Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
الذاريات
Adh-Dhariyat
The Winnowing Winds · Meccan · 60 ayahs
51:1–4Page 520
وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا ١
By the [winds] scattering [dust], dispersing [it]
فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا ٢
And the [clouds] carrying a load [of water]
فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا ٣
And the ships sailing with ease
فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا ٤
And the [angels] apportioning [each] matter,
صفحة ١٦٦
[ سُورَةُ الذّارِياتِ ]
سِتُّونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾
﷽
﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾
أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مُناسِبٌ لِآخِرِ ما قَبْلَها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَشْرَ بِدَلائِلِهِ وقالَ: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] وقالَ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] أيْ تُجْبِرُهم وتُلْجِئُهم إلى الإيمانِ إشارَةً إلى إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ إقامَةِ البُرْهانِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَبْقَ إلّا اليَمِينُ فَقالَ:”والذّارِياتِ ذَرُوا ....إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ“ وأوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرُها مُتَناسِبانِ حَيْثُ قالَ في أوَّلِها: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ [الذاريات: ٥] وقالَ في آخِرِها: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٦٠] وفي تَفْسِيرِ الآياتِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا الحِكْمَةَ وهي في القَسَمِ مِنَ المَسائِلِ الشَّرِيفَةِ والمَطالِبِ العَظِيمَةِ في سُورَةِ والصّافّاتِ، ونُعِيدُها هَهُنا وفِيها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ يَعْتَرِفُونَ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ غالِبًا في إقامَةِ الدَّلِيلِ، وكانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى المُجادَلَةِ وإلى أنَّهُ عارِفٌ في نَفْسِهِ بِفَسادِ ما يَقُولُهُ، وإنَّهُ يَغْلِبُنا بِقُوَّةِ الجَدَلِ لا بِصِدْقِ المَقالِ، كَما أنَّ بَعْضَ النّاسِ إذا أقامَ عَلَيْهِ الخَصْمُ الدَّلِيلَ، ولَمْ يَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ، يَقُولُ: إنَّهُ غَلَبَنِي لِعِلْمِهِ بِطَرِيقِ الجَدَلِ وعَجْزِي عَنْ ذَلِكَ، وهو في نَفْسِهِ يَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ بِيَدِي، فَلا يَبْقى لِلْمُتَكَلِّمِ المُبَرْهِنِ عَنْ طَرِيقٍ غَيْرُ اليَمِينِ، فَيَقُولُ: واللَّهِ إنَّ الأمْرَ كَما أقُولُ، ولا أُجادِلُكَ بِالباطِلِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ سَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ مِن ذِكْرِ دَلِيلٍ آخَرَ، فَإذا تَمَّ الدَّلِيلُ الآخَرُ يَقُولُ الخَصْمُ فِيهِ مِثْلَ ما قالَ في الأوَّلِ إنَّ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ بِقُوَّةِ عِلْمِ الجَدَلِ فَلا يَبْقى إلّا السُّكُوتُ أوِ التَّمَسُّكُ بِالأيْمانِ وتَرْكُ إقامَةِ البُرْهانِ.
الثّانِي: هو أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَحْتَرِزُ عَنِ الأيْمانِ
صفحة ١٦٧
الكاذِبَةِ وتَعْتَقِدُ أنَّها تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أكْثَرَ مِنَ الأيْمانِ بِكُلِّ شَرِيفٍ ولَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إلّا رِفْعَةً وثَباتًا، وكانَ يَحْصُلُ لَهُمُ العِلْمُ بِأنَّهُ لا يَحْلِفُ بِها كاذِبًا، وإلّا لَأصابَهُ شُؤْمُ الأيْمانِ ولَنالَهُ المَكْرُوهُ في بَعْضِ الأزْمانِ.
الثّالِثُ: وهو أنَّ الأيْمانَ الَّتِي حَلَفَ اللَّهُ تَعالى بِها كُلَّها دَلائِلُ أخْرَجَها في صُورَةِ الأيْمانِ مِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ لِمُنْعِمِهِ: وحَقِّ نِعَمِكَ الكَثِيرَةِ إنِّي لا أزالُ أشْكُرُكَ فَيَذْكُرُ النِّعَمَ وهي سَبَبٌ مُفِيدٌ لِدَوامِ الشُّكْرِ ويَسْلُكُ مَسْلَكَ القَسَمِ، كَذَلِكَ هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها دَلِيلٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإعادَةِ، فَإنْ قِيلَ فَلِمَ أخْرَجَها مَخْرَجَ الأيْمانِ ؟ نَقُولُ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ إذا شَرَعَ في أوَّلِ كَلامِهِ يَحْلِفُ بِعِلْمِ السّامِعِ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ عَظِيمٍ فَيُصْغِي إلَيْهِ أكْثَرَ مِن أنْ يُصْغِيَ إلَيْهِ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فَبَدَأ بِالحَلِفِ وأدْرَجَ الدَّلِيلَ في صُورَةِ اليَمِينِ حَتّى أقْبَلَ القَوْمُ عَلى سَماعِهِ فَخَرَجَ لَهُمُ البُرْهانُ المُبِينُ، والتِّبْيانُ المَتِينُ في صُورَةِ اليَمِينِ، وقَدِ اسْتَوْفَيْنا الكَلامَ في سُورَةِ والصّافّاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في جَمِيعِ السُّوَرِ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ في ابْتِدائِها بِغَيْرِ الحُرُوفِ كانَ القَسَمُ لِإثْباتِ أحَدِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ وهي: الوَحْدانِيَّةُ والرِّسالَةُ والحَشْرُ، وهي الَّتِي يَتِمُّ بِها الإيمانُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يُقْسِمْ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ إلّا في سُورَةٍ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ السُّوَرِ وهي ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصّافّاتِ:١] حَيْثُ قالَ فِيها: ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] وذَلِكَ لِأنَّهم وإنْ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وكانُوا يُبالِغُونَ في الشِّرْكِ، لَكِنَّهم في تَضاعِيفَ أقْوالِهِمْ، وتَصارِيفِ أحْوالِهِمْ كانُوا يُصَرِّحُونَ بِالتَّوْحِيدِ، وكانُوا يَقُولُونَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فَلَمْ يُبالِغُوا في الحَقِيقَةِ في إنْكارِ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، فاكْتَفى بِالبُرْهانِ، ولَمْ يُكْثِرْ مِنَ الأيْمانِ، وفي سُورَتَيْنِ مِنها أقْسَمَ لِإثْباتِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَوْنِهِ رَسُولًا في إحْداهُما بِأمْرٍ واحِدٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ١ -٢] وفي الثّانِيَةِ بِأمْرَيْنِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ١- ٣] وذَلِكَ لِأنَّ القَسَمَ عَلى إثْباتِ رِسالَتِهِ قَدْ كَثُرَ بِالحُرُوفِ والقُرْآنِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١ - ٣] وقَدْ ذَكَرْنا الحُكْمَ فِيهِ أنَّ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ القُرْآنُ، فَأقْسَمَ بِهِ لِيَكُونَ في القَسَمِ الإشارَةُ واقِعَةً إلى البُرْهانِ، وفي باقِي السُّورِ كانَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ الحَشْرَ والجَزاءَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ لِكَوْنِ إنْكارِهِمْ في ذَلِكَ خارِجًا عَنِ الحَدِّ، وعَدَمِ اسْتِيفاءِ ذَلِكَ في صُورَةِ القَسَمِ بِالحُرُوفِ
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِجُمُوعِ السَّلامَةِ المُؤَنَّثَةِ في سُورٍ خَمْسٍ، ولَمْ يُقْسِمْ بِجُمُوعٍ السَّلامَةِ المُذَكَّرَةِ في سُورَةٍ أصْلًا، فَلَمْ يَقُلْ: والصّالِحِينَ مِن عِبادِي، ولا المُقَرَّبِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ أنَّ المُذَكَّرَ أشْرَفُ، وذَلِكَ لِأنَّ جُمُوعَ السَّلامِ بِالواوِ والنُّونِ في الأمْرِ الغالِبِ لِمَن يَعْقِلُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَيْسَ لِبَيانِ التَّوْحِيدِ إلّا في صُورَةِ ظُهُورِ الأمْرِ فِيهِ، وحُصُولِ الِاعْتِرافِ مِنهم بِهِ، ولا لِلرِّسالَةِ لِحُصُولِ ذَلِكَ في صُوَرِ القَسَمِ بِالحُرُوفِ والقُرْآنِ.
بَقِيَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ إثْباتَ الحَشْرِ والجَزاءِ، لَكِنَّ إثْباتَ الحَشْرِ لِثَوابِ الصّالِحِ، وعَذابِ الطّالِحِ، فَفائِدَةُ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَن يَعْقِلُ، فَكانَ الأمْرُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ القَسَمُ بِغَيْرِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في السُّورَةِ الَّتِي أقْسَمَ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ، أقْسَمَ في أوَّلِ الأمْرِ بِالسّاكِناتِ حَيْثُ قالَ:
صفحة ١٦٨
﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] وفي السُّوَرِ الأرْبَعِ الباقِيَةِ أقْسَمَ بِالمُتَحَرِّكاتِ، فَقالَ: ﴿والذّارِياتِ﴾ وقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ [المرسلات: ١] وقالَ: ﴿والنّازِعاتِ﴾ [النازعات: ١] ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى:”والسّابِحاتِ ..... فالسّابِقاتِ“ وقالَ: ﴿والعادِياتِ﴾ [العاديات: ١] وذَلِكَ لِأنَّ الحَشْرَ فِيهِ جَمْعٌ وتَفْرِيقٌ، وذَلِكَ بِالحَرَكَةِ ألْيَقُ، أوْ أنْ نَقُولَ في جَمِيعِ السُّوَرِ الأرْبَعِ أقْسَمَ بِالرِّياحِ عَلى ما بَيَّنَ وهي الَّتِي تَجْمَعُ وتُفَرِّقُ، فالقادِرُ عَلى تَأْلِيفِ السَّحابِ المُتَفَرِّقِ بِالرِّياحِ الذّارِيَةِ والمُرْسَلَةِ، قادِرٌ عَلى تَأْلِيفِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي يَخْتارُها بِمَشِيئَتِهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الذّارِياتِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: هي الرِّياحُ تَذْرُو التُّرابَ وغَيْرَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ [الكهف: ٤٥] .
الثّانِي: هي الكَواكِبُ مِن ذَرا يَذْرُو إذا أسْرَعَ.
الثّالِثُ: هي المَلائِكَةُ.
الرّابِعُ: رَبُّ الذّارِياتِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الأُمُورُ الأرْبَعَةُ جازَ أنْ تَكُونَ أُمُورًا مُتَبايِنَةً، وجازَ أنْ تَكُونَ أمْرًا لَهُ أرْبَعُ اعْتِباراتٍ:
الأوَّلُ: هي ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّ الذّارِياتِ هي الرِّياحُ والحامِلاتِ هي السَّحابُ، والجارِياتِ هي السُّفُنُ، والمُقَسِّماتِ هي المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُقَسِّمُونَ الأرْزاقَ.
والثّانِي: وهو الأقْرَبُ أنَّ هَذِهِ صِفاتٌ أرْبَعٌ لِلرِّياحِ، فالذّارِياتُ هي الرِّياحُ الَّتِي تُنْشِئُ السَّحابَ أوَّلًا، والحامِلاتُ هي الرِّياحُ الَّتِي تَحْمِلُ السُّحُبَ الَّتِي هي بُخارُ المِياهِ الَّتِي إذا سَحَّتْ جَرَتِ السُّيُولُ العَظِيمَةُ، وهي أوَقارٌ أثْقَلُ مِن جِبالٍ، والجارِياتُ هي الرِّياحُ الَّتِي تَجْرِي بِالسُّحُبِ بَعْدَ حَمْلِها، والمُقَسِّماتُ هي الرِّياحُ الَّتِي تُفَرِّقُ الأمْطارَ عَلى الأقْطارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ هَذِهِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ مَذْكُورَةٌ في مُقابَلَةِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ بِها تَتِمُّ الإعادَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الأجْزاءَ الَّتِي تَفَرَّقَتْ بَعْضُها في تُخُومِ الأرَضِينَ، وبَعْضُها في قُعُورِ البُحُورِ، وبَعْضُها في جَوِّ الهَواءِ، وهي الأجْزاءُ اللَّطِيفَةُ البُخارِيَّةُ الَّتِي تَنْفَصِلُ عَنِ الأبْدانِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والذّارِياتِ﴾ يَعْنِي الجامِعَ لِلذّارِياتِ مِنَ الأرْضِ، عَلى أنَّ الذّارِيَةَ هي الَّتِي تَذْرُو التُّرابَ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ هي الَّتِي تَجْمَعُ الأجْزاءَ مِنَ الجَوِّ وتَحْمِلُهُ حَمْلًا، فَإنَّ التُّرابَ لا تَرْفَعُهُ الرِّياحُ حَمْلًا، بَلْ تَنْقُلُهُ مِن مَوْضِعٍ، وتَرْمِيهِ في مَوْضِعٍ بِخِلافِ السَّحابِ، فَإنَّهُ يَحْمِلُهُ ويَنْقُلُهُ في الجَوِّ حَمْلًا لا يَقَعُ مِنهُ شَيْءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ إشارَةٌ إلى الجامِعِ مِنَ الماءِ، فَإنَّ مَن يُجْرِي السُّفُنَ الثَّقِيلَةَ مِن تَيّارِ البِحارِ إلى السَّواحِلِ يَقْدِرُ عَلى نَقْلِ الأجْزاءِ مِنَ البَحْرِ إلى البَرِّ، فَإذا تَبَيَّنَ أنَّ الجَمْعَ مِنَ الأرْضِ، وجَوِّ الهَواءِ ووَسَطِ البِحارِ مُمْكِنٌ، وإذا اجْتَمَعَ يَبْقى نَفْخُ الرُّوحِ لَكِنَّ الرُّوحَ مِن أمْرِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] فَقالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ المَلائِكَةُ الَّتِي تَنْفُخُ الرُّوحَ في الجَسَدِ بِأمْرِ اللَّهِ، وإنَّما ذَكَرَهم بِالمُقَسِّماتِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في الأجْزاءِ الجِسْمِيَّةِ غَيْرُ مُخالِفٍ تَخالُفًا بَيِّنًا، فَإنَّ لِكُلِّ أحَدٍ رَأْسًا ورِجْلًا، والنّاسُ مُتَقارِبَةٌ في الأعْدادِ والأقْدارِ، لَكِنَّ التَّفاوُتَ الكَثِيرَ في النُّفُوسِ، فَإنَّ الشَّرِيفَةَ والخَسِيسَةَ بَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ، وتِلْكَ القِسْمَةُ المُتَفاوِتَةُ تَنْقَسِمُ بِمُقَسِّمٍ مُخْتارٍ ومَأْمُورٍ مُخْتارٍ فَقالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما هَذِهِ المَنصُوباتُ مِن حَيْثُ النَّحْوُ ؟ فَنَقُولُ أمّا ﴿ذَرْوًا﴾ فَلا شَكَّ في كَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وأمّا ﴿وِقْرًا﴾ فَهو مَفْعُولٌ بِهِ، كَما يُقالُ: حَمَلَ فُلانٌ عَدْلًا ثَقِيلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: ضَرَبَهُ سَوْطًا يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ. وأمّا ﴿يُسْرًا﴾ فَهو أيْضًا مَنصُوبٌ
صفحة ١٦٩
عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ، تَقْدِيرُهُ جَرْيًا ذا يُسْرٍ، وأمّا ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ فَهو إمّا مَفْعُولٌ بِهِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ قَسَّمَ الرِّزْقَ أوِ المالَ وإمّا حالٌ أتى عَلى صُورَةِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: قَتَلْتُهُ صَبْرًا، أيْ مَصْبُورًا كَذَلِكَ هَهُنا: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ أيْ مَأْمُورَةً، فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ: ﴿وِقْرًا﴾ مَفْعُولَهُ بِهِ فَلِمَ لَمْ يَجْمَعْ، وما قِيلَ: والحامِلاتِ أوَقارًا ؟ نَقُولُ: لِأنَّ الحامِلاتِ عَلى ما ذَكَرْنا صِفَةُ الرِّياحِ، وهي تَتَوارَدُ عَلى وِقْرٍ واحِدٍ، فَإنَّ رِيحًا تَهُبُّ وتَسُوقُ السَّحابَةَ فَتَسْبِقُ السَّحابَ، فَتَهُبُّ أُخْرى وتَسُوقُها، ورُبَّما تَتَحَوَّلُ عَنْهُ يَمْنَةً ويَسْرَةً بِسَبَبِ اخْتِلافِ الرِّياحِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المُقَسِّماتِ أمْرًا، إذا قُلْنا هو مَفْعُولٌ بِهِ؛ لِأنَّ جَماعَةً يَكُونُونَ مَأْمُورِينَ تَنْقَسِمُ أمْرًا واحِدًا، أوْ نَقُولُ هو في تَقْدِيرِ التَّكْرِيرِ كَأنَّهُ قالَ: فالحامِلاتِ وِقْرًا وِقْرًا، والمُقَسِّماتِ أمْرًا أمْرًا.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ما فائِدَةُ الفاءِ ؟ نَقُولُ: إنْ قُلْنا إنَّها صِفاتُ الرِّياحِ فَلِبَيانِ تَرْتِيبِ الأُمُورِ في الوُجُودِ، فَإنَّ الذّارِياتِ تُنْشِئُ السَّحابَ فَتُقَسِّمُ الأمْطارَ عَلى الأقْطارِ، وإنْ قُلْنا إنَّها أُمُورٌ أرْبَعَةٌ فالفاءُ لِلتَّرْتِيبِ في القَسَمِ لا لِلتَّرْتِيبِ في المُقْسَمِ بِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أُقْسِمُ بِالرِّياحِ الذّارِياتِ ثُمَّ بِالسُّحُبِ الحامِلاتِ ثُمَّ بِالسُّفُنِ الجارِياتِ ثُمَّ بِالمَلائِكَةِ المُقَسِّماتِ، وقَوْلُهُ: ﴿فالحامِلاتِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فالجارِياتِ﴾ إشارَةٌ إلى بَيانِ ما في الرِّياحِ مِنَ الفَوائِدِ، أمّا في البَرِّ فَإنْشاءُ السُّحُبِ، وأمّا في البَحْرِ فَإجْراءُ السُّفُنِ، ثُمَّ المُقَسِّماتُ إشارَةٌ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى حَمْلِ السُّحُبِ وجَرْيِ السُّفُنِ مِنَ الأرْزاقِ والأرْباحِ الَّتِي تَكُونُ بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَتَجْرِي سُفُنُ بَعْضِ النّاسِ كَما يَشْتَهِي ولا تَرْبَحُ وبَعْضُهم تَرْبَحُ وهو غافِلٌ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف: ٣٢] .
51:5–6Page 520
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ ٥
Indeed, what you are promised is true.
وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٞ ٦
And indeed, the recompense is to occur.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ”ما“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْناهُ الإيعادُ صادِقٌ وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيِ الَّذِي تُوعَدُونَ صادِقٌ، والصّادِقُ مَعْناهُ ذُو صِدْقٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ ووَصْفُ المَصْدَرِ بِما يُوصَفُ بِهِ الفاعِلُ بِالمَصْدَرِ فِيهِ إفادَةُ مُبالَغَةٍ، فَكَما أنَّ مَن قالَ فُلانٌ لُطْفٌ مَحْضٌ وحِلْمٌ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَدْ بالَغَ كَذَلِكَ مَن قالَ: كَلامٌ صادِقٌ وبُرْهانٌ قاهِرٌ لِلْخَصْمِ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ يَكُونُ قَدْ بالَغَ، والوَجْهُ فِيهِ هو أنَّهُ إذا قالَ هو لُطْفٌ بَدَلَ قَوْلِهِ لِطَيْفٍ فَكَأنَّهُ قالَ اللَّطِيفُ شَيْءٌ لَهُ لُطْفٌ فَفي اللَّطِيفِ لُطْفٌ وشَيْءٌ آخَرُ، فَأرادَ أنْ يُبَيِّنَ كَثْرَةَ اللُّطْفِ فَجَعَلَهُ كُلَّهُ لُطْفًا، وفي الثّانِي لَمّا كانَ الصِّدْقُ يَقُومُ بِالمُتَكَلِّمِ بِسَبَبِ كَلامِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ هَذا الكَلامَ لا يَحُوجُ إلى شَيْءٍ آخَرَ حَتّى يَصِحَّ إطْلاقُ الصّادِقِ عَلَيْهِ، بَلْ هو كافٍ في إطْلاقِ الصّادِقِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا قَوِيًّا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُوعَدُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن وعَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أوْعَدَ، والثّانِي هو الحَقُّ لِأنَّ اليَمِينَ مَعَ المُنْكَرِ بِوَعِيدٍ لا بِوَعْدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ أيِ الجَزاءُ كائِنٌ، وعَلى هَذا فالإيعادُ بِالحَشْرِ في المَوْعِدِ هو الحِسابُ والجَزاءُ هو العِقابُ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ أنَّ الحِسابَ يُسْتَوْفى والعِقابَ يُوَفّى.
51:7–8Page 521
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡحُبُكِ ٧
By the heaven containing pathways,1
إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ ٨
Indeed, you are in differing speech.1
ثُمَّ قالَ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ مَباحِثُ:
صفحة ١٧٠
الأوَّلُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ قِيلَ: الطَّرائِقُ، وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ طَرائِقَ الكَواكِبِ ومَمَرّاتِها كَما يُقالُ في المَحابِكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما في السَّماءِ مِنَ الأشْكالِ بِسَبَبِ النُّجُومِ، فَإنَّ في سَمْتِ كَواكِبَها طَرِيقَ التِّنِّينِ والعَقْرَبِ والنَّسْرِ الَّذِي يَقُولُ بِهِ أصْحابُ الصُّوَرِ ومِنطَقَةَ الجَوْزاءِ وغَيْرَ ذَلِكَ كالطَّرائِقِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِهِ السَّماءُ المُزَيَّنَةُ بِزِينَةِ الكَواكِبِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١] وقِيلَ: حُبُكُها صِفاقُها، يُقالُ في الثَّوْبِ الصَّفِيقِ حَسَنُ الحُبُكِ، وعَلى هَذا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] لِشِدَّتِها وقُوَّتِها وهَذا ما قِيلَ فِيهِ.
البَحْثُ الثّانِي: في المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ أقْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ كُلُّها مُحْكَمَةٌ.
الأوَّلُ: إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، تارَةً يَقُولُونَ إنَّهُ أمِينٌ وأُخْرى إنَّهُ كاذِبٌ، وتارَةً تَنْسُبُونَهُ إلى الجُنُونِ، وتارَةً تَقُولُونَ إنَّهُ كاهِنٌ وشاعِرٌ وساحِرٌ، وهَذا مُحْتَمَلٌ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ إذْ لا حاجَةَ إلى اليَمِينِ عَلى هَذا؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ إنْكارٍ حَتّى يُؤَكِّدَ بِيَمِينٍ.
الثّانِي: ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ أيْ: غَيْرِ ثابِتِينَ عَلى أمْرٍ، ومَن لا يَثْبُتُ عَلى قَوْلٍ لا يَكُونُ مُتَيَقِّنًا في اعْتِقادِهِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ تَعالى، والسَّماءِ إنَّكم غَيْرُ جازِمِينَ في اعْتِقادِكم وإنَّما تُظْهِرُونَ الجَزْمَ لِشِدَّةِ عِنادِكم، وعَلى هَذا القَوْلِ فِيهِ فائِدَةٌ وهي أنَّهم لَمّا قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّكَ غَيْرُ صادِقٍ في قَوْلِكَ، وإنَّما تُجادِلُ ونَحْنُ نَعْجِزُ عَنِ الجَدَلِ قالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ أيْ: إنَّكَ صادِقٌ ولَسْتَ مُعانِدًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: بَلْ أنْتُمْ واللَّهِ جازِمُونَ بِأنِّي صادِقٌ فَعَكَسَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ.
الثّالِثُ: إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، أيْ مُتَناقِضٍ، أمّا في الحَشْرِ فَلِأنَّكم تَقُولُونَ لا حَشْرَ ولا حَياةَ بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ تَقُولُونَ إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، فَإذا كانَ لا حَياةَ بَعْدَ المَوْتِ ولا شُعُورَ لِلْمَيِّتِ، فَماذا يُصِيبُ آباءَكم إذا خالَفْتُمُوهم ؟ وإنَّما يَصِحُّ هَذا مِمَّنْ يَقُولُونَ بِأنَّ بَعْدَ المَوْتِ عَذابًا فَلَوْ عَلِمْنا شَيْئًا يَكْرَهُهُ المَيِّتُ يُبْدى فَلا مَعْنى لِقَوْلِكم إنّا لا نَنْسُبُ آباءَنا بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى الضَّلالِ، وكَيْفَ وأنْتُمْ تَرْبِطُونَ الرَّكائِبَ عَلى قُبُورِ الأكابِرِ، وأمّا في التَّوْحِيدِ فَتَقُولُونَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرُهُ ثُمَّ تَقُولُونَ هو إلَهُ الآلِهَةِ وتَرْجِعُونَ إلى الشِّرْكِ، وأمّا في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَقُولُونَ إنَّهُ مَجْنُونٌ ثُمَّ تَقُولُونَ لَهُ إنَّكَ تَغْلِبُنا بِقُوَّةِ جَدَلِكَ، والمَجْنُونُ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ المُنْتَظِمِ المُعْجِزِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُتَناقِضَةِ.
51:9–12Page 521
يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ ٩
Deluded away from it [i.e., the Qur’ān] is he who is deluded.
قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ ١٠
Destroyed are the misinformers1
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ ١١
Who are within a flood [of confusion] and heedless.
يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٢
They ask, "When is the Day of Recompense?"
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: أنَّهُ مَدْحٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ يُؤْفَكُ عَنِ القَوْلِ المُخْتَلِفِ ويُصْرَفُ مِن صُرِفَ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ ويُرْشَدُ إلى القَوْلِ المُسْتَوِي.
وثانِيها: أنَّهُ ذَمٌّ مَعْناهُ يُؤْفَكُ عَنِ الرَّسُولِ.
ثالِثُها: يُؤْفَكُ عَنِ القَوْلِ بِالحَشْرِ.
رابِعُها: يُؤْفَكُ عَنِ القُرْآنِ، وقُرِئَ يُؤْفَنُ عَنْهُ مَن أُفِنَ، أيْ يُحْرَمُ، وقُرِئَ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أفَكَ، أيْ كَذَبَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ أنَّهم غَيْرُ ثابِتِينَ عَلى أمْرٍ وغَيْرُ جازِمِينَ بَلْ هم يَظُنُّونَ ويَخْرُصُونَ، ومَعْناهُ لُعِنَ الخَرّاصُونَ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِمَكْرُوهٍ، ثُمَّ وصَفَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ إحْداهُما لَفْظِيَّةٌ والأُخْرى مَعْنَوِيَّةٌ:
أمّا اللَّفْظِيَّةُ: فَقَوْلُهُ: ﴿ساهُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والمُبْتَدَأُ هو قَوْلُهُ: ﴿هُمْ﴾ وتَقْدِيرُهُ هم
صفحة ١٧١
كائِنُونَ في غَمْرَةٍ ساهُونَ، كَما يُقالُ زَيْدٌ جاهِلٌ جائِرٌ لا عَلى قَصْدِ وصْفِ الجاهِلِ بِالجائِرِ، بَلِ الإخْبارِ بِالوَصْفَيْنِ عَنْ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿ساهُونَ﴾ خَبَرًا و﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ ظَرْفٌ لَهُ، كَما يُقالُ: زَيْدٌ في بَيْتِهِ قاعِدٌ يَكُونُ الخَبَرُ هو القاعِدَ لا غَيْرُ وفي بَيْتِهِ لِبَيانِ ظَرْفِ القُعُودِ كَذَلِكَ: ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ لِبَيانِ ظَرْفِ السَّهْوِ الَّذِي يَصِحُّ وصْفُ المَعْرِفَةِ بِالجُمْلَةِ، ولَوْلاها لَما جازَ وصْفُ المَعْرِفَةِ بِالجُمْلَةِ.
وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فَهي أنَّ وصْفَ الخَرّاصِ بِالسَّهْوِ والِانْهِماكِ في الباطِلِ، يُحَقِّقُ ذَلِكَ كَوْنَ الخَرّاصِ صِفَةَ ذَمٍّ، وذَلِكَ لِأنَّ ما لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا الظَّنُّ إذا خَرَصَ الخارِصُ وأُطْلِقَ عَلَيْهِ الخَرّاصُ لا يَكُونُ ذَلِكَ مُفِيدُ نَقْصٍ، كَما يُقالُ في خَرّاصِ الفَواكِهِ والعَساكِرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا الخَرْصُ في مَحَلِّ المَعْرِفَةِ واليَقِينِ فَهو ذَمٌّ فَقالَ: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ جاهِلُونَ ساهُونَ لا الَّذِينَ تَعَيَّنَ طَرِيقُهم في التَّخْمِينِ والحَزْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساهُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ يُفِيدُ أنَّهم وقَعُوا في جَهْلٍ وباطِلٍ ونَسُوا أنْفُسَهم فِيهِ فَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ. ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ فَإنْ قِيلَ: الزَّمانُ يُجْعَلُ ظَرْفَ الأفْعالِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الزَّمانُ ظَرْفًا لِظَرْفٍ آخَرَ، وهَهُنا جُعِلَ ”أيّانَ“ ظَرْفَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ ويُقالُ مَتى يَقْدَمُ زَيْدٌ، فَيُقالُ: يَوْمَ الجُمُعَةِ ولا يُقالُ: مَتى يَوْمُ الجُمُعَةِ، فالجَوابُ: التَّقْدِيرُ مَتى يَكُونُ يَوْمُ الجُمُعَةِ وأيّانَ يَكُونُ يَوْمُ الدِّينِ، وأيّانَ مِنَ المُرَكَّباتِ رُكِّبَ مِن أيِّ الَّتِي يَقَعُ بِها الِاسْتِفْهامُ وآنَ الَّتِي هي الزَّمانُ أوْ مِن أيْ وأوانٍ فَكَأنَّهُ قالَ أيُّ أوانٍ فَلَمّا رُكِّبَ بُنِيَ وهَذا مِنهم جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا أيّانَ يَقَعُ اسْتِهْزاءٌ، وتَرْكُ المَسْؤُولِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ يَسْألُونَ مَن، يَدُلُّ عَلى أنَّ غَرَضَهم لَيْسَ الجَوابَ وإنَّما يَسْألُونَ اسْتِهْزاءً.
51:13–15Page 521
يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ ١٣
[It is] the Day they will be tormented over the Fire
ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ ١٤
[And will be told], "Taste your torment. This is that for which you were impatient."
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٥
Indeed, the righteous will be among gardens and springs,
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿أيّانَ﴾ يَقَعُ، وحِينَئِذٍ كَما أنَّهم لَمْ يَسْألُوا سُؤالَ مُسْتَفْهِمٍ طالِبٍ لِحُصُولِ العِلْمِ كَذَلِكَ لَمْ يُجِبْهم جَوابَ مُجِيبٍ مُعَلِّمٍ مُبِينٍ حَيْثُ قالَ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ وجَهْلُهم بِالثّانِي أقْوى مِن جَهْلِهِمْ بِالأوَّلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ بِالأخْفى، فَإذا قالَ قائِلٌ: مَتى يَقْدَمُ زَيْدٌ، فَلَوْ قالَ المُجِيبُ يَوْمَ يَقْدَمُ رَفِيقُهُ ولا يُعْلَمُ يَوْمُ قُدُومِ الرَّفِيقِ، لا يَصِحُّ هَذا الجَوابُ إلّا إذا كانَ الكَلامُ في صُورَةِ جَوابٍ، ولا يَكُونُ جَوابًا كَما أنَّ القائِلَ إذا قالَ كَمْ تَعِدُ عِداتِي وتُخْلِفُها إلى مَتى هَذا الإخْلافُ فَيَغْضَبُ ويَقُولُ إلى أشْأمِ يَوْمٍ عَلَيْكَ، الكَلامانِ في صُورَةِ سُؤالٍ وجَوابٍ ولا الأوَّلُ يُرِيدُ بِهِ السُّؤالَ، ولا الثّانِي يُرِيدُ بِهِ الجَوابَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ مُقابَلَةُ اسْتِهْزائِهِمْ بِالإيعادِ لا عَلى وجْهِ الإتْيانِ بِالبَيانِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ ابْتِداءَ كَلامٍ تَمامُهُ:
فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا يُفْضِي إلى الإضْمارِ، نَقُولُ الإضْمارُ لا بُدَّ مِنهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ إلّا بِإضْمارٍ، يُقالُ: ويُفْتَنُونَ، قِيلَ مَعْناهُ: يُحْرَقُونَ، والأوْلى أنْ يُقالَ مَعْناهُ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ عَرْضَ المُجَرِّبِ الذَّهَبَ عَلى النّارِ، وكَلِمَةُ عَلى تُناسِبُ ذَلِكَ، ولَوْ كانَ المُرادُ يُحْرَقُونَ لَكانَ بِالنّارِ أوْ في النّارِ ألْيَقُ لِأنَّ الفِتْنَةَ هي التَّجْرِبَةُ، وأمّا ما يُقالُ مَنِ اخْتَبَرَهُ ومِن أنَّهُ تَجْرِبَةُ الحِجارَةِ فَعَنى بِذَلِكَ المَعْنى مَصْدَرَ الفِتَنِ، وهَهُنا قالَ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ والفِتْنَةَ الِامْتِحانُ، فَإنْ قِيلَ: فَإذا جَعَلْتَ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ مَقُولًا لَهم: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ فَما قَوْلُهُ: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؟
صفحة ١٧٢
قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَ بِصَرِيحِ القَوْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ فَإنَّهُ نَوْعُ اسْتِعْجالٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِاسْتِعْجالَ بِالفِعْلِ وهو الإصْرارُ عَلى العِنادِ وإظْهارُ الفَسادِ فَإنَّهُ يُعَجِّلُ العُقُوبَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences