Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الفلق
Al-Falaq
The Daybreak · Meccan · 5 ayahs
(p-٤٠٦)سُورَةُ الفَلَقِ مَقْصُودُها
الِاعْتِصامُ مِن شَرِّ كُلِّ ما انْفَلَقَ عَنْهُ الخَلْقُ الظّاهِرُ والباطِنُ، واسْمُها ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الحَوْلِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي اسْتَجْمَعَ كَمالَ الطَّوْلِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي أتَمَّ عَلى أهْلِ وِدادِهِ جَمِيعَ النَّوْلِ بِالسَّلامِ مِن عَلَيِّ القَوْلِ.
لِما افْتَتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا الذِّكْرَ الحَكِيمَ بِالهِدايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وبِالهِدايَةِ والتَّقْوى الَّتِي هي شِعارُ التّائِبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وذَلِكَ أوَّلُ مَنازِلِ السّاتِرِينَ، وخَتَمَ بِتَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ عَلى وجْهٍ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ أكْمَلَ مِنهُ وتَقْرِيرُ الإخْلاصِ فِيهِ كَما يَشْعُرُ بِهِ الأمْرُ بِـ ”قُلْ“ وذَلِكَ هو نِهايَةُ المَقاماتِ عِنْدَ العارِفِينَ، فَتَمَّ بِذَلِكَ الدِّينُ، وانْتَهى سَيْرُ السّالِكِينَ، وخَتْمُ الإخْلاصِ المُقَرِّرَةِ لِذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى لا كُفُوءَ لَهُ، فَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى الِانْقِطاعِ إلَيْهِ والعُكُوفِ عَلَيْهِ
؎وألْقَتْ عَصاها واطْمَأنَّ بِها النَّوى ∗∗∗ كَما قَرَّ عَيْنا بِلْإيابِ المُسافِرِ
* *
أمَرَ بِالتَّعَوُّذِ بِرَبِّ هَذا الدِّينِ، مُوافَقَةً لِإيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، مِن (p-٤٠٧)شَرِّ ما يَقْدَحُ فِيهِ بِضَرَرٍ في الظّاهِرِ أوْ في الباطِنِ وهُمُ الخَلائِقُ حَتّى عَلى الفَنا في الغِنا، وبَدَأ بِما يَعُمُّ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ في الظّاهِرِ والباطِنِ، ثُمَّ اتَّبَعَ بِما يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ ويَخُصُّ الباطِنَ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ صَلاحُهُ صَلاحَ الظّاهِرِ، إعْلامًا بِشَرَفِ الباطِنِ عَلى وجْهٍ لا يَخِلُّ بِالظّاهِرِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الحَثِّ عَلى مُعاوَدَةِ القِراءَةِ مِن أوَّلِ القُرْآنِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] - أيْ أرَدْتَ قِراءَتَهُ - ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِكُلِّ مَن يَبْلُغُهُ القَوْلُ مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ تَعْلِيمًا لَهم وأمْرًا، فَإنَّهم كُلُّهم مَرْبُوبُونَ مَقْهُورُونَ لا نَجاةَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ إلّا بِعِصْمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَعَلى كُلٍّ مِنهم أنْ يَفْزَعَ أوَّلَ ما تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ إلى مَوْلاهُ القادِرِ عَلى كَشْفِها تَصْحِيحًا لِتَوَكُّلِهِ فَإنَّهُ يَرْتَقِي بِذَلِكَ إلى حالِ الرِّضا بِمَرِّ القَضاءِ، ولا يَأْخُذُ في الِاعْتِمادِ عَلى جَلادَتِهِ وتَدْبِيرِهِ بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ فَإنَّهُ يَشْتَدُّ أسَفُهُ ولا يَرُدُّ ذَلِكَ عَنْهُ شَيْئًا: ﴿أعُوذُ﴾ [أيْ -] أسْتَجِيرُ وألْتَجِئُ وأعْتَصِمُ وأحْتَرِزُ.
ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى ألْيَقَ شَيْءٍ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ لِأنَّ الإعاذَةَ مِنَ المَضارِّ أعْظَمُ تَرْبِيَةً قالَ: ﴿بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ أيِ الَّذِي يُرَبِّيهِ ويُنْشِئُ مِنهُ ما يُرِيدُ، وهو الشَّيْءُ المَفْلُوقُ بِإيجادِهِ ظُلْمَةَ العَدَمِ كالعُيُونِ الَّتِي فَلَقَتْ بِها ظَلَمَةَ (p-٤٠٨)الأرْضِ والجِبالِ، وكالأمْطارِ الَّتِي فَلَقَتْ بِها ظَلَمَةُ الجَوِّ والسَّحابِ، وكالنَّباتِ الَّذِي فَلَقَتْ بِهِ ظَلَمَةُ الصَّعِيدِ، وكالأوْلادِ الَّتِي فَلَقَتْ بِها ظَلَمَةُ الأحْشاءِ، وكالصُّبْحِ الَّذِي فَلَقَتْ بِهِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وما كانَ مِنَ الوَحْشَةِ إلى ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ والسُّكُونِ والأُنْسِ والسُّرُورِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن سائِرِ المَخْلُوقاتِ، قالَ المَلْوِيُّ: والفَلَقُ - بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ كُلُّ شَيْءٍ انْشَقَّ عَنْهُ ظَلَمَةُ العَدَمِ وأوْجَدَ مِنَ الكائِناتِ جَمِيعَها - انْتَهى. وخَصَّ في العُرْفِ بِالصُّبْحِ فَقِيلَ: فَلَقُ الصُّبْحِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] لِأنَّهُ ظاهِرٌ في تَغَيُّرِ الحالِ ومُحاكاةِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي هو أعْظَمُ فَلَقٍ يَشُقُّ ظُلْمَةَ الفَنا والهَلاكَ بِالبَعْثِ والإحْياءِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى ما قَبْلَهُ بِما نُشاهِدُهُ قادِرٌ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لا فَرْقَ، بَلِ البَعْثُ أهْوَنُ في عَوائِدِ النّاسِ لِأنَّهُ إعادَةٌ، كَذا سائِرُ المُمَكَّناتِ، ومَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى إعاذَةِ المُسْتَعِيذِ مِن كُلِّ ما يَخافُهُ ويَخْشاهُ.
ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ قِسْمَيْنِ: عالَمُ الخَلْقِ، وعالَمُ الأمْرِ، وكانَ عالَمُ الأمْرِ خَيْرًا كُلُّهُ، فَكانَ الشَّرُّ مُنْحَصِرًا في عالَمِ الخَلْقِ خاصَّةً بِالِاسْتِعاذَةِ فَقالَ تَعالى مُعَمِّمًا فِيها: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ أيْ مِن كُلِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ وصِفاتِهِ، والشَّرُّ تارَةً يَكُونُ اخْتِيارِيًّا مِنَ العاقِلِ الدّاخِلِ تَحْتَ مَدْلُولِ ”لا“ وغَيْرِهِ مِن سائِرِ الحَيَوانِ كالكُفْرِ والظُّلْمِ ونَهْشِ السِّباعِ (p-٤٠٩)ولَدْغِ ذَواتِ السُّمُومِ، وتارَةً طَبِيعِيًّا كَإحْراقِ النّارِ وإهْلاكِ السُّمُومِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أُشِيرَ - أيْ في الكَلامِ عَلى ارْتِباطِ الإخْلاصِ - إلى وجْهِ ارْتِباطِها آنِفًا، وذَلِكَ واضِحٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - انْتَهى.
ولَمّا كانَ عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ يُعْرَفُ بِأنَّ ذَلِكَ الخاصَّ أوْلى أفْرادِ العامِ بِما ذَكَرَ لَهُ مِنَ الحُكْمِ، وكانَ شَرَّ الأشْياءِ الظَّلامُ، فَإنَّهُ أصْلُ كُلِّ فَسادِ، وكانَتْ شَرارَتُهُ مَعَ ذَلِكَ وشَرارَةُ السِّحْرِ والحَسَدِ خُفْيَةً، خَصَّها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ ما عَمَّهُ الخَلْقُ لِأنَّ الخَفِيَّ يَأْتِي مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ الإنْسانُ فَيَكُونُ أضَرَّ. ولِذا قِيلَ: شَرُّ العُداةِ المُداجِي، وكانَتْ مادَّةُ ”غَسَقَ“ تَدُورُ عَلى الظَّلامِ والِانْصِبابِ، فالغَسَقُ - مُحَرِّكَةٌ: ظُلْمَةُ أوَّلِ اللَّيْلِ، وغَسَقَتِ العَيْنُ: أظْلَمَتْ أوْ دَمَعَتْ، واللَّبَنُ: انْصَبَّ مِنَ الضَّرْعِ، واللَّيْلُ: اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ، والغَسَقانُ - مُحَرَّكَةٌ: الِانْصِبابُ، والغاسِقُ: القَمَرُ، وكَأنَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ وانْصِبابِهِ في البُرُوجِ ولِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِن نَفْسِهِ إلّا الإظْلامُ، والثُّرَيّا - إذا سَقَطَتْ - واللَّهُ أعْلَمُ، قالَ في القامُوسِ: لِكَثْرَةِ الطَّواعِينِ والأسْقامِ عِنْدَ سُقُوطِها، والذِّكْرُ - إذا قامَ، كَما قالَهُ جَماعَةٌ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ (p-٤١٠)عَنْهُما، وهو سَبَبٌ لِلْجَهْلِ الَّذِي هو ظَلامٌ كُلُّهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ﴾ أيْ مُظْلِمٍ بارِدٍ مُنْصَبٍّ ظَلامُهُ وبَرْدُهُ سَواءٌ كانَ أصْلًا في الظَّلامِ حِسِّيًّا أوْ مَعْنَوِيًّا أوْ كانَ حامِلًا عَلَيْهِ مِثْلَ الذَّكَرِ إذا قامَ لِما يَجُرُّ إلَيْهِ مِنَ الوَساوِسِ الرَّدِيئَةِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ واسْتِحْكامِ سُلْطانِ الهَوى، ومِثْلُ القَمَرِ لِما يَحْدُثُ مِنهُ مِنَ الرُّطُوباتِ المُفْسِدَةِ لِلْأبْدانِ وغَيْرِ ذَلِكَ انْصِبابًا لَهُ غايَةُ القُوَّةِ كانْصِبابِ ما يَفِيضُ عَنِ امْتِلاءٍ في انْحِدارٍ، ونَكَّرَهُ إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ غاسِقٍ مَذْمُومًا - واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ الشَّيْءُ الَّذِي اتَّصَفَ بِالظَّلامِ يُكَثِّفُ فَيَشْتَدُّ انْصِبابُهُ وأخْذُهُ في السُّفُولِ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ ويَسْتَحْكِمَ فِيما صَوَّبَ إلَيْهِ مُجْتَمَعًا جِدًّا كاجْتِماعِ الشَّيْءِ في الوَقْبَةِ وهي النَّقْرَةُ في الصَّخْرَةِ، وكانَ الظَّلامُ لا يَشْتَدُّ أذاهُ إلّا إذا اسْتَقَرَّ وثَبَتَ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ: ﴿إذا وقَبَ﴾ أيِ اعْتَكَرَ ظَلامُهُ ودَخَلَ في الأشْياءِ بِغايَةِ القُوَّةِ كَمَدْخُولِ الثَّقِيلِ الكَثِيفِ المُنَصَّبِ في النَّقْرَةِ الَّتِي تَكُونُ كالبِئْرِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ المَلْساءِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَسْهُلُ عِلاجُهُ وزَوالُهُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ، وفي الحَدِيثِ «لَمّا رَأى الشَّمْسَ قَدْ وقَبَتْ قالَ: هَذا حِينَ حَلِّها» - يَعْنِي صَلاةَ المَغْرِبِ، وفِيهِ (p-٤١١)عِنْد أبِي يَعْلى «أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنِ القَمَرِ: ”تَعَوَّذِي بِاللَّهِ مِن شَرِّ هَذا الغاسِقِ إذا وقَبَ»“ وأكْثَرُ الأقْوالِ أنَّهُ اللَّيْلُ، خُصَّ بِالِاسْتِعاذَةِ لِأنَّ المَضارَّ فِيهِ تَكْثُرُ ويَعْسُرُ دَفْعُها، وأصْلُ الغَسَقِ الظَّلامُ، ويَلْزَمُ مِنهُ الِامْتِلاءُ، وقِيلَ: إنَّ الِامْتِلاءَ هو الأصْلُ، وأصْلُ الوُقُوبِ الدُّخُولُ في وقْبَةٍ أوْ ما هو كالوَقْبَةِ وهي النَّقْرَةُ.
ولَمّا كانَ السِّحْرُ أعْظَمُ ما يَكُونُ مِن ظَلامِ الشَّرِّ المُسْتَحْكَمِ في العُرُوقِ الدّاخِلِ في وقُوبِها. لِما فِيهِ مِن تَفْرِيقِ المَرْءِ مِن زَوْجِهِ وأبِيهِ وابْنِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وما فِيهِ مِن ضَنى الأجْسامِ وقَتْلِ النُّفُوسِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ﴾ .
ولَمّا كانَ كُلُّ ساحِرٍ شِرِّيرًا بِخِلافِ الغاسِقِ والحاسِدِ، وكانَ السِّحْرُ أضَرَّ مِنَ الغَسَقِ والحَسَدِ مِن جِهَةِ أنَّهُ شَرٌّ كُلُّهُ، ومِن جِهَةِ أنَّهُ أخْفى مِن غَيْرِهِ، وكانَ ما هو مِنهُ مِنَ النِّساءِ أعْظَمُ لِأنَّ مَبْنى صِحَّتِهِ وقُوَّةِ تَأْثِيرِهِ قِلَّةُ العَقْلِ والدِّينِ ورَداءَةُ الطَّبْعِ وضَعْفُ اليَقِينِ وسُرْعَةُ الِاسْتِحالَةِ، وهُنَّ أعْرَقُ في كُلٍّ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ وأرْسَخُ، وكانَ ما وجَدَ مِنهُ مِن جَمْعٍ وعَلى وجْهِ المُبالَغَةِ أعْظَمُ مِن غَيْرِهِ عَرَفَ وبالَغَ وجَمَعَ وأنَّثَ لِيَدْخُلَ فِيهِ ما دُونَهُ مِن بابِ الأُولى فَقالَ تَعالى: ﴿النَّفّاثاتِ﴾ [أيِ النُّفُوسِ -] السّاحِرَةِ سَواءٌ كانَتْ نُفُوسَ الرِّجالِ أوْ نُفُوسَ النِّساءِ أيِ (p-٤١٢)الَّتِي تُبالِغُ في النَّفْثِ وهو التَّفْلُ وهو النَّفْخُ مَعَ بَعْضِ الرِّيقِ - هَكَذا في الكَشّافِ، وقالَ صاحِبُ القامُوسِ: وهو كالنَّفْخِ وأقَلُّ مِنَ التُّفْلِ، وقالَ: تَفَلَ: بَزَقَ، وفي التَّفْسِيرِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ التُّفْلُ بِلا رِيقٍ،
﴿فِي العُقَدِ﴾ [أيْ -] تَعْقِدُها لِلسِّحْرِ في الخُيُوطِ وما أشْبَهَها، وسَبَبُ نُزُولِ ذَلِكَ أنْ يَهُودِيًّا سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ كَما يَأْتِي تَخْرِيجُهُ، فَإنَّ السِّحْرَ يُؤَثِّرُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى المَرَضَ ويَصِلُ إلى أنْ يَقْتُلَ، فَإذا أقَرَّ السّاحِرُ أنَّهُ قَتَلَ بِسِحْرِهِ وهو مِمّا يَقْتُلُ غالِبًا قُتِلَ بِذَلِكَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، ولا يُنافِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] كَما مَضى بَيانُهُ في المائِدَةِ، ولا يُوجِبُ ذَلِكَ صِدْقَ الكَفَرَةِ في وصْفِهِ ﷺ بِأنَّهُ مَسْحُورٌ، فَإنَّهم ما أرادُوا إلّا الجُنُونَ أوْ ما يُشْبِهُهُ مِن فَسادِ العَقْلِ واخْتِلالِهِ، والمُبالَغَةِ في أنَّ كُلَّ ما يَقُولُهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ كَما أنَّ ما يَنْشَأُ عَنِ المَسْحُورِ يَكُونُ مُخْتَلِطًا لا تُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ.
ولَمّا كانَ أعْظَمَ حامِلٍ عَلى السِّحْرِ وغَيْرِهِ مِن أذى النّاسِ الحَسَدُ، وهو تَمَنِّي زَوالِ نِعْمَةِ المَحْسُودِ:
؎ودارَيْتُ كُلَّ النّاسِ إلّا لِحاسِدٍ ∗∗∗ مُداراتُهُ عَزَّتْ وشَقَّ نَوالُها
؎وكَيْفَ يُدارِي المَرْءُ حاسِدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا كانَ لا يُرْضِيهِ إلّا زَوالُها
قالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ﴾ أيْ ثابِتِ الِاتِّصافِ بِالحَسَدِ مُعَرَّقِ (p-٤١٣)فِيهِ، ونَكَّرَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ حاسِدِ مَذْمُومًا، وأعْظَمُ الحَسَدَةِ الشَّيْطانُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ دَأْبٌ إلّا السَّعْيُ في إزالَةِ نَعَمِ العِباداتِ عَنِ الإنْسانِ بِالغَفَلاتِ.
ولَمّا كانَ الضّارُّ مِنَ الحَسَدِ إنَّما هو ما أظْهَرَ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ أوْ غَيْرِها قالَ مُقَيِّدًا لَهُ: ﴿إذا حَسَدَ﴾ أيْ حَسَدَ بِالفِعْلِ بِعَيْنِهِ الحاسِدَةِ، و[أمّا -] إذا لَمْ يَظْهَرِ الحَسَدُ فَإنَّهُ لا يَتَأذّى بِهِ إلّا الحاسِدُ لِاغْتِمامِهِ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ، وفي إشْعارِ الآيَةِ الدُّعاءُ بِما يَحْسُدُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِ الدّارَيْنِ لِأنَّ خَيْرَ النّاسِ مَن عاشَ مَحْسُودًا وماتَ مَحْسُودًا، ومَن لَمْ يُلْقِ بِالًا لِلدُّعاءِ بِذَلِكَ ويَهْتَمَّ بِتَحْصِيلٍ ما يَحْسُدُ عَلَيْهِ ضَحِكَ مِنهُ إبْلِيسُ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ لَهُ فَضِيلَةً يُحْسَدُ عَلَيْها، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِأداةِ التَّحْقِيقِ إشْعارًا بِأنَّ مَن كانَ ثابِتَ الحَسَدِ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِاتِّصافِ بِهِ بِما أشْعَرَ بِهِ التَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ تَحَقَّقَ مِنهُ إظْهارُهُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى مُدافَعَتِهِ في الأغْلَبِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ عَلِمَ بِكَوْنِ الحَسَدِ عِلَّةَ السِّحْرِ - المُوقِعُ في القَتْلِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَعاصِي بَعْدَ الشِّرْكِ وفي الشِّرْكِ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ غايَةَ الصِّحَّةِ إلّا مَعَ الشِّرْكِ - أنَّ الحَسَدَ شَرُّ ما انْفَلَقَ عَنْهُ ظَلامُ العَدَمِ، والشّاهِدُ لِذَلِكَ غَلَبَتُهُ عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ وتَحْذِيرِ الأُمَّةِ الَّتِي هي خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ (p-٤١٤)مِنهُ بِشَهادَةِ هادِيها ﷺ، أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ:
«دَبَّ إلَيْكم داءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ والبَغْضاءُ، ألا والبَغْضاءُ هي الحالِقَةُ، لا أقُولُ: إنَّها تَحْلِقُ الشَّعْرَ ولَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» وفي البابِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأعْظَمُ أسْبابِ الحالِقَةِ أوْ كُلُّها الحَسَدُ، فَعَلِمَ بِهَذا رُجُوعُ آخَرِ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها، وانْعِطافُ مَفْصِلِها عَلى مُوصِلِها، ومَن أُعِيذَ مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ انْفَلَقَ (؟ سَماءُ قَلْبِهِ عَنْ شَمْسِ المَعْرِفَةِ بَعْدَ ظَلامِ لَيْلِ الجَهْلِ، فَأشْرَقَتْ أرْجاؤُهُ بِأنْوارِ الحِكَمِ، إلى أنْ يَضِيقَ الوَصْفُ لَهُ عَنْ بَدائِعِ الكَشْفِ:
؎هُناكَ تَرى ما يَمْلَأُ العَيْنَ قُرَّةٌ ∗∗∗ ويُسَلِّي عَنِ الأوْطانِ كُلَّ غَرِيبٍ
فَيَنْقَطِعُ التَّعَلُّقُ عَمّا سِوى اللَّهِ بِمَحْضِ الِاتِّباعِ والبُعْدِ عَنِ الِابْتِداعِ بِمُقْتَضى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وقَدْ بَطَلَ بِالأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ قَوْلُ الجَبْرِيَّةِ: إنّا كالآلَةِ لا فِعْلَ لَنا أصْلًا، وإنَّما نَحْنُ كالحَجَرِ لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِمُحَرِّكٍ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ هو المُحَرِّكُ لَنا بِغَيْرِ اخْتِيارٍ لَمْ يَكُنْ لِلْأمْرِ فائِدَةٌ، وقَوْلُ القَدَرِيَّةِ: إنّا نَخْلُقُ أفْعالَنا، وقَوْلُ الفَلاسِفَةِ: [إنَّهُ -] (p-٤١٥)إذا وُجِدَ السَّبَبُ والمُسَبِّبُ حَصَلَ التَّأْثِيرُ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى رَبْطٍ إلَهِيٍّ كالنّارِ والحَطَبِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَتْ هَذِهِ الأفْعالُ المُسَبِّباتُ [إذا وُجِدَتْ مِن فاعِلِيها الَّذِينَ هُمُ الأسْبابُ، أوِ الأفْعالُ الَّتِي هي الأسْبابُ -]، والمُسَبِّباتُ الَّتِي هي الأبْدانُ المُرادُ تَأْثِيرُها أثَّرَتْ ولَمْ تَنْفَعْ الِاسْتِعاذَةُ، والشّاهِدُ خِلافُهُ، وثَبَتَ قَوْلُ الأشاعِرَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ أنَّهُ إذا وُجِدَ السَّبَبُ والمُسَبِّبُ تَوَقَّفَ وُجُودُ الأثَرِ عَلى إيجادِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ أنْفَذَ السَّبَبَ وجَدَ الأثَرَ، وإنْ لَمْ يُنَفِّذْهُ لَمْ يُوجَدْ، والسُّورَتانِ مُعْلِمَتانِ بِأنَّ البَلايا كَثِيرَةٌ وهو قادِرٌ عَلى دَفْعِها، فَهُما حامِلَتانِ عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ، وذَلِكَ هو لِبابِ العُبُودِيَّةِ، وسَبَبُ نُزُولِ المُعَوِّذَتَيْنِ عَلى ما نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ والبَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «أنَّ غُلامًا مِنَ اليَهُودِ كانَ يَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ فَدَبَّتْ إلَيْهِ اليَهُودُ فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى أخَذَهُ مِشاطَةَ رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وعِدَّةَ أسْنانٍ مِن مُشْطِهِ فَأعْطاها اليَهُودُ فَسَحَرُوهُ فِيها، وتَوَلّى ذَلِكَ لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ، فَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وانْتَشَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ، ويَرى أنَّهُ يَأْتِي النِّساءَ ولا يَأْتِيهِنَّ، يَذُوبُ ولا يَدْرِي ما عَرّاهُ، فَبَيْنا هو نائِمٌ ذاتَ يَوْمٍ أتاهُ مَلِكانِ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ (p-٤١٦)والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيْهِ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِهِ: ما بالُ الرَّجُلِ؟ قالَ: طُبَّ، قالَ: وما طُبَّ؟ قالَ: سُحِرَ، قالَ: ومَن سَحَرَهُ؟ قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ، قالَ: وبِما طَبَّهُ؟ قالَ: بِمُشْطٍ ومِشاطَةٍ، قالَ: وأيْنَ هُوَ؟ قالَ: في جَفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ تَحْتَ راغُوفَةٍ في بِئْرِ ذُرْوانَ - بِئْرٍ في [بَنِي -] زُرَيْقٍ، والجَفُّ: قِشْرُ الطَّلْعِ، والرّاغُوفَةُ: حَجْرٌ في أسْفَلِ البِئْرِ يَقُومُ عَلَيْهِ المائِحُ، فانْتَبَهَ النَّبِيُّ ﷺ وقالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها:”يا عائِشَةُ ! أما شَعُرْتِ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنِي بِدائِي! ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَنَزَحُوا البِئْرَ كَأنَّهُ نُقاعَةُ الحِنّاءِ، ثُمَّ نَزَعُوا الصَّخْرَةَ [وأخْرَجُوا الجَفَّ ] فَإذا فِيهِ مِشاطَةُ رَأْسِهِ وأسْنانُ مُشْطِهِ، وإذا وتَرٌ مُعَقَّدٌ فِيهِ إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً مَغْرُوزَةً بِالإبَرِ“فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سُورَتِي المُعَوِّذَتَيْنِ، وهُما إحْدى عَشْرَةَ آيَةً: الفَلَقُ خَمْسٌ والنّاسُ سِتٌّ، فَجَعَلَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، ووَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خِفَّةً حَتّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الأخِيرَةُ فَقامَ كَأنَّما نَشِطَ مِن عِقالٍ، وجَعَلَ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: ”بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ ومِن حاسِدٍ وعَيْنٍ واللَّهُ يَشْفِيكَ“فَقالُوا: (p-٤١٧)يا رَسُولَ اللَّهِ! أفَلا نَأْخُذُهُ فَنَقْتُلُهُ؟ فَقالَ:”أمّا أنا فَقَدَ شَفانِي اللَّهُ، وأكْرَهُ أنَّ أُثِيرَ عَلى النّاسِ شَرًّا». وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ ﷺ أتى البِئْرَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقالَ:“ واللَّهِ لَكَأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنّاءِ، لَكَأنَّ نَخْلَها رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فَقُلْتُ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ”أهَلّا أخْرَجْتَهُ؟ فَقالَ:“ أمّا أنا فَقَدَ شَفانِي اللَّهُ، وكَرِهْتُ أنَّ أُثِيرَ عَلى النّاسِ شَرًّا» ”. ويَجْمَعُ بِأنَّهُ أتاها ﷺ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ ثُمَّ إنَّهُ وجَدَ بَعْضَ الألَمِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَأخْرَجَهُ فَزالَ [الألَمُ -] كُلُّهُ، ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى أنَّهُ لِيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وما فَعَلَهُ حَتّى إذا كانَ ذاتَ يَوْمٍ وهو عِنْدِي دَعا اللَّهَ ودَعاهُ، ثُمَّ قالَ:“ أشْعُرْتِ يا عائِشَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى [قَدْ -] أفْتانِي فِيما اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ ”، قُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ:“ أتانِي مَلَكانِ» ”
فَذَكَرَهُ، ورَوى النِّسائِيُّ في المُحارَبَةِ مَن سُنَنِهِ وأبُو بَكْرٍ بْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى المُوصِلِيُّ في مَسانِيدِهِمْ والبَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ كُلُّهم عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٤١٨)وسَلَّمَ فَأخَذَ لَهُ فَسَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فاشْتَكى لِذَلِكَ أيّامًا فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ:
“إنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ سَحَرَكَ، عَقَدَ لَكَ عُقَدًا في بِئْرِ كَذا وكَذا، أوْ قالَ: فَطَرَحَهُ في بِئْرِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاسْتَخْرَجُوها فَجِيءَ بِها فَحَلَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ كُلَّما حَلَّ عُقْدَةً وجَدَ لِذَلِكَ خِفَّةً، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأنَّما نَشِطَ مِن عِقالٍ، فَما ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ اليَهُودِيِّ ولا رَآهُ في وجْهِهِ قَطُّ، وفي رِوايَةٍ: فَأتاهُ مَلَكانِ يُعَوِّذانِهِ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ والآخِرُ عِنْدَ رِجْلِهِ فَقالَ أحَدُهُما: أتَدْرِي ما وجَعُهُ؟ قالَ: كَأنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ عَقَدَ لَهُ وألْقاهُ في بِئْرٍ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَجُلًا، وفي رِوايَةِ: عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأخَذَ العُقَدَ فَوَجَدَ الماءَ قَدِ اصْفَرَّ، قالَ: فَأخَذَ العُقَدَ فَحَلَّها فَبَرَأ، فَكانَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا ولَمْ يُعاتِبْهُ فِيهِ»، وهَذا الفَضْلُ لِمَنفَعَةِ المُعَوِّذَتَيْنِ كَما مَنَحَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ فَكَذا تَفَضَّلَ بِهِ عَلى سائِرِ أُمَّتِهِ، ورَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ - والنِّسائِيُّ مُسْنَدًا أوْ مُرْسَلًا - قالَ النَّوَوِيُّ: بِالأسانِيدِ (p-٤١٩)الصَّحِيحَةِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبِيبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَأْ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وحِينَ تُصْبِحُ [ثَلاثَةَ مَرّاتٍ -] يَكْفِيكَ كُلُّ شَيْءٍ» والأحادِيثُ في فَضْلِ هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وجَعَلَ التَّعْوِيذَ في سُورَتَيْنِ إشارَةً إلى اسْتِحْبابِ تَكْرِيرِهِ، وجَعَلَتا إحْدى عَشْرَةَ آيَةً نَدْبًا إلى تَكْثِيرِهِ في تَكْرِيرِهِ، وقُدِّمَتِ الفَلَقُ الَّتِي خَمْسُ آياتٍ مَعَ ما مَضى المُناسَباتِ لِأنَّ اقْتِرانَها بِسُورَةِ التَّوْحِيدِ أنْسَبُ، وشَفَّعَها بِسُورَةِ النّاسِ الَّتِي هي سِتُّ آياتٍ أنْسَبُ، لِيَكُونَ الشَّفْعُ بِالشَّفْعِ، والِابْتِداءُ بِالوَتَرِ بَعْدَ سُورَةِ الوِتْرِ، وحاصِلُ هَذِهِ السُّورَةِ العُظْمى في مَعْناها الأبْدَعِ الأسْمى الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ بِذِكْرِ اسْمِهِ الرَّبّ المُقْتَضِي لِلْإحْسانِ والتَّرْبِيَةِ بِجَلْبِ النِّعَمِ ودَفْعِ النِّقَمِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ ومِنَ السِّحْرِ والحَسَدِ، كَما كانَ أكْثَرَ البَقَرَةِ المُناظِرَةِ لَها في رَدِّ المَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ لِكَوْنِها ثانِيَةً مِنَ الأوَّلِ كَما أنَّ هَذِهِ ثانِيَةٌ مِنَ الآخَرِ في ذِكْرِ أعْداءِ النَّبِيِّ ﷺ الحاسِدِينَ لَهُ عَلى ما أُوتِيَ مِنَ النِّعَمِ، وفي تَذْكِيرِهِمْ بِما مَنَحَهم مِنَ النِّعَمِ الَّتِي كَفَرُوها، وأكْثَرُ ذَلِكَ في بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا أشَدَّ النّاسِ حَسَدًا لَهُ ﷺ، وكانَ مِن أعْظَمِ ما ضَلُّوا بِهِ السِّحْرُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٢٠)﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] حَتّى قالَ: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] إلى أنْ قالَ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] وكانَ السِّحْرُ مَن أعْظَمِ ما أثَّرَ في النَّبِيِّ ﷺ مِن كَيْدِهِمْ حَتّى أنْزَلَ فِيهِ المُعَوِّذَتانِ، وكانَ السّاحِرُ لَهُ مِنهُمْ، وقَدِ انْقَضى ما يُسِرُّ اللَّهُ مِنَ الكَلامِ عَلى انْتِظامِ مَعانِيها بِحَسَبَ تَرْكِيبِ كَلِماتِها، وبَقِيَ الكَلامُ عَلى كَلِماتِها مِن حَيْثُ العَدَدُ، فِيما تُشِيرُ إلَيْهِ مِنَ البَرَكاتِ والمُدَدِ، هي ثَلاثٌ وعِشْرُونَ كَلِمَةً إشارَةٌ إلى أنَّهُ ﷺ في السَّنَةِ الثّالِثَةِ والعِشْرِينَ مِنَ النُّبُوَّةِ يَأْمَنُ مِن أذى حاسِدِيهِ، وذَلِكَ بِالوَفاةِ عِنْدَ تَمامِ الدِّينِ ويَأْسِ الحاسِدِينَ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأذى في الدِّينِ والدُّنْيا، وخَلاصُ النَّبِيِّ ﷺ مِن كُلِّ كَدِرٍ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها الضَّمائِرَ وهي خَمْسَةٌ كانَتْ ثَمانِيَ وعِشْرِينَ، وهي تُوازِي سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ، وذَلِكَ عِنْدَ اسْتِحْكامِ أمْرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِن خِلافَتِهِ بِبَثِّ العَساكِرِ وإنْفاذِهِ إلى مَلِكِ الفُرْسِ والرُّومِ وتَغَلْغَلَ هَيْبَتَهُ في قُلُوبِهِمْ وتَضَعْضَعَ الفُرْسُ بِغَلَبِ العَرَبِ عَلى رُسْتُمَ أكْبَرَ أُمَرائِهِمْ، والرُّومُ بَغَلَبِهِمْ عَلى ماهّانِ أعْظَمَ رُؤَسائِهِمْ، فاضْمَحَلَّ أمْرُ المُنافِقِينَ والحاسِدِينَ، وأيِسُوا (p-٤٢٠)مِن [تَأْثِيرِ -] أدْنى كَيْدٍ مِن أحَدٍ مِنَ الكائِدِينَ، فَإذا ضُمَّ إلَيْها أرْبَعُ كَلِماتِ البَسْمَلَةِ كانَتْ اثْنَتَيْنِ وثَلاثِينَ، إذا حَسِبْتَ مِن أوَّلِ النُّبُوَّةِ وازَتْها السَّنَةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ، وفِيها كانَ فَتْحُ قَيَسارِيَّةَ [الرُّومِ -] مِن بِلادِ الشّامِ، وبِفَتْحِها كانَ فَتْحُ جَمِيعِ بِلادِ الشّامِ، لَمْ يَبْقَ بِها بَلَدٌ إلّا وهي في أيْدِي المُسْلِمِينَ، فَزالَتْ عَنْها دَوْلَةُ الرُّومِ، وفِيها أيْضًا كانَ فَتْحُ جَلَوْلاءَ مِن بِلادِ فارِسٍ وكانَ فَتْحًا عَظِيمًا جِدًّا هَدَّ أجْنادَهم ومُلُوكَهُمْ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ فَتْحَ الفُتُوحِ، وحَصَّلَ حِينَئِذٍ أعْظَمَ الخِزْيِ لِلْفُرْسِ والرُّومِ الَّذِينَ هم أحْسُدُ الحَسَدَةِ، لَمّا كانَ لَهم مِنَ العِزَّةِ والقُوَّةِ بِالأمْوالِ والرِّجالِ، وإنْ حَسِبَتْ مِنَ الهِجْرَةِ وازَتْها سَنَةُ انْقِراضِ مُلْكِ أعْظَمِ الحَسَدَةِ الأكاسِرَةِ الَّذِينَ شَقَّقَ مُلْكَهم كِتابُ النَّبِيِّ ﷺ، وأرْسَلَ إلى عامِلِهِ باذّانَ - الَّذِي كانَ اسْتَخْلَفَهُ عَلى بِلادِ اليَمَنِ - يَأْمُرُهُ أنْ يَغْزُوَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنَّهُ يَقْتُلُهُ سُبْحانَهُ في لَيْلَةٍ سَمّاها، فَلَمّا أتَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ رُسُلَ باذّانَ بِذَلِكَ، فَرَجَعُوا إلى باذّانَ فَأخْبَرُوهُ فَقالَ: إنْ كانَ صادِقًا فَسَيَأْتِي الخَبَرُ في يَوْمِ كَذا، فَأتى الخَبَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِصِدْقِهِ ﷺ (p-٤٢٢)وسُلَّمَ [فَأسْلَمَ -] باذّانَ ومِن مَعَهُ مِنَ الأبْناءِ الَّذِينَ كانُوا في بِلادِ اليَمَنِ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنهم أحَدٌ، وأوْفَدَ مِنهم وفْدًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وتَوَلّى اللَّهُ ورَسُولَهُ ﷺ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences