Al-Biqa'iAn‑Nas · 114:1–5

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الناس

An-Nas

Mankind · Meccan · 6 ayahs

114:1Page 604

قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ١

Say, "I seek refuge in the Lord of mankind,

(p-٤٢٣)سُورَةُ النّاسِ مَقْصُودُها الِاعْتِصامُ بِالإلَهِ الحَقِّ مِن شَرِّ الخَلْقِ الباطِنِ، واسْمُها دالٌّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ مَطْبُوعٌ عَلى الشَّرِّ، وأكْثَرُ شَرِّهِ بِالمَكْرِ والخِداعِ، وأحْسَنُ مِن هَذا أنَّها لِلِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّرِّ الباطِنِ المَأْنُوسِ بِهِ المُسْتَرْوِحِ إلَيْهِ، فَإنَّ الوَسْوَسَةَ لا تَكُونُ إلّا بِما يَشْتَهِي، والنّاسُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأُنْسِ، فَإنَّ أصْلَهُ أُناسٌ، وهو أيْضًا اضْطِرابُ الباطِنِ المُشِيرِ إلَيْهِ الِاشْتِقاقِ مِنَ النَّوْسِ، فَطابَقَ حِينَئِذٍ الِاسْمَ المُسَمّى، ومَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ مَعْلُولٌ لِمَقْصُودِ الفاتِحَةِ الَّذِي هو المُراقَبَةُ، وهي شامِلَةٌ لِجَمِيعِ عُلُومِ القُرْآنِ الَّتِي هي مُصادَقَةُ اللَّهِ ومُعاداةُ الشَّيْطانِ بِبَراعَةِ الخِتامِ وفَذْلَكَةِ النِّظامِ، كَما أنَّ الفاتِحَةَ شامِلَةٌ لِذَلِكَ لِأنَّها بَراعَةُ الِاسْتِهْلالِ، ورِعايَةُ الجَلالِ والجَمالِ، فَقَدِ اتَّصَلَ الآخَرُ بِالأوَّلِ اتِّصالَ العِلَّةِ بِالمَعْلُولِ، والدَّلِيلُ بِالمَدْلُولِ، والمَثَلُ بِالمَمْثُولِ، واللَّهُ المَسْؤُولُ في تَيْسِيرِ السُّؤْلِ، وتَحْقِيقِ المَأْمُولِ، فَإنَّهُ الجَوادُ ذُو الطَّوْلِ، وبِهِ يُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ: ”بِسْمِ اللَّهِ“ المُحِيطِ [عِلْمًا -] بِكُلِّ (p-٤٢٤)باطِنٍ كَإحاطَتِهِ بِكُلِّ ظاهِرٍ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَتُهُ كُلَّ بادٍ وحاضِرٍ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ أُمُورِهِمُ الأوَّلُ مِنها والأثْناءُ والآخِرُ.

* *

لَمّا جاءَتْ سُورَةُ الفَلَقِ لِلِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ مِن جَمِيعِ المَضارِّ البَدَنِيَّةِ وغَيْرِها العامَّةِ لِلْإنْسانِ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ هو جُمْلَةُ الشَّرِّ المَوْجُودِ في جَمِيعِ الأكْوانِ والأزْمانِ، ثُمَّ وقَعَ فِيها التَّخْصِيصُ بِشُرُورٍ بِأعْيانِها مِنَ الفاسِقِ والسّاحِرِ والحاسِدِ، فَكانَتِ الِاسْتِعاذَةُ فِيها عامَّةً لِلْمَصائِبِ الخارِجَةِ الَّتِي تَرْجِعُ إلى ظُلْمِ الغَيْرِ، والمَعايِبِ الدّاخِلَةِ الَّتِي تَرْجِعُ إلى ظُلْمِ النَّفْسِ ولَكِنَّها في المَصائِبِ أظْهَرُ، وخَتَمَتْ بِالحَسَدِ فَعَلِمَ أنَّهُ أضَرَّ المَصائِبِ، وكانَ أصْلَ ما بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ مِنَ العَداوَةِ الحَسَدُ، جاءَتْ سُورَةُ النّاسِ مُتَضَمِّنَةً لِلِاسْتِعاذَةِ مِن شَرٍّ خاصٍّ، وهو الوَسْواسُ، وهو أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الحاسِدِ، ويَرْجِعُ إلى المَعايِبِ الدّاخِلَةِ اللّاحِقَةِ لِلنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي أصْلُها كُلُّها الوَسْوَسَةُ، وهي سَبَبُ الذُّنُوبِ والمَعاصِي كُلِّها، وهي مِنَ الجِنِّ أمْكَنُ وأضَرُّ، والشَّرُّ كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى المَصائِبِ والمَعايِبِ، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ السُّورَةُ كالفَلَقِ اسْتِعاذَةً ومُسْتَعاذًا بِهِ ومُسْتَعاذًا مِنهُ وأمْرًا بِإيجادِ ذَلِكَ، فالأمْرُ: ﴿قُلْ﴾ والِاسْتِعاذَةُ ﴿أعُوذُ﴾ والمُسْتَعاذُ بِهِ هو (p-٤٢٥)اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، لَكِنْ لَمّا كانَتْ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ مِن صِفاتِ كَمالِهِ سُبْحانَ ألْيَقَ بِالحِمايَةِ والإعانَةِ والرِّعايَةِ والخَلْقِ والتَّدْبِيرِ والتَّرْبِيَةِ والإصْلاحِ، المُتَضَمِّنِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، والإحْسانِ الشّامِلِ والعِلْمِ الكامِلِ، قالَ تَعالى: ﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ [أيْ أعْتَصِمُ بِهِ -] أيْ أسْألُهُ أنْ يَكُونَ عاصِمًا لِي مِنَ العَدُوِّ أنْ يُوقِعَنِي في المَهالِكِ، قالَ المَلْوِيُّ: والرَّبُّ مَن لَهُ مَلْكُ الرِّقِّ وجَلْبُ الخَيْراتِ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وإبْقاؤُها، ودَفْعُ الشُّرُورِ ورَفْعُها، والنَّقْلُ مِنَ النَّقْصِ إلى الكَمالِ، والتَّدْبِيرِ العامِّ العائِدِ بِالحِفْظِ والتَّتْمِيمِ عَلى المَرْبُوبِ، وخَصَّ الإضافَةَ بِالمُزَلْزِلِينَ المُضْطَرِبِينَ في الأبْدانِ والأدْيانِ مِنَ الإنْسِ والجانِّ لِخُصُوصِ المُسْتَعاذِ مِنهُ، وهو الأضْرارُ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنُّفُوسِ العاقِلَةِ وتَخُصُّها، بِخِلافِ ما في الفَلَقِ فَإنَّهُ المَضارُّ البَدَنِيَّةُ الَّتِي تَعُمُّ الإنْسانَ وغَيْرَهُ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: وجْهُ تَأخُّرِها عَنْ شَقِيقَتِها عُمُومُ الأُولى وخُصُوصُ الثّانِيَةِ، ألا تَرى عُمُومَ قَوْلِهِ ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢] وإبْهامٌ (p-٤٢٦)”ما“ وتَنْكِيرٌ ﴿غاسِقٍ﴾ [الفلق: ٣] و﴿حاسِدٍ﴾ [الفلق: ٥] والعَهْدُ فِيها اسْتُعِيذَ مِن شَرِّهِ في سُورَةِ النّاسِ وتَعْرِيفِهِ ونَعْتِهِ، فَبَدَأ بِالعُمُومِ ثُمَّ أتْبَعَ بِالخُصُوصِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في تَحْصِيلِ ما قَصَدَتِ الِاسْتِعاذَةُ مِنهُ، وأوْفى بِالمَقْصُودِ، ونَظِيرُ هَذا في تَقْدِيمِ المَعْنى الأعَمِّ ثُمَّ إتْباعُهُ بِالأخَصِّ بِتَناوُلِ الدَّقائِقِ والجَلائِلِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم“ في مَعْنى الرَّحْمَنِ ومَعْنى الرَّحِيمِ واحِدٌ لا في عُمُومِ الصِّفَةِ الأُولى وكَوْنُها لِلْمُبالَغَةِ، وقَدْ تَعَرَّضَ لِبَيانِ ذَلِكَ المُفَسِّرُونَ ولِذَلِكَ نَظائِرُ - انْتَهى.

114:2Page 604

مَلِكِ ٱلنَّاسِ ٢

The Sovereign of mankind,

ولَمّا كانَ الرَّبُّ المَلِكُ مُتَقارِبِينَ في المَفْهُومِ، وكانَ الرَّبُّ أقْرَبَ في المَفْهُومِ إلى اللُّطْفِ والتَّرْبِيَةِ، وكانَ المَلِكُ لِلْقَهْرِ والِاسْتِيلاءِ وإظْهارِ العَدْلِ ألْزَمُ، وكانَ الرَّبُّ قَدْ لا يَكُونُ مَلِكًا فَلا يَكُونُ كامِلَ التَّصَرُّفِ، اقْتَضَتِ البَلاغَةُ تَقْدِيمَ الأوَّلِ وإتْباعَهُ الثّانِي، فَقالَ تَعالى: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ لَهُ كَمالَ التَّصَرُّفِ ونُفُوذَ القُدْرَةِ وتَمامَ السُّلْطانِ، وإلَيْهِ المَفْزَعُ وهو المُسْتَعانُ، والمُسْتَغاثُ والمَلْجَأِ والمَعادِ.

114:3Page 604

إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ ٣

The God of mankind,

ولَمّا كانَ المَلِكُ قَدْ لا يَكُونُ إلَهًا، وكانَتِ الإلَهِيَّةُ خاصَّةً لا تَقْبَلُ شِرْكًا أصْلًا بِخِلافِ غَيْرِها، أُنْهِيَ الأمْرُ إلَيْها وجُعِلَتْ غايَةَ البَيانَ فَقالَ: (p-٤٢٧)﴿إلَهِ النّاسِ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ كَما انْفَرَدَ بِرُبُوبِيَّتِهِمْ ومَلِكِهِمْ لَمْ يُشْرِكْهُ في ذَلِكَ أحَدٌ، فَكَذَلِكَ هو وحْدَهُ إلَهُهم لا يُشْرِكُهُ في إلَهِيَّتِهِ أحَدٌ، وهَذِهِ دائِمًا طَرِيقَةُ القُرْآنِ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِإقْرارِهِمْ بِتَوْحِيدِهِمْ لَهُ في الرُّبُوبِيَّةِ والمُلْكِ عَلى ما أنْكَرُوهُ مِن تَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ والعِبادَةِ، فَمَن كانَ رَبُّهم ومَلِكُهم فَهم جَدِيرُونَ بِأنْ لا يَتَألَّهُوا سِواهُ ولا يَسْتَعِيذُوا بِغَيْرِهِ كَما أنَّ أحَدَهم إذا دَهَمَهُ أمْرٌ اسْتَعاذَ بِوَلِيِّهِ مِن أبْناءِ جِنْسِهِ واسْتَغاثَ بِهِ، والإلَهُ مَن ظَهَرَ بِلَطِيفِ صَنائِعِهِ الَّتِي أفادَها مَفْهُومُ الرَّبِّ والمَلِكِ في قُلُوبِ العِبادِ فَأحَبُّوهُ واسْتَأْنَسُوا بِهِ ولَجَئُوا إلَيْهِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، [وبَطَنَ -] احْتِجابًا بِكِبْرِيائِهِ عَنْ أنْ يُحاطَ بِهِ أوْ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ أوْ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ، فَهابَتْهُ العِبادُ ودَعاهُمُ الحُبُّ إلى الوَلَهِ شَوْقًا إلى لِقائِهِ، وزَجَرَتْهُمُ الهَيْبَةُ فَجَزِعُوا خَوْفًا مَن طَرْدِهِ لَهم عَنْ فَنائِهِ، وكَرَّرَ الِاسْمَ الظّاهِرَ دُونَ أنْ يُضْمِرَ فَيَقُولُ مَثَلًا: ”مَلِكهمْ“، ”إلَههمْ“ تَحْقِيقًا لِهَذا المَعْنى وتَقْوِيَةً لَهُ بِإعادَةِ اسْمِهِمُ الدّالِّ عَلى شِدَّةِ الِاضْطِرابِ المُقْتَضِي لِلْحاجَةِ عِنْدَ كُلِّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ الدّالِّ عَلى الكَمالِ المُقْتَضِي لِلْغِنى المُطْلَقِ، ودَلالَةً عَلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِالإعادَةِ قادِرٌ عَلَيْها لِبَيانِ أنَّهُ المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وبَيانًا لِشَرَفِ الإنْسانِ ومَزِيدِ الِاعْتِمادِ بِمَزِيدِ البَيانِ، ولِئَلّا يَظُنُّ أنَّ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأسْماءِ يَتَقَيَّدُ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ الَّذِي قَبْلَهُ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ، (p-٤٢٨)لِأنَّ الضَّمِيرَ إذا أُعِيدَ كانَ المُرادُ بِهِ عَيْنَ ما عادَ إلَيْهِ، فَأُشِيرَ بِالإظْهارِ إلى أنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِنها عامَّةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِشَيْءٍ أصْلًا، وانْدَرَجَ في هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ جَمِيعُ وُجُوهِ الِاسْتِعاذاتِ مِن جَمِيعِ وُجُوهِ التَّرْبِيَةِ وجَمِيعِ الوُجُوهِ المَنسُوبَةِ إلى المُسْتَعِيذِ مِن جِهَةِ أنَّهُ في قَهْرِ المَلِكِ بِالضَّمِّ، وجَمِيعِ الوُجُوهِ المَنسُوبَةِ إلى الإلَهِيَّةِ لِئَلّا يَقَعَ خَلَلٌ في وجْهٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ إشْعارًا بِعِظَمِ الآفَةِ المُسْتَعاذِ مِنها، ولَمْ يَعْطِفْ بِالواوِ لِما فِيها مِنَ الإيذانِ بِالمُغايَرَةِ، والمَقْصُودُ الِاسْتِعاذَةُ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الصِّفاتِ الواقِعَةِ عَلى ذاتٍ واحِدَةٍ حَتّى كَأنَّها صِفَةٌ واحِدَةٌ، وقَدَّمَ الرُّبُوبِيَّةَ لِعُمُومِها وشُمُولِها لِكُلِّ مَرْبُوبٍ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَلا فِعْلَ لِأحَدٍ إلّا وهو خَلَقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو الباعِثُ عَلَيْهِ، وأخَّرَ الإلَهِيَّةَ لِخُصُوصِها لِأنَّ مَن لَمْ يَتَقَيَّدْ بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ فَقَدْ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِن أنْ يَجْعَلَهُ إلَهَهُ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ لا إلَهَ سِواهُ، ووَسَّطَ صِفَةَ المَلِكِ لِأنَّ المَلِكَ هو المُتَصَرِّفُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومُلْكُهُ لَهم تابِعٌ لِخَلْقِهِ إيّاهم فَمُلْكُهُ مِن كَمالِ رُبُوبِيَّتِهِ، وكَوْنُهُ إلَهَهُمُ الحَقَّ مِن كَمالِ مُلْكِهِ، فَرُبُوبِيَّتُهُ تَسْتَلْزِمُ مُلْكَهُ وتَقْتَضِيهِ، ومُلْكُهُ يَسْتَلْزِمُ إلَهِيَّتَهُ وتَقْتَضِيها، وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الإضافاتُ الثَّلاثُ عَلى جَمِيعِ قَواعِدِ الإيمانِ، وتَضَمَّنَتْ مَعانِيَ أسْمائِهِ الحُسْنى، فَإنَّ (p-٤٢٩)الرَّبَّ هو القادِرُ الخالِقُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَقَّفُ الإصْلاحُ والرَّحْمَةُ والقُدْرَةُ الَّتِي هي مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِ مِن أوْصافِ الجَمالِ، والمُلْكُ هو الآمِرُ النّاهِي المُعِزُّ المُذِلُّ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ العائِدَةِ إلى العَظَمَةِ والجَلالِ، وأمّا الإلَهُ فَهو الجامِعُ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ [الجَلالِ -]، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الأسْماءِ الحُسْنى، فَلْتُضَمُّنِها جَمِيعَ مَعانِي الأسْماءِ كانَ المُسْتَعِيذُ جَدِيرًا بِأنْ يَعُوذَ، وقَدْ وقَعَ تَرْتِيبُها عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ الدّالِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، لِأنَّ مَن رَأى ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، عَلِمَ أنَّ لَهُ مُرَبِّيًا، فَإذا تَغَلْغَلَ في العُرُوجِ في دُرْجِ مَعارِفِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلِمَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ، .والكُلُّ إلَيْهِ مُحْتاجٌ، وعَنْ أمْرِهِ تَجْرِي أُمُورُهُمْ، فَيَعْلَمُ أنَّهُ مَلِكُهُمْ، ثُمَّ يَعْلَمُ بِانْفِرادٍ بِتَدْبِيرِهِمْ بَعْدَ إبْداعِهِمْ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْإلَهِيَّةِ بِلا مُشارِكٍ [لَهُ -] فِيها، فَقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى إسْقاطِ الألِفِ مِن ﴿مَلِكِ﴾ [الناس: ٢] بِخِلافِ الفاتِحَةِ كَما مَضى لِأنَّ المُلْكَ إذا أُضِيفَ إلى اليَوْمَ أفْهَمَ اخْتِصاصَهُ بِجَمِيعِ ما فِيهِ مِن جَوْهَرٍ وعَرَضٍ، وأنَّهُ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ولا مُشارَكَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وهو مَعْنى المُلْكِ - بِالضَّمِّ، وأمّا إضافَةُ المالِكِ إلى النّاسِ فَإنَّها تَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ مَلِكَهُمْ، فَلَوْ قُرِئَ بِهِ هُنا لَنَقُصَ المَعْنى، وأطْبَقُوا في آلِ عِمْرانَ عَلى إثْباتِ الألِفِ في المُضافِ وحَذْفِها مِنَ المُضافِ (p-٤٣٠)إلَيْهِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالسِّياقِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُعْطِي المُلْكَ مَن يَشاءُ ويَمْنَعُهُ مَن يَشاءُ، والمِلْكُ - بِكَسْرِ المِيمِ - ألْيَقُ بِهَذا المَعْنى، وأسْرارُ كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْظَمُ مِن أنْ تُحِيطَ بِها العُقُولُ، وإنَّما غايَةُ أُولِي العِلْمِ الِاسْتِدْلالُ بِما ظَهَرَ مِنها عَلى ما وراءَهُ، وأنَّ بادِيهِ إلى الخافِي يُشِيرُ.

114:4Page 604

مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ ٤

From the evil of the retreating whisperer1 -

ولَمّا أكْمَلَ الِاسْتِعاذَةَ مِن جَمِيعِ وُجُوهِها الَّتِي مَدارُها الإحْسانُ أوِ العَظَمَةُ أوِ القَهْرُ أوِ الإذْعانُ والتَّذَلُّلُ، ذَكَرَ المُسْتَعاذَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ﴾ هو اسْمٌ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ كالزِّلْزالِ بِمَعْنى الزَّلْزَلَةِ، والمُرادُ بِالمُوَسْوِسِ، سُمِّيَ بِفِعْلِهِ مُبالَغَةً لِأنَّهُ صِفَتُهُ الَّتِي هو غايَةُ الضَّراوَةِ عَلَيْها كَما بُولِغَ في العادِلِ بِتَسْمِيَتِهِ بِالعَدْلِ، والوَسْوَسَةُ الكَلامُ الخَفِيُّ: إلْقاءُ المَعانِي إلى القَلْبِ في خَفاءٍ وتَكْرِيرٍ، كَما أنَّ الكَلِمَةَ الدّالَّةَ عَلَيْها ”وسَّ“ مُكَرَّرَةً، وأصْلُها صَوْتُ الحُلِيِّ، وحَدِيثُ النَّفْسِ، وهَمْسُ الكِلابِ، ضُوعِفَ لَفْظُهُ مُناسَبَةً لِمَعْناهُ لِأنَّ المُوَسْوِسَ يُكَرِّرُ ما يَنْفُثُهُ في القَلْبِ [ويُؤَكِّدُهُ في خَفاءٍ -] لِيَقْبَلَ، ومَصْدَرُهُ بِالكَسْرِ كالزِّلْزالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] وكُلُّ مُضاعَفٍ مِنَ الزَّلْزَلَةِ والرَّضْرَضَةِ مَعْناهُ مُتَكَرِّرٌ، والمُوَسْوِسُ مِنَ (p-٤٣١)الجِنِّ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ - كَما في الصَّحِيحِ، فَهو يُوَسْوِسُ بِالذَّنْبِ سِرًّا لِيَكُونَ أجْلى، ولا يَزالُ يُزَيِّنُهُ ويُثِيرُ الشَّهْوَةَ الدّاعِيَةَ إلَيْهِ حَتّى يُواقِعَهُ الإنْسانُ، فَإذا واقَعَهُ وسْوَسَ لِغَيْرِهِ أنَّ فُلانًا [فَعَلَ -] كَذا حَتّى يَفْضَحَهُ بِذَلِكَ، فَإذا افْتَضَحَ ازْدادَ جُرْأةً عَلى أمْثالِ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ وقَعَ ما كُنْتُ أحْذَرُهُ مِنَ القالَةِ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ الَّذِي كانَ، وشَرُّهُ التَّحْبِيبُ إلى الإنْسانِ بِما يَمِيلُ إلَيْهِ طَبْعُهُ حَتّى يُشاكِلَهُ في رَذِيلَةِ الطَّبْعِ وظُلْمَةِ النَّفْسِ، فَيَنْشَأُ مِن ذَلِكَ شُرُورٌ لازِمَةٌ ومُتَعَدِّيَةٌ أضُرُّها الكِبَرُ والإعْجابُ اللَّذانِ أهْلَكا الشَّيْطانَ، فَيُوقِعُ الإنْسانُ بِها فِيما أوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهِ، ويَنْشَأُ مِنَ الكِبَرِ الحِقْدُ والحَسَدُ يَتَرَشَّحُ مِنهُ بَطَرُ الحَقِّ - وهو عَدَمُ قَبُولِهِ، ومِنهُ الكُفْرُ والفُسُوقُ والعِصْيانُ، وغَمَضُ النّاسِ - وهو احْتِقارُهُمُ المَعْلُومُ مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ

﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [ص: ٧٦] ومِنهُ تَنْشَأُ الِاسْتِهانَةُ بِأوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى بِتَرْكِ احْتِرامِهِمْ ومَنعِ حُقُوقِهِمْ والِاعْتِداءِ عَلَيْهِمْ والظُّلْمِ لَهُمْ، ويَتَرَشَّحُ مِنَ الحِقْدِ الَّذِي هو العَداوَةُ العَظِيمَةُ إمْساكُ الخَيْرِ والإحْسانُ وبَسْطُ اللِّسانِ واليَدُ بِكُلِّ سُوءٍ وإيذاءٍ، ويَتَرَشَّحُ مِنَ الحَسَدِ إفْسادُ ذاتِ البَيْنِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠] - الآيَةُ والكَذِبُ والمُخادَعَةُ كَما عُرِفَ بِهِ ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ (p-٤٣٢)النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] ويَتَرَشَّحُ عَنِ الإعْجابِ التَّسَخُّطُ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ كَما آذَنَ بِهِ ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ومُقابَلَةُ الأمْرِ بِالعِلْمِ بِما أُشْعِرَ بِهِ ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ﴾ [الحجر: ٣٣] واسْتِعْمالُ القِياسِ في مُقابَلَةِ النَّصِّ بِما هَدى إلَيْهِ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [ص: ٧٦] - الآيَةُ، واسْتِعْمالُ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ بِما أفْهَمَهُ ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] والإذْلالُ وهو الجُرْأةُ عَلى المُخالَفاتِ فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ شُرُورٌ مُتَعَدِّيَةٌ، وهي السَّعْيُ في إفْسادِ العَقائِدِ والأخْلاقِ والأعْمالِ والأبْدانِ والأرْزاقِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَحَبَّبُ إلى الإنْسانِ بِما يَمِيلُ إلَيْهِ طَبْعُهُ مِن هَذِهِ الخَبائِثِ وهو يُوافِقُهُ فِيها حَتّى يَصِيرَ لَهُ أخْلاقًا راسِخَةً، فَيَصِيرُ رَدِيءَ الطَّبْعِ فَلا يَنْفَعُ فِيهِ العِلاجُ، بَلْ لا يَزِيدُهُ إلّا خُبْثًا كَإبْلِيسَ، ومَن كانَ أصْلُهُ طَيِّبًا واكْتَسَبَ ما يُخالِفُهُ بِسَبَبٍ عارِضٍ كانَ مُمْكِنَ الإزالَةِ كالعِلاجِ كَما وقَعَ لِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَ المَلِكُ الأعْظَمُ سُبْحانَهُ لَمْ يُنْزِلْ داءً إلّا أنْزَلَ لَهُ دَواءً، وكانَ قَدْ جَعَلَ دَواءَ الوَسْوَسَةِ ذِكْرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ يَطْرُدُ الشَّيْطانَ ويُنِيرُ القَلْبَ ويُصَفِّيهِ، وصَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِعْلَ المُوَسْوِسِ عِنْدَ اسْتِعْمالِ الدَّواءِ إعْلامًا بِأنَّهُ شَدِيدُ العَداوَةِ لِلْإنْسانِ لِيَشْتَدَّ حَذَرُهُ مِنهُ وبُعْدُهُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿الخَنّاسِ﴾ أيِ الَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنَسَ أيْ يَتَوارى ويَتَأخَّرُ (p-٤٣٣)ويَخْتَفِي بَعْدَ ظُهُورِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كُلَّما كانَ الذِّكْرُ خُنَسَ، وكُلَّما بَطَلَ عادَ إلى وسْواسِهِ، [فالذِّكْرُ -] لَهُ كالمَقامِعِ الَّتِي تَقْمَعُ المُفْسِدَ، فَهو شَدِيدُ النُّفُورِ مِنهُ، ولِهَذا يَكُونُ شَيْطانُ المُؤْمِنِ هَزِيلًا كَما [ورَدَ] عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ المُؤْمِنَ يَنْفِي شَيْطانَهُ كَما يَنْفِي الرَّجُلُ بِعِيرُهُ في السَّقَرِ، قالَ البَغَوِيُّ: لَهُ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الكَلْبِ في صَدْرِ الإنْسانِ، ويُقالُ: رَأْسُهُ كَرَأْسِ الحَيَّةِ واضِعُ رَأْسِهِ عَلى يَمِينِ القَلْبِ يُحَدِّثُهُ، فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وإذا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ رَجَعَ ووَضَعَ رَأْسَهُ - خَزاهُ اللَّهُ تَعالى.

114:5Page 604

ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ ٥

Who whispers [evil] into the breasts of mankind -

ولَمّا ذَكَرَ صِفَةَ المُسْتَعاذِ مِنهُ، ذَكَرَ إبْرازَهُ لِصِفَتِهِ بِالفِعْلِ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ﴾ أيْ يُلْقِي المَعانِيَ الضّارَّةَ عَلى وجْهِ الخَفاءِ والتَّكْرِيرِ بِحَيْثُ تَصِلُ مَفاهِيمُها مِن غَيْرِ سَماعٍ، وأشارَ إلى كَثْرَةِ وسْوَسَتِهِ بِذِكْرِ الصَّدْرِ الَّذِي هو ساحَةُ القَلْبِ ومَسْكَنُهُ فَقالَ: ﴿فِي صُدُورِ النّاسِ﴾ أيِ المُضْطَرِبِينَ إذا غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ، فَإنَّها دَهالِيزُ القُلُوبِ مِنها تَدْخُلُ الوارِداتِ إلَيْها، وذَلِكَ كالقُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ فَإنَّ العَقْلَ يُساعِدُ في المُقَدِّماتِ [الحَقَّةِ -] المُنْتِجَةِ لِلْأمْرِ المَقْطُوعِ بِهِ، فَإذا وصَلَ الأمْرُ إلى ذَلِكَ خَنَسَتِ الواهِمَةُ رَيْثَما يَفْتُرُ [العَقْلُ -] عَنِ النَّتِيجَةِ فَتْرَةً ما، فَتَأْخُذُ الواهِمَةُ (p-٤٣٤)فِي الوَسْوَسَةِ وتَقْبَلُ [مِنها -] الطَّبِيعَةُ بِما لَها بِها مِن مُجانَسَةِ الظُّلْمَةِ الوَهْمِيَّةِ، والنّاسُ - قالَ في القامُوسِ: يَكُونُ مِنَ الإنْسِ ومِنَ الجِنِّ، جَمْعُ إنْسٍ أصْلُهُ أُناسٌ جَمْعُ عَزِيزٍ أدْخَلَ عَلَيْهِ [ألْ -] - انْتَهى، ولَعَلَّ إطْلاقَهُ عَلى هَذَيْنَ المُتَقابِلَيْنِ بِالنَّظَرِ إلى النَّوْسِ الَّذِي أصْلُهُ الِاضْطِرابُ والتَّذَبْذُبُ فَيَكُونُ مَنحُوتًا مِنَ الأصْلَيْنِ: الإنْسِ والنَّوْسِ، ومِن ثالِثٍ وهو النِّسْيانُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском