Al-Biqa'iAn‑Nahl · 16:1–10

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

النحل

An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

16:1Page 267

أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١

The command of Allāh is coming,1 so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.

(p-١٠١)سُورَةُ ”النَّحْلِ“

مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ (تَعالى) تامُّ القُدْرَةِ والعِلْمِ؛ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ مُنَزَّهٌ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ؛ وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَعْنى أمْرُ النَّحْلِ؛ لِما ذَكَرَ مِن شَأْنِها مِن دِقَّةِ الفَهْمِ في تَرْتِيبِ بُيُوتِها؛ ورَعْيِها؛ وسائِرِ أمْرِها؛ مِنَ اخْتِلافِ ألْوانِ ما يَخْرُحُ مِنها مِن أعْسالِها؛ وجَعْلِهِ شِفاءً؛ مَعَ أكْلِها مِنَ الثِّمارِ النّافِعَةِ؛ والضّارَّةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ؛ ووَسْمُها بِالنِّعَمِ واضِحٌ في ذَلِكَ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. ”بِسْمِ اللَّهِ“؛ المُحِيطِ بِدائِرَةِ الكَمالِ؛ فَما شاءَ فَعَلَ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَتُهُ جَلِيلَ خَلْقِهِ؛ وحَقِيرَهُ؛ وصَغِيرَهُ وكَبِيرَهُ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي خَصَّ مَن شاءَ بِنِعْمَةِ النَّجاةِ مِمّا يُسْخِطُهُ بِما يَرْضاهُ.

لَمّا خَتَمَ ”الحِجْرَ“؛ بِالإشارَةِ إلى إتْيانِ اليَقِينِ؛ وهو صالِحٌ لِمَوْتِ الكُلِّ؛ ولِكَشْفِ الغِطاءِ بِإتْيانِ ما يُوعَدُونَ مِمّا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ؛ اسْتِهْزاءً مِنَ العَذابِ (p-١٠٢)فِي الآخِرَةِ؛ بَعْدَ ما يَلْقَوْنَ في الدُّنْيا؛ ابْتَدَأ هَذِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ سَواءً؛ غَيْرَ أنَّهُ خَتَمَ تِلْكَ بِاسْمِ الرَّبِّ المُفْهِمِ لِلْإحْسانِ؛ لُطْفًا بِالمُخاطَبِ؛ وافْتَتَحَ هَذِهِ بِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّهْدِيدِ؛ ولِما سَتَعْرِفُهُ مِنَ المَعانِي المُتَنَوِّعَةِ في أثْناءِ السُّورَةِ؛ وسَيُكَرَّرُ هَذا الِاسْمُ فِيها تَكْرِيرًا تُعْلَمُ مِنهُ صِحَّةُ هَذِهِ الدَّعْوى؛ وعَبَّرَ عَنِ الآتِي بِالماضِي؛ إشارَةً إلى تَحَقُّقِهِ تَحَقُّقَ ما وقَعَ ومَضى؛ وإلى أنَّ كُلَّ آتٍ ولا بُدَّ قَرِيبٌ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى؛ والصِّفاتُ العُلا؛ بِما يُذِلُّ الأعْداءَ؛ ويُعِزُّ الأوْلِياءَ؛ ويَشْفِي صُدُورَهُمْ؛ ويُقِرُّ أعْيُنَهم.

ولَمّا كانَتِ العَجَلَةُ نَقْصًا؛ قالَ - مُسَبِّبًا عَنْ هَذا الإخْبارَ -: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾؛ أيُّها الأعْداءُ اسْتِهْزاءً؛ وأيُّها الأوْلِياءُ اسْتِكْفاءً واسْتِشْفاءً؛ وذَلِكَ مِثْلُ ما أفْهَمَهُ العَطْفُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]؛ كَما تَقَدَّمَ؛ والضَّمِيرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ؛ وأنْ يَكُونَ لِلْأمْرِ.

ولَمّا كانَ الجَزْمُ بِالأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ لا يَلِيقُ إلّا عِنْدَ نُفُوذِ الأمْرِ؛ ولا نُفُوذَ إلّا لِمَن لا كُفُؤَ لَهُ؛ وكانَتِ العَجَلَةُ - وهي الإتْيانُ بِالشَّيْءِ (p-١٠٣)قَبْلَ حِينِهِ الأوْلى بِهِ - نَقْصًا ظاهِرًا؛ لا يُحْمَلُ عَلَيْها إلّا في ضِيقِ الفِطَنِ؛ وكانَ التَّأْخِيرُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ مُنازِعٍ مُشارِكٍ؛ نَزَّهَ نَفْسَهُ - سُبْحانَهُ - تَنْزِيهًا مُطْلَقًا؛ جامِعًا؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سُبْحانَهُ﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ عَنْ الِاسْتِعْجالِ؛ وعَنْ جَمِيعِ صِفاتِ النَّقْصِ؛ ﴿وتَعالى﴾؛ أيْ: تَعالِيًا عَظِيمًا جِدًّا؛ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أيْ: يَدَّعُونَ أنَّهُ شَرِيكٌ لَهُ؛ فَلا مانِعَ مِمّا يُرِيدُ فِعْلَهُ؛ وساقَهُ في غَيْرِ قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ في أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ؛ إظْهارًا لِلْإعْراضِ الدّالِّ عَلى شِدَّةِ الغَضَبِ؛ وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ - آخِرَ الَّتِي قَبْلَها -: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]؛ وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر: ٩٦]؛ وقَدْ آلَ الأمْرُ في نَظْمِ الآيَةِ إلى أنْ صارَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ لا يَعْجَلُ؛ لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ؛ ولا بُدَّ مِن إنْفاذِ أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ الكُفُؤِ؛ أوْ يُقالُ: لا تَسْتَعْجِلُوهُ لِأنَّهُ تَنَزَّهَ عَنِ النَّقْصِ؛ فَلا يَعْجَلُ؛ وتَعالى عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ كُفُؤٌ يَدْفَعُ ما يُرِيدُ؛ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ؛ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِصَدْرِ الآيَةِ؛ كَما أنَّ صَدْرَ الآيَةِ تَعْلِيلٌ لِآخِرِ سُورَةِ ”الحِجْرِ“.

16:2Page 267

يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ٢

He sends down the angels, with the inspiration [i.e., revelation] of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."

ولَمّا تَقَرَّرَ بِذَلِكَ تَنَزُّهُهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ: شِرْكٍ وغَيْرِهِ؛ شَرَعَ يَصِفُ نَفْسَهُ - سُبْحانَهُ - بِصِفاتِ الكَمالِ؛ مِنَ الأمْرِ؛ والخَلْقِ؛ ولَمّا كانَ الأمْرُ أقْدَمَ؛ وأعْلى؛ بَدَأ بِهِ؛ ولَمّا كانَ مِن أمْرِهِ إنْزالُ المَلائِكَةِ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي (p-١٠٤)طَلَبُوها في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧]؛ وقَصَّ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما يَتَرَتَّبُ عَلى إنْزالِهِمْ مُجْتَمِعِينَ؛ وفُهِمَ مِنهُ أنَّ لَهم في نُزُولِهِمْ حالَةً أُخْرى؛ لا تُنْكِرُها الرُّسُلُ؛ وهي حالَةُ الإتْيانِ إلَيْهِمْ بِالعِلْمِ؛ الَّذِي نِسْبَتُهُ إلى الأرْواحِ نِسْبَةُ الأرْواحِ إلى الأشْباحِ؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أثارَ لَهُمُ اعْتِراضًا يَطْلُبُونَ بِهِ الفَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّسُلِ في إنْزالِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ دُونَهم - كَما تَقَدَّمَ في ”الحِجْرِ“ -؛ وكانَ ما يُشْرِكُونَ بِهِ لا تَصَرُّفَ لَهُ أصْلًا؛ بِإنْزالٍ ولا غَيْرِهِ؛ قالَ (تَعالى) - مُشِيرًا إلى ذَلِكَ؛ وإلى أنَّ الوَحْيَ بِواسِطَةِ المَلَكِ؛ وأنَّ النُّبُوَّةَ عَطائِيَّةٌ؛ لا كَسْبِيَّةٌ -: ﴿يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ﴾؛ الَّذِينَ هُمُ المَلَأُ الأعْلى؛ ﴿بِالرُّوحِ﴾؛ أيْ: المَعْنى الأعْظَمِ؛ الَّذِي هو لِلْأرْواحِ بِمَنزِلَةِ الأرْواحِ لِلْأشْباحِ؛ ﴿مِن أمْرِهِ﴾؛ الَّذِي هو كَلامُهُ المُشْتَمِلُ عَلى الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ وهو مِمّا تَمَيَّزَ بِهِ؛ لِحَقِّيَّتِهِ؛ وإعْجازِهِ عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ؛ فَكَيْفَ بِما لا يَعْقِلُ مِنها؛ كالأصْنامِ؟ (p-١٠٥)﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾؛ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةُ فِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ؛ وأبْدَلَ مِن ”الرُّوحَ“؛ أوْ فَسَّرَ الإنْزالَ بِالوَحْيِ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى القَوْلِ؛ فَقالَ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾؛ أيْ: النّاسَ سَطْواتِي؛ فَإنَّها لا مَحالَةَ نازِلَةٌ بِمَن أُرِيدُ إنْزالَها بِهِ؛ بِسَبَبِ ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾؛ وعَبَّرَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى المُرادِ؛ لِكَوْنِهِ أعْرَفَ؛ وسَبَّبَ عَنْ وحْدانِيَّتِهِ؛ الَّتِي هي مُنْتَهى كَمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ؛ قَوْلَهُ - آمِرًا بِما هو أقْصى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ -: ﴿فاتَّقُونِ﴾؛ أيْ: فَلْيَشْتَدَّ خَوْفُكم مِنِّي؛ وأخْذُكم لِما يَكُونُ وِقايَةً لَكم مِن عَذابِي؛ فَإنَّهُ لا مانِعَ مِمّا أُرِيدُ؛ فَمَن عَلِمْتُ أنَّهُ أهْلٌ لِلنِّقْمَةِ أنْزَلْتُها بِهِ؛ ومَن عَلِمْتُهُ أهْلًا لِتَلَقِّي الرُّوحِ مَنَحْتُهُ إيّاهُ.

16:3Page 267

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣

He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.

ولَمّا وحَّدَ نَفْسَهُ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - شارِحًا لِإيجادِهِ أُصُولَ العالَمِ؛ وفُرُوعَهُ؛ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي السَّقْفُ المُظِلُّ؛ ﴿والأرْضَ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي البِساطُ المُقِلُّ؛ (p-١٠٦)﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: بِالأمْرِ المُحَقَّقِ الثّابِتِ؛ لا بِالتَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ؛ ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ المُسْتَلْزِمَةِ لِنَفْيِ النَّقائِصِ؛ وكانَ قاطِعًا في التَّنَزُّهِ عَنِ الشَّرِيكِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ؛ لَزِمَ إمْكانُ المُمانَعَةِ؛ فَلَزِمَ العَجْزُ عَنِ المُرادِ؛ أوْ وُجُودُ الضِّدَّيْنِ المُرادَيْنِ لَهُما؛ وكُلٌّ مِنهُما مُحالٌ؛ فَإمْكانُ الشَّرِيكِ مُحالٌ؛ ولِأنَّهُما؛ وكُلُّ ما فِيهِما مِلْكُهُ؛ وفي تَصَرُّفِهِ؛ لا نِزاعَ لِمَن أثْبَتَ الإلَهَ في ذَلِكَ؛ تَلاهُ بِقَوْلِهِ - نَتِيجَةً لِذَلِكَ؛ دالَّةً عَلى أنَّهُ (تَعالى) لَيْسَ مِن قَبِيلِ الأجْرامِ -: ﴿تَعالى﴾؛ أيْ: تَعالِيًا فاتَ الوَصْفَ؛ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ - عَزْيًا عَنِ افْتِتاحِهِ بِالتَّنْزِيهِ كالأُولى.

16:4Page 267

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٤

He created man from a sperm-drop; then at once1 he is a clear adversary.

ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ غَيْبًا؛ لِتَقَدُّمِهِ؛ وكانَ خَلْقُ الإنْسانِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ شَهادَةً؛ مَعَ كَوْنِهِ أدَلَّ عَلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ أشْرَفُ مِن كُلِّ ما يَعْبُدُهُ مِن دُونِ اللَّهِ؛ ولَنْ يَكُونَ الرَّبُّ أدْنى مِنَ العَبْدِ أصْلًا؛ قالَ - مُعَلِّلًا -: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾؛ أيْ: هَذا النَّوْعَ الَّذِي خَلَقَهُ أدَلَّ ما يَكُونُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ ما في (p-١٠٧)العالَمِ السُّفْلِيِّ مِنَ الأجْسامِ؛ لِمُشارَكَتِهِ لِلْحَيَوانِ؛ الَّذِي هو أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ بِالقُوى الشَّرِيفَةِ مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ والشَّهْوَةِ والغَضَبِ؛ واخْتِصاصِهِ بِالنُّطْقِ؛ الَّذِي هو إدْراكُ الكُلِّيّاتِ؛ والتَّصَرُّفُ فِيها بِالقِياساتِ؛ ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾؛ أيْ: آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مُطْلَقِ الماءِ؛ ومَن تَفَرَّعَ مِنهُ بَعْدَ زَوْجِهِ مِن ماءٍ مُقَيَّدٍ بِالدَّفْقِ.

ولَمّا كانَ - مَعَ مُشارَكَتِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ؛ في كَوْنِهِ مِن نُطْفَةٍ - مُتَمَيِّزًا بِالنُّطْقِ المُسْتَنِدِ إلى ما في نَفْسِهِ مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ؛ ولَطائِفِ الإدْراكِ؛ كانَ ذَلِكَ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الفاعِلِ؛ واخْتِيارِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَإذا هُوَ﴾؛ أيْ: الإنْسانُ المَخْلُوقُ مِنَ الماءِ المَهِينِ؛ ﴿خَصِيمٌ﴾؛ أيْ: مِنطِيقٌ؛ عارِفٌ بِالمُجادَلَةِ؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: بَيِّنُ القُدْرَةِ عَلى الخِصامِ؛ ومُوَضِّحٌ لِما يُرِيدُهُ غايَةَ الإيضاحِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ ما لا حِسَّ بِهِ؛ ولا حَرَكَةَ اخْتِيارِيَّةً عِنْدَهُ بِوَجْهٍ؛ أفَلا يَقْدِرُ الَّذِي ابْتَدَأ ذَلِكَ عَلى إعادَتِهِ؟!

16:5Page 267

وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥

And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth1 and [numerous] benefits, and from them you eat.

ولَمّا صارَ التَّوْحِيدُ بِذَلِكَ كالشَّمْسِ؛ وكانَ كُلَّ ما في الكَوْنِ - مَعَ أنَّهُ دالٌّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ - نِعْمَةً عَلى الإنْسانِ؛ يَجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُها؛ شَرَعَ يُعَدِّدُ ذَلِكَ؛ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى وُجُوبِ الشُّكْرِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الكُفْرِ؛ فَقالَ - مُقَدِّمًا الحَيَواناتِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ مِن غَيْرِها؛ وقَدَّمَ مِنها ما يَنْفَعُ الإنْسانَ؛ لِأنَّهُ (p-١٠٨)أجَلُّ مِن غَيْرِهِ؛ مُبْتَدِئًا بِما هو أوْلاها بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أجَلُّها مَنفَعَةً في ضَرُوراتِ المَعِيشَةِ؛ وألْزَمُها لِمَن أُنْزِلَ الذِّكْرُ بِلِسانِهِمْ -: ﴿والأنْعامَ﴾؛ أيْ: الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ: الضَّأْنَ؛ والمَعِزَ؛ والإبِلَ؛ والبَقَرَ؛ ﴿خَلَقَها﴾؛ غَيْرَ ناطِقَةٍ؛ ولا مُبِينَةٍ؛ مَعَ كَوْنِها أكْبَرَ مِنكم خَلْقًا؛ وأشَدَّ قُوَّةً.

ولَمّا كانَ أوَّلُ ما يُمْكِنُ أنْ يَلْقى الإنْسانُ عادَةً مِن نِعَمِها اللِّباسَ؛ بَدَأ بِهِ؛ فَقالَ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ -: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾؛ أيْ: ما يُدْفَأُ بِهِ؛ فَيَكُونُ مِنهُ حَرٌّ مُعْتَدِلٌ؛ مِن حَرِّ البَدَنِ الكائِنِ بِالدِّثارِ؛ يَمْنَعُ البَرْدَ؛ وثَنّى بِما يَعُمُّ جَمِيعَ نِعَمِها؛ الَّتِي مِنها اللَّبَنُ؛ فَقالَ: ﴿ومَنافِعُ﴾؛ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالأكْلِ؛ لِكَوْنِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾؛ وقَدَّمَ الظَّرْفَ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ الأكْلَ مِن غَيْرِها بِالنِّسْبَةِ إلى الأكْلِ مِنها مِمّا لا يُعْتَدُّ بِهِ؛

16:6Page 267

وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦

And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].

ثُمَّ تَلاهُ بِالتَّجَمُّلِ؛ لِأنَّهُ النِّهايَةُ؛ لِكَوْنِهِ لِلرِّجالِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ خاصَّةً؛ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: الأنْعامِ؛ ﴿جَمالٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمٌ.

ولَمّا كانَ القُدُومُ أجَلَّ نِعْمَةً؛ وأبْهَجَ مِنَ النُّزُوحِ؛ قَدَّمَهُ؛ فَقالَ: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾؛ بِالعَشِيِّ؛ مِنَ المَراعِي؛ وهي عَظِيمَةُ الضُّرُوعِ؛ طَوِيلَةُ الأسْنِمَةِ؛ ﴿وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾؛ بِالغَداةِ؛ مِنَ المَراحِ إلى المَراعِي؛ فَيَكُونُ (p-١٠٩)لَها في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ الحَرَكاتِ؛ مِنها ومِن رُعاتِها؛ ومِنَ الحَلْبِ؛ والتَّرَدُّدِ لِأجْلِهِ؛ وتَجاوُبِ الثُّغاءِ والرُّغاءِ أمْرٌ عَظِيمٌ؛ وأُنْسٌ لِأهْلِها كَبِيرٌ.

16:7Page 268

وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٧

And they carry your loads to a land you could not have reached except with difficulty to yourselves. Indeed, your Lord is Kind and Merciful.

ولَمّا كانَتِ الأسْفارُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ تَلاهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وتَحْمِلُ﴾؛ أيْ: الأنْعامُ؛ ﴿أثْقالَكُمْ﴾؛ أيْ: أمْتِعَتَكُمْ؛ مَعَ المَشَقَّةِ؛ ﴿إلى بَلَدٍ﴾؛ أيْ: غَيْرِ بَلَدِكُمْ؛ أرَدْتُمُ السَّفَرَ إلَيْهِ؛ ﴿لَمْ تَكُونُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا أنْتُمْ مَجْبُولُونَ عَلَيْهِ؛ قادِرِينَ عَلى حَمْلِها إلَيْهِ؛ وتُبَلِّغُكم - بِحَمْلِها لَكم - إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا ﴿بالِغِيهِ﴾؛ بِغَيْرِ الإبِلِ؛ ﴿إلا بِشِقِّ﴾؛ أيْ: بِجُهْدِ؛ ومَشَقَّةِ؛ وكُلْفَةِ ﴿الأنْفُسِ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَمْ تَبْلُغُوهُ بِها؛ فَكَيْفَ لَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً؟ و”الشِّقُّ“: أحَدُ نِصْفَيِ الشَّيْءِ؛ كَأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ ذَهابِ نِصْفِ القُوَّةِ؛ لِما يَلْحَقُ مِنَ الجُهْدِ؛ والآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ حَمْلَ الأثْقالِ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى حَمْلِ الأنْفُسِ ثانِيًا؛ وذَكَرَ مَشَقَّةَ البُلُوغِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى مَشَقَّةِ الحَمْلِ أوَّلًا.

ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ مِنَ الإحْسانِ في التَّرْبِيَةِ؛ ولا يُسَخِّرُهُ لِلضَّعِيفِ إلّا البَلِيغُ في الرَّحْمَةِ؛ وكانَ مِنَ النّاسِ مَن لَهُ مِن أعْمالِهِ سَبَبٌ لِرِضا رَبِّهِ؛ ومِنهم مَن أعْمالُهُ كُلُّها فاسِدَةٌ؛ (p-١١٠)قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: المُوجِدَ لَكُمْ؛ والمُحْسِنَ إلَيْكُمْ؛ ﴿لَرَءُوفٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ الرَّحْمَةِ لِمَن يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِما يُرْضِيهِ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ الرَّحْمَةِ؛ بِسَبَبٍ؛ وبِغَيْرِ سَبَبٍ.

16:8Page 268

وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨

And [He created] the horses, mules and donkeys for you to ride and [as] adornment. And He creates that which you do not know.

ولَمّا كانَتِ الأنْعامُ أكْثَرَ أمْوالِهِمْ؛ مَعَ أنَّ مَنافِعَها أكْثَرُ؛ بَدَأ بِها؛ ثُمَّ ثَنى بِما هو دُونَها؛ مُرَتِّبًا لَهُ عَلى الأشْرَفِ فالأشْرَفِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والخَيْلَ﴾؛ أيْ: الصّاهِلَةَ؛ ﴿والبِغالَ﴾؛ أيْ: المُتَوَلِّدَةَ بَيْنَها؛ وبَيْنَ الحُمُرِ؛ ﴿والحَمِيرَ﴾؛ أيْ: النّاهِقَةَ.

ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ فِعْلَ المُخاطَبِينَ؛ وهو المَقْصُودُ بِالمَنفَعَةِ؛ ذَكَرَهُ بِاللّامِ؛ الَّتِي هي الأصْلُ في التَّعْلِيلِ؛ فَقالَ: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾؛ ولَمّا كانَتِ الزِّينَةُ تابِعَةً لِلْمَنفَعَةِ؛ وكانَتْ فِعْلًا لِفاعِلِ الفِعْلِ المُعَلِّلِ؛ نُصِبَتْ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ما قَبْلَها؛ فَقالَ: ﴿وزِينَةً﴾

ولَمّا دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ بِما ذَكَرَ في سِياقِ الِامْتِنانِ؛ دَلَّ عَلى أنَّها لا تَتَناهى في ذَلِكَ السِّياقِ؛ فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ خَلَقَ لَهم أُمُورًا لَوْ عَدَّها لَهم لَمْ يَفْهَمُوا المُرادَ مِنها؛ لِجَهْلِهِمْ بِها؛ ولَعَلَّها أجَلُّ مَنافِعَ مِمّا ذُكِرَ؛ فَقالَ: ﴿ويَخْلُقُ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ؛ في الدُّنْيا (p-١١١)والآخِرَةِ؛ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾؛ فَلا تَعْلَمُونَ لَهُ مُوجِدًا غَيْرَهُ ولا مُدَبِّرًا سِواهُ.

16:9Page 268

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩

And upon Allāh1 is the direction of the [right] way, and among them [i.e., the various paths] are those deviating. And if He willed, He could have guided you all.

ولَمّا كانُوا في أسْفارِهِمْ؛ واضْطِرابِهِمْ في المَنافِعِ بِهَذِهِ الحَيَواناتِ؛ وغَيْرِها؛ يَقْصِدُونَ أسْهَلَ الطُّرُقِ؛ وأقْوَمَها؛ وأوْصَلَها إلى الغَرَضِ؛ ومَن عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ كانَ عِنْدَهم ضالًّا؛ سَخِيفَ العَقْلِ؛ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِلْعَدِّ في عِدادِ النُّبَلاءِ؛ نَبَّهَهم عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ قَدْ بَيَّنَ الطَّرِيقَ الأقْوَمَ المُوصِلَ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِتَكَفُّلِهِ بِبَيانِ أنَّهُ واحِدٌ قادِرٌ عالِمٌ مُخْتارٌ؛ وأنَّهُ هو المُنْعِمُ؛ فَوَجَبَ اخْتِصاصُهُ بِالعِبادَةِ؛ وأخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - أنَّهُ أوْجَبَ هَذا البَيانَ عَلى نَفْسِهِ؛ فَضْلًا مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وعَلى﴾؛ أيْ: قَدْ بَيَّنَ لَكُمُ الطَّرِيقَ الأمَمَ؛ وعَلى ﴿اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾؛ أيْ: بَيانُ الطَّرِيقِ العَدْلِ؛ وعَلى اللَّهِ بَيانُ الطَّرِيقِ الجائِرِ؛ حَتّى لا يُشَكَّ في شَيْءٍ مِنهُما؛ فَإنَّ الطَّرِيقَ المَعْنَوِيَّةَ كالحِسِّيَّةِ؛ مِنها مُسْتَقِيمٌ؛ مَن سَلَكَهُ اهْتَدى؛ ﴿ومِنها جائِرٌ﴾؛ مَن سَلَكَهُ ضَلَّ عَنِ الوُصُولِ؛ فَهَلَكَ؛ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥]؛ الآيَةَ؛ ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ أنَّ عَلَيْهِ بَيانَ القَصْدِ أوَّلًا؛ دَلالَةً عَلى حَذْفِ أنَّ عَلَيْهِ بَيانَ الجائِرِ ثانِيًا؛ وذَكَرَ أنَّ مِنَ الطُّرُقِ (p-١١٢)الجائِرَ ثانِيًا دَلالَةً عَلى حَذْفِ أنَّ مِنها المُسْتَقِيمَ أوَّلًا؛ وتَعْبِيرُ الأُسْلُوبِ لِبَيانِ أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ إنَّما هو بَيانُ النّافِعِ؛ ومادَّةُ ”قَصَدَ“؛ تَدُورُ عَلى العَدْلِ السَّواءِ؛ ومِنهُ ”القَصْدُ“؛ أيْ: الِاسْتِقامَةُ؛ واسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ مِن غَيْرِ تَعْرِيجٍ؛ وضِدُّ الإفْراطِ؛ كَـ ”الِاقْتِصادُ“؛ ورَجُلٌ لَيْسَ بِالجَسِيمِ؛ ولا بِالضَّئِيلِ؛ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ إرادَةٍ وتَوَجُّهٍ؛ فَإطْلاقُ القَصْدِ عَلى العَزْمِ؛ مُسْتَقِيمًا كانَ أوْ جائِرًا؛ إذا قُلْتَ: ”قَصَدْتُهُ“؛ بِمَعْنى أتَيْتُهُ؛ أوْ أمَمْتُهُ؛ ونَوَيْتُهُ؛ مِن دَلالَةِ الِالتِزامِ؛ وكَذا ”القَصْدُ“؛ بِمَعْنى ”الكَسْرُ“؛ بِأيِّ وجْهٍ كانَ؛ وقِيلَ: لا يُقالُ: ”قَصَدَ“؛ إلّا إذا كانَ بِالنِّصْفِ؛ و”القَصِيدُ“: ما تَمَّ شَطْرُ أبْياتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أعْدَلُ حالاتِهِ؛ قالَ في القامُوسِ: ثَلاثَةُ أبْياتٍ فَصاعِدًا؛ أوْ سِتَّةَ عَشَرَ فَصاعِدًا؛ وقالَ الإمامُ أبُو الفَتْحِ عُثْمانُ بْنُ جِنِّيٍّ؛ في آخِرِ كِتابِهِ ”المَغْرِبُ في شَرْحِ القَوافِي“: فالبَيْتُ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: قَصِيرٍ؛ ورَمَلٍ؛ ورَجَزٍ؛ فَأمّا القَصِيدُ فالطَّوِيلُ التّامُّ؛ والبَسِيطُ التّامُّ؛ والكامِلُ التّامُّ؛ والمَدِيدُ التّامُّ؛ والوافِرُ التّامُّ؛ والرَّجَزُ التّامُّ؛ والخَفِيفُ التّامُّ؛ وهو كُلُّ ما تَغَنّى بِهِ الرُّكْبانُ؛ ومَعْنى قَوْلِنا: المَدِيدُ التّامُّ؛ والوافِرُ التّامُّ؛ (p-١١٣)نُرِيدُ أتَمَّ ما جاءَ مِنهُما في الِاسْتِعْمالِ؛ أعْنِي الضَّرْبَيْنِ الأوَّلَيْنِ مِنهُما؛ فَأمّا أنْ يَجِيئا عَلى أصْلِ وضْعِهِما في دائِرَتَيْهِما؛ فَذَلِكَ مَرْفُوضٌ مُطَّرَحٌ؛ و”القَصِيدُ“: المُخُّ السَّمِينُ؛ أوْ دُونَهُ؛ والعَظْمُ المُمِخُّ؛ والنّاقَةُ السَّمِينَةُ بِها نِقْيٌ؛ والسَّمِينُ مِنَ الأسْنِمَةِ؛ لِأنَّ بِهَذا الحالِ اسْتِقامَةَ كُلِّ ما ذُكِرَ؛ وكَذا ”القاصِدُ“: القَرِيبُ؛ و”بَيْنَنا وبَيْنَ الماءِ لَيْلَةٌ قاصِدَةٌ“؛ أيْ: هَيِّنَةُ السَّيْرِ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الِاسْتِقامَةِ؛ ومِنهُ ”قَصَدْتُ كَذا“؛ إذا اعْتَمَدْتُهُ؛ وأمَمْتُهُ؛ وتَوَجَّهْتُ إلَيْهِ؛ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ عَدْلًا أوْ جَوْرًا؛ و”انْقَصَدَ الرُّمْحُ“؛ إذا انْكَسَرَ؛ عَلى السَّواءِ؛ كَأنَّهُ مُطاوِعُ قَصْدِهِ؛ والواحِدَةُ مِن تِلْكَ الكِسَرِ ”قِصْدَةٌ“؛ بِالكَسْرِ؛ و”رُمْحٌ قَصِدٌ“؛ كَـ ”كَتِفٌ“: مُتَكَسِّرٌ؛ و”القَصَدُ“؛ بِالتَّحْرِيكِ: العَوْسَجُ؛ لِأنَّهُ سَرِيعُ التَّكَسُّرِ؛ والجُوعُ؛ لِأنَّ الجائِعَ قاصِدٌ لِما يَأْكُلُهُ؛ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ؛ و”القَصَدُ“: مَشْرَةُ العِضاهِ؛ تُخْرِجُ في أيّامِ الخَرِيفِ لَدْنَةً تَتَثَنّى في أطْرافِ الأغْصانِ؛ وهي خُوصَةٌ تَخْرُجُ (p-١١٤)فِيها؛ وفي كَثِيرٍ مِنَ الشَّجَرِ في تِلْكَ الأيّامِ؛ أوْ هي الأغْصانُ؛ أوْ هي الأغْصانُ الرَّطْبَةُ قَبْلَ أنْ تَتَلَوَّنَ وتَشْتَدُّ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِخُرُوجِها؛ وتَوَجُّهِها إلى مَنظَرِ العَيْنِ؛ أوْ تَوَجُّهِ النَّظَرِ إلَيْها لِلسُّرُورِ بِها؛ و”القَصِيدُ“: العَصا؛ لِأنَّها تَقْصِدُ؛ ويُقْصَدُ بِها؛ و”أقْصَدَ السَّهْمُ“: أصابَ؛ فَقَتَلَ مَكانَهُ؛ و”أقْصَدَ فُلانًا“: طَعَنَهُ فَلَمْ يُخْطِئْهُ؛ و”الحَيَّةُ“: لَدَغَتْ فَقَتَلَتْ؛ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِقامَةِ؛ لِأنَّ قَصْدَ فاعِلِهِ القَتْلُ؛ فَكَأنَّهُ اسْتَقامَ قَصْدُهُ بِنُفُوذِهِ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ السَّلْبِ؛ أيْ أنَّهُ أزالَ الِاسْتِقامَةَ؛ لِأنَّ مَن ماتَ فَقَدْ زالَتِ اسْتِقامَةُ حَياتِهِ؛ ومِنهُ ”المُقْصَدُ“؛ كَـ ”مُخْرَجٌ“؛ وهو مَن يَمْرَضُ ويَمُوتُ سَرِيعًا؛ و”القَصِيدُ“؛ بِمَعْنى اليابِسِ مِنَ اللَّحْمِ؛ ”فَعِيلٌ“؛ بِمَعْنى ”مُفْعَلٌ“؛ أيْ: أُقْصِدَ فَزالَتِ اسْتِقامَتُهُ؛ بِأنْ هَلَكَ جَفافًا؛ يُبْسًا.

و”الصِّدْقُ“: ضِدُّ الكَذِبِ؛ وهو مِن أعْدَلِ العَدْلِ؛ وأقْوَمِ القَصْدِ؛ و”الصِّدْقُ“: الشِّدَّةُ؛ إذْ بِها يُمْتَحَنُ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ؛ ومِنهُ ”رَجُلُ صِدْقٍ“؛ أيْ: يُصَدِّقُ ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ؛ أوْ يَقُولُهُ؛ بِفِعْلِهِ؛ فَهو شَدِيدُ العَزْمِ؛ سَدِيدُ الأمْرِ؛ و”الصَّدِيقُ“؛ كَـ ”أمِيرٌ“: الحَبِيبُ الَّذِي يُصَدِّقُ قَوْلَهُ في الحُبِّ بِفِعْلٍ؛ و”المُصادَقَةُ“؛ و”الصِّداقُ“؛ بِالكَسْرِ: المُخالَّةُ؛ كالتَّصادُقِ؛ و”الصَّيْدَقُ“؛ كَـ ”صَيْقَلٌ“: (p-١١٥)الأمِينُ؛ لِأنَّهُ مُصَدَّقٌ في قَوْلِهِ؛ والمَلِكُ؛ لِأنَّ مَحَلَّهُ يَقْتَضِي الصِّدْقَ؛ لِعَدَمِ حاجَتِهِ إلى الكَذِبِ؛ والقُطْبُ؛ لِأنَّهُ أصْدَقُ النُّجُومِ دَلالَةً لِثَباتِهِ؛ وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: هو اسْمٌ لِلسُّها؛ وهو النَّجْمُ الخَفِيُّ الَّذِي مَعَ بَناتِ نَعْشٍ؛ و”الصَّدْقُ“؛ بِالفَتْحِ: الصُّلْبُ المُسْتَوِي مِنَ الرِّماحِ؛ لِأنَّهُ صَدَّقَ ظَنَّ الطّاعِنِ بِهِ؛ وكَذا مِنَ الرِّجالِ؛ والكامِلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ ورَجُلٌ صِدْقُ اللِّقاءِ والنَّظَرِ؛ و”مِصْداقُ الشَّيْءِ“: ما يُصَدِّقُهُ؛ و”شُجاعٌ ذُو مِصْدَقٍ“؛ كَـ ”مِنبَرٌ“: صادِقُ الحَمْلَةِ؛ أيْ: شَدِيدُها؛ و”الصَّدَقَةُ“؛ مُحَرَّكَةً: ما أعْطَيْتَهُ في ذاتِ اللَّهِ؛ لِأنَّها تُصَدِّقُ دَعْوى الإيمانِ؛ لِدَلالَتِها عَلى شِدَّةِ العَزْمِ فِيهِ؛ و”الصَّدُْقَةُ“؛ بِضَمِّ الدّالِ وسُكُونِها: مَهْرُ المَرْأةِ؛ لِأنَّهُ يَصْدُقُ العَزْمُ فِيهِ؛ وكَـ ”سِكِّيتٌ“: الكَثِيرُ الصِّدْقِ؛ و”صَدَقْتُ اللَّهَ حَدِيثًا إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذا“؛ يَمِينٌ لَهُمْ؛ أيْ: لا صَدَقْتُ؛ و”فَعَلَهُ غِبَّ صادِقَةٍ“؛ أيْ: بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُ الأمْرُ؛ و”صَدَّقَهُ تَصْدِيقًا“؛ ضِدَّ كَذَّبَهُ؛ و”الوَحْشِيُّ“: عَدا ولَمْ يَلْتَفِتْ لِما حَمَلَ عَلَيْهِ؛ و”المُصْدَقُ“؛ كَـ ”مُحْدَثٌ“: آخِذُ الصَّدَقاتِ؛ و”المُتَصَدِّقُ“: مُعْطِيها.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ ضالًّا؛ كانَ رُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ خارِجٌ عَنِ الإرادَةِ؛ فَنَفى هَذا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن شاءَ هَداهُ قَصْدَ السَّبِيلِ؛ ومَن شاءَ أسْلَكَهُ الجائِرَ“؛ وهو قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ (p-١١٦)مِنَ الهِدايَةِ والإضْلالِ -: ﴿ولَوْ شاءَ﴾؛ هِدايَتَكُمْ؛ ﴿لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾؛ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في قُلُوبِكُمْ؛ بَعْدَ بَيانِ الطَّرِيقِ القَصْدِ؛ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ؛ فَجَعَلَكم قِسْمَيْنِ.

16:10Page 268

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ وَمِنۡهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَ ١٠

It is He who sends down rain from the sky; from it is drink and from it is foliage in which you pasture [animals].

ولَمّا كانَ ما مَضى كَفِيلًا بِبَيانِ أنَّهُ الواحِدُ المُخْتارُ؛ شَرَعَ يُوَضِّحُ ذَلِكَ بِتَفْصِيلِ الآياتِ إيضاحًا يَدَعُهُ في أتَمِّ انْكِشافٍ في سِياقٍ مُعَدِّدٍ لِلنِّعَمِ؛ مُذَكِّرٍ بِها؛ داعٍ إلى شُكْرِها؛ فَقالَ - بَعْدَ ما دَلَّ بِهِ؛ مِنَ الإنْسانِ؛ وما يَلِيهِ في الشَّرَفِ مِنَ الحَيَوانِ؛ مُبْتَدِئًا بِما يَلِيهِما في الشَّرَفِ مِنَ النَّباتِ؛ الَّذِي هو قِوامُ حَياةِ الإنْسانِ؛ وما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ مِنَ الحَيَوانِ -: ﴿هُوَ﴾؛ لا غَيْرُهُ مِمّا تُدَّعى فِيهِ الإلَهِيَّةُ؛ ﴿الَّذِي أنْـزَلَ﴾؛ أيْ: بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ؛ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ قِيلَ: نَفْسِها؛ وقِيلَ: جِهَتِها؛ وقِيلَ: السَّحابِ - كَما هو مُشاهَدٌ -؛ ﴿ماءً﴾؛ أيْ: واحِدًا تُحِسُّونَهُ بِالذَّوْقِ؛ والبَصَرِ؛ ﴿لَكم مِنهُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿شَرابٌ﴾؛ ظاهِرٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ مِنَ العُيُونِ؛ والأنْهارِ؛ والغُدْرانِ؛ وغَيْرِها. (p-١١٧)ولَمّا كانَ أوَّلُ ما يُقِيمُ الآدَمِيَّ شَرابَ اللَّبَنِ النّاشِئِ عَنِ الماءِ؛ فَقَدَّمَهُ؛ أتْبَعَهُ ما يَنْشَأُ مِنهُ أشْرَفُ أغْذِيَتِهِ؛ وهو الحَيَوانِيُّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ومِنهُ شَجَرٌ﴾؛ لِسَرَيانِهِ في الأرْضِ الواحِدَةِ؛ واخْتِلاطِهِ بِها؛ فَيَنْعَقِدُ مِن ذَلِكَ نَباتٌ؛ ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾؛ أيْ: تَرْعَوْنَ؛ عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ؛ لَيْلًا ونَهارًا؛ ما خَلَقَ لَكم مِنَ البَهائِمِ؛ والشَّجَرُ هُنا - بِما أفْهَمَتْهُ الإسامَةُ - عامٌّ لِما يَبْقى في الشِّتاءِ حَقِيقَةً؛ ولِغَيْرِهِ مَجازًا؛ قالَ القَزّازُ: ”الشَّجَرُ“: ما بَقِيَ لَهُ ساقٌ في الشِّتاءِ إلى الصَّيْفِ؛ ثُمَّ يُورِقُ؛ و”البَقْلُ“: ما لا يَبْقى لَهُ ساقٌ؛ قالَ الخَلِيلُ: ”جِلُّ الشَّجَرِ“: عِظامُهُ؛ وما يَبْقى مِنهُ في الشِّتاءِ؛ و”دِقُّهُ“؛ صِنْفانِ؛ أحَدُهُما تَبْقى لَهُ أرُومَةٌ في الأرْضِ في الشِّتاءِ؛ ويَنْبُتُ في الرَّبِيعِ؛ ومِنهُ ما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ كَما تَنْبُتُ البَقْلَةُ؛ والفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَقْلِ أنَّ الشَّجَرَ يَبْقى لَهُ أرُومَةٌ عَلى الشِّتاءِ؛ ولا يَبْقى لِلْبَقْلِ؛ وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّباتَ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: شَجَرٌ؛ وهو ما يَبْقى في الشِّتاءِ؛ ولا يَذْهَبُ فَرْعُهُ؛ ولا أصْلُهُ؛ وما نَبَتَ في بَزْرٍ؛ ولَمْ يَنْبُتْ في أرُومَةٍ ثابِتَةٍ؛ فَهو البَقْلُ؛ وما نَبَتَ في أرُومَةٍ - أيْ: أصْلٍ - وكانَ مِمّا يَهْلِكُ فَرْعُهُ وأصْلُهُ في الشِّتاءِ؛ فَهو الجَنْبَةُ؛ لِأنَّهُ فارِقُ الشَّجَرِ الَّذِي (p-١١٨)يَبْقى فَرْعُهُ وأصْلُهُ؛ و”البَقْلُ“: الَّذِي يَبِيدُ فَرْعُهُ وأصْلُهُ؛ فَكانَ جَنْبَةً بَيْنَهُما.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском