِّمُ القِتالَ فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٦] فَقِيلَ: هي ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى

صفحة ١٠٢

جَمِيعِ هَذِهِ الأشْهُرِ كَما يُطْلَقُ اسْمُ الواحِدِ عَلى الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو رَجَبٌ لِأنَّهُ أكْمَلُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ في هَذِهِ الصِّفَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا الهَدْيَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الهَدْيُ ما أُهْدِيَ إلى بَيْتِ اللَّهِ مِن ناقَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ، واحِدُها هَدْيَةٌ بِتَسْكِينِ الدّالِ، ويُقالُ أيْضًا هَدِيَّةٌ، وجَمْعُها هَدِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ:

حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ والمُصَلّى وأعْناقِ الهَدِيِّ مُقَلَّداتٍ

ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائِدَةِ: ٩٥] وقَوْلُهُ: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا القَلائِدَ﴾ والقَلائِدُ جَمْعُ قِلادَةٍ وهي الَّتِي تُشَدُّ عَلى عُنُقِ البَعِيرِ وغَيْرِهِ وهي مَشْهُورَةٌ. وفي التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الهَدْيُ ذَواتُ القَلائِدِ، وعُطِفَتْ عَلى الهَدْيِ مُبالَغَةً في التَّوْصِيَةِ بِها لِأنَّها أشْرَفُ الهَدْيِ كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] كَأنَّهُ قِيلَ: والقَلائِدُ مِنها خُصُوصًا.

الثّانِي: أنَّهُ نَهى عَنِ التَّعَرُّضِ لِقَلائِدِ الهَدْيِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْهَدْيِ عَلى مَعْنى: ولا تُحِلُّوا قَلائِدَها فَضْلًا عَنْ أنْ تُحِلُّوها، كَما قالَ ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النُّورِ: ٣١] فَنَهى عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواضِعِها.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ مُواظِبِينَ عَلى المُحارَبَةِ إلّا في الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَمَن وُجِدَ في غَيْرِ هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ أُصِيبَ مِنهُ، إلّا أنْ يَكُونَ مُشْعِرًا بَدَنَةً أوْ بَقَرَةً مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ، أوْ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ إلى البَيْتِ، فَحِينَئِذٍ لا يُتَعَرَّضُ لَهُ، فَأمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِتَقْرِيرِ هَذا المَعْنى.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ أيْ: قَوْمًا قاصِدِينَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (ولا آمِّي البَيْتِ الحَرامِ) عَلى الإضافَةِ.

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ الأعْرَجُ (تَبْتَغُونَ) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ الفَضْلِ والرِّضْوانِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ بِالتِّجارَةِ المُباحَةِ لَهم في حَجِّهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٨] قالُوا: نَزَلَتْ في تِجاراتِهِمْ أيّامَ المَوْسِمِ، والمَعْنى: لا تَمْنَعُوهم فَإنَّما قَصَدُوا البَيْتَ لِإصْلاحِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، فابْتِغاءُ الفَضْلِ لِلدُّنْيا، وابْتِغاءُ الرِّضْوانِ لِلْآخِرَةِ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقْصِدُونَ بِحَجِّهِمُ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ وإنْ كانُوا لا يَنالُونَ ذَلِكَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لَهم بِسَبَبِ هَذا القَصْدِ نَوْعٌ مِنَ الحُرْمَةِ.

صفحة ١٠٣

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ الثَّوابُ، وبِالرِّضْوانِ أنْ يَرْضى عَنْهم، وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ لا يَنالُ الفَضْلَ والرِّضْوانَ لَكِنَّهُ يَظُنُّ أنَّهُ بِفِعْلِهِ طالِبٌ لَهُما، فَيَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ بِناءً عَلى ظَنِّهِ، قالَ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧] وقالَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ فَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ يَقْتَضِي حُرْمَةَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ يَقْتَضِي حُرْمَةَ مَنعِ المُشْرِكِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ كابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ يُنْسَخْ مِن سُورَةِ المائِدَةِ إلّا هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهَؤُلاءِ لَهم طَرِيقانِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا في هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا نُخِيفَ مَن يَقْصِدُ بَيَتَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وحَرَّمَ عَلَيْنا أخْذَ الهَدْيِ مِنَ المُهْدِينَ إذا كانُوا مُسْلِمِينَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أوَّلُ الآيَةِ وآخِرُها، أمّا أوَّلُ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ وشَعائِرُ اللَّهِ إنَّما تَلِيقُ بِنُسُكِ المُسْلِمِينَ وطاعاتِهِمْ لا بِنُسُكِ الكُفّارِ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ وهَذا إنَّما يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ لا بِالكافِرِ.

الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُرادُ بِالآيَةِ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا زالَ العَهْدُ بِسُورَةِ بَراءَةٌ زالَ ذَلِكَ الحَظْرُ ولَزِمَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ . [التَّوْبَةِ: ٢٨ ] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: وإذا أحْلَلْتُمْ يُقالُ حَلَّ المُحْرِمُ وأحَلَّ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الفاءِ وقِيلَ هو بَدَلٌ مِن كَسْرِ الهَمْزَةِ عِنْدَ الِابْتِداءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يَعْنِي لَمّا كانَ المانِعُ مِن حِلِّ الِاصْطِيادِ هو الإحْرامُ، فَإذا زالَ الإحْرامُ وجَبَ أنْ يَزُولَ المَنعُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الأمْرِ وإنْ كانَ لِلْوُجُوبِ إلّا أنَّهُ لا يُفِيدُ هَهُنا إلّا الإباحَةَ. وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجُمُعَةِ: ١٠] ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ: لا تَدْخُلَّنَ هَذِهِ الدّارَ حَتّى تُؤَدِّيَ ثَمَنَها، فَإذا أدَّيْتَ فادْخُلْها، أيْ: فَإذا أدَّيْتَ فَقَدْ أُبِيحَ لَكَ دُخُولُها، وحاصِلُ الكَلامِ أنّا إنَّما عَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَهُنا لَمْ يُفِدِ الوُجُوبَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ يَعْنِي ولا تَحْمِلَنَّكم عَداوَتُكم لِقَوْمٍ مِن أجْلِ أنَّهم صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلى أنْ تَعْتَدُوا فَتَمْنَعُوهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَإنَّ الباطِلَ لا يَجُوزُ أنْ يُعْتَدى بِهِ. ولَيْسَ لِلنّاسِ أنْ يُعِينَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى العُدْوانِ حَتّى إذا تَعَدّى واحِدٌ مِنهم عَلى الآخَرِ تَعَدّى ذَلِكَ الآخَرُ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الواجِبَ أنْ يُعِينَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى ما فِيهِ البِرُّ والتَّقْوى، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ.

صفحة ١٠٤

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ (جَرَمَ) يَجْرِي مَجْرى كَسَبَ في تَعَدِّيهِ تارَةً إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وتارَةً إلى اثْنَيْنِ، تَقُولُ: جَرَمَ ذَنْبًا نَحْوَ كَسَبَهُ، وجَرَمْتُهُ ذَنْبًا نَحْوَ كَسَبْتُهُ إيّاهُ، ويُقالُ: أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا عَلى نَقْلِ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِمْ: أكْسَبْتُهُ ذَنْبًا، وعَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ”ولا يُجْرِمَنَّكم“ بِضَمِّ الياءِ، وأوَّلُ المَفْعُولَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ ضَمِيرُ المُخاطَبِينَ.

والثّانِي: أنْ تَعْتَدُوا، والمَعْنى لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ لِأنْ صَدُّوكُمُ الِاعْتِداءَ ولا يَحْمِلَنَّكم عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشَّنَآنُ البُغْضُ، يُقالُ: شَنَأْتُ الرَّجُلَ أشَنْؤُهُ شَنَأً ومَشْنَأً وشِنْأةً ومَشْنَأةً وشَنَآنًا بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها، ويُقالُ: رَجُلٌ شَنَآنٌ وامْرَأةٌ شَنَآنَةٌ مَصْرُوفانِ، ويُقالُ شَنَآنُ بِغَيْرِ صَرْفٍ، وفَعَلانُ قَدْ جاءَ وصْفًا وقَدْ جاءَ مَصْدَرًا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وإسْماعِيلُ عَنْ نافِعٍ بِجَزْمِ النُّونِ الأُولى، والباقُونَ بِالفَتْحِ. قالُوا: والفَتْحُ أجْوَدُ لِكَثْرَةِ نَظائِرِها في المَصادِرِ كالضَّرَبانِ والسَّيَلانِ والغَلَيانِ والغَشَيانِ، وأمّا بِالسُّكُونِ فَقَدْ جاءَ في الأكْثَرِ وصْفًا. قالَ الواحِدِيُّ: ومِمّا جاءَ مَصْدَرًا قَوْلُهم: لَوَيْتُهُ حَقَّهُ لَيّانًا، وشَنْآنٌ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ. وأنْشَدَ لِلْأحْوَصِ:

وإنْ عابَ فِيهِ ذُو الشَّنْآنِ وفَنَّدا

فَقَوْلُهُ: ذُو الشَّنْآنِ عَلى التَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِمْ: إنِّي ظَمْآنٌ، وفُلانٌ ظَمْآنٌ، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى ما قَبْلَها.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (وإنْ صَدُّوكم) بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ، يَعْنِي لِأنْ صَدُّوكم. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وهَذِهِ القِراءَةُ هي الِاخْتِيارُ لِأنَّ مَعْنى صَدِّهِمْ إيّاهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ مَنعُ أهْلِ مَكَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَنِ العُمْرَةِ، وهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ هَذا الصَّدُّ مُتَقَدِّمًا لا مَحالَةَ عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، يَعْنِي اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَسْتَحِلُّوا شَيْئًا مِن مَحارِمِهِ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، لا يَطِيقُ أحَدٌ عِقابَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском