Al-Biqa'iAl-'Asr · 103:1–3

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

العصر

Al-'Asr

The Declining Day · Meccan · 3 ayahs

103:1Page 601

وَٱلۡعَصۡرِ ١

By time,1

(p-٢٣٤)سُورَةُ العَصْرِ

قالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّها سُورَةٌ لَوْ لَمْ يَنْزِلْ إلى النّاسِ إلّا هي لَكَفَتْهُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ غَيْرِهِ: ”إنَّها شَمِلَتْ جَمِيعَ عُلُومِ القُرْآنِ، مَقْصُودُها تَفْضِيلُ نَوْعِ الإنْسانِ المَخْلُوقِ مِن عَلَقٍ، وبَيانُ خُلاصَتِهِ وعُصارَتِهِ وهُمُ الحِزْبُ النّاجِي يَوْمَ السُّؤالِ عَنْ زَكاءِ الأعْمالِ بَعْدَ الإشارَةِ إلى أضْدادِهِمْ، والإعْلامُ بِما يُنْجِي مِنَ الأعْمالِ والأحْوالِ بِتَرْكِ الفانِي والإقْبالِ عَلى الباقِي لِأنَّهُ خُلاصَةُ الكَوْنِ ولُبابُ الوُجُودِ، واسْمُها العَصْرُ واضِحٌ في ذَلِكَ فَإنَّ العَصْرَ يُخَلِّصُ رُوحَ المَعْصُورِ ويُمَيِّزُ صَفاوَتَهُ، ولِذَلِكَ كانَ وقْتُ هَذا النَّبِيِّ الخاتَمِ الَّذِي هو خُلاصَةُ الخَلْقِ وقْتَ العَصْرِ، وكانَتْ صَلاةُ العَصْرِ أفْضَلَ الصَّلَواتِ، وبَيانُ اشْتِمالِها عَلى عُلُومِ القُرْآنِ تَنْزِيلُ جُمْلَتِها عَلى [ما -] قالَ الغَزالِيُّ: إنَّ القُرْآنَ كالبَحْرِ الَّذِي فِيهِ جَزائِرُ (p-٢٣٥)بِها مَعادِنُ سِتَّةٍ، مِنها أرْبَعَةٌ مُهِمَّةٌ: مُهِمّانِ مِنها هُما ياقُوتٌ أفْخَرُ فَأحْمَرُهُ لِلْعِلْمِ بِاللَّهِ، وأخْضَرُهُ لِصِفاتِهِ، وأزْرَقُهُ لِأفْعالِهِ، وزُمُرُّدٌ أخْضَرُ هو العِلْمُ بِاليَوْمِ الآخِرِ وما فِيهِ، ومُهِمّانِ أوَّلُهُما دُرٌّ أنْضَرُ وهو العِلْمُ بِالعِباداتِ المُقَرَّبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وثانِيهِما مِسْكُ أذْفَرُ، وهو العِلْمُ بِالعاداتِ الَّتِي بِها تُهَيَّأُ العِباداتُ، ومُتِمّانِ وهُما دِرْياقُ أكْبَرُ وهو العِلْمُ بِإزاحَةِ الشُّكُوكِ، والشُّبَهِ والأوْهامِ لِأنَّها سَمُومٌ ومُهْلِكَةٌ لِلدِّينِ، وعَنْبَرٌ أشْهَبُ وهو الِاعْتِبارُ بِمَن هَلَكَ بِاجْتِنابِ ما كانَ سَبَبَ هَلاكِهِ، والِاقْتِفاءِ بِمَن نَجا بِاتِّباعِ ما كانَ سَبَبَ نَجاتِهِ، فالجُمْلَةُ الأُولى لِلْعَنْبَرِ لِأنَّ فِيها شَمَّ رَوائِحِ الهالِكِ وضِدُّهُ النّاجِي، وبُدِئَ بِها لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ لِلْياقُوتِ بِصِفاتِهِ الثَّلاثِ والزُّمُرُّدِ، والثّالِثَةُ لِلدُّرِّ والمِسْكِ، وهُما عِباداتٌ مَقْصُودَةٌ، وعاداتٌ وسِيلَةٌ إلَيْها مَمْدُودَةٌ، والرّابِعَةُ لِلدِّرْياقِ لِأنَّ الشُّبَهَ والشُّكُوكَ إنَّما هي مِن أوْهامٍ عاطِلَةٍ وخَيالاتٍ باطِلَةٍ، والخامِسَةُ وسِيلَةٌ إلَيْها ومُتِمَّةٌ لَها لِأنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ واجْتِنابَهُ لا يَكُونُ إلّا بِبَذْلِ الجُهْدِ في الصَّبْرِ“ بِسْمِ اللَّهِ ”الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ“ الرَّحْمَن ”الَّذِي عَمَّ بِالنِّعْمَةِ البَرُّ والفاجِرُ فَلَيْسَ شَيْءٌ شَبَهَهُ“ الرَّحِيم " الَّذِي [خُصِّيَ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ أوْلِياءَهُ، فَكانُوا لِلدَّهْرِ غُرَّةً ولِأهْلِهِ جَبْهَةً.

* *

(p-٢٣٦)لَمّا كانَتْ لَذَّةُ هَذِهِ الدُّنْيا الظّاهِرَةِ التَّنَعُّمَ بِما فِيها مِنَ المَتاعِ، وكانَ الإنْسانُ مَسْؤُولًا بِما شَهِدَ بِهِ، خَتَمَ التَّكاثُرُ عَنْ ذَلِكَ النَّعِيمِ مُتَوَعِّدًا بِرُؤْيَةِ الجَحِيمِ، فَكانَ ساكِنَ هَذِهِ الدّار عَلى غايَةِ الخَطَرِ، فَكانَ نَعِيمُهُ في غايَةِ الكَدَرِ، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ بِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ هالِكٌ، مُؤَكِّدًا بِالقَسَمِ والأداةِ لِما لِلْأغْلَبِ مِنَ التَّكْذِيبِ لِذَلِكَ إمّا بِالمَقالِ أوْ بِالحالِ: ﴿والعَصْرِ﴾ أيِ الزَّمانِ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ أصْلُهُ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو في عَصْرِ يَوْمِ الجُمْعَةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في مُسْلِمٍ، أوِ الصَّلاةِ الوُسْطى أوْ وقْتَها الَّذِي هو زَمانُ صاحِبِ هَذا الشَّرْعِ الَّذِي مِقْدارُهُ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ بِمِقْدارِ وقْتِ العَصْرِ مِنَ النَّهارِ أوْ بَعْضِهِ، أوْ زَمانُ كُلِّ أحَدٍ الَّذِي هو الخُلاصَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى نَفاسَتِهِ إشارَةً إلى اغْتِنامِ إنْفاقِهِ في الخَيْرِ إشْفاقًا مِنَ الحَشْرِ، أوْ وقْتَ الأصِيلِ لِأنَّهُ أفْضَلُهُ بِما يَحْوِيهِ مِنَ الفَراغِ مِنَ الأشْغالِ واسْتِقْبالِ الرّاحَةِ والحُصُولِ عَلى فائِدَةِ ما أنْفَقَ فِيهِ ذَلِكَ النَّهارَ، [و] بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن طُولِ السّاعَةِ ورَبِحِ مَن كانَ لَهُ فِيها بِضاعَةً بِاخْتِتامِ الأعْمالِ وتَقَوُّضِ النَّهارِ، والدّالُّ عَلى البَعْثِ، أوْ جَمِيعُ الدَّهْرِ الَّذِي أوْجَدَ فِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المَخْلُوقاتِ وقَدَّرَ فِيهِ المَقْدُوراتِ بِما ظَهَرَ [فِيهِ -] مِنَ العَجائِبِ الدّالَّةِ عَلى ما لِلَّهِ (p-٢٣٧)تَعالى مِنَ العِزِّ والعَظَمَةِ الدّاعِي إلى صَرْفِ الهِمَّةِ إلَيْهِ وقَصْرِها عَلَيْهِ:

103:2Page 601

إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢

Indeed, mankind is in loss,

﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعَ الَّذِي هو أشْرَفُ الأنْواعِ لِكَوْنِهِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ كَما أنَّ العَصْرَ خُلاصَةُ الزَّمانِ، والعَصْرُ يَكُونُ لِاسْتِخْراجِ خُلاصاتِ الأشْياءِ ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ أيْ نَقْصٍ بِحَسَبَ مَساعِيهِمْ في أهْوائِهِمْ وصَرْفِ أعْصارِهِمْ في أغْراضِهِمْ لِما لَهم بِالطَّبْعِ مِنَ المَيْلِ إلى الحاضِرِ والإعْراضِ عَنِ الغائِبِ والِاغْتِرارِ بِالفانِي أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ الخُسْرُ قَلِيلًا أوْ جَلِيلًا بِحَسَبَ تُنَوِّعُ النّاسِ إلى أكْياسٍ وأرْجاسٍ، فَمَن كانَ كافِرًا كانَ في كُفْران،ٍ ومَن كانَ مُؤْمِنًا عاصِيًا كانَ في خُسْرانٍ إنْ كانَ بِالغًا في المَعْصِيَةِ وإلّا كانَ في مُطْلَقِ الخُسْرِ، وهو مَدْلُولُ المَصْدَرِ المُجَرَّدِ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى العِلْمِ بِالِاحْتِياجِ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ لِبَيانِ المُرْضِي [لِلَّهِ] مِنَ الِاعْتِقاداتِ والعِباداتِ والعاداتِ إيمانًا وإسْلامًا وإدامَةً لِذَلِكَ لِيَكُونَ فاعِلُهُ مِن قَبْضَةِ اليَمِينِ وتارِكُهُ مِن أصْحابِ الشِّمالِ.

وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] وتَضَمَّنَ ذَلِكَ الإشارَةُ إلى قُصُورِ نَظَرِ الإنْسانِ وحَصْرِ إدْراكِهِ في العاجِلِ دُونَ الآجِلِ الَّذِي فِيهِ فَوْزُهُ وفَلاحُهُ، وذَلِكَ لِبُعْدِهِ عَنِ العِلْمِ بِمُوجِبِ الطَّبْعِ ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الإنْسانِ بِما (p-٢٣٨)هُوَ إنْسانٌ فَقالَ ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ فالقُصُورُ شَأْنُهُ، والظُّلْمُ طَبْعُهُ، والجَهْلُ جِبِلَّتُهُ، فَيَحِقُّ أنْ يُلْهِيَهُ التَّكاثُرُ، ولا يُدْخِلُ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَ الإيمانِ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣] إلى آخِرِها، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ

﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] انْتَهى.

103:3Page 601

إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣

Except for those who have believed and done righteous deeds and advised each other to truth and advised each other to patience.

ولَمّا كانَ الحُكْمُ عَلى الجِنْسِ حُكْمًا عَلى الكُلِّ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم مِن ذَواتِهِمْ إلّا ذَلِكَ، وكانَ فِيهِمْ مَن خَلَّصَهُ الله سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا طُبِعَ عَلَيْهِ الإنْسانُ بِجَعْلِهِ في أحْسَنِ تَقْوِيمِ، وحِفْظِهِ عَنِ المَيْلِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النَّقائِصِ، اسْتَثْناهم سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّهم قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الخُسْرِ فَقالَ دالًّا بِالِاسْتِثْناءِ عَلى أنَّ النُّفُوسَ داعِيَةٌ إلى الشَّرِّ مُخَلَّدَةٌ إلى البِطالَةِ واللَّهْوِ، فالمُخْلِصُ واحِدٌ مِن ألْفٍ كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا الإيمانَ وهو التَّصْدِيقُ بِما عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءَ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ مِن تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والتَّصْدِيقِ بِمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ولَعَلَّ حِكْمَةَ التَّعْبِيرِ بِالماضِي الحَثُّ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ ولَوْ عَلى أدْنى الدَّرَجاتِ، والبِشارَةِ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ بِشَرْطِهِ بِالنَّجاةِ مِنَ الخُسْرِ.

(p-٢٣٩)ولَمّا كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا ناطِقًا، وكانَ كَمالُ حَيَوانِيَّتِهِ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ لِلْحَرَكَةِ بِالإرادَةِ لا بِمُقْتَضى الشَّهْوَةِ القاسِرَةِ البَهِيمِيَّةِ قالَ تَعالى: ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا بِما أقَرُّوا بِهِ مِنَ الإيمانِ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسِ، وهو اتِّباعُ الأوامِرِ واجْتِنابُ النَّواهِي في العِباداتِ كالصَّلاةِ والعاداتِ كالبَيْعِ فَكانُوا بِهَذا مُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فاشْتَرَوُا الآخِرَةَ بِالدُّنْيا فَلَمْ يُلْهِهِمُ التَّكاثُرُ، فَفازُوا بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ والسَّعادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ فَلَمْ يَلْقَهم شَيْءٌ مِنَ الخُسْرِ.

[ولَمّا كانَ الإنْسانُ بَعْدَ كَمالِهِ في نَفْسِهِ بِالأعْمالِ لا يَنْتَفِي عَنْهُ مُطْلَقُ الخُسْرِ -] إلّا بِتَكْمِيلِ غَيْرِهِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ وارِثًا لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلام بُعِثُوا لِلتَّكْمِيلِ، وكانَ الدِّينُ لا يَقُومُ، وإذا قامَ لا يَتِمُّ إلّا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ النّاشِئِ عَنْ نُورِ القَلْبِ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِالِاجْتِماعِ، قالَ مُخَصِّصًا لِما دَخَلَ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِهِ: ﴿وتَواصَوْا﴾ أيْ أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ، وهو كُلُّ ما حَكَمَ الشَّرْعُ بِصِحَّتِهِ فَلا يَصْحُ بِوَجْهِ نَفْيِهِ مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ أوِ اعْتِقادٍ أوْ غَيْرِهِ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ، فَكانُوا مُحْسِنِينَ، والتَّكْمِيلُ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِاجْتِلابِ الخُيُورِ.

(p-٢٤٠)ولَمّا كانَ [الإنْسانُ -] مَيّالًا إلى النُّقْصانِ، فَكانَ فاعِلُ ذَلِكَ الإحْسانِ مُعَرَّضًا لِلشَّنَآنِ مِن أهْلِ العُدْوانِ، وهُمُ الأغْلَبُ في كُلِّ زَمانٍ، قالَ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا﴾ لِأنَّ الإنْسانَ يَنْشَطُ بِالوَعْظِ ويَنْفَعُهُ اللَّحْظُ واللَّفْظُ ﴿بِالصَّبْرِ﴾ أيِ النّاشِئِ عَنْ زَكاةِ النَّفْسِ عَلى العَمَلِ بِطاعَةِ اللَّهِ مِن إحْقاقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ والنَّفْيِ لَهُ والمُحِقِّ وعَلى ما يَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الأذى بِاجْتِنابِ الشُّرُورِ إلى المَماتِ الَّذِي هو سَبَبٌ مُوَصِّلٌ إلى دارِ السَّلامِ، فَكانُوا مُكَمِّلِينَ لِلْقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ حافِظِينَ لِما قَبْلَها مِنَ العِلْمِيَّةِ، وذَلِكَ هو حِكْمَةُ العِباداتِ فَإنَّ حِكْمَةَ الشَّيْءِ هي الغايَةُ والفائِدَةُ المَقْصُودَةُ مِنهُ، وهي هُنا أمْرانِ: خارِجٌ عَنِ العامِلِ وهو الجَنَّةُ، وداخِلٌ قائِمٌ بِهِ وهو النُّورُ المُقَرَّبُ مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِالوَصِيَّةِ إشارَةً إلى الرِّفْقِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، واسْتِعْمالِ اللِّينِ بِغايَةِ الجُهْدِ، والصَّبْرُ هو خُلاصَةُ الإنْسانِ وسِرِّهِ وصَفاوَتِهِ وزُبْدَتِهِ وعُصارَتِهِ، الَّذِي لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا بِضَغْطِ الإنْسانِ لِنَفْسِهِ وقَسْرِها عَلى أفْعالِ الطّاعَةِ وقَهْرِها عَلى لُزُومِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ حَتّى يَصِيرَ الصَّبْرُ لَها بِالتَّدْرِيبِ عادَةً وصِناعَةً، فَقَدْ عانَقَ آخِرُها أوَّلَها، وواصَلَ مَفْصِلَها مُوصِلَها، (p-٢٤١)وهِيَ أرْبَعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً تُشِيرُ إلى أنَّ في السَّنَةِ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ يَكُونُ الإذْنُ في الجِهادِ الَّذِي هو رَأْسُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ بِالفِعْلِ لِإظْهارِ الحَقِّ وهي سَنَةُ الهِجْرَةِ الَّتِي تَمَّ فِيها بَدْرُهُ، وعَمَّ نُورُهُ وقَدْرُهُ، وجَمَّ عِزُّهُ ونَصْرُهُ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها أرْبَعَ كَلِماتٍ البَسْمَلَةُ كانَتْ مُوازِيَةً في العَدَدِ لِسَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وكانَ فِيها غَزْوَةُ بَدْرٍ المَوْعِدُ وغَزْوَةُ الأحْزابِ، وقَدْ وقَعَ فِيهِما أتَمُّ الصَّبْرِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ مِمَّنْ وافَقَهُ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِإظْهارِ الحَقِّ والصَّوابِ، فَإنَّهم في بَدْرٍ خُذِلُوا مِن رَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ أوْ مِن نَعِيمِ بْنِ مَسْعُودٍ ومُوافَقَةِ المُنافِقِينَ وخَوِّفُوا حَتّى كادَ يَعُمُّهُمُ الرُّعْبُ والفَشَلُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:

«واللَّهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي أحَدٌ» وأنْزَلَ الله فِيها ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآياتُ، وفي الأحْزابِ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وأسْفَرَتْ عاقِبَةُ الصَّبْرِ فِيها عَمّا قالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَهابِهِمْ: «الآنَ نَغْزُوهم ولا يَغْزُونَنا». فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها الضَّمائِرَ الأرْبَعَةَ أشارَتْ إلى سَنَةِ تِسْعٍ، وقَدْ كانَتْ فِيها غَزْوَةُ تَبُوكَ وهي غَزْوَةُ العُسْرَةِ لِما [كانَ] (p-٢٤٢)فِيها مِنَ الشِّدَّةِ الَّتِي أسْفَرَتْ عاقِبَةً الصَّبْرِ فِيها عَنْ إقْبالِ الوُفُودِ، بِفَخامَةِ العِزِّ والجُدُودِ وتَواتُرِ السُّعُودِ، بِلُطْفِ الرَّحِيمِ الوَدُودِ، وبِذَلِكَ كانَ نُورَ الوُجُودِ، وتَواتُرَ الفَضْلِ والجُودِ مِنَ الإلَهِ المَعْبُودِ - وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّد وآلِهِ وصَحْبِهِ خِيارِ الوُجُودِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском