Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:24–26
10:24Page 211
إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤
The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest,1 as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أتْبَعَهُ بِهَذا المَثَلِ العَجِيبِ الَّذِي ضَرَبَهُ لِمَن يَبْغِي في الأرْضِ ويَغْتَرُّ بِالدُّنْيا، ويَشْتَدُّ تَمَسُّكُهُ بِها، ويَقْوى إعْراضُهُ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ والتَّأهُّبِ لَها، فَقالَ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذا الماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا نَزَلَ المَطَرُ يَنْبُتُ بِسَبَبِهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ النَّباتِ، وتَكُونُ تِلْكَ الأنْواعُ مُخْتَلِطَةً، وهَذا فِيما لَمْ يَكُنْ نابِتًا قَبْلَ نُزُولِ المَطَرِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الَّذِي نَبَتَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَتَرَعْرَعْ، ولَمْ يَهْتَزَّ. وإنَّما هو في أوَّلِ بُرُوزِهِ مِنَ الأرْضِ ومَبْدَأِ حُدُوثِهِ، فَإذا نَزَلَ المَطَرُ عَلَيْهِ واخْتَلَطَ بِذَلِكَ المَطَرِ؛ أيِ اتَّصَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ اهْتَزَّ ذَلِكَ النَّباتُ ورَبا وحَسُنَ، وكَمُلَ واكْتَسى كَمالَ الرَّوْنَقِ والزِّينَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ التَّزَخْرُفَ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ حُسْنِ الشَّيْءِ. فَجُعْلَتِ الأرْضُ آخِذَةً زُخْرُفَها عَلى التَّشْبِيهِ بِالعَرُوسِ إذا لَبِسَتِ الثِّيابَ الفاخِرَةَ مِن كُلِّ لَوْنٍ، وتَزَيَّنَتْ بِجَمِيعِ الألْوانِ المُمْكِنَةِ في الزِّينَةِ مِن حُمْرَةٍ وخُضْرَةٍ وصُفْرَةٍ وذَهَبِيَّةٍ وبَياضٍ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَتى صارَ البُسْتانُ عَلى هَذا الوَجْهِ وبِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ المالِكُ ويَعْظُمُ رَجاؤُهُ في الِانْتِفاعِ بِهِ، ويَصِيرُ قَلْبُهُ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُرْسِلُ عَلى هَذا البُسْتانِ العَجِيبِ آفَةً عَظِيمَةً دُفْعَةً واحِدَةً في لَيْلٍ أوْ نَهارٍ مِن بَرْدٍ أوْ رِيحٍ أوْ سَيْلٍ، فَصارَتْ تِلْكَ الأشْجارُ والزُّرُوعُ باطِلَةً هالِكَةً كَأنَّها ما حَصَلَتِ البَتَّةَ. فَلا شَكَّ أنَّهُ تَعْظُمُ حَسْرَةُ مالِكِ ذَلِكَ البُسْتانِ ويَشْتَدُّ حُزْنُهُ، فَكَذَلِكَ مَن وضَعَ قَلْبَهُ عَلى لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، فَإذا فاتَتْهُ تِلْكَ الأشْياءُ يَعْظُمُ حُزْنُهُ وتَلَهُّفُهُ عَلَيْها.
واعْلَمْ أنَّ تَشْبِيهَ الحَياةِ الدُّنْيا بِهَذا النَّباتِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا لَخَّصَها القاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ عاقِبَةَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي يُنْفِقُها المَرْءُ في بابِ الدُّنْيا كَعاقِبَةِ هَذا النَّباتِ، الَّذِي حِينَ عَظُمَ الرَّجاءُ في الِانْتِفاعِ بِهِ وقَعَ اليَأْسُ مِنهُ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ المُتَمَسِّكَ بِالدُّنْيا إذا وضَعَ عَلَيْها قَلْبَهُ وعَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيها يَأْتِيهِ المَوْتُ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] خاسِرُونَ الدُّنْيا، وقَدْ أنْفَقُوا أعْمارَهم فِيها، وخاسِرُونَ مِنَ الآخِرَةِ، مَعَ أنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها.
والوَجْهُ الثّانِي في التَّشْبِيهِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَما لَمْ يَحْصُلْ لِذَلِكَ الزَّرْعِ عاقِبَةٌ تُحْمَدُ، فَكَذَلِكَ المُغْتَرُّ بِالدُّنْيا المُحِبُّ لَها لا يَحْصُلُ لَهُ عاقِبَةٌ تُحْمَدُ.
صفحة ٦٠
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ وجْهُ التَّشْبِيهِ مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] فَلَمّا صارَ سَعْيُ هَذا الزَّرّاعِ باطِلًا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأسْبابِ المُهْلِكَةِ، فَكَذَلِكَ سَعْيُ المُغْتَرِّ بِالدُّنْيا.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ مالِكَ ذَلِكَ البُسْتانِ لَمّا عَمَرَهُ بِإتْعابِ النَّفْسِ وكَدِّ الرُّوحِ، وعَلَّقَ قَلْبَهُ عَلى الِانْتِفاعِ بِهِ، فَإذا حَدَثَ ذَلِكَ السَّبَبُ المُهْلِكُ، وصارَ العَناءُ الشَّدِيدُ الَّذِي تَحَمَّلَهُ في الماضِي سَبَبًا لِحُصُولِ الشَّقاءِ الشَّدِيدِ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ، وهو ما يَحْصُلُ لَهُ في قَلْبِهِ مِنَ الحَسَراتِ. فَكَذَلِكَ حالُ مَن وضَعَ قَلْبَهُ عَلى الدُّنْيا وأتْعَبَ نَفْسَهُ في تَحْصِيلِها، فَإذا ماتَ وفاتَهُ كُلُّ ما نالَ، صارَ العَناءُ الَّذِي تَحَمَّلَهُ في تَحْصِيلِ أسْبابِ الدُّنْيا، سَبَبًا لِحُصُولِ الشَّقاءِ العَظِيمِ لَهُ في الآخِرَةِ.
والوَجْهُ الخامِسُ: لَعَلَّهُ تَعالى إنَّما ضَرَبَ هَذا المَثَلَ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالمَعادِ، وذَلِكَ لِأنّا نَرى الزَّرْعَ الَّذِي قَدِ انْتَهى إلى الغايَةِ القُصْوى في التَّرْبِيَةِ، قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في الزِّينَةِ والحُسْنِ، ثُمَّ يَعْرِضُ لِلْأرْضِ المُتَزَيِّنَةِ بِهِ آفَةٌ، فَيَزُولُ ذَلِكَ الحُسْنُ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ تَصِيرُ تِلْكَ الأرْضُ مَوْصُوفَةً بِتِلْكَ الزِّينَةِ مَرَّةً أُخْرى. فَذَكَرَ هَذا المِثالَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ الأحْياءِ في الآخِرَةِ لِيُجازِيَهم عَلى أعْمالِهِمْ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَثَلُ: قَوْلٌ يُشَبَّهُ بِهِ حالُ الثّانِي بِالأوَّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَثَلِ الصِّفَةَ. والتَّقْدِيرُ: إنَّما صِفَةُ الحَياةِ الدُّنْيا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي: تَزَيَّنَتْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ وسُكِّنَتِ الزّايُ فاجْتُلِبَ لَها ألِفُ الوَصْلِ، وهَذا مِثْلُ ما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿فادّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢] ﴿ادّارَكُوا﴾ [الأعراف: ٣٨] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ أنَّ أهْلَ تِلْكَ الأرْضِ قادِرُونَ عَلى حَصادِها وتَحْصِيلِ ثَمَراتِها. والتَّحْقِيقُ أنَّ الضَّمِيرَ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ عائِدًا إلى الأرْضِ، إلّا أنَّهُ عائِدٌ إلى النَّباتِ المَوْجُودِ في الأرْضِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أتاها أمْرُنا﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ عَذابَنا. والتَّحْقِيقُ أنَّ المَعْنى أتاها أمْرُنا بِهَلاكِها. وقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا شَيْءَ فِيها، وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي المَحْصُودَ. وعَلى هَذا، المُرادُ بِالحَصِيدِ: الأرْضُ الَّتِي حُصِدَ نَبْتُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَصِيدِ: النَّباتَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَصِيدُ: المُسْتَأْصَلُ، وقالَ غَيْرُهُ: الحَصِيدُ: المَقْطُوعُ والمَقْلُوعُ. وقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ لِلشَّيْءِ إذا فَنِيَ: كَأنْ لَمْ يَغْنَ بِالأمْسِ؛ أيْ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ، مِن قَوْلِهِمْ: غَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ: إذا أقامُوا بِها، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ هَذا صِفَةً لِلنَّباتِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: كَأنْ لَمْ تُعَمَّرْ بِالأمْسِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالمُرادُ هو الأرْضُ، وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: نَذْكُرُ واحِدَةً مِنها بَعْدَ الأُخْرى عَلى التَّرْتِيبِ؛ لِيَكُونَ تَوالِيها وكَثْرَتُها سَبَبًا لِقُوَّةِ اليَقِينِ، ومُوجِبًا لِزَوالِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ.
10:25Page 211
وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٥
And Allāh invites to the Home of Peace [i.e., Paradise] and guides whom He wills to a straight path.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٦١
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَفَّرَ الغافِلِينَ عَنِ المَيْلِ إلى الدُّنْيا بِالمَثَلِ السّابِقِ، رَغَّبَهم في الآخِرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ. ووَجْهُ التَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَثَلِي ومَثَلُكم شَبَهُ سَيِّدٍ بَنى دارًا ووَضَعَ مائِدَةً وأرْسَلَ داعِيًا، فَمَن أجابَ الدّاعِيَ دَخَلَ الدّارَ وأكَلَ مِنَ المائِدَةِ ورَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، ومَن لَمْ يُجِبْ لَمْ يَدْخُلْ ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَرْضَ عَنْهُ السَّيِّدُ، فاللَّهُ السَّيِّدُ، والدّارُ دارُ الإسْلامِ، والمائِدَةُ الجَنَّةُ، والدّاعِي مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ» “ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما مِن يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ إلّا وبِجَنْبَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كُلُّ الخَلائِقِ إلّا الثَّقَلَيْنِ: أيُّها النّاسُ، هَلُمُّوا إلى رَبِّكم، واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ مِن دارِ السَّلامِ الجَنَّةُ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ حَصَلَ هَذا الِاسْمُ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ السَّلامَ هو اللَّهُ تَعالى، والجَنَّةُ دارُهُ. ويَجِبُ عَلَيْنا هاهُنا بَيانُ فائِدَةِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعالى بِالسَّلامِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا كانَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ فَقَدْ سَلِمَ مِنَ الفَناءِ والتَّغَيُّرِ، وسَلِمَ مِنِ احْتِياجِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ إلى الِافْتِقارِ إلى الغَيْرِ، وهَذِهِ الصِّفَةُ لَيْسَتْ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، كَما قالَ: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] .
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى يُوصَفُ بِالسَّلامِ، بِمَعْنى أنَّ الخَلْقَ سَلِمُوا مِن ظُلْمِهِ، قالَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] ولِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، وتَصَرُّفُ الفاعِلِ في مِلْكِ نَفْسِهِ لا يَكُونُ ظُلْمًا. ولِأنَّ الظُّلْمَ إنَّما يَصْدُرُ إمّا عَنِ العاجِزِ أوِ الجاهِلِ أوِ المُحْتاجِ، ولَمّا كانَ الكُلُّ مُحالًا عَلى اللَّهِ تَعالى، كانَ الظُّلْمُ مُحالًا في حَقِّهِ.
وثالِثُها: قالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ تَعالى يُوصَفُ بِالسَّلامِ بِمَعْنى أنَّهُ ذُو السَّلامِ؛ أيِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى السَّلامِ إلّا هو، والسَّلامُ عِبارَةٌ عَنْ تَخْلِيصِ العاجِزِينَ عَنِ المَكارِهِ والآفاتِ. فالحَقُّ تَعالى هو السّاتِرُ لِعُيُوبِ المَعْيُوبِينَ، وهو المُجِيبُ لِدَعْوَةِ المُضْطَرِّينَ، وهو المُنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ. قالَ المُبَرِّدُ: وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: السَّلامُ مَصْدَرُ سَلِمَ.
القَوْلُ الثّانِي: السَّلامُ جَمْعُ سَلامَةٍ، ومَعْنى دارِ السَّلامِ: الدّارُ الَّتِي مَن دَخَلَها سَلِمَ مِنَ الآفاتِ. فالسَّلامُ هاهُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ، كالرَّضاعِ بِمَعْنى الرَّضاعَةِ. فَإنَّ الإنْسانَ هُناكَ سَلِمَ مِن كُلِّ الآفاتِ، كالمَوْتِ والمَرَضِ والألَمِ والمَصائِبِ ونَزَغاتِ الشَّيْطانِ والكُفْرِ والبِدْعَةِ والكَدِّ والتَّعَبِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَتِ الجَنَّةُ بِدارِ السَّلامِ لِأنَّهُ تَعالى يُسَلِّمُ عَلى أهْلِها، قالَ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] والمَلائِكَةُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ أيْضًا، قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] وهم أيْضًا يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وأيْضًا فَسَلامُهم يَصِلُ إلى السُّعَداءِ مِن أهْلِ الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠، ٩١] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ كَمالَ جُودِ اللَّهِ تَعالى وكَمالَ قُدْرَتِهِ وكَمالَ رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ مَعْلُومٌ، فَدَعَوَتُهُ عَبِيدَهُ إلى دارِ السَّلامِ، تَدُلُّ عَلى أنَّ دارَ السَّلامِ قَدْ حَصَلَ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ؛ لِأنَّ العَظِيمَ إذا اسْتَعْظَمَ شَيْئًا ورَغَّبَ فِيهِ وبالَغَ في ذَلِكَ التَّرْغِيبِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى كَمالِ حالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، لا سِيَّما وقَدْ مَلَأ اللَّهُ هَذا الكِتابَ المُقَدَّسَ مِن وصْفِ الجَنَّةِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ونَحْنُ نَذْكُرُ هاهُنا كَلامًا كُلِّيًّا في تَقْرِيرِ هَذا المَطْلُوبِ، فَنَقُولُ: الإنْسانُ إنَّما يَسْعى في يَوْمِهِ لِغَدِهِ. ولِكُلِّ إنْسانٍ غَدانِ، غَدٌ في الدُّنْيا وغَدٌ في الآخِرَةِ. فَنَقُولُ: غَدُ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن غَدِ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ
صفحة ٦٢
أرْبَعَةٍ:
أوَّلُها: أنَّ الإنْسانَ قَدْ لا يُدْرِكُ غَدَ الدُّنْيا وبِالضَّرُورَةِ يُدْرِكُ غَدَ الآخِرَةِ.
وثانِيها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُدْرِكَ غَدَ الدُّنْيا فَلَعَلَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْتَفِعَ بِما جَمَعَهُ، إمّا لِأنَّهُ يَضِيعُ مِنهُ ذَلِكَ المالُ أوْ لِأنَّهُ يَحْصُلُ في بَدَنِهِ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ. أمّا غَدُ الآخِرَةِ فَكُلُّ ما اكْتَسَبَهُ الإنْسانُ لِأجْلِ هَذا اليَوْمِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَفِعَ بِهِ.
وثالِثُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَجِدَ غَدَ الدُّنْيا ويَقْدِرَ عَلى أنْ يَنْتَفِعَ بِمالِهِ، إلّا أنَّ تِلْكَ المَنافِعَ مَخْلُوطَةٌ بِالمَضارِّ والمَتاعِبِ؛ لِأنَّ سِعاداتِ الدُّنْيا غَيْرُ خالِصَةٍ عَنِ الآفاتِ، بَلْ هي مَمْزُوجَةٌ بِالبَلِيّاتِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن طَلَبَ ما لَمْ يُخْلَقْ أتْعَبَ نَفْسَهُ ولَمْ يُرْزَقْ“ فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما هو ؟ قالَ: ”سُرُورُ يَوْمٍ بِتَمامِهِ» “ وأمّا مَنافِعُ غَدِ الآخِرَةِ فَهي خالِصَةٌ عَنِ الغُمُومِ والهُمُومِ والأحْزانِ، سالِمَةٌ عَنْ كُلِّ المُنَفِّراتِ.
ورابِعُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِلَ الإنْسانُ إلى غَدِ الدُّنْيا ويَنْتَفِعَ بِسَبَبِهِ، وكانَ ذَلِكَ الِانْتِفاعُ خالِيًا عَنْ خَلْطِ الآفاتِ، إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا. ومَنافِعُ الآخِرَةِ دائِمَةٌ مُبَرَّأةٌ عَنِ الِانْقِطاعِ، فَثَبَتَ أنَّ سَعاداتِ الدُّنْيا مَشُوبَةٌ بِهَذِهِ العُيُوبِ الأرْبَعَةِ، وأنَّ سَعاداتِ الآخِرَةِ سالِمَةٌ عَنْها. فَلِهَذا السَّبَبِ كانَتِ الجَنَّةُ دارَ السَّلامِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ دَعا جَمِيعَ الخَلْقِ إلى دارِ السَّلامِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ ما هَدى إلّا بَعْضَهم، فَهَذِهِ الهِدايَةُ الخاصَّةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُغايِرَةً لِتِلْكَ الدَّعْوَةِ العامَّةِ، ولا شَكَّ أيْضًا أنَّ الإقْدارَ والتَّمْكِينَ وإرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ أُمُورٌ عامَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الهِدايَةُ الخاصَّةُ مُغايِرَةً لِكُلِّ هَذِهِ الأشْياءِ، وما ذاكَ إلّا ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالعِلْمِ والمَعْرِفَةِ دُونَ غَيْرِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْكِلَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ وما قَدَرُوا عَلى إيرادِ الأسْئِلَةِ الكَثِيرَةِ، وحاصِلُ ما ذَكَرَهُ القاضِي في وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ: ويَهْدِي اللَّهُ مَن يَشاءُ إلى إجابَةِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ، بِمَعْنى أنَّ مَن أجابَ الدُّعاءَ وأطاعَ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يَهْدِيهِ إلَيْها. والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الألْطافُ. وأجابَ أصْحابُنا عَنْ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ بِحَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ عِنْدَهم أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ فِعْلُ هَذِهِ الهِدايَةِ، وما كانَ واجِبًا لا يَكُونُ مُعَلَّقًا بِالمَشِيئَةِ، وهَذا مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ، فامْتَنَعَ حَمْلُهُ عَلى ما ذَكَرُوهُ.
10:26Page 212
۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٦
For them who have done good is the best [reward] - and extra.1 No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا دَعا عِبادَهُ إلى دارِ السَّلامِ، ذَكَرَ السَّعاداتِ الَّتِي تَحْصُلُ لَهم فِيها فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ فَيُحْتاجُ إلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ.
أمّا اللَّفْظُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: لِلَّذِينِ ذَكَرُوا كَلِمَةَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ . وقالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في كُلِّ ما تَعَبَّدُوا بِهِ، ومَعْناهُ: أنَّهم أتَوْا بِالمَأْمُورِ بِهِ كَما يَنْبَغِي، واجْتَنَبُوا المَنهِيّاتِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي صارَتْ مَنهِيًّا عَنْها.
والقَوْلُ الثّانِي أقْرَبُ إلى الصَّوابِ؛ لِأنَّ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ لا تَحْصُلُ إلّا لِأهْلِ الطّاعاتِ.
صفحة ٦٣
وأمّا اللَّفْظُ الثّانِي: وهو ﴿الحُسْنى﴾ فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الحُسْنى في اللُّغَةِ تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، والعَرَبُ تُوَقِعُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلى الحالَةِ المَحْبُوبَةِ والخَصْلَةِ المَرْغُوبِ فِيها، ولِذَلِكَ لَمْ تُؤَكَّدْ، ولَمْ تُنْعَتْ بِشَيْءٍ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المُرادُ: المَثُوبَةُ الحُسْنى. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] .
وأمّا اللَّفْظُ الثّالِثُ: وهو الزِّيادَةُ. فَنَقُولُ: هَذِهِ الكَلِمَةُ مُبْهَمَةٌ، ولِأجْلِ هَذا اخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِها، وحاصِلُ كَلامِهِمْ يَرْجِعُ إلى قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنها رُؤْيَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ النَّقْلُ والعَقْلُ.
أمّا النَّقْلُ: فالحَدِيثُ الصَّحِيحُ الوارِدُ فِيهِ، وهو أنَّ الحُسْنى هي الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ هي النَّظَرُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وأمّا العَقْلُ: فَهو أنَّ الحُسْنى لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ، فانْصَرَفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وهو دارُ السَّلامِ. والمَعْرُوفُ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُتَقَرِّرِ بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ هو الجَنَّةُ وما فِيها مِنَ المَنافِعِ والتَّعْظِيمِ. وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الزِّيادَةِ أمْرًا مُغايِرًا لِكُلِّ ما في الجَنَّةِ مِنَ المَنافِعِ والتَّعْظِيمِ، وإلّا لَزِمَ التَّكْرارُ. وكُلُّ مَن قالَ بِذَلِكَ قالَ: إنَّما هي رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الزِّيادَةِ: الرُّؤْيَةُ. ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا وجْهانِ، الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] فَأثْبَتَ لِأهْلِ الجَنَّةِ أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: نَضْرَةُ الوُجُوهِ والثّانِي: النَّظَرُ إلى اللَّهِ تَعالى، وآياتُ القُرْآنِ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا فَوَجَبَ حَمْلُ الحُسْنى هاهُنا عَلى نَضْرَةِ الوُجُوهِ، وحَمْلُ الزِّيادَةِ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] أثْبَتَ لَهُ النَّعِيمَ، ورُؤْيَةَ المُلْكِ الكَبِيرِ، فَوَجَبَ هاهُنا حَمْلُ الحُسْنى والزِّيادَةِ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذِهِ الزِّيادَةِ عَلى الرُّؤْيَةِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ، الأوَّلُ: أنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعَةٌ. والثّانِي: أنَّ الزِّيادَةَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ، ورُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ مِن جَنْسِ نَعِيمِ الجَنَّةِ. الثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ الَّذِي تَمَسَّكْتُمْ بِهِ في هَذا البابِ هو ما رُوِيَ أنَّ الزِّيادَةَ هي النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الخَبَرُ يُوجِبُ التَّشْبِيهَ؛ لِأنَّ النَّظَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَقْلِيبِ الحَدَقَةِ إلى جِهَةِ المَرْئِيِّ. وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ المَرْئِيِّ في الجِهَةِ؛ لِأنَّ الوَجْهَ اسْمٌ لِلْعُضْوِ المَخْصُوصِ، وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ التَّشْبِيهَ. فَثَبَتَ أنَّ هَذا اللَّفْظَ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى شَيْءٍ آخَرَ. وعِنْدَ هَذا قالَ الجُبّائِيُّ: الحُسْنى عِبارَةٌ عَنِ الثَّوابِ المُسْتَحَقِّ، والزِّيادَةُ هي ما يَزِيدُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذا الثَّوابِ مِنَ التَّفَضُّلِ. قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ، القُرْآنُ وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
أمّا القُرْآنُ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠] .
وأمّا أقْوالُ المُفَسِّرِينَ: فَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الزِّيادَةُ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحُسْنى هي الحَسَنَةُ، والزِّيادَةُ عَشْرُ أمْثالِها. وعَنِ الحَسَنِ: عَشْرُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةُ اللَّهِ ورِضْوانُهُ. وعَنْ يَزِيدِ بْنِ سَمُرَةَ: الزِّيادَةُ أنْ تَمُرَّ السَّحابَةُ بِأهْلِ الجَنَّةِ
صفحة ٦٤
فَتَقُولَ: ما تُرِيدُونَ أنْ أُمْطِرَكم ؟ فَلا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا أمْطَرَتْهم. أجابَ أصْحابُنا عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ فَقالُوا: أمّا قَوْلُكم: إنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى امْتِناعِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا مَمْنُوعٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا في كُتُبِ الأُصُولِ أنَّ تِلْكَ الدَّلائِلَ في غايَةِ الضَّعْفِ ونِهايَةِ السَّخافَةِ، وإذا لَمْ يُوجَدْ في العَقْلِ ما يَمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى وجاءَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ بِإثْباتِ الرُّؤْيَةِ، وجَبَ إجْراؤُها عَلى ظَواهِرِها. أمّا قَوْلُهُ: الزِّيادَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ. فَنَقُولُ: المَزِيدُ عَلَيْهِ، إذا كانَ مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، وجَبَ أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ مُخالِفَةً لَهُ.
مِثالُ الأوَّلِ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ: أعْطَيْتُكَ عَشَرَةَ أمْدادٍ مِنَ الحِنْطَةِ وزِيادَةً، فَهاهُنا يَجِبُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الزِّيادَةُ مِنَ الحِنْطَةِ.
ومِثالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: أعْطَيْتُكَ الحِنْطَةَ وزِيادَةً، فَهاهُنا يَجِبُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الزِّيادَةُ غَيْرَ الحِنْطَةِ، والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لَفْظُ ﴿الحُسْنى﴾ وهي الجَنَّةُ، وهي مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الزِّيادَةُ عَلَيْها شَيْئًا مُغايِرًا لِكُلِّ ما في الجَنَّةِ. وأمّا قَوْلُهُ: الخَبَرُ المَذْكُورُ في هَذا البابِ، اشْتَمَلَ عَلى لَفْظِ النَّظَرِ، وعَلى إثْباتِ الوَجْهِ لِلَّهِ تَعالى، وكِلاهُما يُوجِبانِ التَّشْبِيهَ. فَنَقُولُ: هَذا الخَبَرُ أفادَ إثْباتَ الرُّؤْيَةِ، وأفادَ إثْباتَ الجِسْمِيَّةِ. ثُمَّ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، ولَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِ رُؤْيَتِهِ، فَوَجَبَ تَرْكُ العَمَلِ بِما قامَ الدَّلِيلُ عَلى فَسادِهِ فَقَطْ، وأيْضًا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ هي الرُّؤْيَةُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ تُنافِي تَقْرِيرَ ذَلِكَ الخَبَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ ما يَحْصُلُ لِأهْلِ الجَنَّةِ مِنَ السَّعاداتِ، شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ الآفاتِ الَّتِي صانَهُمُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ عَنْها، فَقالَ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ والمَعْنى: لا يَغْشاها قَتَرٌ، وهي غَبَرَةٌ فِيها سَوادٌ ﴿ولا ذِلَّةٌ﴾ ولا أثَرُ هَوانٍ ولا كُسُوفٍ.
فالصِّفَةُ الأُولى: هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠، ٤١] .
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٢، ٣] والغَرَضُ مِن نَفْيِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، نَفْيُ أسْبابِ الخَوْفِ والحُزْنِ والذُّلِّ عَنْهم، لِيُعْلَمَ أنَّ نَعِيمَهُمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى خالِصٌ غَيْرُ مَشُوبٍ بِالمَكْرُوهاتِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ما إذا حَصَلَ غَيَّرَ صَفْحَةَ الوَجْهِ، ويُزِيلُ ما فِيها مِنَ النَّضارَةِ والطَّلاقَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم خالِدُونَ في الجَنَّةِ لا يَخافُونَ الِانْقِطاعَ.
واعْلَمْ أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ قالُوا: الثَّوابُ مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّعْظِيمِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَنفَعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِها خالِصَةً، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها دائِمَةً آمِنَةً مِنَ الِانْقِطاعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences