Ar-Ra'd 13:3
The Thunder · Juz 13 · Page 249
وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٣
And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.
Tafsir · in Arabic
Al-Biqa'i
Detailed
Change
Commentary on 13:3
ولَمّا انْقَضى ما أرادَ مِن آياتِ السَّماواتِ، ثَنّى بِما فِيما ثَنّى بِهِ في آيَةِ يُوسُفَ مِنَ الدَّلالاتِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَها كالجِدارِ أوِ الأزَجِ لا يُسْتَطاعُ القَرارُ عَلَيْها، وهَذا لا يُنافِي أنْ تَكُونَ كُرْيَةً، لِأنَّ الكُرَةَ إذا عَظُمَتْ كانَ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها تُشاهَدُ كالسَّطْحِ، كَما أنَّ الجِبالَ أوْتادٌ والحَيَوانَ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها ﴿وجَعَلَ فِيها﴾ جِبالًا مَعَ شُهُوقِها ﴿رَواسِيَ﴾ أيْ ثَوابِتَ، واحِدُها راسِيَةٌ أيْ ثابِتَةٌ باقِيَةٌ في حَيِّزِها غَيْرِ مُنْتَقِلَةٍ عَنْ (p-٢٧٥)أماكِنِها لا تَتَحَرَّكُ، فَلا يَتَحَرَّكُ ما هي راسِيَةٌ فِيهِ. ولَمّا غَلَبَ عَلى الجِبالِ وصَفَها بِالرَّواسِي، صارَتِ الصِّفَةُ تُغْنِي عَنِ المَوْصُوفِ فَجُمِعَتْ جَمْعَ الِاسْمِ كَحائِطٍ وكاهِلٍ - قالَهُ أبُو حَيّانَ، ولَمّا كانَتْ طَبِيعَةُ الأرْضِ واحِدَةً كانَ حُصُولُ الجَبَلِ في جانِبٍ مِنها دُونَ آخَرَ ووُجُودُ المَعادِنِ المُتَخالِفَةِ فِيها تارَةً جَوْهَرِيَّةً، وتارَةً خامِيَّةً، وتارَةً نِفْطِيَّةً، وتارَةً كِبْرِيتِيَّةً - إلى غَيْرِ ذَلِكَ، دَلِيلًا عَلى اخْتِصاصِهِ تَعالى بِتَمامِ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ لِأنَّ الجَبَلَ واحِدٌ في الطَّبْعِ كَما أنَّ تَأْثِيرَ الشَّمْسِ واحِدٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿وأنْهارًا﴾ أيْ وجَعَلَ فِيها خارِجَةً [مِنها]، وأكْثَرُ ما تَكُونُ الأنْهارُ مِنَ الجِبالِ، لِأنَّها أجْسامٌ صُلْبَةٌ عالِيَةٌ، وفي خِلالِ الأرْضِ أبْخِرَةٌ فَتَصاعَدَ تِلْكَ الأبْخِرَةُ المُتَكَوِّنَةُ في قَعْرِ الأرْضِ، ولا تَزالُ تُخْرَقُ حَتّى تَصِلَ إلَيْها فَتَحْتَبِسُ بِها فَلا تَزالُ تَتَكامَلُ حَتّى يَعْظُمَ تَكاثُفُها، فَإذا بَرُدَتْ صارَتْ ماءً فَيَحْصُلُ بِسَبَبِها مِياهٌ كَثِيرَةٌ كَما تَنْعَقِدُ الأبْخِرَةُ البُخارِيَّةُ المُتَكاثِفَةُ في أعالِي الحَمّاماتِ إذا بَرُدَتْ وتَتَقاطَرُ، فَإذا تَكامَلَ انْعِقادُ تِلْكَ المِياهِ وعَظُمَتْ شَقَّتْ أسافِلَ (p-٢٧٦)الجِبالِ أوْ غَيْرِها مِنَ الأماكِنِ الَّتِي تَسْتَضْعِفُها لِقُوَّتِها وقُوَّةِ الأبْخِرَةِ المُصاحِبَةِ لَها، فَإنْ كانَ لِتِلْكَ المِياهِ مَدَدٌ مِن جِهَةِ الفَواعِلِ والقَوابِلِ بِحَيْثُ كَلَّما نَبَعَ مِنها شَيْءُ حَدَثَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ، وهَكَذا عَلى الِاتِّصالِ فَهي النَّهْرُ، والنَّهْرُ: المَجْرى الواسِعُ مِن مَجارِي الماءِ، وأصْلُهُ الِاتِّساعُ، ومِنهُ النَّهارُ - لِاتِّساعِ ضِيائِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ الأنْهارَ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنِ المِياهِ فَقالَ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الأشْياءِ؟ فَقِيلَ: ﴿جَعَلَ فِيها﴾ أيِ الأرْضَ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى مِن كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الحَيَوانِ يَنْتَفِعُ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وجَعَلَ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى تَنْتَفِعُ [الأُنْثى] بِلِقاحِها مِنَ الذَّكَرِ أوْ قَرَّبَهُ مِنها فَيَجُودُ ثَمَرُها؛ والثَّمَرَةُ طُعْمَةُ الشَّجَرَةِ، والزَّوْجُ: شَكْلٌ [لَهُ] قَرِينٌ مِن نَظِيرٍ أوْ نَقِيضٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي يُنْضِجُها؟ فَقالَ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أيْ والنَّهارَ اللَّيْلَ، فَيَنْضَجُ هَذا بَحْرِّهِ ويُمْسِكُ هَذا بِبَرْدِهِ، فَيَعْتَدِلُ فِعْلُهُما عَلى ما قَدَّرَهُ تَعالى لَهُما في السَّيْرِ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ لِلْحَرِّ والبَرْدِ لِلْإخْراجِ والإنْضاجِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ النّافِعَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا الظّاهِرِ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ أنَّها بِتَدْبِيرِهِ بِفِعْلِهِ (p-٢٧٧)واخْتِيارِهِ وقَهْرِهِ واقْتِدارِهِ.
ولَمّا ساقَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ مُفَصَّلَةً إلى أرْبَعٍ وكانَ فِيها دِقَّةٌ، جَمَعَها وناطَها بِالفِكْرِ فَقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الَّذِي وقَعَ التَّحْدِيثُ عَنْهُ مِنَ الآياتِ مُتَعاطِفًا ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٌ واضِحاتٌ عَجِيباتٌ باهِراتٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُسْتَنِدٌ إلى قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ المَقامَ يَحْتاجُ إلى تَعَبٍ بِتَجْرِيدِ النَّفْسِ مِنَ الهَوى وتَحْكِيمِ العَقْلِ صَرْفًا بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ ذَوِي قُوَّةٍ زائِدَةٍ عَلى القِيامِ فِيما يُحاوِلُونَهُ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ يَجْتَهِدُونَ في الفِكْرِ، قالَ الرُّمّانِيُّ: وهو تَصَرُّفُ القَلْبِ في طَلَبِ المَعْنى، ومَبْدَأُ ذَلِكَ مَعْنًى يُخْطِرُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى بالِ الإنْسانِ فَيَطْلُبُ مُتَعَلِّقاتِهِ الَّتِي فِيها بَيانٌ عَنْهُ مِن كُلِّ وجْهٍ يُمْكِنُ فِيهِ، والخَتْمُ بِالتَّفَكُّرِ إشارَةٌ إلى الِاهْتِمامِ بِإعْطاءِ المَقامِ حَقَّهُ في الرَّدِّ عَلى الفَلاسِفَةِ، فَإنَّهم يُسْنِدُونَ حَوادِثَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الِاخْتِلافاتِ الواقِعَةِ في الأشْكالِ الكَوْكَبِيَّةِ، وهو كَلامٌ ساقِطٌ لِمَن تَفَكَّرَ فِيما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في الآيَةِ السّالِفَةِ مِن إسْقاطِ [وُرُودِهِ] مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي أوْجَدَ الأشْياءَ كُلَّها مِن عَدَمٍ ثُمَّ أخَذَ في تَدْبِيرِها، فاخْتِصاصُ كُلِّ [شَيْءٍ] مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ بِطَبْعٍ وصِفَةٍ وخاصِّيَّةٍ إنَّما هو بِتَخْصِيصِ المُدَبِّرِ (p-٢٧٨)الحَكِيمِ الفاعِلِ بِالِاخْتِيارِ، فَصارَ وُجُودُ الحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ لَوْ سَلَّمَ أنَّهُ مُتَأثِّرٌ عَنِ الحَوادِثِ العُلْوِيَّةِ إنَّما يَكُونُ مُسْتَنِدًا إلَيْها بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ، والسَّبَبُ والمُسَبِّبُ مُسْتَنِدٌ إلى الصّانِعِ القَدِيمِ المُدَبِّرِ الحَكِيمِ.
Page 249
سورة الرعد
Ar-Ra'd
The Thunder · Medinan · 43 ayahs
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
13:1
الٓمٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١
Alif, Lām, Meem, Rā.1 These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.
1 translator’s note
- See footnote to 2:1. ↩
13:2
ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ ٢
It is Allāh who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne1 and made subject2 the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.
13:3
وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٣
And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.
13:4
وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٤
And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise,1 watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.
1 translator’s note
- i.e., only one from a root. ↩
13:5
۞ وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٥
And if you are astonished,1 [O Muḥammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles2 upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.