Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
النور
An-Nur
The Light · Medinan · 64 ayahs
24:1Page 350
سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١
[This is] a sūrah which We have sent down and made [that within it] obligatory and revealed therein verses of clear evidence that you might remember.
(p-٢٠٠)سُورَةُ النُّورِ
مَقْصُودُها مَدْلُولُ اسْمِها المُودَعِ قَلْبَها المُرادِ مِنهُ أنَّهُ تَعالى شامِلُ العِلْمِ، اللّازِمِ مِنهُ تَمامُ القُدْرَةِ، اللّازِمِ مِنهُ إثْباتُ الأُمُورِ عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ، اللّازِمِ مِنهُ تَأْكِيدُ الشَّرَفِ لِلنَّبِيِّ (ﷺ)، اللّازِمِ مِنهُ شَرَفُ مَنِ اخْتارَهُ لِصُحْبَتِهِ عَلى مَنازِلِ قُرْبِهِمْ مِنهُ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ، اللّازِمِ مِنهُ غايَةُ النَّزاهَةِ والشَّرَفِ والطِّهارَةِ لِأُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها الَّتِي ماتَ النَّبِيُّ (ﷺ) وهو عَنْها راضٍ، وماتَتْ هي رَضِيَ اللَّهُ عَنْها صالِحَةً مُحْسِنَةً، وهَذا هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ ولَكِنَّ إثْباتَهُ مُحْتاجٌ إلى تِلْكَ المُقَدِّماتِ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي تَمَّتْ كَلِمَتُهُ فَبَهَرَتْ قُدْرَتُهُ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي ظَهَرَتِ الحَقائِقُ كُلُّها بِشُمُولِ رَحْمَتِهِ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي شَرَّفَ مَنِ اخْتارَهُ بِخِدْمَتِهِ.
لَمّا تَقَدَّمَ في الَّتِي قَبْلَها تَحْرِيمُ الزِّنى والحَثُّ عَلى الصِّيانَةِ، وخَتَمَ تِلْكَ الآيَةَ بِذِكْرِ الجَنَّةِ المُتَضَمِّنِ لِلْبَعْثِ، اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ وذَكَرَ ما يَتْبَعُهُ مِن تَهْدِيدٍ وعَمَلٍ إلى أنْ فَرَغَتِ السُّورَةُ وأخْبَرَ في آخِرِها بِتَبْكِيتِ (p-٢٠١)المُعانِدِينَ يَوْمَ النَّدَمِ بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] وبِقَوْلِهِ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] كُلُّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ لِخَلُقِهِ لِيَرْجِعَ مِنهم مَن قَضى بِسَعادَتِهِ، ثُمَّ خَتَمَ بِقَوْلِهِ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] فابْتَدَأ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِأنَّهُ مَنَّ عَلى المُخاطِبِينَ بِبَيانِ ما خُلِقُوا لَهُ مِنَ الأحْكامِ لِأنَّهم لَمْ يُخْلَقُوا سُدًى، بَلْ لِتَكالِيفَ تَعَبَّدَهم بِها تَرْفَعُ التَّنازُعَ وتَحْسِمُ مادَّةَ الشَّرِّ، فَتُوجِبُ الرَّحْمَةَ والعَطْفَ بِسَلامَةِ الصَّدْرِ بِما فِيهِمْ مِنَ الجِنْسِيَّةِ، فَقالَ مُخْبِرًا عَنْ مُبْتَدَإٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ ﴿سُورَةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ؛ ثُمَّ رَغَّبَ في امْتِثالِ ما فِيها مُبَيِّنًا أنَّ تَنْوِينَها لِلتَّعْظِيمِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْـزَلْناها﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وتَمامِ العِلْمِ والقُدْرَةِ ﴿وفَرَضْناها﴾ أيْ قَرَّرْناها وقَدَّرْناها وأكْثَرْنا فِيها مِنَ الفُرُوضِ وأكَّدْناها ﴿وأنْـزَلْنا فِيها﴾ بِشُمُولِ عِلْمِنا ﴿آياتٍ﴾ مِنَ الحُدُودِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والأمْثالِ وغَيْرِها، مُبَرْهِنًا عَلَيْها ﴿بَيِّناتٍ﴾ لا إشْكالَ فِيها رَحْمَةً مِنّا لَكُمْ، فَمِن قَبْلِها دَخَلَ في دَعْوَةِ نَبِيِّنا ﷺ الَّتِي لَقَّنّاهُ إيّاها في آخِرِ تِلْكَ فَرَحِمَهُ خَيْرُ الرّاحِمِينَ، ومَن أباها ضَلَّ فَدَخَلَ في التَّبْكِيتِ بِقَوْلِنا ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] ونَحْوَهُ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا - إذا تَأمَّلْتُمُوها مَعَ ما قَبْلَها مِنَ الآياتِ المُرَقِّقَةِ والقَصَصِ (p-٢٠٢)المُحَذِّرَةِ - عَلى رَجاءٍ - عِنْدَ مَن لا يَعْلَمُ العَواقِبَ - مِن أنْ تَتَذَكَّرُوا ولَوْ نَوْعًا مِنَ التَّذَكُّرِ - كَما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ - بِما تَرَوْنَ فِيها مِنَ الحِكَمِ أنَّ الَّذِي نَصَبَها لَكم وفَصَّلَها إلى ما تَرَوْنَ لا يَتْرُكُكم سُدًى، فَتُقْبِلُوا عَلى جَمِيعِ أوامِرِهِ، وتَنْتَهُوا عَنْ زَواجِرِهِ، لِيَغْفِرَ لَكم ما قَصَّرْتُمْ فِيهِ مِن طاعَتِهِ، ويَرْحَمُكم بِتَنْوِيلِ ما لا وُصُولَ لَكم إلَيْهِ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وتَتَذَكَّرُوا أيْضًا بِما يُبَيِّنُ لَكم مِنَ الأُمُورِ، ويَكْشِفُ عَنْهُ الغَطاءُ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي أغْمَتْ عَنْها حُجُبُ النُّفُوسِ، وسَتَرَتْها ظُلُماتُ الأهْوِيَةِ - ما جُبِلَ عَلَيْهِ الآدَمِيُّونَ، فَتَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي تُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ مَعَكم بِحُبِّ غَيْرِكم أنْ تَفْعَلُوهُ مَعَهُ، والَّذِي تَكْرَهُونَهُ مِن ذَلِكَ يَكْرَهُهُ غَيْرُكُمْ، فَيَكُونَ ذَلِكَ حامِلًا لَكم عَلى النَّصَفَةِ فَيُثْمِرَ الصَّفاءَ، والأُلْفَةَ والوَفاءَ، فَتَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ الوارِثِينَ الدّاخِلِينَ في دَعْوَةِ البَشِيرِ النَّذِيرِ بِالرَّحْمَةِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: لَّما قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] اسْتَدْعى الكَلامُ بَيانَ حُكَمِ العادِيِ في ذَلِكَ، ولَمْ يُبَيَّنْ فِيها فَأوْضَحَهُ في سُورَةِ النُّورِ فَقالَ تَعالى ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ [النور: ٢] - الآيَةُ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِحُكْمِ اللَّعّانِ والقَذْفِ وانْجَرَّ مَعَ ذَلِكَ الإخْبارُ (p-٢٠٣)بِقِصَّةِ الإفْكِ تَحْذِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِن زَلَلِ الألْسِنَةِ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وأتْبَعَ ذَلِكَ بَعْدَ بِوَعِيدِ مُحِبِّي شِياعِ الفاحِشَةِ، في المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ﴾ [النور: ٢٣] الآياتُ، ثُمَّ بِالتَّحْذِيرِ مِن دُخُولِ البُيُوتِ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ المَشْرُوعِ، ثُمَّ بِالأمْرِ بِغَضِّ الأبْصارِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ ونَهى النِّساءَ عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ إلّا لِمَن سَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ في الآيَةِ، وتَكَرَّرَتْ هَذِهِ المَقاصِدُ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى ذِكْرِ حُكْمِ العَوْراتِ الثَّلاثِ، ودُخُولِ بُيُوتِ الأقارِبِ وذَوِي الأرْحامِ، وكُلُّ هَذا مِمّا تَبْرَأُ ذِمَّةُ المُؤْمِنِ بِالتِزامِ ما أمَرَ اللَّهُ فِيهِ مِن ذَلِكَ والوُقُوفُ عِنْدَ ما حَدَّهُ تَعالى مِن أنْ يَكُونَ مِنَ العادِينَ المَذْمُومِينَ في قَوْلِهِ تَعالى
﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] وما تَخَلَّلَ الآيَ المَذْكُوراتِ ونَسَقَ عَلَيْها مِمّا لَيْسَ مِنَ الحُكْمِ المَذْكُورِ فَلِاسْتِجْرارِ الآيِ إيّاهُ واسْتِدْعائِهِ، ومَظِنَّةِ اسْتِيفاءِ ذَلِكَ وبَيانِ ارْتِباطِهِ التَّفْسِيرِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِنا هُنا - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُوَفِّقُنا لِفَهْمِ كِتابِهِ - انْتَهى.
24:2Page 350
ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢
The [unmarried] woman or [unmarried] man found guilty of sexual intercourse1 - lash each one of them with a hundred lashes,2 and do not be taken by pity for them in the religion [i.e., law] of Allāh,3 if you should believe in Allāh and the Last Day. And let a group of the believers witness their punishment.
ولَمّا كانَ مَبْنى هَذِهِ الدّارِ عَلى الأنْسابِ في التَّوارُثِ والإمامَةِ والنِّكاحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَبْنى تِلْكَ الدّارِ عَلى الأعْمالِ لِقَوْلِهِ تَعالى (p-٢٠٤)﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وكانَ قَدْ حَثَّ في آخِرِ تِلْكَ عَلى السِّتْرِ والرَّحْمَةِ، حَذَّرَ رَحْمَةً مِنهُ في أوَّلِ هَذِهِ مِن لُبْسِ الأنْسابِ، وكَسْبِ الأعْراضِ وقَطْعِ الأسْبابِ، مُعْلِمًا أنَّ السِّتْرَ والرِّقَّةَ لَيْسا عَلى عُمُومِهِما، بَلْ عَلى ما يَحُدُّهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ مُخاطِبًا لِلْأئِمَّةِ ومَن يُقِيمُونَهُ: ﴿الزّانِيَةُ﴾ وهي مَن فَعَلَتِ الزِّنى، وهو إيلاجُ فَرَجٍ في فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبَعًا مُحَرَّمٍ شَرْعًا، وقَدَّمَها لِأنَّ أثَرَ الزِّنى يَبْدُو عَلَيْها مِنَ الحَبَلِ وزَوالِ البَكارَةِ، ولِأنَّها أصْلُ الفِتْنَةِ بِهَتْكِ ما أُمِرَتْ بِهِ مِن حِجابِ التَّسَتُّرِ والتَّصَوُّنِ والتَّحَذُّرِ ﴿والزّانِي﴾
ولَمّا كانَ ”ال“ بِمَعْنى الِاسْمِ المَوْصُولِ، أدْخَلَ الفاءَ في الخَبَرِ فَقالَ: ﴿فاجْلِدُوا﴾ أيْ فاضْرِبُوا وإنْ كانَ أصْلُهُ ضَرْبَ الجَلْدِ بِالسَّوْطِ الَّذِي هو جَلْدُ ﴿كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ إذا لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، بَلْ كانَ مُكَلَّفًا بِكْرًا - بِما بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فَبَدَأ بِحَدِّ الزِّنى المُشارِ إلَيْهِ أوَّلَ تِلْكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] وفي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الجَلْدِ الَّذِي هو ضَرْبُ الجَلْدِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَكُونُ مُبَرِّحًا بِحَيْثُ يَتَجاوَزُ الألَمَ إلى اللَّحْمِ.
ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في تَرْكِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِما، صَرَّحَ بِهِ (p-٢٠٥)لِأنَّ مِن شَأْنِ كُلِّ مَن يَجُوزُ عَلى نَفْسِهِ الوُقُوعُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يَرْحَمَهُما فَقالَ: ﴿ولا تَأْخُذْكُمْ﴾ أيْ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿بِهِما رَأْفَةٌ﴾ أيْ لِينٌ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِها إعْلامًا بِأنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ مُطْلَقِ الرَّحْمَةِ، لِأنَّ الرَّأْفَةَ أشَدُّ الرَّحْمَةِ أوْ أرَقُّها وتَكُونُ عَنْ أسْبابٍ مِنَ المَرْؤُوفِ بِهِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي شَرَعَهُ لَكُمُ المَلِكُ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ - إشارَةً إلى أنَّ المَمْنُوعَ مِنهُ رَحْمَةٌ تُؤَدِّي إلى تَرْكِ الحَدِّ أوْ شَيْءٍ مِنهُ أوِ التَّهاوُنِ بِهِ أوِ الرِّضى عَنْ مُنْتَهِكِهِ لا رِقَّةُ القَلْبِ المَطْبُوعُ عَلَيْها البَشَرُ كَما يُحْكى عَنْ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَكى يَوْمَ فُتِحَتْ قُبْرُصُ وضُرِبَتْ رِقابُ ناسٍ مِن أسْراها فَقِيلَ لَهُ: هَذا يَوْمُ سُرُورٍ، فَقالَ: هو كَذَلِكَ، ولَكِنِّي أبْكِي رَحْمَةً لِهَؤُلاءِ العِبادِ الَّذِينَ عَصَوُا اللَّهَ فَخَذَلَهم وأمْكَنَ مِنهم.
ولَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ ما طَبَعَ عَلَيْهِ عِبادَهُ مِن رَحْمَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَحَثَّ عَلى هَذا الحُكْمِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، زادَ في التَّهْيِيجِ إلَيْهِ والحَضِّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ بِما هو كالجِبِلَّةِ الَّتِي لا تَنْفَكُّ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي هو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فَما شَرَعَ ذَلِكَ إلّا رَحْمَةً لِلنّاسِ عُمُومًا ولِلزّانِيَيْنِ خُصُوصًا، فَمَن نَقَصَ سَوْطًا فَقَدِ ادَّعى أنَّهُ أرْحَمُ مِنهُ، ومَن زادَ سَوْطًا فَقَدْ ظَنَّ أنَّهُ أحْكَمُ وأعْظَمُ مِنهُ.
(p-٢٠٦)ولَمّا ذَكَّرَ بِالإيمانِ الَّذِي مِن شَرْطِهِ التِزامُ الأحْكامِ، وكانَ الرَّجاءُ غالِبًا عَلى الإنْسانِ، أتْبَعَهُ ما يُرْهِبُهُ فَقالَ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي يُحاسِبُ فِيهِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ والخَفِيِّ والجَلِيِّ. ولَمّا كانَ الخِزْيُ والفَضِيحَةُ أعْظَمَ عِنْدَ بَعْضِ النّاسِ مِن ضَرْبِ السَّيْفِ فَضْلًا عَنْ ضَرْبِ السَّوْطِ قالَ: ﴿ولْيَشْهَدْ﴾ أيْ يَحْضُرْ حُضُورًا تامًّا ﴿عَذابَهُما طائِفَةٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ يُمْكِنُ إطافَتُها أيْ تَحَلُّقُها وحُفُوفُها بِكُلٍّ مِنهُما ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ العَرِيقَيْنِ إشْهارًا لِأمْرِهِما نَكالًا لَهُما، وعَنْ نَصْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ أنَّ ذَلِكَ لِيُدْعى لَهُما بِالتَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ. وفي كُلِّ هَذا إشارَةٌ ظاهِرَةٌ إلى أنَّ إقامَةَ الحُدُودِ والغِلْظَةَ فِيها مِن رَحِمْتِهِ سُبْحانَهُ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]
24:3Page 350
ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣
The fornicator does not marry except a [female] fornicator or polytheist, and none marries her except a fornicator1 or a polytheist, and that [i.e., marriage to such persons] has been made unlawful to the believers.
ولَمّا كانَ في ذَلِكَ مِنَ الغِلْظَةِ عَلى الزّانِي لِما ارْتَكَبَ مِنَ الحَرامِ المُتَّصِفِ بِالعارِ ما يُفْهِمُ مُجانَبَتَهُ، صَرَّحَ بِهِ، مانِعًا مِن نِكاحِ المُتَّصِفِ بِالزِّنى مَن ذَكَرٍ وأُنْثى، إعْلامًا بِأنَّ وطْءَ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ مِن رَجُلٍ أوِ امْرَأةٍ لا يَكُونُ إلّا زِنًى وإنْ كانَ بِعَقْدٍ، فَقالَ واصِلًا لَهُ بِما قَبْلَهُ: (p-٢٠٧)﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ﴾ أيْ لا يَتَزَوَّجُ ﴿إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ أيِ المَعْلُومُ اتِّصافُهُ بِالزِّنى مَقْصُورٌ نِكاحُهُ عَلى زانِيَةٍ أوْ مُشْرِكَةٍ، وذَلِكَ مُحَرَّمٌ، فَهَذا تَنْفِيرٌ لِلْمُسْلِمَةِ عَنْ نِكاحِ المُتَّصِفِ بِالزِّنى حَيْثُ سُوِّيَتْ بِالمُشْرِكَةِ إنْ عاشَرَتْهُ، وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى أنَّ مَن نَكَحَتْ زانِيًا فَهي زانِيَةٌ أوْ مُشْرِكَةٌ، أيْ فَهي مِثْلُهُ أوْ شَرٌّ مِنهُ، ولَوِ اقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَنعٌ مِن أنْ يَنْكِحَ العَفِيفُ الزّانِيَةَ، فَقالَ تَعالى مانِعًا مِن ذَلِكَ: ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها﴾ أيْ لا يَتَزَوَّجُها ﴿إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾ أيْ والمَعْلُومُ اتِّصافُها بِالزِّنى مَقْصُورٌ نِكاحُها عَلى زانٍ أوْ مُشْرِكٌ، وذَلِكَ مُحَرَّمٌ فَهو تَنْفِيرٌ لِلْمُسْلِمِ أنْ يَتَزَوَّجَ مَنِ اتَّصَفَتْ بِالزِّنى حَيْثُ سَوّى في ذَلِكَ بِالمُشْرِكِ، وهو يَرْجِعُ إلى أنَّ مَن نَكَحَ زانِيَةً فَهو زانٍ أوْ مُشْرِكٌ، أيْ فَهو مِثْلُها أوْ شَرٌّ مِنها، وأسْنَدَ النِّكاحَ في المَوْضِعَيْنِ إلى الرَّجُلِ تَنْبِيهًا إلى أنَّ النِّساءَ لا حَقَّ لَهُنَّ في مُباشَرَةِ العَقْدِ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِما أفْهَمَهُ صَدْرُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ ذَلِكَ يَكْفِي المُؤْمِنَ الَّذِي الخِطابُ مَعَهُ: ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ أيْ نِكاحُ الزّانِي والزّانِيَةِ تَحْرِيمًا لا مَثْنَوِيَّةَ فِيهِ ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ وعُلِمَ مِن هَذا أنَّ ذِكْرَ المُشْرِكِ والمُشْرِكَةِ لِزِيادَةِ التَّنْفِيرِ، ثُمَّ إنَّ هَذا الحُكْمَ فُسِخَ كَما قالَ إمامُنا الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مُوافَقَةً لِابْنِ المُسَيِّبِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وهو جَمْعُ أيِّمٍ وهو مَن لا زَوْجَ لَهُ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، فَأحَلَّ لِلزّانِي (p-٢٠٨)أنْ يَنْكِحَ مَن شاءَ، ولِلزّانِيَةِ أنْ تَنْكِحَ مَن شاءَتْ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ (لا يَنْكِحْ) بِالنَّهْيِ راجِعَةٌ إلى هَذا، لِأنَّ الطَّلَبَ قَدْ يَجِيءُ لِلْخَبَرِ كَما يَجِيءُ الخَبَرُ لِلطَّلَبِ - واللَّهُ أعْلَمُ؛ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الأُمِّ في جُزْءٍ مُتَرْجَمٍ بِأحْكامِ القُرْآنِ وفي جُزْءٍ بَعْدَ كِتابِ الحَجِّ الكَبِيرِ والصَّغِيرِ والضَّحايا: ما جاءَ في نِكاحِ المُحْدِثِينَ، فَذَكَرَ الآيَةَ وقالَ: اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ اخْتِلافًا مُتَبايِنًا، أخْبَرَنا مُسْلِمُ بْنُ خالِدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَغايا مِن بَغايا الجاهِلِيَّةِ كانَتْ عَلى مَنازِلِهِنَّ راياتٌ، قالَ في الجُزْءِ الآخَرِ: وكُنَّ غَيْرَ مُحْصَناتٍ، فَأرادَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ نِكاحَهُنَّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِتَحْرِيمِ أنْ يَنْكِحْنَ إلّا مَن أعْلَنَ بِمِثْلِ ما أعْلَنَّ بِهِ أوْ مُشْرِكًا، وقِيلَ كُنَّ زَوانِيَ مُشْرِكاتٍ فَنَزَلَتْ لا يَنْكِحُهُنَّ إلّا زانٍ مِثْلُهُنَّ مُشْرِكٌ، أوْ مُشْرِكٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ زانِيًا، وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ ولَكِنَّها نُسِخَتْ، أخْبَرَنا سُفْيانُ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: هي مَنسُوخَةُ نَسَخَتْها
﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فَهي مِن أيامى المُسْلِمِينَ، فَهَذا كَما قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلَيْهِ (p-٢٠٩)دَلائِلُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى فَسادِ غَيْرِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الزّانِيَةَ إنْ كانَتْ مُشْرِكَةً فَهي مُحَرَّمَةٌ عَلى زُناةِ المُسْلِمِينَ وغَيْرِ زُناتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ولا خِلافَ في ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ مُسْلِمَةً فَهي بِالإسْلامِ مُحَرَّمَةٌ عَلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ بِكُلِّ نِكاحٍ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ولا خِلافَ في ذَلِكَ أيْضًا، وبِأنَّهُ لا اخْتِلافَ بَيْنَ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أيْضًا في تَحْرِيمِ الوَثَنِيّاتِ عَفائِفَ كُنَّ أوْ زَوانِيَ عَلى مَن آمَنَ زانِيًا كانَ أوْ عَفِيفًا، وبِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَدَ بِكْرًا في الزِّنى وجَلَدَ امْرَأةً ولَمْ نَعْلَمْهُ قالَ لِلزّانِي: هَلْ لَكَ زَوْجَةٌ فَتَحْرُمُ عَلَيْكَ إذا زَنَيْتَ، ولا يَتَزَوَّجُ هَذا الزّانِي ولا الزّانِيَةُ إلّا زانِيَةً أوْ زانِيًا، بَلْ قَدْ يُرْوى أنْ رَجُلًا شَكا مِنِ امْرَأتِهِ فُجُورًا فَقالَ: طَلِّقْها، قالَ: إنِّي أُحِبُّها، قالَ: اسْتَمْتِعْ بِها - يُشِيرُ إلى ما رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنْ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”إنَّ امْرَأتِي لا تَمْنَعُ يَدَ لامِسٍ، قالَ: طَلِّقْها، قالَ: إنِّي لا أصْبِرُ عَنْها، قالَ: فَأمْسِكْها“» .
ورَواهُ البَيْهَقِيُّ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ شَيْخُنا ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ - انْتَهى. قالَ الشّافِعِيُّ: وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (p-٢١٠)قالَ لِرَجُلٍ أرادَ أنْ يَنْكِحَ امْرَأةً أحْدَثَتْ: أنْكِحْها نِكاحَ العَفِيفَةِ المُسْلِمَةِ - انْتَهى بِالمَعْنى. وقالَ في الجُزْءِ الَّذِي بَعُدَ الحَجِّ: فَوَحَّدْنا الدَّلالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في زانِيَةٍ وزانٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ نَعْلَمْهُ حَرَّمَ عَلى واحِدٍ مِنهُما أنْ يَنْكِحَ غَيْرَ زانِيَةٍ ولا زانٍ، ولا حَرَّمَ واحِدًا مِنهُما عَلى زَوْجِهِ؛ ثُمَّ قالَ: فالِاخْتِيارُ لِلرَّجُلِ أنْ لا يَنْكِحَ زانِيَةً ولِلْمَرْأةِ أنْ لا تَنْكِحَ زانِيًا، فَإنْ فَعَلا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَرامٍ عَلى واحِدٍ مِنهُما، لَيْسَتْ مَعْصِيَةَ واحِدٍ مِنهُما في نَفْسِهِ تُحَرِّمُ عَلَيْهِ الحَلالَ إذا أتاهُ، ثُمَّ قالَ: وسَواءٌ حُدَّ الزّانِي مِنهُما أوْ لَمْ يُحَدَّ، أوْ قامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أوِ اعْتَرَفَ، لا يُحَرِّمُ زِنى واحِدٍ مِنهُما ولا زِناهُما ولا مَعْصِيَةٌ مِنَ المَعاصِي الحَلالَ إلّا أنْ يَخْتَلِفَ دِيناهُما بِشِرْكٍ وإيمانٍ - انْتَهى.
وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ أنَّ هَذا الحُكْمَ نُسِخَ بِآيَةِ الأيامى فَقَطْ، بَلْ بِما انْضَمَّ إلَيْها مِنَ الإجْماعِ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ بِحَيْثُ صَيَّرَ ذَلِكَ دَلالَتَها عَلى ما تَناوَلَتْهُ مُتَيَّقَنًا كَدَلالَةِ الخاصِّ عَلى ما تَناوَلَهُ، فَلا يُقالُ: إنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ خالَفَ أصْلَهُ في أنَّ الخاصَّ لا يُنْسَخُ بِالعامِّ، لِأنَّ ما تَناوَلَهُ الخاصُّ مُتَيَقَّنٌ، وما تَناوَلَهُ العامُّ ظاهِرٌ مَظْنُونٌ، وكانَ هَذا الحُكْمُ - وهو الحُرْمَةُ في أوَّلِ الإسْلامِ بَعْدَ الهِجْرَةِ - لِئَلّا يَغْلِبَ حالُ المُفْسِدِ عَلى المُصْلِحِ فَيَخْتَلَّ بَعْضُ الأمْرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في البَقَرَةِ
﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] وفي (p-٢١١)المائِدَةُ عِنْدَ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] وهو مِن وادِي قَوْلِهِ:
؎عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ خَلِيلٍ بِالمُخالِلِ يَقْتَدِي
والجِنْسِيَّةُ عِلَّةُ الضَّمِّ، والمُشاكَلَةُ سَبَبُ المُواصَلَةِ، والمُخالَفَةُ تُوجِبُ المُباعَدَةَ وتَحْرِمُ المُؤالَفَةَ، وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في الأدَبِ والتِّرْمِذِيُّ في الزُّهْدِ - وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الرَّجُلُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ» ورَوى الإمامُ أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مَعِينٍ حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ الحَكَمِ حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أيُّوبَ حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ «عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَتْ: كانَتِ امْرَأةٌ بِمَكَّةَ مَزّاحَةٌ، يَعْنِي فَهاجَرَتْ إلى المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، فَنَزَلَتْ عَلى امْرَأةٍ شِبْهٍ لَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقالَتْ صَدَقَ حُبِّي! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ وما تَناكَرَ مِنها اخْتَلَفَ“» قالَ: ولا أعْلَمُ إلّا قالَ في الحَدِيثِ: ولا نَعْرِفُ تِلْكَ المَرْأةَ، وسَيَأْتِي عِنْدَ ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦] تَخْرِيجُ «الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» وقالَ الإمامُ أبُو بَكْرِ أحْمَدُ بْنُ مَرْوانَ الدَّيْنُورِيُّ في كِتابِ المُجالَسَةِ: حَدَّثَنا (p-٢١٢)أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الخَزّازُ حَدَّثَنا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِي غُزَيَّةَ الأنْصارِيِّ قالَ: قالَ الشَّعْبِيُّ: يُقالُ: إنَّ لِلَّهِ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِجَمْعِ الأشْكالِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ - انْتَهى. وعَزاهُ شَيْخُنا الحافِظُ أبُو الفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ إلى أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقالَ: بِتَأْلِيفِ الأشْكالِ. ويُرْوى أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ ابْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ أهْلَ الكُوفَةِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن مَقْدَمِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: يا أهْلَ الكُوفَةِ، قَدْ عَلِمْنا شِرارَكم مِن خِيارِكُمْ، فَقالُوا: كَيْفَ وما لَكَ إلّا ثَلاثَةُ أيّامٍ؟ فَقالَ: كانَ مَعَنا شِرارٌ وخِيارٌ، فانْضَمَّ خِيارُنا إلى خِيارِكُمْ، وشِرارُنا إلى شِرارِكم.
فَلَمّا تَقَرَّرَتِ الأحْكامُ، وأذْعَنَ الخاصُّ والعامُّ، وضَرَبَ الدِّينُ بِجُرّانِهِ، ولَمْ يُخْشَ وهْيُ شَيْءٍ مِن بُنْيانِهِ، نُسِخَتِ الحُرْمَةُ، وبَقِيَتِ الكَراهَةُ أوْ خِلافُ الأوْلى - واللَّهُ المُوَفِّقُ. وهَذا كُلُّهُ تَوْطِئَةٌ لِبَراءَةِ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كَما يَأْتِي إيضاحُهُ عَنْهُ ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦] لِأنَّها قَرِينَةُ خَيْرِ العالَمِينَ وأتْقاهم وأعَفُّهُمْ، ولِأنَّ كُلًّا مِنها ومِن صَفْوانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بَعِيدٌ عَمّا رُمِيَ بِهِ شَهِيرٌ بِضِدِّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ ”بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن يَعْذُرُنِي مِن رَجُلٍ بَلَغَ أذاهُ في أهْلِي، واللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلّا خَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا“» (p-٢١٣)وفِي رِوايَةٍ «ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَطُّ، ولا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ إلّا وأنا حاضِرٌ» وبِقَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ صَفْوانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّهُ قُتِلَ شَهِيدًا في سَبِيلِ اللَّهِ. وهَذا سِوى الآياتِ المُصَرِّحَةِ والأعْلامِ المُفْصِحَةُ، فَهو ﴿والطَّيِّبُونَ﴾ [النور: ٢٦] تَلْوِيحٌ قَبْلَ بَيانٍ، وتَصْرِيحٌ وإشارَةٌ بَعْدَ عِبارَةٍ وتَوْضِيحٍ، لِيَجْتَمِعَ في بَراءَةِ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها دَلِيلانِ عَقْلِيّانِ شُهُودِيّانِ اكْتَنَفا الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ فَكانا سُورًا عَلَيْهِ، وحِفْظًا مِن تَصْوِيبِ طَعْنٍ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ مِن فَخامَةِ أمْرِها وعَظِيمِ قَدْرِها ما لا يُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ إلّا الَّذِي خَصَّها بِهِ.
24:4Page 350
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤
And those who accuse chaste women and then do not produce four witnesses - lash them with eighty lashes and do not accept from them testimony ever after. And those are the defiantly disobedient,
ولَمّا نَفَّرَ سُبْحانَهُ مِن نِكاحِ مَنِ اتَّصَفَ بِالزِّنى مِن رَجُلٍ أوِ امْرَأةٍ، وبَدَأ - لِأنَّ نِكاحَ المَرْأةِ لِلزّانِي مَظِنَّةً لِزِناها - بِتَنْفِيرِ الإناثِ بِما يُوهِمُ جَوازَ إطْلاقِ الزِّنى عَلَيْهِنَّ بِمُجَرَّدِ نِكاحِ مَن عُلِمَ زِناهُ، وذَلِكَ بَعْدَ أنِ ابْتَدَأ في حَدِّ الزِّنى بِالأُنْثى أيْضًا لِأنَّ زِناها أكْبَرُ شَرًّا، وأعْظَمُ فَضِيحَةً وضَرًا، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ تَحْرِيمَ القَذْفِ بِما يُوجِبُ تَعْظِيمَ الرَّغْبَةِ في السِّتْرِ وصِيانَةِ الأعْراضِ وإخْفاءِ الفَواحِشِ، فَقالَ ذاكِرًا الجَمْعَ لِأنَّ الحُكْمَ بِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ (p-٢١٤)يُفْهِمُ إقامَةَ الحَدِّ عَلى الواحِدِ مِن بابِ الأوْلى ولا إيهامَ فِيهِ لِأنَّ الجَمْعَ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ أفْهَمَ التَّوْزِيعَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ أيْ بِالزِّنى ﴿المُحْصَناتِ﴾ جَمْعُ مُحْصَنَةٍ، وهي هُنا المُسْلِمَةُ الحُرَّةُ المُكَلَّفَةُ العَفِيفَةُ، والمُرادُ القَذْفُ بِالزِّنى بِما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ سابِقًا ولاحِقًا، ذُكُورًا كانَ الرّامُونَ أوْ إناثًا بِما أفْهَمَهُ المَوْصُولُ، وخَصَّ الإناثَ وإنْ كانَ الحُكْمُ عامًّا لِلرِّجالِ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ حَقِّ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، ولِأنَّ الكَلامَ في حَقِّهِنَّ أشْنَعُ.
ولَمّا كانَ إقْدامُ المُجْتَرِئِ عَلى القَذْفِ مَعَ ما شَرَطَهُ فِيهِ لِدَرْءِ الحَدِّ إرادَةَ السِّتْرِ - بَعِيدًا، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا﴾ أيْ إلى الحاكِمِ ﴿بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ ذُكُورٍ ﴿فاجْلِدُوهُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنَ الأئِمَّةِ ونُوّابِهِمْ ﴿ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، لِكُلِّ مُحْصَنَةٍ، إنْ لَمْ يَكُنِ القاذِفُ أصْلًا، إنْ كانُوا أحْرارًا، وحَدُّ العَبْدِ نِصْفُ ذَلِكَ لِآيَةِ النِّساءِ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] فَهَذِهِ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِتِلْكَ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى ولا بَيْنَ حَدِّ الزِّنى وحَدِّ القَذْفِ ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ قَذْفِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿شَهادَةً﴾ (p-٢١٥)أيَّ شَهادَةٍ كانَتْ ﴿أبَدًا﴾ لِلْحُكْمِ بِافْتِرائِهِمْ، ومَن ثَبَتَ افْتِراؤُهُ سَقَطَ الوُثُوقُ بِكَلامِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهم قَدِ افْتَرَوْا، عَطَفَ عَلَيْهِ تَحْذِيرًا مِنَ الإقْدامِ عَنْ غَيْرِ تَثْبِيتٍ: ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذَمُّهم بِالقَذْفِ فَسَفْلَتَ رُتْبَتُهم جِدًّا ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ المَحْكُومُ بِفِسْقِهِمُ الثّابِتُ لَهم هَذا الوَصْفُ وإنْ كانَ القاذِفُ مِنهم مُحِقًّا في نَفْسِ الأمْرِ.
24:5Page 350
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
Except for those who repent thereafter and reform, for indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
ولَمّا كانَ مِن أصْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَعَقِّبَ لِلْجُمَلِ المُتَواصِلَةِ المُتَعاطِفَةِ بِالواوِ عائِدٌ إلى الجَمِيعِ سَواءٌ كانَتْ مِن جِنْسٍ أوْ أكَثَرَ إلّا إذا مَنَعَتْ قَرِينَةٌ، أعادَ الِاسْتِثْناءَ هُنا إلى الفِسْقِ ورَدَّ الشَّهادَةَ دُونَ الحُكْمِ بِالجَلْدِ، لِأنَّ مِن تَمامِ التَّوْبَةِ الِاسْتِسْلامُ لِلْحَدِّ والِاسْتِحْلالُ مِنهُ، ولِقَرِينَةِ كَوْنِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ وهو لا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ رَجَعُوا عَمّا وقَعُوا فِيهِ مِنَ القَذْفِ وغَيْرِهِ ونَدِمُوا عَلَيْهِ وعَزَمُوا عَلى أنْ لا يَعُودُوا كَما بَيَّنَ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] وأشارَ إلى أنَّ الجَلْدَ لا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِإدْخالِ الجارِّ إلى أنَّ قَبُولَها لا يَتَوَقَّفُ عَلى اسْتِغْراقِها الزَّمانَ الآتِيَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ الَّذِي أوْجَبَ إبْعادَهم وهو الرَّمْيُ (p-٢١٦)والجَلْدُ، فَإنَّ التَّوْبَةَ لا تُغَيِّرُ حُكْمُ الرّامِي في الجَلْدِ، وإنَّما تُغَيِّرُهُ في رَدِّ الشَّهادَةِ وما تَسَبَّبَتْ عَنْهُ وهو الفِسْقُ، وأشارَ إلى شُرُوطِ التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ بَعْدَ التَّوْبَةِ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ يُظَنُّ بِها حُسْنُ الحالِ، وهي سُنَّةٌ يُعْتَبَرُ بِها حالُ التّائِبِ بِالفُصُولِ الأرْبَعَةِ الَّتِي تَكْشِفُ الطِّباعَ.
ولَمّا كانَ اسْتِثْناؤُهم مِن رَدِّ الشَّهادَةِ والفِسْقِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فاقْبَلُوا شَهادَتَهم ولا تَصِفُوهم بِالفِسْقِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ سَتُورٌ لَهم ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ لِرُجُوعِهِمْ عَنْهُ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ يَفْعَلُ بِهِمْ مِنَ الإكْرامِ فِعْلَ الرّاحِمِ بِالمَرْحُومِ في قَبُولِ الشَّهادَةِ.
24:6Page 350
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦
And those who accuse their wives [of adultery] and have no witnesses except themselves - then the witness of one of them1 [shall be] four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the truthful.
ولَمّا كانَ لَفْظُ المُحْصَناتِ عامًّا لِلزَّوْجاتِ، وكانَ لَهُنَّ حُكْمٌ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ، أخْرَجَهُنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ أيْ بِالزِّنى ﴿أزْواجَهُمْ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِناتِ الأحْرارِ والإماءِ والكافِراتِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ بِذَلِكَ ﴿شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ﴾ وهَذا يُفْهِمُ أنَّ الزَّوْجَ إذا كانَ أحَدَ الأرْبَعَةِ كَفى، لَكِنْ يَرُدُّ هَذا المَفْهُومَ كَوْنُهُ حِكايَةً واقِعَةً لا شُهُودَ فِيها، وقَوْلُهُ في الآيَةِ قَبْلَها: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ٤] فَإنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الشُّهَداءِ غَيْرَ الرّامِي، ولَعَلَّهُ اسْتَثْناهُ مِنَ الشُّهَداءِ لِأنَّ لِعانَهُ يَكُونُ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لا يُقْبِلُ في ذَلِكَ عَلى زَوْجَتِهِ - قالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ في الكِفايَةِ: لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الزِّنى تَعَرَّضَ لِمَحَلِّ حَقِّ (p-٢١٧)الزَّوْجِ، فَإنَّ الزّانِيَ مُسْتَمْتِعٌ بِالمَنافِعِ المُسْتَحِقَّةِ لَهُ، فَشَهادَتُهُ في صِفَتِها تَتَضَمَّنُ إثْباتَ جِنايَةِ الغَيْرِ عَلى ما هو مُسْتَحَقٌّ لَهُ فَلَمْ تُسْمَعْ، كَما إذا شَهِدَ أنَّهُ جَنى عَلى عَبْدِهِ، والثّانِي أنَّ مَن شَهِدَ بِزِنى زَوْجَتِهِ فَنَفْسُ شَهادَتِهِ تَدُلُّ عَلى إظْهارِ العَداوَةِ، لِأنَّ زِناها يُوغِرُ صَدْرَهُ بِتَلْطِيخِ فِراشِهِ وإدْخالِ العارِ عَلَيْهِ وعَلى ولَدِهِ، وهو أبْلَغُ في العَداوَةِ مِن مُؤْلِمِ الضَّرْبِ وفاحِشِ السَّبِّ، قالَ القاضِي الحُسَيْنُ: وإلى هَذِهِ العِلَّةِ أشارَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وهي الَّتِي حَكاها القاضِي أبُو الطَّيِّبِ في بابِ حَدِّ قاطِعِ الطَّرِيقِ عَنِ الشَّيْخِ أبِي حامِدٍ.
﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ﴾ أيْ عَلى مَن رَماها ﴿أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ مِن خَمْسٍ في مُقابَلَةِ أرْبَعَةِ شُهَداءَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيْ مَقْرُونَةٍ بِهَذا الِاسْمِ الكَرِيمِ الأعْظَمِ المُوجِبِ لِاسْتِحْضارِ جَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ فِيما قَذَفَها بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences