Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الصافات
As-Saffat
Those who set the Ranks · Meccan · 182 ayahs
(p-١٨٦)سُورَةُ ”الصّافّاتِ“
مَقْصُودُها الِاسْتِدْلالُ عَلى آخِرِ ”يـس“؛ مِنَ التَّنَزُّهِ عَنِ النَّقائِصِ؛ اللّازِمِ مِنهُ رَدُّ العِبادِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهم بِالعَدْلِ؛ اللّازِمِ مِنهُ الوَحْدانِيَّةُ؛ وذَلِكَ هو المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ وسْمُها بِـ ”الصّافّاتِ“؛ ”وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ“.
”بِسْمِ اللَّهِ“؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ؛ فَلا يَدْنُو مِن جَنابِهِ نَقْصٌ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي مَنَّ بِرَحْمَةِ العَدْلِ في الدّارَيْنِ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي يَمُنُّ عَلى مَن يُرِيدُ بِالطّاعَةِ بِالثَّوابِ؛ والمَتابِ؛ لِإسْقاطِ العِقابِ.
لَمّا كانَ الِانْفِرادُ بِالمَلَكُوتِ لا يَكُونُ إلّا مَعَ الوَحْدانِيَّةِ بِالذّاتِ؛ وفي ذَلِكَ اسْتِحْقاقُ الِاخْتِصاصِ بِالإلَهِيَّةِ؛ وكانَ ذَلِكَ - مَعَ أنَّهُ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ - عِنْدَهم في غايَةِ البُعْدِ؛ ولِذَلِكَ لا يُسَلِّمُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَلَكُوتِ؛ ويُنْكِرُونَهُ غايَةَ الإنْكارِ؛ ناسَبَ أنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ مِنَ البَلاغَةِ أنْ يُناسِبَ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ وكانَ الِاصْطِفافُ دالًّا عَلى اتِّحادِ القَصْدِ؛ كَما في صُفُوفِ القِتالِ؛ والصَّلاةِ؛ وكانَ المَلائِكَةُ لا قَصْدَ لَهم إلّا اللَّهُ؛ مِن غَيْرِ عائِقٍ عَنْ ذَلِكَ؛ فَكانُوا أحَقَّ الخَلْقِ بِالِاصْطِفافِ؛ تارَةً لِلصَّلاةِ؛ وتارَةً لِلتَّسْبِيحِ؛ والتَّقْدِيسِ؛ وتارَةً (p-١٨٧)لِتَدْبِيرِ الأرْزاقِ؛ وتارَةً لِتَعْذِيبِ أهْلِ الشِّقاقِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَسَعُها الصُّدُورُ؛ وكانُوا بَعْدَ زَجْرَةِ الإماتَةِ؛ ثُمَّ زَجْرَةِ الإحْياءِ؛ المُصَرَّحِ بِهِما في السُّورَةِ الماضِيَةِ؛ ثُمَّ زَجْرَتَيِ الصَّعْقِ؛ والإفاقَةِ؛ الآتِيَتَيْنِ في ”الزُّمَرِ“؛ حِينَ تَشَقُّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ؛ وتَكُونُ ورْدَةً كالدِّهانِ؛ وتَنْفَطِرُ بِسَطْوَةِ المَلِيكِ الدَّيّانِ؛ ويَنْكَدِرُ ما فِيها مِن أجْرامٍ؛ ومَعانٍ؛ تَنْزِلُ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ؛ فَتَصِيرُ صَفًّا مُسْتَدِيرًا؛ مَلائِكَةُ الأُولى حَوْلَ أهْلِ الأرْضِ؛ ومَلائِكَةُ الثّانِيَةِ حَوْلَ مَلائِكَةِ الأُولى؛ وهَكَذا؛ ثُمَّ يَصِيرُونَ إذا قِيلَ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣]؛ فَماجَ العِبادُ بَعْضُهم في بَعْضٍ مِن شِدَّةِ الزِّحامِ؛ وطُولِ القِيامِ؛ كُلَّما مالُوا عَلى جِهَةٍ مِن جِهاتِهِمْ زَجَرُوهم زَجْرًا رَدُّوهم بِهِ عَنِ النُّفُوذِ؛ مَعَ أنَّ انْتِظامَ المُدَبِّراتِ؛ النّاشِئَ عَنِ اصْطِفافِهِمْ في التَّدْبِيرِ في طاعَةِ المَلِكِ القَدِيرِ؛ دالٌّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿والصّافّاتِ﴾؛ أيْ: الجَماعاتِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ والمُصَلِّينَ؛ والمُجاهِدِينَ؛ المُكَمِّلِينَ أنْفُسَهم بِالِاصْطِفافِ في الطّاعَةِ؛ فَهو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ؛ وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ”الصّافِّينَ“؛ القاصِرَ عَلى الذُّكُورِ العُقَلاءِ؛ لِيَشْمَلَ (p-١٨٨)الجَماعاتِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ والجِنِّ؛ والإنْسِ؛ والطَّيْرِ؛ والوَحْشِ؛ وغَيْرِها؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُؤَلِّفُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها؛ لِيَتَّحِدَ قَصْدُهُ؛ إلّا واحِدٌ قَهّارٌ؛ وأنَّهُ ما اتَّحَدَ قَصْدُ شَيْءٍ مِنها إلّا اسْتَوى صِفَةً؛ ولا اعْتَدَلَ صِفَةً إلّا اتَّحَدَ زَجْرُهُ؛ وهو صِياحُهُ؛ ولا اتَّحَدَ زَجْرُهُ إلّا اتَّحَدَ ما يُذَكِّرُهُ بِصَوْتِهِ؛ ولا اتَّحَدَ مِنهُ ذَلِكَ إلّا نَجَحَ قَصْدُهُ واتَّضَحَ رُشْدُهُ؛ بِدَلِيلِ المُشاهَدَةِ؛ وأدَلُّها أنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَمّا اتَّحَدَ قَصْدُهم في إعْلاءِ الدِّينِ؛ وهم أضْعَفُ الأُمَمِ؛ وأقَلُّها عَدَدًا؛ لَمْ يَقُمْ لَهم جَمْعٌ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ لا نِسْبَةَ لَهم إلَيْهِمْ في قُوَّةٍ؛ ولا كَثْرَةٍ؛ ولَمْ يَنْقُصْ صَفُّهُمْ؛ وجَرَحَ القُلُوبَ وأبارَها زَجْرُهُمْ؛ وشَرَحَ الصُّدُورَ وأنارَها ذِكْرُهُمْ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ (تَعالى) آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]؛ وكَذا غَيْرُ الآدَمِيِّينَ؛ مِنَ الحَيَواناتِ؛ كَما يُرى مِنَ الفَأْرِ؛ والجَرادِ؛ إذا أرادَ اللَّهُ (تَعالى) اتِّحادَ (p-١٨٩)قَصْدِهِ في شَيْءٍ؛ فَإنَّهُ يَغْلِبُ فِيهِ مَن يُغالِبُهُ؛ ويَقْهَرُ مَن يُقاوِيهِ أوْ يُقالِبُهُ؛ فَبانَ أنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ ما أُرِيدَ بِالقَسَمِ؛ واتَّحَدَ جِدًّا بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ والتَأمَ والتَحَمَ بِهِ أيَّ التِحامٍ؛ وانْتَظَمَ مَعْناهُما كُلَّ الِانْتِظامِ.
ولَمّا كانَ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ أدَلَّ عَلى الوَحْدَةِ المُرادَةِ؛ قالَ: ﴿صَفًّا﴾؛ وهو تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ؛ ولَمّا كانَ تَوَحُّدُ القَصْدِ مُوجِبًا لِلْقُوَّةِ المُهَيِّئَةِ لِلزَّجْرِ؛ وكانَ تَكْمِيلُ الغَيْرِ مُسَبَّبًا عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ؛ ومُرَتَّبًا عَلَيْهِ؛ وأشْرَفَ مِنهُ؛ لَوْ تَجَرَّدَ عَنِ التَّكْمِيلِ؛ وكانَ التَّكْمِيلُ إنَّما يَتِمُّ أمْرُهُ؛ ويَعْظُمُ أثَرُهُ مَعَ الهَيْبَةِ: «”فَأخَذَنِي؛ فَغَطَّنِي؛ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدُ“؛»
قالَ - عاطِفًا بِالفاءِ -: ﴿فالزّاجِراتِ﴾؛ أيْ: المُنْتَهِراتِ عَقِبَ الصَّفِّ كُلَّ مَن خَرَجَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ؛ ﴿زَجْرًا﴾؛ أيْ: انْتِهارًا بِالمَواعِظِ؛ وغَيْرِها؛ تَكْمِيلًا لِغَيْرِهِمْ.
ولَمّا كانَتِ الإفاضَةُ مُسَبَّبَةً عَنْ حُسْنِ التَّلَقِّي؛ المُسَبَّبِ عَنْ تَفْرِيغِ البالِ؛ المُسَبَّبِ عَنْ هَيْبَةِ المُفِيدِ؛ وكانَ فَيْضُ التِّلاوَةِ أعْظَمَ الفَيْضِ؛ قالَ: ﴿فالتّالِياتِ﴾؛ أيْ: التّابِعاتِ اسْتِدْلالًا عَلى قَوْلِهِمْ وفِعْلِهِمْ؛ وتَمْهِيدًا لِعُذْرِهِمْ؛ (p-١٩٠)وتَشْرِيفًا لِقَدْرِهِمْ؛ وتَكْمِيلًا لِغَيْرِهِمْ: ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيْ: مَوْعِظَةً؛ وتَشْرِيفًا؛ وتَذْكِيرًا؛ مِن ذِكْرِ رَبِّهِمْ؛ إفاضَةً عَلى غَيْرِهِمْ مِن رُوحِ العِلْمِ؛ وإدْغامُ التّاءِ في الصّادِ؛ والزّايِ؛ والذّالِ؛ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ؛ مَعَ هَوْلِهِ وعِظَمِهِ؛ قَدْ يَخْفى عَنْ غَيْرِ مَن يُرِيدُ اللَّهُ إطْلاعَهُ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ قَطَّعَتِ الصَّيْحَةُ قُلُوبَ الكَفَرَةِ؛ مِن ثَمُودَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ولَمْ تُؤَثِّرْ فِيمَن آمَنُ مِنهُمْ؛ وقَدْ كانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنَزِّلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ما يَأْتِي بِهِ مِنَ القُرْآنِ؛ والصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - حَوْلَهُ؛ لا يَسْتَمِعُونَ شَيْئًا مِنهُ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛
﴿إنَّ إلَهَكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ آلِهَةً؛ ﴿لَواحِدٌ﴾؛ أيْ: فَإنَّ التَّفَرُّقَ لا يَأْتِي بِخَيْرٍ؛ لِما يَصْحَبُهُ مِنَ العَجْزِ البَعِيدِ جِدًّا عَنِ الكَمالِ؛ الَّذِي لا تَكُونُ الإلَهِيَّةُ أصْلًا إلّا مَعَهُ؛ فَإلَيْهِ - لا إلى غَيْرِهِ - تُرْجَعُونَ؛ لِيَفْصِلَ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ؛ وهو الَّذِي أنْزَلَ هَذا الكِتابَ بِعِزَّتِهِ؛ ورَحْمَتِهِ؛ وحَرَسَهُ مِنَ اللَّبْسِ؛ وغَيْرِهِ؛ بِما سَيَذْكُرُ مِن كِبْرِيائِهِ؛ وعَظَمَتِهِ؛ ولَوْ لَمْ يَكُنْ واحِدًا لاخْتَلَّ أمْرُ هَذا الِاصْطِفافِ؛ والزَّجْرِ؛ والتِّلاوَةِ؛ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها؛ فاخْتَلَّ نِظامُ هَذا الوُجُودِ؛ الَّذِي نُشاهِدُهُ كَما نُشاهِدُ في أحْوالِ المَمالِكِ (p-١٩١)عِنْدَ اخْتِلافِ المُلُوكِ؛ في تَغْيِيرِ العَوائِدِ؛ ونَسْخِ الشَّرائِعِ؛ الَّتِي كانَ مَن قَبْلَها أطَّدَها؛ وجَمِيعُ ما لَهُ مِنَ الآثارِ والخَصائِصِ؛ ونَحْنُ نُشاهِدُ هَذا الوُجُودَ عَلى ما أحْكَمَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لا يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ مِنهُ عَنْ حالِهِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُ؛ فَعَلَّمَنا أنَّهُ واحِدٌ لا مَحالَةَ؛ مُتَفَرِّدٌ بِالعَظَمَةِ؛ لا كُفُؤَ لَهُ مِن غَيْرِ شَكٍّ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَضَمَّنَتْ سُورَةُ ”يـس“؛ مِن جَلِيلِ التَّنْبِيهِ وعَظِيمِ الإرْشادِ؛ وما يَهْتَدِي المُوَفَّقُ بِاعْتِبارِ بَعْضِهِ؛ ويَشْتَغِلُ المُعْتَبِرُ بِهِ في تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ وفَرْضِهِ؛ ويَشْهَدُ بِأنَّ المَلِكَ بِجُمْلَتِهِ لَواحِدٌ؛ وإنْ رَغِمَ أنْفُ المُعانِدِ والجاحِدِ؛ أتْبَعَها (تَعالى) بِالقَسَمِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١]؛ الآيَةَ؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾ [الصافات: ٥]؛ ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى التَّنْبِيهِ لِعَجِيبِ مَصْنُوعاتِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]؛ ثُمَّ أتْبَعَ بِذِكْرِ عِنادِ مَن جَحَدَ؛ مَعَ بَيانِ الأمْرِ؛ ووُضُوحِهِ؛ وضَعْفِ ما خُلِقُوا مِنهُ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]؛
37:5Page 446
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ ٥
Lord of the heavens and the earth and that between them and Lord of the sunrises.1
ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِبْعادَهُمُ العَوْدَةَ الأُخْرَوِيَّةَ؛ وعَظِيمَ حَيْرَتِهِمْ؛ ونَدَمَهم إذا شاهَدُوا ما بِهِ كَذَّبُوا؛ (p-١٩٢)والتَحَمَتِ الآيُ إلى ذِكْرِ الرُّسُلِ مَعَ أُمَمِهِمْ؛ وجَرْيِهِمْ في العِنادِ؛ والتَّوَقُّفِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ عَلى سَنَنٍ مُتَقارِبٍ؛ وأخْذِ كُلٍّ بِذَنْبِهِ؛ وتَخْلِيصِ رُسُلِ اللَّهِ؛ وحِزْبِهِ؛ وإبْقاءِ جَمِيلِ ذِكْرِهِمْ بِاصْطِفائِهِمْ؛ وقُرْبِهِ؛ ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى تَعْنِيفِ المُشْرِكِينَ؛ وبَيانِ إفْكِ المُعْتَدِينَ؛ إلى خَتْمِ السُّورَةِ؛ انْتَهى.
ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ واحِدٌ؛ أنْتَجَ وصْفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ﴾؛ أيْ: مُوجِدُ؛ ومالِكُ؛ ومَلِكُ؛ ومُدَبِّرُ ﴿السَّماواتِ﴾؛ أيْ: الأجْرامِ العالِيَةِ؛ ﴿والأرْضِ﴾؛ أيْ: الأجْرامِ السّافِلَةِ؛ ﴿وما بَيْنَهُما﴾؛ أيْ: مِنَ الفَضاءِ المَشْحُونِ؛ مِنَ المُرافِقِ؛ والمُعاوِنِ؛ بِما تَعْجِزُ عَنْ عَدِّهِ القُوى؛ وهَذا - مَعَ كَوْنِهِ نَتِيجَةَ ما مَضى - يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ لِما أشارَ إلَيْهِ مِنَ انْتِظامِ التَّدْبِيرِ؛ الَّذِي لا يَتَهَيَّأُ مَعَ التَّعَدُّدِ؛ كَما أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هُنا إشارَةٌ إلى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ أيْضًا؛ بِكَوْنِهِ عَلى نِظامٍ واحِدٍ دائِمًا في الطّاعَةِ؛ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها بِالصَّفِّ؛ والزَّجْرِ؛ والتِّلاوَةِ؛ فَسُبْحانَ مَن جَعَلَ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزَ النِّظامِ؛ بَدِيعَ الشَّأْنِ؛ بَعِيدَ المَرامِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإفاضَةِ بِالتِّلاوَةِ؛ وغَيْرِها؛ وكانَتْ جِهَةُ الشُّرُوقِ جِهَةَ الإفاضَةِ بِالتَّجَلِّي المُوجِدِ لِلْخَفايا؛ المُوجِبِ لِلتَّنَزُّهِ عَنِ النَّقائِصِ؛ (p-١٩٣)وكانَ الجَمِيعُ ألْيَقَ بِالِاصْطِافِ؛ النّاظِرِ إلى القَهْرِ بِالِائْتِلافِ؛ قالَ: ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾؛ أيْ: الثَّلاثِمِائَةٍ والسِّتِّينَ؛ الَّتِي تَجَلّى عَلَيْكم كُلَّ يَوْمٍ فِيها الشَّمْسُ؛ والقَمَرُ؛ وسائِرُ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ؛ عَلى كَرِّ الدُّهُورِ؛ والأعْوامِ؛ والشُّهُورِ؛ والأيّامِ؛ عَلى نِظامٍ لا يَنْحَلُّ؛ ومَسِيرٍ لا يَتَغَيَّرُ ولا يَخْتَلُّ؛ وذِكْرُها يَدُلُّ قَطْعًا عَلى المَغارِبِ؛ لِأنَّها تَخْتَلِفُ بِها؛ وأعادَ الصِّفَةَ مَعَها؛ تَنْبِيهًا عَلى وُضُوحِ دَلالَتِها؛ بِما فِيها مِمّا السِّياقُ لَهُ؛ مِنَ الِاصْطِفافِ؛ الدّالِّ عَلى حُسْنِ الِائْتِلافِ؛ ولِلدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ بِالآياتِ بَعْدَ الغِيابِ.
37:6Page 446
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦
Indeed, We have adorned the nearest heaven with an adornment of stars
ولَمّا كانَتِ المَشارِقُ تَقْتَضِي الفَيْضَ؛ والإظْهارَ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ نَتِيجَتَهُ؛ بِما مِن شَأْنِهِ الشُّرُوقُ؛ والغُرُوبُ؛ ولَوْ بِمُجَرَّدِ الخَفاءِ؛ والظُّهُورِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ مَعَ لَفْتِ الكَلامِ إلى التَّكَلُّمِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فِعْلَهم فِعْلُ مَن يُنْكِرُ ما لِلنُّجُومِ مِنَ الزِّينَةِ؛ وما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن عَظَمَتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وفَخَّمَ التَّعْبِيرَ عَنِ الزِّينَةِ بِتَضْعِيفِ الفِعْلِ لِمِثْلِ ذَلِكَ -: ﴿إنّا زَيَّنّا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا تُدانى؛ ﴿السَّماءَ﴾؛ ولَمّا كانُوا لا يَرَوْنَ إلّا ما يَلِيهِمْ مِنَ السَّماواتِ؛ وكانَتْ زِينَةُ النُّجُومِ ظاهِرَةً فِيها؛ قالَ: ﴿الدُّنْيا﴾؛ أيْ: الَّتِي هي أدْنى السَّماواتِ إلَيْكم. (p-١٩٤)ولَمّا أُشِيرَ إلى أنَّ الصَّفَّ زِينَةٌ في الباطِنِ؛ بِاتِّحادِ القَصْدِ؛ كَما أنَّهُ زِينَةٌ في الظّاهِرِ بِحُسْنِ الشَّكْلِ؛ وبَدِيعِ الرَّصْفِ؛ زِيدَ في التَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ بِإعادَةِ ما فُهِمَ مِن ”زَيَّنّا“؛ في قَوْلِهِ: ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾؛ أيْ: بِالزِّينَةِ الَّتِي لِلنُّجُومِ النَّيِّرَةِ البَرّاقَةِ المُتَوَقِّدَةِ الثّابِتَةِ في مَحالِّها - قارَّةً أوْ مارَّةً - المُرَصَّعَةِ في السَّماءِ تَرْصِيعَ المَسامِيرِ الزّاهِرَةِ؛ كَزَهْرِ النُّورِ المَبْثُوثِ في خُضْرَةِ الرِّياضِ النّاضِرَةِ؛ فَهي مَعَ عَدَمِ التَّنْوِينِ والخَفْضِ إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ؛ كَـ ”ثَوْبُ خَزٍّ“؛ ومَن نَوَّنَ ”الزِّينَةَ“؛ فَإنْ خَفَضَ ”الكَواكِبِ“؛ فَعَلى البَدَلِ؛ أيْ: بِالكَواكِبِ الَّتِي هي زِينَةٌ؛ وإنْ نَصَبَ؛ فَعَلى المَدْحِ؛ بِتَقْدِيرِ ”أعْنِي“؛ أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ”السَّماءَ“؛ أيْ: كَواكِبَها؛ إمّا بِكَوْنِها فِيما دُونَها مِنَ الجَوِّ؛ فَبِظَنِّ أنَّها فِيها؛ أوْ بِكَوْنِها فِيها مِن جانِبِها الَّذِي يَلِينا؛ أوْ بِكَوْنِها تَشُفُّ عَنْها؛ وإنْ كانَ بَعْضُها فِيما هو أعْلى مِنها؛ وزِينَتُها انْتِظامُها؛ وارْتِسامُها عَلى هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ في أشْكالٍ مُتَنَوِّعَةٍ؛ وصُوَرٍ مُسْتَبْدِعَةٍ؛ ما بَيْنَ صِغارٍ وكِبارٍ؛ مِنها ثَوابِتُ؛ ومِنها سَيّارَةٌ؛ وشَوارِقُ؛ (p-١٩٥)وغَوارِبُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الهَيْئاتِ الَّتِي لا تُحْصى؛ ولا حَدَّ لَها عِنْدَ العِبادِ العَجَزَةِ فَيُسْتَقْصى.
37:7Page 446
وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ ٧
And as protection against every rebellious devil
ولَمّا كانَ كَوْنُ الشَّيْءِ الواحِدِ لِأشْياءَ مُتَعَدِّدَةٍ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ؛ وأظْهَرَ في العَظَمَةِ؛ قالَ - دالًّا بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ظاهِرٍ؛ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزِّينَةَ بِالنُّجُومِ أمْرٌ مَقْصُودٌ؛ لا اتِّفاقِيٌّ -: ﴿وحِفْظًا﴾؛ أيْ: زَيَّناها بِها لِلزِّينَةِ؛ ولِلْحِفْظِ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ﴾؛ أيْ: بَعِيدٍ عَنِ الخَيْرِ؛ مُحْتَرِقٍ؛ ولَمّا كانَ القَصْدُ التَّعْمِيمَ في الحِفْظِ مِن كُلِّ عاتٍ؛ سَواءٌ كانَ بالِغًا في العُتُوِّ؛ أوْ لا؛ قالَ: ﴿مارِدٍ﴾؛ أيْ: مُجَرَّدٍ عَنِ الخَيْرِ؛ عاتٍ في كُلِّ شَرٍّ؛ سَواءٌ كانَ بالِغًا في ذَلِكَ أقْصى الغاياتِ؛ أوْ كانَ في أدْنى الدَّرَجاتِ؛ كَـ ”ضارِبٌ“؛ و”ضَرّابٌ“.
37:8Page 446
لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ ٨
[So] they may not listen to the exalted assembly [of angels] and are pelted from every side,1
ولَمّا كانَ المُرادُ في سُورَتَيْ ”النِّساءِ“؛ و”الحَجِّ“؛ ذَمَّ الكَفَرَةِ بِفِعْلِ ما لَيْسَ في كَوْنِهِ شَرًّا لَبْسٌ؛ وبِوَضْعِ النَّفْسِ بِاتِّباعِ ما لا شَكَّ في دَناءَتِهِ؛ بِبُعْدِهِ عَنِ الخَيْرِ بَعْدَ الإخْفاءِ بِهِ؛ عَبَّرَ بِـ ”المَرِيدِ“؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ وكَما أنَّهُ حَرَسَ السَّماءَ المَحْسُوسَةَ بِما ذَكَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَكَذَلِكَ زَيَّنَ - عَزَّ وجَلَّ - قُلُوبَ الأوْلِياءِ؛ الَّتِي هي كالسَّماءِ لِأراضِي أجْسامِهِمْ؛ بِنُجُومِ المَعارِفِ؛ فَإذا مَسَّهم طَيْفٌ (p-١٩٦)مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا؛ فَرَشَقَتْهُ شُهُبُ أحْوالِهِمْ؛ ومَعارِفِهِمْ؛ وأقْوالِهِمْ؛ ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ هَذا الحِفْظِ؛ وثَمَرَتِهِ؛ وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ؛ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾؛ أيْ: الشَّياطِينُ المَفْهُومُونَ مِن ”كُلِّ شَيْطانٍ“؛ لا يَتَجَدَّدُ لَهم سَمْعٌ أصْلًا؛ قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: قالَ الفَرّاءُ: ”لا“؛ هُنا؛ كَقَوْلِهِ: ”كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ“؛ ويَصْلُحُ في ”لا“؛ عَلى هَذا المَعْنى الجَزْمُ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: ”رَبَطْتُ في شَيْءٍ لا يَنْفَلِتْ“؛ انْتَهى؛ ويُؤْخَذُ مِنَ التَّسْوِيرِ بِـ ”كُلِّ“؛ ثُمَّ الجَمْعِ؛ نَظَرًا إلى المَعْنى؛ والإفْرادِ لِضَمِيرِ ”الخاطِفِ“؛ و”لِلْخَطْفَةِ“؛ أنَّهم مَعْزُولُونَ عَنِ السَّمْعِ؛ جَمْعُهُمْ؛ ومُفْرَدُهم مِنَ الجَمْعِ؛ وأنَّ الخَطْفَ يَكُونُ - إنِ اتَّفَقَ - في الواحِدِ؛ لا الجَمْعِ؛ ومِنَ الواحِدِ؛ لا الجَمْعِ؛ ولِلْكَلِمَةِ وما في حُكْمِها؛ لا أكْثَرَ؛ وإلَيْهِ يُشِيرُ حَدِيثُ الصَّحِيحِ: ”تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ؛ يَخْطِفُها الجِنِّيُّ“؛ وأكَّدَ بُعْدَهم بِإثْباتِ حَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ - مُضَمِّنًا ”سَمِعَ“؛ بَعْدَ قَصْرِهِ مَعْنى ”انْتَهى“؛ أوْ ”أصْغى“؛ لِيَكُونَ المَعْنى: لا يَنْتَهِي سَمْعُهُمْ؛ أوْ تَسَمُّعُهم أوْ إصْغاؤُهم -: ﴿إلى المَلإ﴾؛ أيْ: الجَمْعِ العَظِيمِ الشَّرِيفِ؛ وأوْضَحَتْ هَذا المَعْنى قِراءَةُ (p-١٩٧)مَن شَدَّدَ السِّينَ؛ والمِيمَ؛ بِمَعْنى ”يَتَسَمَّعُونَ“؛ أيْ بِنَوْعِ حِيلَةٍ؛ تَسَمُّعًا مُنْتَهِيًا إلى ذَلِكَ؛ وهو يُفْهِمُ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ؛ ولَكِنْ لا يَنْتَهِي تَسَمُّعُهم إلى ما ذُكِرَ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ؛ ويُشِيرُ أيْضًا إلى أنَّهم يَجْتَهِدُونَ في إخْفاءِ أمْرِهِمْ؛ وأفْرَدَ الوَصْفَ دَلالَةً أيْضًا عَلى أنَّ العَطْفَ يَكُونُ مِن واحِدٍ؛ لا مِن جَمْعٍ؛ فَقالَ: ﴿الأعْلى﴾؛ أيْ: مَكانًا؛ ومَكانَةً؛ بِحَيْثُ يَمْلَؤُونَ العُيُونَ بَهْجَةً؛ والصُّدُورَ هَيْبَةً.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لِأنَّهم يُطْرَدُونَ طَرْدًا قَوِيًّا“؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِالعاطِفِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُقْذَفُونَ﴾؛ أيْ: الشَّياطِينُ؛ يُرْمَوْنَ رَمْيًا وحْيًا شَدِيدًا؛ يُطْرَدُونَ بِهِ؛ وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ النّافِعَ قَذْفُهُمْ؛ لا تَعْيِينُ قاذِفِهِمْ؛ مَعَ أنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ - عَزَّتْ وجَلَّتْ - ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾؛ أيْ: مِن جَوانِبِ السَّماواتِ؛ بِالشُّهُبِ؛ إذا قَصَدُوا السَّماعَ بِالِاسْتِراقِ؛
﴿دُحُورًا﴾؛ أيْ: قَذْفًا يَرُدُّهم مَطْرُودِينَ؛ صاغِرِينَ؛ مُبْعَدِينَ؛ فَهو تَأْكِيدٌ لِلْقَذْفِ بِالمَعْنى؛ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أوْ حالٌ.
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما كانَ سَبَبًا لِأنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهم غَيْرُ مَقْدُورٍ (p-١٩٨)عَلَيْهِمْ في غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ؛ بِغَيْرِ هَذا النَّوْعِ؛ أخْبَرَ أنَّهم في قَبْضَتِهِ؛ وإنَّما جَعَلَ حالَهم هَذا فِتْنَةً لِمَن أرادَ مِن عِبادِهِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِاللّامِ؛ الَّتِي يُعَبَّرُ بِها غالِبًا عَنِ النّافِعِ تَهَكُّمًا بِهِمْ -: ﴿ولَهم عَذابٌ﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ بِهَذا وبِغَيْرِهِ؛ وفي الآخِرَةِ؛ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ ﴿واصِبٌ﴾؛ أيْ: دائِمٌ؛ مُمْرِضٌ؛ مُوجِعٌ؛ كَثِيرُ الإيجاعِ؛ مُواظِبٌ عَلى ذَلِكَ؛ ثابِتٌ عَلَيْهِ؛ وإنِ افْتَرَقَ الدَّوامانِ في الِاتِّصالِ؛ والعِظَمِ؛ والشِّدَّةِ؛ والألَمِ.
37:10Page 446
إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ ١٠
Except one who snatches [some words] by theft, but they are pursued by a burning flame, piercing [in brightness].
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا حِراسَةُ القُرْآنِ بِقُدْرَةِ المَلِكِ الدَّيّانِ؛ عَنْ لَبْسِ الجانِّ؛ وكانَ بَعْضُهم مَعَ هَذا يَسْمَعُ في بَعْضِ الأحايِينِ ما أرادَ اللَّهُ أنْ يَسْمَعَهُ؛ لِيَجْعَلَهُ فِتْنَةً لِمَن أرادَ مِن عِبادِهِ؛ مَعَ تَمَيُّزِ القُرْآنِ بِالإعْجازِ؛ اسْتَثْنى مِن فاعِلِ ”يَسَّمَّعُونَ“؛ قَوْلَهُ: ﴿إلا مَن خَطِفَ﴾؛ ودَلَّ عَلى قِلَّةِ ذَلِكَ؛ بَعْدَ إفْرادِ الضَّمِيرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿الخَطْفَةَ﴾؛ أيْ: اخْتَلَسَ الكَلِمَةَ؛ أوْ أكْثَرَ؛ مَرَّةً مِنَ المَرّاتِ مِنهُمْ؛ ودَلَّ عَلى قُوَّةِ انْقِضاضِ الكَواكِبِ في أثَرِهِ بِالهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهُ﴾؛ مَعَ تَعَدِّيهِ بِدُونِها؛ أيْ: تَبِعَهُ بِغايَةِ ما يَكُونُ مِنَ السُّرْعَةِ؛ حَتّى كَأنَّهُ يَسُوقُ نَفْسَهُ ويَتْبَعُها لَهُ؛ كَأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ - هَيَّأها لِئَلّا تَنْقَضَّ إلّا في أثَرِ مَن سَمِعَ مِنهم حِينَ سَماعِهِ سَواءً؛ لا يَتَخَلَّفُ؛ ﴿شِهابٌ﴾؛ أيْ: شُعْلَةُ النّارِ مِنَ الكَوْكَبِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿ثاقِبٌ﴾ (p-١٩٩)أيْ: يَثْقُبُ ما صادَفَهُ؛ مِن جِنِّيٍّ وغَيْرِهِ؛ وإنْ كانَ الجِنِّيُّ مِن نارٍ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ نارًا خالِصَةً؛ وعَلى التَّنَزُّلِ فَرُبَّما كانَ الشَّيْءُ الواحِدُ أنْواعًا؛ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ؛ فَيُؤَثِّرُ أقْواهُ في أضْعَفِهِ؛ كالحَدِيدِ؛ وتارَةً يُخْطِئُ الجِنِّيَّ؛ وتارَةً يُصِيبُهُ؛ وإذا أصابَهُ فَتارَةً يَحْرِقُهُ؛ فَيُتْلِفُهُ؛ وتارَةً يُضْعِفُهُ.
37:11Page 446
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ ١١
Then inquire of them, [O Muḥammad], "Are they a stronger [or more difficult] creation or those [others] We have created?" Indeed, We created them [i.e., men] from sticky clay.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكِتابِ الأعْظَمِ بَيانَ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ؛ التَّوْحِيدِ؛ والنُّبُوَّةِ؛ والمَعادِ؛ وإثْباتَ القَضاءِ والقَدَرِ؛ ودَلَّ - سُبْحانَهُ - بِهَذِهِ المَذْكُوراتِ عَلى وُجُودِهِ؛ وكَمالِ عِلْمِهِ؛ وتَمامِ قُدْرَتِهِ عَلى الأفْعالِ الهائِلَةِ؛ وبَدِيعِ حِكْمَتِهِ؛ اللّازِمِ مِنهُ إثْباتُ وحْدانِيَّتِهِ؛ تَفْصِيلًا لِبَعْضِ إجْمالِ ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [يس: ٨١] فَكانَ ما دُونَها مِنَ الأفْعالِ أوْلى؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ - لِإثْباتِ الحَشْرِ؛ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ هَذا القُرْآنُ؛ الَّذِي حَرَسَهُ عَنْ تَلْبِيسِ الجانِّ بِزِينَةِ الكَواكِبِ؛ الَّتِي أنْشَأ مِنها الشُّهُبَ الثَّواقِبَ - قَوْلَهُ - تَهَكُّمًا بِهِمْ -: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾؛ أيْ: سَلْهم أنْ يَتَفَتَّوْا بِأنْ يُبَيِّنُوا لَكَ ما تَسْألُهم عَنْهُ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ؛ وأصْلُهُ مِن ”الفُتُوَّةُ“؛ وهي الكَرَمُ؛ ﴿أهم أشَدُّ﴾؛ أيْ: أقْوى؛ وأشَقُّ؛ وأصْعَبُ ﴿خَلْقًا﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ إحْكامِ الصَّنْعَةِ؛ وقُوَّتِها؛ وعِظَمِها؛ ﴿أمْ مَن﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ الإعْلامَ بِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ المَوْجُوداتِ إلّا وهو خَلْقُهُ - سُبْحانَهُ -؛ عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ دُونَ ذِكْرِ ”نا“؛ ولِيَكُونَ أعَمَّ؛ وحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ؛ ولِئَلّا يَلْبِسَ إذا ذُكِرَ ضَمِيرُ المُسْتَفْتِينَ؛ (p-٢٠٠)فَقالَ: ﴿خَلَقْنا﴾؛ أيْ: مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي عَدَدْناها؛ مِنَ الحَيِّ؛ وغَيْرِهِ مِنَ الجِنِّ؛ الَّذِينَ أعْطَيْناهم قُدْرَةَ التَّوَصُّلِ إلى الفَلَكِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وعَبَّرَ بِـ ”مَن“؛ تَغْلِيبًا لِلْعاقِلِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ؛ مِمّا بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ.
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ أشَدُّ خَلْقًا مِنهُمْ؛ وأنَّهم هم مِن أضْعَفِ الخَلائِقِ خَلْقًا؛ قالَ - دالًّا عَلى إرادَةِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ في السُّؤالِ؛ مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى أنَّ إنْكارَهُمُ البَعْثَ؛ لِاسْتِبْعادِهِمْ تَمْيِيزَ التُّرابِ مِنَ التُّرابِ؛ يَلْزَمُ مِنهُ إنْكارُ ابْتِداءِ الخَلْقِ عَلى هَذا الوَجْهِ -: ﴿إنّا خَلَقْناهُمْ﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿مِن طِينٍ﴾؛ أيْ: تُرابٍ رَخْوٍ مَهِينٍ؛ ﴿لازِبٍ﴾؛ أيْ: شَدِيدِ اخْتِلاطِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ؛ فالتَصَقَ؛ وضَمُرَ؛ وتَضايَقَ؛ وتَلازَمَ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ؛ وقَلَّ؛ واشْتَدَّ؛ ودَخَلَ بَعْضُ أجْزائِهِ في بَعْضٍ؛ وصَلُبَ؛ وثَبَتَ؛ فَصارَ تَمْيِيزُ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ أصْعَبَ مِن تَمْيِيزِ بَعْضِ التُّرابِ المُنْتَثِرِ مِن بَعْضٍ؛ قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”هُوَ الطِّينُ الحُرُّ الجَيِّدُ اللِّزِقُ“.
وإنَّما كانُوا مِن طِينٍ لِأنَّ أباهم آدَمَ كانَ مِنهُ؛ مِن غَيْرِ أبٍ؛ ولا أُمٍّ؛ فَصارُوا بِهَذا التَّقْدِيرِ بَعْضَ الطِّينِ الَّذِي هو بَعْضُ خَلْقِهِ؛ الَّذِي عَدَّدَهُ قَبْلَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ حالَ الطِّينِ مُباعِدَةٌ لِحالِهِمْ؛ ولَكِنَّهم كانُوا بِقُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - الذّاتِيَّةِ؛ الَّتِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْها مَقْدُورٌ؛ ولا يُعْجِزُها مَأْمُورٌ؛ فَدَلَّ ابْتِداءُ خَلْقِهِمْ؛ وخَلْقِ ما هو أشَدُّ مِنهُمْ؛ وأعْظَمُ؛ (p-٢٠١)عَلى القُدْرَةِ عَلى إعادَتِهِمْ قَطْعًا؛ بَلْ بِطَرِيقِ الأوْلى مِن غَيْرِ وجْهٍ؛ وحَسَّنَ هَذا الِاسْتِفْتاءُ؛ كُلَّ الحُسْنِ؛ خَتْمَ الكَلامِ قَبْلَهُ بِمَن بَلَغُوا السَّماءَ تَكَبُّرًا وعُلُوًّا؛ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا؛ تَجَبُّرًا وعُلُوًّا؛ وسَلَّطَ عَلَيْهِمْ ما يَرُدُّهم مَقْهُورِينَ؛ مُبْعَدِينَ؛ مَدْحُورِينَ؛ واسْتَثْنى مِنهم مَن ”خَطِفَ“؛ لِيُعْلَمَ أنَّهُ غَيْرُ مُحالٍ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنهُمُ الآمالُ؛ هَذا مَعَ ذِكْرِهِ في خَلْقِهِمْ مِنَ الطِّينِ اللّازِبِ؛ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الرُّسُوبُ - لِثِقَلِهِ -؛ والسُّفُولُ؛ كَما أنَّ مِن شَأْنِ مَن خَتَمَ بِهِمْ ما قَبْلَهُ العُلُوَّ - لِخِفَّتِهِمْ - والصُّعُودَ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ المُرادَ بِهَذا الأمْرِ بِالِاسْتِفْتاءِ إنَّما هو التَّبْكِيتُ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ الجَوابَ: لَيْسُوا أشَدَّ خَلْقًا مِن ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ بَعْثُهم مُمْتَنِعًا؛ ولَيْسَتْ غَلَبَتُهم لِرَسُولِ الواحِدِ القَهّارِ - الَّذِي حَكَّمَهُ في هَذا الوَحْيِ بِإظْهارِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ - بِجائِزَةٍ أصْلًا نَقْلًا؛ ولا عَقْلًا؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ فَلا شُبْهَةَ لَهم في إنْكارِهِ؛ ولا في ظَنِّهِمْ أنَّهم يَغْلِبُونَ رَسُولَنا؛ بَلْ هم في مَحَلِّ عَجَبٍ شَدِيدٍ في إنْكارِهِ؛ وظَنِّهِمْ أنَّهم غالِبُونَ في الدُّنْيا؛ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُسْنِدًا العَجَبَ إلى (p-٢٠٢)أجَلِّ المَوْجُوداتِ؛ أوْ أجَلِّ المَخْلُوقاتِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ؛ بِمَعْنى أنَّهُ قَوْلٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ لا يَدْرِي ما الَّذِي أوْقَعَ فِيهِ؛ وكانَ سَبَبًا لِارْتِكابِهِ؛ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾؛ بِضَمِّ التّاءِ؛ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ لَفْتًا لِلْقَوْلِ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِلتَّصْرِيحِ بِإسْنادِ التَّعَجُّبِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - إشارَةً إلى تَناهِي هَذا العَجَبِ إلى حَدٍّ لا يُوصَفُ؛ لِإسْنادِهِ إلى مَن هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ؛ وبِفَتْحِها عِنْدَ الباقِينَ؛ أيْ: مِن جُرْأتِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ؛ ولا سِيَّما وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ في هَذِهِ الأسالِيبِ الغَرِيبَةِ؛ والوُجُوهِ البَدِيعَةِ العَجِيبَةِ؛ الَّتِي لا يَشُكُّ فِيها مَن لَهُ أدْنى تَصَوُّرٌ؛ وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ ظَنَّ - كَما هو اللّائِقُ - أنَّهُ لا يَسْمَعُ القُرْآنَ أحَدٌ إلّا آمَنَ بِهِ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: وحَقِيقَةُ التَّعَجُّبِ تَغَيُّرُ النَّفْسِ بِما خَفِيَ فِيهِ السَّبَبُ؛ مِمّا لَمْ تَجْرِ العادَةُ بِحُدُوثِ مِثْلِهِ؛ ومِثْلُ هَذا حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّهُ ﷺ قالَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ؛ وأبِي طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”ضَحِكَ - وفي رِوايَةٍ: عَجِبَ - اللَّهُ مِن فِعالِكُما اللَّيْلَةَ“؛» وحَدِيثُ البُخارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (p-٢٠٣)عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيْضًا: «”عَجِبَ رَبُّنا مِن أقْوامٍ يُقادُونَ إلى الجَنَّةِ في السَّلاسِلِ“؛» ومِثْلُهُ كَثِيرٌ؛ والمَعْنى في الكُلِّ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ الفِعْلِ؛ وأنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم لَمْ يُنْكِرُوهُ؛ لِقِلَّةِ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ؛ بَلْ قَدْ أتى مِن دَلائِلِهِ ما يُعْجِبُ إعْجابًا عَظِيمًا مِن كَثْرَتِهِ؛ وطُولِ الأناةِ في مُواتَرَتِهِ؛ ﴿ويَسْخَرُونَ﴾؛ أيْ: حَصَلَ لَكَ العَجَبُ؛ والحالُ أنَّهم يُجَدِّدُونَ السُّخْرِيَةَ كُلَّما جِئْتَهم بِحُجَّةٍ؛
﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾؛ أيْ: وُعِظُوا مِن أيِّ واعِظٍ كانَ؛ بِشَيْءٍ هم بِهِ عارِفُونَ جِدًّا؛ يَدُلُّهم عَلى البَعْثِ؛ مِثْلِ ما يُذَكَّرُونَ بِهِ مِنَ القُدْرَةِ؛ مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ في عَقْلِ عاقِلٍ مِنهم أنَّ أحَدًا يَدَعُ مَن تَحْتَ يَدِهِ بِلا مُحاسَبَةٍ؛ ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾؛ أيْ: لا يَعْمَلُونَ بِمُوجِبِ التَّذْكِيرِ.
ولَمّا ذَكَرَ إعْراضَهم عَنِ المَسْمُوعِ؛ أتْبَعَهُ إعْراضَهم عَنِ المَرْئِيِّ؛ فَقالَ: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾؛ أيْ: عَلامَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وغَيْرِهِ؛ ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبُونَ السُّخْرِيَةَ بِها؛ بِأنْ يَدْعُوَ بَعْضُهم بَعْضًا لِذَلِكَ؛ مِن شِدَّةِ اسْتِهْزائِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences