Al-Biqa'iAr‑Ra'd · 13:1–3

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الرعد

Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

13:1Page 249

الٓمٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١

Alif, Lām, Meem, Rā.1 These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.

(p-٢٦٢)سُورَةُ الرَّعْدِ

مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ الحَقُّ في نَفْسِهِ، وتارَةً يَتَأثَّرُ عَنْهُ مَعَ أنَّ [لَهُ] صَوْتًا وصِيتًا وإرْعابًا وإرْهابًا يَهْدِي بِالفِعْلِ، وتارَةً لا يَتَأثَّرُ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِلضَّلالِ والعَمى، وأنْسُبُ ما فِيها [لِهَذا] المَقْصِدِ الرَّعْدُ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ يَسْمَعُهُ الأعْمى والبَصِيرُ والبارِزُ والمُسْتَتِرُ، وتارَةً يَتَأثَّرُ عَنْهُ البَرْقُ والمَطَرُ وتارَةً لا، وإذا نَزَلَ المَطَرُ فَتارَةً يَنْفَعُ إذا أصابَ الأراضِيَ الطَّيِّبَةَ وسَلِمَتْ مِن عاهَةٍ، وتارَةً يَخِيبُ إذا نَزَلَ عَلى السِّباخِ الخَوّارَةِ وتارَةً يَضُرُّ بِالإغْراقِ أوِ الصَّواعِقِ أوِ البَرْدِ وغَيْرِها - واللَّهُ أعْلَمُ.

”بِسْمِ اللَّهِ“ الحُقُّ الَّذِي كَلُّ ما عَداهُ باطِلٌ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ ”الرَّحِيم“الَّذِي خَصَّ مَن شاءَ بِما يَرْضاهُ عَظِيمُ الوَهْيَةِ ﴿المر﴾ .

لَمّا خَتَمَ الَّتِي قَبْلَها بِالدَّلِيلِ عَلى حَقِّيَّةِ القُرْآنِ وأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، بَعْدَ أنْ أشارَ إلى كَثْرَةِ ما يُحِسُّونَهُ مِن آياتِهِ في السَّماواتِ (p-٢٦٣)والأرْضِ مَعَ الإعْراضِ، ابْتَدَأ هَذِهِ بِذَلِكَ عَلى طَرِيقِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوِّشِ لِأنَّهُ أفْصَحُ لِلْبَداءَةِ في نَشْرِهِ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الأنْباءُ المَتْلُوَّةُ والأقاصِيصُ المَجْلُوَّةُ المُفَصَّلَةُ بَدْرُ المَعانِي وبَدِيعُ الحِكَمِ وثابِتُ القَواعِدِ والمَبانِي العالِيَةِ المَراتِبِ ﴿آياتُ﴾ والآيَةُ: الدَّلالَةُ العَجِيبَةُ في التَّأْدِيَةِ إلى المَعْرِفَةِ ﴿الكِتابِ﴾ المُنَزَّلِ إلَيْكَ ”و“ جَمِيعُ ”الَّذِي“.

ولَمّا كانَ تَحَقُّقُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن عِنْدِ المَلِكِ أمْرًا لا يَطْرُقُهُ مُرِيهِ لِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ، وكَذا ما تَبِعَهُ مِن بَيانِهِ بِالسُّنَّةِ لِما لَهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا يَخَفَ عَلى [كُلِّ] عاقِلٍ، وكانَ [ما] تَحَقَّقَ أنَّهُ كَذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ الآتِيَ بِهِ لا يَكُونُ إلّا عَظِيمًا، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ كائِنٌ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ فَثَبَتَ حِينَئِذٍ قَطْعًا أنَّهُ هو ﴿الحَقُّ﴾ أيِ المَوْضُوعُ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ في مَوْضِعِهِ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ، الواضِحُ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ شَيْءٌ مِنهُ عَنْ مُطابَقَةِ الواقِعِ مِن بَعْثٍ ولا غَيْرِهِ، فَهو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ وعْدَهُ بِالبَعْثِ سِحْرٌ، فَوَجَبَ [لِثُبُوتِ] حَقِّيَّتِهِ عَلى كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالعَقْلِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ (p-٢٦٤)أيِ الآنِسِينَ بِأنْفُسِهِمُ المُضْطَرِبِينَ في آرائِهِمْ،

﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ أصْلًا بِأنَّهُ الحَقُّ في نَفْسِهِ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، وإنَّهُ تَخْيِيلٌ لَيْسَتْ مُعايَنَةً - كَما قُلْنا ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] فَلَيْسَ هُدًى لَهم كامِلًا ولا رَحْمَةً تامَّةً، هَذا التَّقْدِيرُ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ [ظاهِرُ] قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ [الرعد: ١٩] أنَّ ”الَّذِي“ مُبْتَدَأٌ، و”مِن رَبِّك“ صِلَةُ ”أُنْزَلَ“ والخَبَرُ ”الحَقُّ“ والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ هَذِهِ الآيَةُ، وهي وصْفُ المُنَزَّلِ بِأنَّهُ الحَقُّ وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا تَمَّ [وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ حَكِيمٌ مُحْكَمٌ مُفَصَّلٌ مُبِينٌ، عَطْفُ الكَلامِ إلى تَفْصِيلِ أوَّلٍ] [سُورَةُ البَقَرَةِ]، والإيماءُ إلى أنَّهُ حانَ اجْتِناءُ الثَّمَرَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي بَعْدَها، ويَلْتَحِمُ بِذَلِكَ [وصْفُ] المُصَدِّقِينَ بِذَلِكَ - كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ في بُرْهانِهِ: هَذِهِ السُّورَةُ تَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في خاتِمَةِ سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ (p-٢٦٥)أوْ تَأْتِيَهم السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٧] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]

فَبَيانُ أيِ السَّماواتِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] وبَيانُ أيِ الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] فَهَذِهِ أيِ السَّماواتُ والأرْضُ، وقَدْ زِيدَتْ بَيانًا في مَواضِعَ، ثُمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الرعد: ٣] ما يَكُونُ مِنَ الآياتِ عَنْهُنَّ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ عَنْ جُرْمِ الأرْضِ، والضِّياءِ عَنْ نُورِ الشَّمْسِ وهي سَماوِيَّةٌ، ثُمَّ زادَ تَعالى آياتِ الأرْضِ بَيانًا وتَفْصِيلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ [الرعد: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ولَمّا كانَ إخْراجُ الثَّمَرِ بِالماءِ النّازِلِ [مِنَ السَّماءِ مِن أعْظَمِ آيَةٍ، ودَلِيلًا واضِحًا عَلى صِحَّةِ المَعادِ، ولِهَذا قالَ تَعالى] في الآيَةِ الأُخْرى ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ [الأعراف: ٥٧] وكانَ قَدْ ورَدَ هُنا أعْظَمُ جِهَةٍ في الِاعْتِبارِ مِن إخْراجِها مُخْتَلِفاتٍ في الطَّعُومِ والألْوانِ والرَّوائِحِ (p-٢٦٦)مَعَ اتِّحادِ المادَّةِ ”يُسْقى“ بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأكْلِ لِذَلِكَ ما أعْقَبَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ [الرعد: ٤] الآيَةُ [بِقَوْلِهِ] ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ القائِلَ بِهَذا وأنَّهُمُ الكافِرُونَ أهِلُ الخُلُودِ في النّارِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِبَيانٍ عَظِيمٍ حِلْمُهُ وعَفْوُهُ فَقالَ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦] - الآيَةُ، ثُمَّ أتْبَعَ [ذَلِكَ] بِما يَشْعُرُ بِالجَرْيِ [عَلى السَّوابِقِ] في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] ثُمَّ بَيَّنَ عَظِيمَ مُلْكِهِ واطِّلاعِهِ عَلى دَقائِقَ ما أوْجَدَهُ مِن جَلِيلِ صُنْعِهِ واقْتِدارِهِ فَقالَ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ [الرعد: ٨] - الآياتُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١] ثُمَّ خَوَّفَ عِبادَهُ وأنْذَرَهم ورَغَّبَهم ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] الآياتُ وكُلُّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى ما أوْدَعَ سُبْحانَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ الآياتِ، وفي ذَلِكَ أكْثَرُ أيِ السُّورَةِ ونَبَّهَ تَعالى عَلى الآيَةِ الكُبْرى والمُعْجِزَةِ العُظْمى فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ [الرعد: ٣١] والمُرادُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] والتَّنْبِيهُ بِعَظِيمِ هَذِهِ (p-٢٦٧)الآياتِ مُناسِبٌ لِمُقْتَضى السُّورَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ بِما أوْدَعَ تَعالى مِنَ الآياتِ في السَّماواتِ والأرْضِ، وكَأنَّهُ جَلَّ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ لَهم عَظِيمَ ما أوْدَعَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ الآياتِ وبَسَطَ ذَلِكَ وأوْضَحَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِآيَةٍ أُخْرى جامِعَةٍ لِلْآياتِ ومُتَّسِعَةٍ لِلِاعْتِباراتِ فَقالَ تَعالى

﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] فَهو مِن نَحْوِ ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣] ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ [الجاثية: ٤] أيْ لَوْ فَكَّرْتُمْ في آياتِ السَّماواتِ والأرْضِ لَأقَلَّتْكم وكَفَتْكم في بَيانِ الطَّرِيقِ إلَيْهِ ولَوْ فَكَّرْتُمْ في أنْفُسِكم وما أوْدَعَ تَعالى فِيكم مِنَ العَجائِبِ لاكْتَفَيْتُمْ ”مِن عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ“ فَمِن قَبِيلِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ الِاعْتِبارِ هو الواقِعُ في [سُورَةِ الرَّعْدِ] مَن بَسْطِ [آياتِ] السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ ذَكَرَ القُرْآنَ وما يَحْتَمِلُ، فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الجَلِيلَةُ مِن بَسْطِ الآياتِ المُودَعَةِ في الأرْضِينَ والسَّماواتِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] فَقَدْ أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فالَّذِينَ تَطْمَئِنُّ (p-٢٦٨)قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ هم أُولُو الألْبابِ المُتَذَكِّرُونَ التّامُّو الإيمانِ وهُمُ القَلِيلُ المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] والمَقُولُ فِيهِمْ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] ودُونَ هَؤُلاءِ طَوائِفُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا في دَرَجاتِهِمْ ولا بَلَغُوا يَقِينَهُمْ، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «الشِّرْكُ في أُمَّتِي أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ» فَهَذا بَيانُ ما أجْمَلَ في قَوْلِهِ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧] فَما عَجَّلَ لَهم مِن ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١] القاطِعُ دابِرَهُمْ، [و]المُسْتَأْصِلُ لِأمْرِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] الآيَةُ، فَقَدْ أوْضَحَتْ أيْ سُورَةُ الرَّعْدِ سَبِيلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيَّنَهُ بِما تَحَمَّلَتْهُ مِن عَظِيمِ التَّنْبِيهِ وبَسْطِ الدَّلائِلِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وما في العالَمِ بِجُمْلَتِهِ وما تَحَمَّلَهُ الكِتابُ المُبِينُ - كَما تَقَدَّمَ، ثُمَّ [قَدْ] تَعَرَّضَتِ السُّورَةُ لِبَيانِ جَلِيِّ سالِكِي تِلْكَ السَّبِيلِ الواضِحَةِ المُنْجِيَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] إلى آخِرِ ما حَلّاهم بِهِ أخْذًا وتَرْكًا، ثُمَّ عادَ الكَلامُ بَعْدُ إلى ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ (p-٢٦٩)والبَسْطِ وتَقْرِيعِ الكُفّارِ وتَوْبِيخِهِمْ وتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أمْرِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا﴾ [الرعد: ٤٣] والسُّورَةُ بِجُمْلَتِها غَيْرُ حائِدَةٍ عَنْ تِلْكَ الأغْراضِ المُجْمَلَةِ في الآياتِ الأرْبَعِ المَذْكُوراتِ مِن آخِرِ [سُورَةِ يُوسُفَ ]، ومُعْظَمُ السُّورَةِ وغالِبُ آيِها في التَّنْبِيهِ وبَسْطِ الدَّلالاتِ والتَّذْكِيرِ بِعَظِيمِ ما أوْدَعَتْ مِنَ الآياتِ؛ ولَمّا كانَ هَذا شَأْنُها أعْقَبَتْ بِمُفْتَتَحِ [سُورَةِ إبْراهِيمَ] عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتَهى.

13:2Page 249

ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ ٢

It is Allāh who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne1 and made subject2 the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.

فَلَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ لِهَذا الكِتابِ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِكَوْنِهِ حَقًّا فَثَبَتَ أنَّهُ أعْظَمُ الأدِلَّةِ والآياتِ، شَرَعَ يُذَكِّرُ ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٥] مِنَ الآياتِ المَحْسُوسَةِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِ آياتِ الكِتابِ حَقًّا بِما لَها في أنْفُسِها مِنَ الثَّباتِ، والدّالَّةِ، بِما لِفاعِلِها مِنَ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ - عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ البَعْثِ حَقٌّ لِما لَهُ مِنَ الحِكْمَةِ، والدّالَّةِ - بِما لِلتَّعْبِيرِ عَنْها مِنَ الإعْجازِ - عَلى كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبَدَأ بِما بَدَأ بِهِ في تِلْكَ مِن آياتِ السَّماواتِ لِشَرَفِها ولِأنَّها أدَلُّ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ (p-٢٧٠)وحَدَهُ ﴿الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ بَعْدَ إيجادِها مِن عَدَمٍ - كَما أنْتُمْ بِذَلِكَ مَقْرُونٌ؛ والرَّفْعُ: وضْعُ الشَّيْءِ في جِهَةِ العُلُوِّ سَواءٌ كانَ بِالنَّقْلِ أوْ بِالِاخْتِراعِ، كائِنَةً ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جَمْعُ عِمادٍ كَأُهُبٍ وإهابٍ [أوْ عَمُودٍ، والعَمُودُ: جِسْمٌ مُسْتَطِيلٌ يَمْنَعُ المُرْتَفَعَ أنْ يَمِيلَ، وأصْلُهُ مَنعُ المَيْلِ] ﴿تَرَوْنَها﴾ أيْ مَرْئِيَّةً حامِلَةً لِهَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ الَّتِي مِثْلُها لا تَحْمِلُ في مَجارِي عاداتِكم إلّا بَعْدَ تَناسُبِها في العَظْمِ، هَذا عَلى أنَّ ﴿تَرَوْنَها﴾ صِفَةٌ، ويَجُوزُ - ولَعَلَّهُ أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ مِن كَأنَّهُ قالَ: ما دَلِيلُ أنَّها بِغَيْرِ عَمَدٍ؟ فَقِيلَ: المُشاهَدَةُ [الَّتِي] لا أجْلى مِنها.

[ولَمّا كانَ رَفْعُ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وقَبْلَ تَسْوِيَتِها، ذَكَرَ أنَّهُ شَرَعَ فِي] تَدْبِيرِ ما لِلْكَوْنَيْنِ مِنَ المَنافِعِ وما فِيهِما مِنَ الأعْراضِ والجَواهِرِ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ التَّدْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قالَ الرّازِيُّ في لَوامِعِ ”البُرْهانِ: وخَصَّ العَرْشَ لِأنَّهُ أعْلى خَلْقِهِ وصَفْوَتِهِ“ ومَنظَرُهُ الأعْلى ومَوْضِعُ تَسْبِيحِهِ ومَظْهَرُ مُلْكِهِ ومَبْدَأُ وحُيِهِ ومَحَلُّ قُرْبِهِ، ولَمْ يَنْسَبْ شَيْئًا مِن خَلْقِهِ كَنِسْبَتِهِ، فَقالَ (p-٢٧١)تَعالى: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ [البروج: ١٥] كَما قالَ ﴿ذُو الجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧] و”ذُو“ كَلِمَةٌ لِحَقٍّ واتِّصالٍ وظُهُورٍ ومَبْدَأٍ، وقالَ الرُّمّانِيُّ: والِاسْتِواءُ: الِاسْتِيلاءُ بِالِاقْتِدارِ ونُفُوذِ السُّلْطانِ، وأصْلُهُ: اسْتَوى التَّدْبِيرُ، كَما أنَّ أصْلَ القِيامِ الِانْتِصابُ، ثُمَّ يُقالُ: قائِمٌ بِالتَّدْبِيرِ - انْتَهى. وعَبَّرَ بـِ ”ثُمَّ“ لِبُعْدِ هَذِهِ [الرُّتْبَةِ] عَنِ الأطْماعِ وعُلُوِّها عَمّا يُسْتَطاعُ، فَلَيْسَ هُناكَ تَرْتِيبٌ ولا مُهْلَةٌ حَتّى يَفْهَمَ [أنَّ] ما قَبْلُ كانَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ أنَّهُ أخَذَ في التَّدْبِيرِ لِما خَلَقَ كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ إذا اسْتَوَوُا عَلى عُرُوشِهِمْ، أيْ لَمْ يَكُنْ لَهم مُدافِعٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ جُلُوسٌ أصْلًا، وذَلِكَ لِأنَّ رُوحَ المَلِكِ التَّدْبِيرُ وهو أعْدَلُ أحْوالِهِ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿وسَخَّرَ﴾ أيْ ذَلَّلَ تَذْلِيلًا عَظِيمًا ﴿الشَّمْسَ﴾ أيِ الَّتِي [هِيَ آيَةُ النَّهارِ] ﴿والقَمَرَ﴾ [أيِ] الَّذِي هو آيَةُ اللَّيْلِ لِما فِيهِما مِنَ الحِكَمِ والمَنافِعِ والمَصالِحِ الَّتِي] بِها صَلاحُ البِلادِ والعِبادِ، ودَخَلَتِ اللّامُ فِيهِما وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما لا ثانِيَ لَهُ لِما في الِاسْمِ مِن مَعْنى الصِّفَةِ، إذًا لَوْ وجَدَ مِثْلَ لَهُما لَمْ يَتَوَقَّفْ في إطْلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ، (p-٢٧٢)ولا كَذَلِكَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. والتَّسْخِيرُ: التَّهْيِئَةُ لِذَلِكَ المَعْنى المُسَخَّرِ لَهُ لِيَكُونَ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ مُعاناةِ صاحِبِهِ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ كَتَسْخِيرِ النّارِ لِلْإنْضاجِ والماءِ لِلْجَرَيانِ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ مِنَ الكَوْكَبَيْنِ ﴿يَجْرِي﴾ .

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّدْبِيرِ، عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِجَرْيِهِما لِذَلِكَ، وهو تَنَقُّلُهُما في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ الَّتِي يَتَحَوَّلُ بِها الفُصُولُ، ويَتَغَيَّرُ النَّباتُ وتُضْبَطُ الأوْقاتُ، وكُلَّما كانَ التَّدْبِيرُ أسْرَعَ، عَلِمَ أنَّ صاحِبَهُ أعْلَمُ ولا سِيَّما إنْ كانَ أحْكَمَ، فَكانَ المَوْضِعُ لِلّامِ لا لِإلى، فَعَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِأجْلِ﴾ أيْ لِأجْلِ اخْتِصاصِهِ بِأجَلٍ ﴿مُسَمًّى﴾ هَذِي أجْلُها سَنَةٌ، وذاكَ أجَلُهُ شَهْرٌ؛ والأجَلُ: الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِحُدُوثِ أمْرٍ وانْقِطاعِهِ.

ولَمّا كانَ كُلُّ مِن ذَلِكَ مُشْتَمِلًا مِنَ الآياتِ عَلى ما يَجِلُّ عَنِ الحَصْرِ مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ الإحْكامِ، اسْتَأْنَفَ خَبَرًا هو كالتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيما مَضى مِنَ الحِكْمَةِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ بَعْدَ أنْ أشارَ إلى عَظَمَةِ هَذا الخَبَرِ بِما في صِلَةِ المَوْصُولِ مِنَ الأوْصافِ العَظِيمَةِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ في المَعاشِ والمَعادِ وما يُنَظِّمُهُما بِأنْ يَفْعَلَ فِيهِ فِعْلَ مَن يَنْظُرُ في (p-٢٧٣)أدْبارِهِ وعَواقِبِهِ لِيَأْتِيَ مُحْكَمًا يَجِلُّ عَنْ أنْ يُرامَ بِنَقْضٍ، بَلْ هو بِالحَقِيقَةِ الَّذِي يَعْلَمُ أدْبارَ الأُمُورِ وعَواقِبَها، لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، مَعَ أنَّ هَذا العالَمَ - مِن أعْلى العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى - مُحْتَوٍ عَلى أجْناسٍ وأنْواعٍ وفُصُولٍ وأصْنافٍ وأشْخاصٍ لا يُحِيطُ بِها سِواهُ، وذَلِكَ دالٌّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ [سُبْحانَهُ] في ذاتِهِ وصِفاتِهِ مُتَعالٍ عَنْ مُشابَهَةِ المُحْدَثاتِ واحِدٌ أحَدٌ صَمَدٌ لَيْسَ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ.

ولَمّا كانَ هَذا بَيانًا عَظِيمًا لا لَبْسَ فِيهِ، قالَ ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [أيِ] الَّتِي بَرَزَ إلى الوُجُودِ تَدْبِيرُها، الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ، المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها مُبْدِعاتُهُ، فَيُفَرِّقُها ويُبايِنُ بَيْنَها مُبايَنَةً لا لَبْسَ فِيها، تَقْرِيبًا لِعُقُولِكم وتَدْرِيبًا لِفُهُومِكُمْ، لِتَعْلَمُوا أنَّها فِعْلُ الواحِدِ المُخْتارِ، لا فِعْلَ الطَّبائِعِ ولا غَيْرَها مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أبْدَعَها، وإلّا فَكانَتْ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وجَمَعَها لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإشارَةِ إلى كَثْرَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] فَكَأنَّ هَذِهِ الألِفَ واللّامَ لِذَلِكَ المُنْكَرِ [هُناكَ].

(p-٢٧٤)ولَمّا كانَ هَذا التَّدْبِيرُ وهَذا التَّفْصِيلُ دالًّا عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وغايَةِ الحِكْمَةِ، وكانَ البَعْثُ لِفَصْلِ القَضاءِ والحُكْمِ بِالعَدْلِ وإظْهارِ العَظَمَةِ هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ، عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكُمْ﴾ أيْ لِتَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى لَهُ بِما يَنْظُرُ مِنَ الدَّلالاتِ الإيقانُ بِلِقاءِ المُوجِدِ لَهُ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِجَمِيعِ ما يَحْتاجُهُ التَّرْبِيَةُ ﴿تُوقِنُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ شَكٍّ اسْتِدْلالًا بِالقُدْرَةِ عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ عَلى القُدْرَةِ عَلى ما جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ وهو الإعادَةُ، وأنَّهُ لا تَتِمُّ الحِكْمَةُ إلّا بِذَلِكَ.

13:3Page 249

وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٣

And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.

ولَمّا انْقَضى ما أرادَ مِن آياتِ السَّماواتِ، ثَنّى بِما فِيما ثَنّى بِهِ في آيَةِ يُوسُفَ مِنَ الدَّلالاتِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَها كالجِدارِ أوِ الأزَجِ لا يُسْتَطاعُ القَرارُ عَلَيْها، وهَذا لا يُنافِي أنْ تَكُونَ كُرْيَةً، لِأنَّ الكُرَةَ إذا عَظُمَتْ كانَ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها تُشاهَدُ كالسَّطْحِ، كَما أنَّ الجِبالَ أوْتادٌ والحَيَوانَ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها ﴿وجَعَلَ فِيها﴾ جِبالًا مَعَ شُهُوقِها ﴿رَواسِيَ﴾ أيْ ثَوابِتَ، واحِدُها راسِيَةٌ أيْ ثابِتَةٌ باقِيَةٌ في حَيِّزِها غَيْرِ مُنْتَقِلَةٍ عَنْ (p-٢٧٥)أماكِنِها لا تَتَحَرَّكُ، فَلا يَتَحَرَّكُ ما هي راسِيَةٌ فِيهِ. ولَمّا غَلَبَ عَلى الجِبالِ وصَفَها بِالرَّواسِي، صارَتِ الصِّفَةُ تُغْنِي عَنِ المَوْصُوفِ فَجُمِعَتْ جَمْعَ الِاسْمِ كَحائِطٍ وكاهِلٍ - قالَهُ أبُو حَيّانَ، ولَمّا كانَتْ طَبِيعَةُ الأرْضِ واحِدَةً كانَ حُصُولُ الجَبَلِ في جانِبٍ مِنها دُونَ آخَرَ ووُجُودُ المَعادِنِ المُتَخالِفَةِ فِيها تارَةً جَوْهَرِيَّةً، وتارَةً خامِيَّةً، وتارَةً نِفْطِيَّةً، وتارَةً كِبْرِيتِيَّةً - إلى غَيْرِ ذَلِكَ، دَلِيلًا عَلى اخْتِصاصِهِ تَعالى بِتَمامِ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ لِأنَّ الجَبَلَ واحِدٌ في الطَّبْعِ كَما أنَّ تَأْثِيرَ الشَّمْسِ واحِدٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿وأنْهارًا﴾ أيْ وجَعَلَ فِيها خارِجَةً [مِنها]، وأكْثَرُ ما تَكُونُ الأنْهارُ مِنَ الجِبالِ، لِأنَّها أجْسامٌ صُلْبَةٌ عالِيَةٌ، وفي خِلالِ الأرْضِ أبْخِرَةٌ فَتَصاعَدَ تِلْكَ الأبْخِرَةُ المُتَكَوِّنَةُ في قَعْرِ الأرْضِ، ولا تَزالُ تُخْرَقُ حَتّى تَصِلَ إلَيْها فَتَحْتَبِسُ بِها فَلا تَزالُ تَتَكامَلُ حَتّى يَعْظُمَ تَكاثُفُها، فَإذا بَرُدَتْ صارَتْ ماءً فَيَحْصُلُ بِسَبَبِها مِياهٌ كَثِيرَةٌ كَما تَنْعَقِدُ الأبْخِرَةُ البُخارِيَّةُ المُتَكاثِفَةُ في أعالِي الحَمّاماتِ إذا بَرُدَتْ وتَتَقاطَرُ، فَإذا تَكامَلَ انْعِقادُ تِلْكَ المِياهِ وعَظُمَتْ شَقَّتْ أسافِلَ (p-٢٧٦)الجِبالِ أوْ غَيْرِها مِنَ الأماكِنِ الَّتِي تَسْتَضْعِفُها لِقُوَّتِها وقُوَّةِ الأبْخِرَةِ المُصاحِبَةِ لَها، فَإنْ كانَ لِتِلْكَ المِياهِ مَدَدٌ مِن جِهَةِ الفَواعِلِ والقَوابِلِ بِحَيْثُ كَلَّما نَبَعَ مِنها شَيْءُ حَدَثَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ، وهَكَذا عَلى الِاتِّصالِ فَهي النَّهْرُ، والنَّهْرُ: المَجْرى الواسِعُ مِن مَجارِي الماءِ، وأصْلُهُ الِاتِّساعُ، ومِنهُ النَّهارُ - لِاتِّساعِ ضِيائِهِ.

ولَمّا ذَكَرَ الأنْهارَ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنِ المِياهِ فَقالَ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الأشْياءِ؟ فَقِيلَ: ﴿جَعَلَ فِيها﴾ أيِ الأرْضَ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى مِن كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الحَيَوانِ يَنْتَفِعُ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وجَعَلَ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى تَنْتَفِعُ [الأُنْثى] بِلِقاحِها مِنَ الذَّكَرِ أوْ قَرَّبَهُ مِنها فَيَجُودُ ثَمَرُها؛ والثَّمَرَةُ طُعْمَةُ الشَّجَرَةِ، والزَّوْجُ: شَكْلٌ [لَهُ] قَرِينٌ مِن نَظِيرٍ أوْ نَقِيضٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي يُنْضِجُها؟ فَقالَ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أيْ والنَّهارَ اللَّيْلَ، فَيَنْضَجُ هَذا بَحْرِّهِ ويُمْسِكُ هَذا بِبَرْدِهِ، فَيَعْتَدِلُ فِعْلُهُما عَلى ما قَدَّرَهُ تَعالى لَهُما في السَّيْرِ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ لِلْحَرِّ والبَرْدِ لِلْإخْراجِ والإنْضاجِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ النّافِعَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا الظّاهِرِ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ أنَّها بِتَدْبِيرِهِ بِفِعْلِهِ (p-٢٧٧)واخْتِيارِهِ وقَهْرِهِ واقْتِدارِهِ.

ولَمّا ساقَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ مُفَصَّلَةً إلى أرْبَعٍ وكانَ فِيها دِقَّةٌ، جَمَعَها وناطَها بِالفِكْرِ فَقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الَّذِي وقَعَ التَّحْدِيثُ عَنْهُ مِنَ الآياتِ مُتَعاطِفًا ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٌ واضِحاتٌ عَجِيباتٌ باهِراتٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُسْتَنِدٌ إلى قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ المَقامَ يَحْتاجُ إلى تَعَبٍ بِتَجْرِيدِ النَّفْسِ مِنَ الهَوى وتَحْكِيمِ العَقْلِ صَرْفًا بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ ذَوِي قُوَّةٍ زائِدَةٍ عَلى القِيامِ فِيما يُحاوِلُونَهُ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ يَجْتَهِدُونَ في الفِكْرِ، قالَ الرُّمّانِيُّ: وهو تَصَرُّفُ القَلْبِ في طَلَبِ المَعْنى، ومَبْدَأُ ذَلِكَ مَعْنًى يُخْطِرُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى بالِ الإنْسانِ فَيَطْلُبُ مُتَعَلِّقاتِهِ الَّتِي فِيها بَيانٌ عَنْهُ مِن كُلِّ وجْهٍ يُمْكِنُ فِيهِ، والخَتْمُ بِالتَّفَكُّرِ إشارَةٌ إلى الِاهْتِمامِ بِإعْطاءِ المَقامِ حَقَّهُ في الرَّدِّ عَلى الفَلاسِفَةِ، فَإنَّهم يُسْنِدُونَ حَوادِثَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الِاخْتِلافاتِ الواقِعَةِ في الأشْكالِ الكَوْكَبِيَّةِ، وهو كَلامٌ ساقِطٌ لِمَن تَفَكَّرَ فِيما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في الآيَةِ السّالِفَةِ مِن إسْقاطِ [وُرُودِهِ] مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي أوْجَدَ الأشْياءَ كُلَّها مِن عَدَمٍ ثُمَّ أخَذَ في تَدْبِيرِها، فاخْتِصاصُ كُلِّ [شَيْءٍ] مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ بِطَبْعٍ وصِفَةٍ وخاصِّيَّةٍ إنَّما هو بِتَخْصِيصِ المُدَبِّرِ (p-٢٧٨)الحَكِيمِ الفاعِلِ بِالِاخْتِيارِ، فَصارَ وُجُودُ الحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ لَوْ سَلَّمَ أنَّهُ مُتَأثِّرٌ عَنِ الحَوادِثِ العُلْوِيَّةِ إنَّما يَكُونُ مُسْتَنِدًا إلَيْها بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ، والسَّبَبُ والمُسَبِّبُ مُسْتَنِدٌ إلى الصّانِعِ القَدِيمِ المُدَبِّرِ الحَكِيمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском