Hud 11:112
Hud · Juz 12 · Page 234
فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢
So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allāh], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 11:112
﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ﴾
تَرَتَّبَ عَنِ التَّسْلِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [هود: ١١٠] وعَنِ التَّثْبِيتِ المُفادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] الحَضُّ عَلى الدَّوامِ عَلى التَّمَسُّكِ بِالإسْلامِ عَلى وجْهٍ قَوِيمٍ. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِقامَةِ لِإفادَةِ الدَّوامِ عَلى العَمَلِ بِتَعالِيمِ الإسْلامِ، دَوامًا جِماعُهُ الِاسْتِقامَةُ عَلَيْهِ والحَذَرُ مِن تَغْيِيرِهِ.
ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ في كِتابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما جاءَ مِن أهْلِ الكِتابِ عَطَفَ عَلى أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى كِتابِهِ أمْرَ المُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الِاسْتِقامَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاعْوِجاجَ مِن دَواعِي الِاخْتِلافِ في الكِتابِ بِنُهُوضِ فِرَقٍ مِنَ الأُمَّةِ إلى تَبْدِيلِهِ لِمُجاراةِ أهْوائِهِمْ، ولِأنَّ مُخالَفَةَ الأُمَّةِ عَمْدًا إلى أحْكامِ كِتابِها إنْ هو إلّا ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الِاخْتِلافِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ اخْتِلافُها عَلى أحْكامِهِ. وفي الحَدِيثِ: «فَإنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ»، فَلا جَرَمَ أنْ كانَتِ الِاسْتِقامَةُ حائِلًا دُونَ ذَلِكَ، إذِ الِاسْتِقامَةُ هي العَمَلُ بِكَمالِ الشَّرِيعَةِ بِحَيْثُ لا يَنْحَرِفُ عَنْها قِيدَ شِبْرٍ. ومُتَعَلِّقُها العَمَلُ بِالشَّرِيعَةِ
صفحة ١٧٦
بَعْدَ الإيمانِ لِأنَّ الإيمانَ أصْلٌ فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِقامَةُ. وقَدْ أشارَ إلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأبِي عَمْرَةَ الثَّقَفِيِّ لَمّا قالَ لَهُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» فَجَعَلَ الِاسْتِقامَةَ شَيْئًا بَعْدَ الإيمانِ.
ووُجِّهَ الأمْرُ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَنْوِيهًا لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: كَما أُمِرْتَ فَيُشِيرُ إلى أنَّهُ المُتَلَقِّي لِلْأوامِرِ الشَّرْعِيَّةِ ابْتِداءً. وهَذا تَنْوِيهٌ لَهُ بِمَقامِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ أعْلَمَ بِخِطابِ أُمَّتِهِ بِذَلِكَ بِقَوْلُهُ: ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ . وكافُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: كَما أُمِرْتَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ المَأْخُوذَةِ مِنِ اسْتَقِمْ. ومَعْنى تَشْبِيهُ الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ بِها بِما أُمِرَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ لِكَوْنِ الِاسْتِقامَةِ مِمْثالَةً لِسائِرِ ما أُمِرَ بِهِ، وهو تَشْبِيهُ المُجْمَلِ بِالمُفَصَّلِ في تَفْصِيلِهِ بِأنْ يَكُونَ طِبْقَهُ. ويُئَوَّلُ هَذا المَعْنى إلى أنْ تَكُونَ الكافُ في مَعْنى (عَلى) كَما يُقالُ: كُنْ كَما أنْتَ. أيْ لا تَتَغَيَّرْ ولْتُشْبِهْ أحْوالُكَ المُسْتَقْبَلَةُ حالَتَكَ هَذِهِ.
(ومَن تابَ) عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في (أُمِرْتَ) . ومُصَحِّحُ العَطْفِ مَوْجُودٌ وهو الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ.
و(مَن تابَ) هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ الإيمانَ تَوْبَةٌ مِنَ الشِّرْكِ. و(مَعَكَ) حالٌ مِن (تابَ) ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِتابَ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أُصُولَ الصَّلاحِ الدِّينِيِّ وفُرُوعِهِ لِقَوْلِهِ: كَما أُمِرْتَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آيَةٌ هي أشَدُّ ولا أشَقُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ قالَ لِأصْحابِهِ حِينَ قالُوا لَهُ: لَقَدْ أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها» . وسُئِلَ عَمّا في هُودٍ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ .
* * *
صفحة ١٧٧
﴿ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
الخِطابُ في قَوْلِهِ: ولا تَطْغَوْا مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقَ عَلَيْهِمْ ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ .
والطُّغْيانُ أصْلُهُ التَّعاظُمُ والجَراءَةُ وقِلَّةُ الِاكْتِراثِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ هُنا الجَراءَةُ عَلى مُخالَفَةِ ما أُمِرُوا بِهِ، قالَ - تَعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] . فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ مُخالَفَةِ أحْكامِ كِتابِهِ كَما نَهى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَدْ شَمِلَ الطُّغْيانُ أُصُولَ المَفاسِدِ، فَكانَتِ الآيَةُ جامِعَةً لِإقامَةِ المَصالِحِ ودَرْءِ المَفاسِدِ، فَكانَ النَّهْيُ عَنْهُ جامِعًا لِأحْوالِ مَصادِرِ الفَسادِ مِن نَفْسِ المُفْسِدِ وبَقِيَ ما يُخْشى عَلَيْهِ مِن عَدْوى فَسادِ خَلِيطِهِ فَهو المَنهِيُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذا ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ [هود: ١١٣] .
وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: جَعَلَ اللَّهُ الدِّينَ بَيْنَ لاءَيْنِ ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ - ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ [هود: ١١٣]
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَحْذِيرِ مَن أخْفى الطُّغْيانَ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ المُسْلِمُونَ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ وصْفُ (بَصِيرٌ) مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الأسْماءِ الحُسْنى لِدَلالَةِ مادَّتِهِ عَلى العِلْمِ البَيِّنِ ودَلالَةِ صِيغَتِهِ عَلى قُوَّتِهِ.
Page 234
11:109
فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ مَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبۡلُۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمۡ نَصِيبَهُمۡ غَيۡرَ مَنقُوصٖ ١٠٩
So do not be in doubt, [O Muḥammad], as to what these [polytheists] are worshipping. They worship not except as their fathers worshipped before. And indeed, We will give them their share undiminished.
11:110
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١١٠
And We had certainly given Moses the Scripture, but it came under disagreement. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.
1 translator’s note
- See footnote to 10:19. ↩
11:111
وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١١
And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Aware of what they do.
11:112
فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢
So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allāh], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.
11:113
وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣
And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allāh any protectors; then you would not be helped.
11:114
وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤
And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.
11:115
وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٥
And be patient, for indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good.
11:116
فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ ١١٦
So why were there not1 among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.
1 translator’s note
- Meaning "If only there had been..." ↩
11:117
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ ١١٧
And your Lord would not have destroyed the cities unjustly while their people were reformers.