Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
ص
Sad
The Letter "Saad" · Meccan · 88 ayahs
(p-٣٢١)سُورَةُ ”ص“
المَقْصُودُ مِنها بَيانُ ما ذُكِرَ في آخِرِ ”الصّافّاتِ“؛ مِن أنَّ جُنْدَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ - وإنْ رُئِيَ أنَّهم ضُعَفاءُ؛ وإنْ تَأخَّرَ نَصْرُهم - غَلَبَةً آخِرُها سَلامَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - واحِدٌ لِكَوْنِهِ مُحِيطًا بِصِفاتِ الكَمالِ؛ كَما أفْهَمَهُ آخِرُ ”الصّافّاتِ“؛ مِنَ التَّنْزِيهِ؛ والحَمْدِ؛ وما مَعَهُما؛ وعَلى ذَلِكَ دَلَّتْ تَسْمِيَتُها بِحَرْفِ ”ص“؛ لِأنَّ مَخْرَجَهُ مِن طَرْفِ اللِّسانِ؛ وبَيْنَ أُصُولِ الثَّنِيَّتَيْنِ السُّفْلِيَّتَيْنِ؛ ولَهُ مِنَ الصِّفاتِ: الهَمْسُ؛ والرَّخاوَةُ؛ والإطْباقُ؛ والِاسْتِعْلاءُ؛ والصَّفِيرُ؛ فَكانَ دالًّا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَخْرَجَهُ أمْكَنُ مَخارِجِ الحُرُوفِ؛ وأوْسَعُها؛ وأخَفُّها؛ وأرْشَقُها؛ وأغْلَبُها؛ ولِأنَّ ما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ العالِيَةِ أكْثَرُ مِن ضِدِّها؛ وأفْخَمُ؛ وأعْلى؛ وأضْخَمُ؛ ولِذَلِكَ ذُكِرَ مَن فِيها مِنَ الأنْبِياءِ؛ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ عَلى أيْدِيهِمْ إهْلاكٌ؛ بَلِ ابْتُلُوا؛ وعُرِفُوا؛ وسَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِن أعْدائِهِمْ مِنَ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وعَنْ غَيْرِهِ؛ مِن أنَّ مَعْناهُ: اللَّهُ صادِقٌ فِيما وعَدَ؛ أوْ صَدَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ أوْ صادَ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ قُلُوبَ الخَلْقِ؛ واسْتَمالَها؛ وبِهِ قَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ شاذَّةٍ؛ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مِن (p-٣٢٢)”الصَّيْدُ“؛ وقَرَأ الحَسَنُ وغَيْرُهُ بِكَسْرِ الصّادِ؛ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن ”المُصاداةُ“؛ وهي المُعارَضَةُ؛ أيْ: عارِضْ بِما أنْزَلْناهُ إلَيْكَ الخَلائِقَ؛ وجادِلْهم بِهِ؛ فَإنَّكَ تَغْلِبُهُمْ؛ لِأنَّ الصِّدْقَ سَيْفُ اللَّهِ في أرْضِهِ؛ ما وضَعَهُ عَلى شَيْءٍ إلّا قَطَعَهُ؛ وقَدِ انْبَسَطَ هَذا الصِّدْقُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الصّادُ عَلى كُلِّ صِدْقٍ في الوُجُودِ؛ فاسْتَمالَ كُلَّ مَن فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الصِّدْقِ؛ ولِهَذا قالَ في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَها: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] فَذِكْرُ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - شاهِدٌ وُجُودِيٌّ عَلى ما هو مَعْنى الصّادِ عِنْدَ العُلَماءِ الرَّبّانِيِّينَ؛ مِن أنَّهُ مُطابَقَةُ ما بَيْنَ الخَلْقِ؛ والأمْرِ؛ وتُسَمّى ”سُورَةُ داوُدَ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما قالَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وحالُهُ ﷺ أدَلُّ أحْوالِ مَن فِيها مِنَ الأنْبِياءِ عَلى هَذا المَقْصُودِ؛ لِما كانَ فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ أوَّلًا؛ والمُلْكِ آخِرًا؛ ”بِسْمِ اللَّهِ“؛ الَّذِي يُعِزُّ مَنِ انْتَمى إلَيْهِ؛ وإنْ كانَ ضَعِيفًا؛ لِأنَّهُ العَزِيزُ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ عَلى أنْ يَرْحَمَ بِالضَّرّاءِ؛ كَما يَرْحَمُ بِالسَّرّاءِ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي أكْرَمَ أهْلَ وُدِّهِ؛ بِالإعانَةِ عَلى لُزُومِ شُكْرِهِ؛ وحَمْدِهِ.
ولَمّا نَزَّهَ رَبُّنا - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ الأقْدَسَ؛ في خِتامِ تِلْكَ؛ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ (p-٣٢٣)نَقْصٍ؛ وأثْبَتَ لَهُ كُلَّ كَمالٍ؛ ناصًّا عَلى العِزَّةِ؛ وأوْجَبَ لِلْمُرْسَلِينَ السَّلامَةَ؛ افْتَتَحَ هَذِهِ بِالإشارَةِ إلى دَلِيلِ ذَلِكَ؛ بِخِذْلانِ مَن يُنازِعُ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ص﴾؛ أيْ: إنَّ أمْرَكَ - يا مَن أمَرْناهُ بِاسْتِفْتاءِ العُصاةِ آخِرَ ”الصّافّاتِ“؛ وبَشَّرْناهُ بِالنَّصْرِ - مُهَيَّأٌ مَعَ الضَّعْفِ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ الآنَ؛ والرَّخاوَةِ؛ والإطْباقِ؛ وعُلُوٍّ وانْتِشارٍ يَمْلَأُ الآفاقَ؛ ﴿والقُرْآنِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ - مَعَ البَيانِ - لِكُلِّ خَيْرٍ؛ لِأتْباعٍ لا يُحْصِيهِمُ العَدُّ؛ ولا يُحِيطُ بِهِمُ الحَدُّ؛ ولَمّا كانَ القَسَمُ لا يَلِيقُ؛ ولا يَحْسُنُ إلّا بِما يَعْتَقِدُ المُقْسَمُ لَهُ شَرَفَهُ؛ قالَ: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾؛ أيْ: المَوْعِظَةِ؛ والتَّذْكِيرِ بِما يُعْرَفُ؛ والعُلُوِّ؛ والشَّرَفِ؛ والصِّدْقِ؛ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ؛ فَكُلُّ مَن سَمِعَهُ اعْتَقَدَ شَرَفَهُ؛ وصَدَّقَ الآتِيَ بِهِ؛ لَيَمْلَأنَّ شَرَفُهُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ الأقْطارَ؛ ولَيَزِيدَنَّ عَلى كُلِّ مِقْدارٍ؛ كَما تَقَدَّمَتِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ بِالحَرْفِ الأوَّلِ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا - وإنْ أظْهَرُوا الشَّكَّ في ذَلِكَ؛ وانْتَقَصُوهُ قَوْلًا - فَإنَّهم لا يَنْتَقِصُونَهُ عِلْمًا؛
38:2Page 453
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ ٢
But those who disbelieve are in pride and dissension.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ بِما يُظْهِرُونَ مِن تَكْذِيبِهِ؛ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾؛ أيْ: عُسْرٍ؛ وصُعُوبَةٍ؛ ومُغالَبَةٍ بِحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ؛ مَظْرُوفُونَ لَها؛ فَهي مُعَمِّيَةٌ لَهم عَنِ الحَقِّ؛ لِإحاطَتِها بِهِمْ؛ وأنَّثَها إشارَةً إلى ضَعْفِها؛ وبِشارَةً بِسُرْعَةِ زَوالِها وانْقِلابِها إلى ذُلٍّ؛ ﴿وشِقاقٍ﴾؛ أيْ: إعْراضٍ؛ وامْتِناعٍ؛ واسْتِكْبارٍ عَلى قَبُولِ الصِّدْقِ مِن لِسانَيِ الحالِ؛ الَّذِي أفْصَحَ بِهِ الوُجُودُ؛ والقالِ؛ الَّذِي (p-٣٢٤)صَرَّحَ بِهِ الذِّكْرُ؛ فَهَداهم إلى ما هو في فِطَرِهِمْ؛ وجِبِلّاتِهِمْ؛ بِأرْشَقِ عِبارَةٍ؛ وأوْضَحِ إشارَةٍ؛ لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ؛ فَأعْرَضُوا عَنْ تَدَبُّرِهِ عِنادًا مِنهُمْ؛ لا اعْتِقادًا: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وتَنْكِيرُهُما لِلتَّعْظِيمِ؛ قالَ الرّازِيُّ: حَذَفَ الجَوابَ لِيَذْهَبَ فِيهِ القَلْبُ كُلَّ مَذْهَبٍ؛ لِيَكُونَ أغْزَرَ؛ وبُحُورُهُ أزْخَرَ؛ انْتَهى.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا ذَكَرَ (تَعالى) حالَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ في العُتُوِّ؛ والتَّكْذِيبِ؛ وأنَّ ذَلِكَ أعْقَبَهُمُ الأخْذَ الوَبِيلَ والطَّوِيلَ؛ كانَ هَذا مَظِنَّةً لِتَذْكِيرِ حالِ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ وبَيانِ سُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ؛ وأنَّهم قَدْ سَبَقُوا إلى ذَلِكَ الِارْتِكابِ؛ فَحَلَّ بِالمُعانِدِ سُوءُ العَذابِ؛ فَبَسَطَ حالَ هَؤُلاءِ؛ وسُوءَ مَقالِهِمْ؛ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَهم وبَيْنَ مُكَذِّبِي الأُمَمِ السّالِفَةِ؛ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ؛ وسُوءِ الِانْقِلابِ؛ وقَدْ وقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ [ص: ١٢]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤]؛ ولَمّا أتْبَعَ - سُبْحانَهُ - هَذا بِذِكْرِ اسْتِعْجالِهِمْ؛ في قَوْلِهِ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأمْرِ نَبِيِّهِ ﷺ بِالصَّبْرِ؛ فَقالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٧]؛ ثُمَّ آنَسَهُ بِذِكْرِ الأنْبِياءِ؛ وحالِ المُقَرَّبِينَ الأصْفِياءِ؛ ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]؛ انْتَهى.
38:3Page 453
كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ٣
How many a generation have We destroyed before them, and they [then] called out; but it was not a time for escape.
(p-٣٢٥)ولَمّا كانَ لِلْعِلْمِ الَّذِي أرادَ اللَّهُ إظْهارَهُ في هَذا الوُجُودِ طَرِيقانِ؛ حالٌ؛ ومَقالٌ؛ فَأمّا الحالُ فَهو ما تَنْطِقُ بِهِ أحْوالُ المَوْجُوداتِ الَّتِي أبْدَعَها - سُبْحانَهُ - في هَذا الكَوْنِ مِن عُلُومٍ يُدْرِكُ مِنها مَن أرادَ اللَّهُ ما أرادَ؛ وأمّا المَقالُ فَهو هَذا الذِّكْرُ الَّذِي هو تَرْجَمَةٌ عَنْ جَمِيعِ الوُجُودِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ قَدَّمَ الذِّكْرَ؛ لِأنَّهُ أبْيَنُ وأظْهَرُ؛ وأخْبَرَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ؛ وشاقَقُوهُ؛ وكانَ مَن شاقَقَ المَلِكَ اسْتَحَقَّ الهَلاكَ؛ وكانَ ما أبْدَوْهُ مِنَ المُغالَبَةِ أمْرًا غائِظًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ أتْبَعَهُ ما يَصْلُحُ لِتَخْوِيفِ الكافِرِينَ؛ وتَرْجِيَةِ المُؤْمِنِينَ؛ مِمّا أفْصَحَ بِهِ لِسانُ الحالِ؛ مِن إهْلاكِ المُنْذَرِينَ؛ وهو أبْيَنُ ما يَكُونُ مِن دَلالاتِهِ؛ وأظْهَرُ ما يُوجَدُ مِن آياتِهِ؛ فَقالَ - اسْتِئْنافًا -: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾؛ وكَأنَّ المُنادِينَ بِما يَذْكُرُ كانُوا بَعْضَ المُهْلَكِينَ؛ وكانُوا أقْرَبَ المُهْلَكِينَ إلَيْهِمْ في الزَّمانِ؛ فَأدْخَلَ الجارَّ لِذَلِكَ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى ابْتِداءِ الإهْلاكِ -: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ وأكَّدَ كَثْرَتَهم بِقَوْلِهِ - مُمَيِّزًا -: ﴿مِن قَرْنٍ﴾؛ أيْ: كانُوا في شِقاقٍ مِثْلِ شِقاقِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا في نِهايَةِ الصَّلابَةِ؛ والحِدَّةِ؛ والمَنعَةِ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”قَرْنٍ“.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ مَسِّهِمْ بِالعَذابِ ذُلُّهُمْ؛ قالَ - جامِعًا؛ عَلى مَعْنى ”قَرْنٍ“؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى عَظَمَةِ الإهْلاكِ -: ﴿فَنادَوْا﴾؛ أيْ: بِما كانَ يُقالُ لَهُمْ: إنَّهُ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ؛ مِنَ الإيمانِ؛ والتَّوْبَةِ؛ واسْتَعانُوا بِمَن يُنْقِذُهُمْ؛ أوْ فَعَلُوا النِّداءَ (p-٣٢٦)ذُعْرًا ودَهْشَةً؛ مِن غَيْرِ قَصْدِ مُنادًى؛ فَيَكُونُ الفِعْلُ لازِمًا؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا إذا قاتَلُوا فاضْطُرُّوا؛ تَنادَوْا: ”مَناصٌ“؛ أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ؛ فَأُجِيبُوا بِأنَّهُ لا فِرارَ لَهم.
ولَمّا قَرَّرَ - سُبْحانَهُ - في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ التَّوْبَةَ لا تَنْفَعُ إلّا عِنْدَ التَّمَكُّنِ؛ والِاخْتِيارِ؛ لا عِنْدَ الغَلَبَةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ قالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا لِهَذا المَعْنى في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ؛ بِزِيادَةِ التّاءِ؛ الَّتِي أصْلُها هاءٌ في ”لا“؛ أوْ في ”حِينَ“؛ كَما أكَّدُوا بِزِيادَتِها في ”رُبَّ“؛ و”ثُمَّ“؛ والهاءِ في ”أراقَ“؛ والتّاءِ في ”مِثالٌ“؛ و”الآنَ“؛ فَقالُوا: ”رُبَّتَ“؛ و”ثُمَّتَ“؛ و”أهْراقَ“؛ و”تِمْثالٌ“؛ و”تالآنَ“ -: ﴿ولاتَ﴾؛ أيْ: ولَيْسَ الحِينُ؛ ﴿حِينَ مَناصٍ﴾؛ أيْ: فِرارٍ؛ بِتَحَرُّكٍ بِتَقَدُّمٍ؛ ولا تَأخُّرٍ؛ بِحَرَكَةٍ قَوِيَّةٍ؛ ولا ضَعِيفَةٍ؛ فَضْلًا عَنْ نَجاةٍ؛ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: و”النَّوْصُ“؛ يُعَبَّرُ بِهِ تارَةً عَنِ التَّقَدُّمِ؛ وتارَةً عَنِ التَّأخُّرِ؛ وهو كالجِماحِ؛ والنِّفارِ مِنَ الفَرَسِ؛ و”نَوْصُ حِمارِ الوَحْشِ“: رَفْعُهُ رَأْسَهُ؛ كَأنَّهُ نافِرٌ جامِحٌ.
38:4Page 453
وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ ٤
And they wonder that there has come to them a warner [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] from among themselves. And the disbelievers say, "This is a magician and a liar.
ولَمّا كانَ جَعْلُ المُنْذِرِ مِنهم لَيْسَ مَحَلًّا لِلْعَجَبِ؛ فَعَدُّوهُ عَجَبًا؛ لِما ظَهَرَ (p-٣٢٧)مِن تَقْسِيمِهِمُ القَوْلَ فِيهِ؛ عَجَّبَ مِنهم في قَوْلِهِ: ﴿وعَجِبُوا أنْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ أنْ؛ ﴿جاءَهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ تَعَجُّبُهم مِن مُطْلَقِ نِذارَتِهِ لا مُبالَغَتِهِ فِيها؛ أتى بِاسْمِ الفاعِلِ دُونَ ”فَعِيلٌ“؛ فَقالَ: ﴿مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ البَشَرِ؛ ثُمَّ مِنَ العَرَبِ؛ ثُمَّ مِن قُرَيْشٍ؛ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ مَثَلًا؛ وكانَ يَنْبَغِي لَهم ألّا يَعْجَبُوا مِن ذَلِكَ؛ فَإنَّ كَوْنَ النَّذِيرِ بِما يَحِلُّ مِنَ المَصائِبِ مِنَ القَوْمِ المُنْذَرِينَ - مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ لَهم - أقْعَدَ في النِّذارَةِ؛ لِأنَّهم أعْرَفُ بِهِ؛ وبِما هو مُنْطَوٍ عَلَيْهِ مِن صِدْقٍ؛ وشَفَقَةٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو الَّذِي جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ في القَدِيمِ؛ والحَدِيثِ؛ لِكَوْنِهِمْ إلَيْهِ أمْيَلَ؛ فَهم لِكَلامِهِ أقْبَلُ.
ولَمّا كانُوا أعْرَفَ النّاسِ بِهَذا النَّذِيرِ ﷺ في أنَّهُ أصْدَقُهم لَهْجَةً؛ وأعْلاهم هِمَّةً؛ وأنَّهُ مَنفِيٌّ عَنْهُ كُلُّ نَقِيصَةٍ ووَصْمَةٍ؛ زادَ في التَّعْجِيبِ بِأنْ قالَ - مُعَبِّرًا بِالواوِ؛ دُونَ الفاءِ؛ لِأنَّ وصْفَهم لَهُ بِالسِّحْرِ لَيْسَ شَبِيهَ هَذا العَجَبِ -: ﴿وقالَ﴾؛ ولَمّا كانُوا يَسْتُرُونَ الحَقَّ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ إيّاهُ؛ فَهم جاحِدُونَ؛ لا جاهِلُونَ؛ ومُعانِدُونَ؛ لا غافِلُونَ؛ أظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ (p-٣٢٨)إشارَةً إلى ذَلِكَ؛ وإيذانًا بِشَدِيدِ غَضَبِهِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿الكافِرُونَ هَذا﴾؛ أيْ: النَّذِيرُ.
ولَمّا كانَ ما يُبْدِيهِ مِنَ الخَوارِقِ إعْجازًا فِعْلًا؛ وقَوْلًا؛ يَجْذِبُ القُلُوبَ؛ وكانَ أقْرَبُ ما يَقْدَحُونَ بِهِ فِيهِ السِّحْرَ؛ قَذَفُوهُ بِهِ؛ ولَمْ يُعَبِّرُوا بِصِيغَةِ مُبالَغَةٍ؛ لِئَلّا يَكُونَ ذَلِكَ إيضاحًا جاذِبًا لِلْقُلُوبِ إلَيْهِ؛ فَقالُوا: ﴿ساحِرٌ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ يُفَرِّقُ بِما أتى بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ؛ فاعْتَرَفُوا - مَعَ نِسْبَتِهِمْ لَهُ إلى السِّحْرِ؛ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ - أنَّ ما أتى بِهِ فَوْقَ ما لَهم مِنَ القُوى؛ ﴿كَذّابٌ﴾؛ أيْ: في ادِّعائِهِ أنَّ ما سَحَرَ بِهِ حَقٌّ؛ لَيْسَ هو كَسِحْرِ السَّحَرَةِ؛ وأتَوْا بِوَقاحَةٍ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُسَمُّونَهُ الأمِينَ؛ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ شَيْءٌ إلّا إتْيانُهُ بِأصْدَقِ الصِّدْقِ؛ وأحَقِّ الحَقِّ؛ مَعَ تَرَقِّيهِ في مَعارِجِ الكَمالِ مِن غَيْرِ خَفاءٍ عَلى أحَدٍ لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
38:5Page 453
أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥
Has he made the gods [only] one God? Indeed, this is a curious thing."
ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُمُ النّاشِئَ عَنْ عَجَبِهِمْ؛ ذَكَرَ سَبَبَهُ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ حالَهم هو الَّذِي يُعْجَبُ مِنهُ؛ لا حالُ مَن أنْذَرَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ - حاكِيًا قَوْلَهُمْ؛ إنْكارًا لِمَضْمُونِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ -: ﴿أجَعَلَ﴾؛ أيْ: صَيَّرَ بِسَبَبِ ما يَزْعُمُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ؛ ﴿الآلِهَةَ﴾؛ أيْ: الَّتِي نَعْبُدُها؛ ﴿إلَهًا واحِدًا﴾؛ ولَمّا كانَ الكَلامُ في الإلَهِيَّةِ الَّتِي هي أعْظَمُ أُصُولِ الدِّينِ؛ وكانَ هو ﷺ وكُلُّ مَن تَبِعَهُ؛ بَلْ وكُلُّ مُنْصِفٍ؛ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ هَذا عَجَبًا؛ (p-٣٢٩)بَلِ العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ يَقْبَلُ عَقْلُهُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ أكْثَرَ مِن واحِدٍ؛ أكَّدُوا قَوْلَهم لِذَلِكَ؛ وإعْلامًا لِضُعَفائِهِمْ؛ تَثْبِيتًا لَهم بِأنَّهم عَلى غايَةِ الثِّقَةِ؛ والِاعْتِقادِ لِما يَقُولُونَ؛ لَمْ يُزَلْزِلْهم ما رَأوْا مِن مُنْذِرِهِمْ؛ مِنَ الأحْوالِ الغَرِيبَةِ؛ الدّالَّةِ - ولا بُدَّ - عَلى صِدْقِهِ؛ فَسَمَّوْها سِحْرًا؛ لِعَجْزِهِمْ عَنْها: ﴿إنَّ هَذا﴾؛ أيْ: القَوْلَ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ ﴿لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾؛ أيْ: في غايَةِ العَجَبِ - بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الضَّمَّةُ؛ والصِّيغَةُ -؛ ولِذَلِكَ قُرِئَ شاذًّا بِتَشْدِيدِ الجِيمِ؛ وهي أبْلَغُ؛ قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: فَلا هم عَرَفُوا الإلَهَ؛ ولا مَعْنى الإلَهِيَّةِ؛ فَإنَّ الإلَهِيَّةَ هي القُدْرَةُ عَلى الِاخْتِراعِ؛ وتَقْدِيرُ القادِرِينَ عَلى الِاخْتِراعِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِما يَجِبُ مِن وُجُودِ التَّمانُعِ بَيْنَهُما؛ وجَوازِهِ؛ وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَمالِهِما؛ ولَوْ لَمْ يَكُونا كامِلَيِ الوَصْفِ؛ لَمْ يَكُونا إلَهَيْنِ؛ وكُلُّ أمْرٍ جَرَّ ثُبُوتُهُ سُقُوطَهُ فَهو باطِلٌ؛ مُطَّرَحٌ؛ انْتَهى؛ وسَتَأْتِي الإشارَةُ إلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ [ص: ٩]؛ ثُمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [ص: ٦٥]
38:6Page 453
وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ٦
And the eminent among them went forth, [saying], "Continue, and be patient over [the defense of] your gods. Indeed, this is a thing intended.1
ولَمّا كانَ العَجَبُ - فَكَيْفَ بِالعُجابِ؟! - جَدِيرًا بِأنْ يَلْزَمَ صاحِبَهُ لِيَزْدادَ النّاظِرُ عَجَبًا؛ بَيَّنَ أنَّهم فَعَلُوا خِلافَ ذَلِكَ؛ تَصْدِيقًا لِما نَسَبَهم إلَيْهِ مِنَ الشِّقاقِ؛ فَقالَ: ﴿وانْطَلَقَ﴾؛ ولَمّا كانَ ما فَعَلُوهُ لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ؛ فَرُبَّما ظَنَّ السّامِعُ أنَّ المُنْطَلِقَ مِنهم أسْقاطٌ مِنَ النّاسِ مِن غَيْرِهِمْ؛ قالَ: ﴿المَلأُ﴾ (p-٣٣٠)أيْ: الأشْرافُ؛ وقالَ: ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: لا مِن غَيْرِهِمْ؛ فَكَيْفَ بِالأسْقاطِ مِنهُمْ؟! وكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟! ثُمَّ حَقَّقَ الِانْطِلاقَ؛ مُضَمِّنًا لَهُ القَوْلَ؛ لِأنَّهُ مِن لَوازِمِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾؛ أيْ: قائِلًا كُلٌّ مِنهم لِذَلِكَ؛ آمِرًا لِنَفْسِهِ؛ ولِصاحِبِهِ؛ بِالجِدِّ في المُفارَقَةِ حالًا؛ ومَقالًا؛ وإذا وُقِفَ عَلى ”أنْ“؛ ابْتُدِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ: ”امْشِيُوا“؛ فالثّالِثُ مَكْسُورٌ؛ كَما أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِامْرَأةٍ: ”اغْزِي“؛ يُبْتَدَأُ بِالضَّمِّ؛ لِأنَّ الأصْلَ: ”اغْزُوِي“؛ كَـ ”اخْرُجِي“؛ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾؛ أيْ: لُزُومِ عِبادَتِها؛ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى ما سِواها؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: وإذا تَواصى الكُفّارُ فِيما بَيْنَهم بِالصَّبْرِ عَلى آلِهَتِهِمْ؛ فالمُؤْمِنُونَ أوْلى بِالصَّبْرِ عَلى عِبادَةِ مَعْبُودِهِمْ؛ والِاسْتِقامَةِ في دِينِهِمْ.
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنهم قَدْ أخَذَ ما سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَلْبَهُ؛ وسَلَبَ لُبَّهُ؛ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ ”ذِي الذِّكْرِ بَلْ“؛ فَهو خائِفٌ مِن صاحِبِهُ أنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَحالَ عَنِ اعْتِقادِ التَّعَدُّدِ بِما يَعْرِفُ مِن تَزَحْزُحِهِ في نَفْسِهِ؛ أكَّدُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنَّ هَذا﴾؛ أيْ: الصَّبْرَ عَلى عِبادَةِ الآلِهَةِ؛ ﴿لَشَيْءٌ يُرادُ﴾؛ أيْ: هو أهْلٌ لِلْإرادَةِ؛ فَهو أهْلٌ لِئَلّا يُنْفَكَّ عَنْهُ؛ (p-٣٣١)أوِ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ شَيْءٌ يُرِيدُهُ هُوَ؛ ولا نَعْلَمُ نَحْنُ ما هُوَ؛ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحِذْقِ؛ فَهو شَيْءٌ لا يُعْلَمُ في نَفْسِهِ.
38:7Page 453
مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧
We have not heard of this in the latest religion.1 This is not but a fabrication.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما حالُ ما يَقُولُهُ؟ قالُوا - جَوابًا واقِفًا مَعَ التَّقْلِيدِ؛ والعادَةِ الَّتِي وجَدُوا عَلَيْها أسْلافَهم -: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾؛ أيْ: الَّذِي تَذْكُرُهُ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ؛ ﴿فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾؛ وتَقْيِيدُهم لَها يَدُلُّ عَلى أنَّهم عالِمُونَ بِهِ في المِلَّةِ الأُولى؛ وأنَّهم عارِفُونَ بِأنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن وُجِدَ مِن أوْلادِهِ الَّذِينَ هم آباؤُهُمْ؛ إلى عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ كانُوا بَعِيدِينَ مِنَ الشِّرْكِ؛ مُلازِمِينَ لِلتَّوْحِيدِ؛ وأنَّهُ لا شُبْهَةَ لَهم إلّا كَوْنُهُ - سُبْحانَهُ - لَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ المُدَدِ الطِّوالِ؛ وكانُوا أيْضًا يَعْرِفُونَ البَعْثَ؛ ولَكِنَّهم تَناسَوْهُ؛ ذَكَرَ ابْنُ الفُراتِ؛ في تَأْرِيخِهِ يَوْمَ حَلِيمَةَ؛ مِن أيّامِ العَرَبِ؛ وقالَ: إنَّ حَجَرَ بْنَ عَمْرٍو؛ آكِلَ المِرارِ؛ سارَ إلى بَنِي أسَدٍ؛ فَقَتَلَهُمْ؛ وسَيَّرَهم إلى تِهامَةَ؛ فَقالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ - مِن أبْياتٍ -:
؎ومَنَعْتَهم نَجْدًا فَقَدْ حَلُّوا عَلى وحْلِ تِهامَةْ
؎أنْتَ المَلِيكُ عَلَيْهِمُ وهُمُ العَبِيدُ إلى القِيامَةْ
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (p-٣٣٢)قالَ: «”إنَّ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ؛ وعَبَدَ الأصْنامَ أبُو خُزاعَةَ؛ عَمْرُو بْنُ عامِرٍ؛ وإنِّي رَأيْتُهُ يَجُرُّ أمْعاءَهُ في النّارِ“؛» ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمِيئَةَ“؛» ورَوى البُخارِيُّ؛ في ”فَتْحِ مَكَّةَ“؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخْرَجَ مِنَ البَيْتِ صُورَةَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - في أيْدِيهِما الأزْلامُ؛ فَقالَ: ”قاتَلَهُمُ اللَّهُ؛ لَقَدْ عَلِمُوا ما اسْتَقْسَما بِها قَطُّ“؛» فَبَطَلَ ما يُقالُ مِن أنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ جَهِلُوا جَهْلًا أسْقَطَ عَنْهُمُ اللَّوْمَ؛ ويُؤَيِّدُهُ ما في الصَّحِيحِ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَجَلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أيْنَ أبِي؟ قالَ: ”فِي النّارِ“؛ فَلَمّا قَفّى دَعاهُ؛ فَقالَ: ”إنَّ أبِي وأباكَ في النّارِ“؛» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في آخِرِ كِتابِ الإيمانِ؛ وقَدْ مَرَّ في ”سُبْحانَ“؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]؛ ما يَنْفَعُ هُنا؛ والقاطِعُ لِلنِّزاعِ في هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]؛ فَما تَرَكَتْ هَذِهِ الآيَةُ أحَدًا حَتّى شَمَلَتْهُ؛ وحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالجَنَّةِ؛ أوِ النّارِ. (p-٣٣٣)ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﷺ وحْدَهُ جَدِيرًا بِأنْ يُزَلْزِلَهُمْ؛ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ عِلْمُهم بِأنَّ أسْلافَهم - لا سِيَّما إسْماعِيلَ؛ وأبُوهُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - كانُوا عَلَيْهِ؛ أكَّدُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الَّذِي يَقُولُهُ؛ ﴿إلا اخْتِلاقٌ﴾؛ أيْ: تَعَمُّدُ الكَذِبِ؛ مَعَ أنَّهُ لا مُلازَمَةَ بَيْنَ عَدَمِ سَماعِهِمْ فِيها؛ وبَيْنَ كَوْنِهِ اخْتِلاقًا؛ بَلْ هو قَوْلٌ يُعْرَفُ مَعانِيهُ بِأدْنى تَأمُّلٍ؛ رَوى التِّرْمِذِيُّ - وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ -؛ والنِّسائِيُّ؛ وابْنُ حِبّانَ؛ في صَحِيحِهِ؛ وأحْمَدُ؛ وإسْحاقُ؛ وأبُو يَعْلى؛ والطَّبَرِيُّ؛ وابْنُ أبِي حاتِمٍ؛ وغَيْرُهُمْ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «مَرِضَ أبُو طالِبٍ؛ فَجاءَتْهُ قُرَيْشٌ؛ وجاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ وعِنْدَ أبِي طالِبٍ مَجْلِسُ رَجُلٍ؛ فَقامَ أبُو جَهْلٍ كَيْ يَمْنَعَهُ؛ قالَ: وشَكَوْهُ إلى أبِي طالِبٍ - زادَ النِّسائِيُّ في الكَبِيرِ؛ وأبُو يَعْلى: وقالُوا: يَقَعُ في آلِهَتِنا -؛ (p-٣٣٤)فَقالَ: يا ابْنَ أخِي؛ ما تُرِيدُ مِن قَوْمِكَ؟ قالَ: ”أُرِيدُ مِنهم كَلِمَةً واحِدَةً تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ؛ وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ العَجَمُ الجِزْيَةَ“؛ قالَ: كَلِمَةً واحِدَةً؟! قالَ: ”كَلِمَةً واحِدَةً“؛ فَقالَ: وما هِيَ؟ فَقالَ: ”يا عَمِّ؛ قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“؛ فَقالُوا: ”أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ“؛ قالَ: فَنَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿اخْتِلاقٌ﴾»؛ وفي التَّفاسِيرِ أنَّهم قالُوا: كَيْفَ يَسَعُ الخَلْقَ كُلَّهم إلَهٌ واحِدٌ.
38:8Page 453
أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨
Has the message been revealed to him out of [all of] us?" Rather, they are in doubt about My message. Rather, they have not yet tasted My punishment.
ولَمّا كانَ مُرادُهم بِهَذِهِ التَّأْكِيداتِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّهم في غايَةِ الثَّباتِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ دُعائِهِ؛ وأبى اللَّهُ أنْ يَبْقى باطِلًا بِغَيْرِ أمارَةٍ يَقْرِنُهُ بِها تَفْضَحُهُ؛ وسُلْطانٍ يُبْطِلُهُ ويَهْتِكُهُ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ حِكايَةَ قَوْلِهِمُ الَّذِي جَعَلُوهُ دَلِيلًا عَلى حَرَمِهِمْ؛ فَكانَ دالًّا عَلى عَدَمِ صِدْقِهِمْ في هَذا الحُكْمِ الجازِمِ غايَةَ الجَزْمِ بِالِاخْتِلاقِ؛ المُنادِي عَلَيْهِمْ بِأنَّ أصْلَ دائِهِمْ؛ والحامِلَ لَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ؛ إنَّما هو الحَسَدُ؛ فَقالَ - دالًّا بِتَعْبِيرِهِمْ بِالإنْزالِ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ جَدِيرًا بِأنْ يُتَوَهَّمَ فِيهِ النُّبُوَّةُ؛ بِما كانَ لَهُ قَبْلَ الوَحْيِ مِنَ التَّعَبُّدِ؛ والأحْوالِ الشَّرِيفَةِ؛ (p-٣٣٥)وقَدَّمُوا ما يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِهِ عِنادًا؛ لِما يَعْلَمُونَ مِن أحْوالِهِ المُقْتَضِيَةِ لِلْخُصُوصِيَّةِ؛ بِخِلافِ ما يُذْكَرُ في ”القَمَرِ“؛ وعَبَّرُوا بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ إشارَةً إلى أنَّ مِثْلَ هَذا الَّذِي يَذْكُرُهُ لا يَقُولُهُ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ؛ فَقالُوا -: ﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الذِّكْرُ﴾؛ أيْ: الَّذِي خالَفَ ما نَحْنُ عَلَيْهِ؛ وصارَ يُذْكَرُ بِهِ؛ وزادُوا ما دَلُّوا بِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ تَصْرِيحًا؛ فَقالُوا: ﴿مِن بَيْنِنا﴾؛ ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا؛ وأكْثَرُ شَيْئًا؛ وهَذا كُلُّهُ - كَما تَرى - مَعَ مُناداتِهِ عَلَيْهِمْ بِالحَسَدِ العَظِيمِ؛ يُنادِي عَلَيْهِمْ غايَةَ المُناداةِ بِالفَضِيحَةِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ المَدارُ عَلى رِعايَةِ حَقِّ الآباءِ؛ حَتّى لا يَسُوغَ لِأحَدٍ تَغْيِيرُ دِينِهِمْ؛ والطَّعْنُ عَلَيْهِمْ بِدِينٍ مُحْدَثٍ؛ وإنْ قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ؛ وتَعاضَدَتْ عَلى حَقِّيَّتِهِ البَراهِينُ؛ فَما لِآبائِهِمْ غَيَّرُوا دِينَ آبائِهِمْ لِأجْلِ ما أحْدَثَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ - شَخْصٌ لَيْسَ مِن قَبِيلَتِهِمْ -؛ وشَهِدُوا عَلى آبائِهِمْ بِالضَّلالِ؛ وهم عالِمُونَ بِأنَّ ما غَيَّرُوهُ دِينُ إسْماعِيلَ؛ ومِن قَبْلِهِ إبْراهِيمَ؛ ومَن تَبِعَهُما مِن صالِحِي أوْلادِهِما - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وإنْ كانَ المَدارُ عَلى المُحْدِثِ؛ حَتّى ساغَ تَغْيِيرُ دِينِ الأنْبِياءِ ومَن تَبِعَهم بِإحْسانِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِما أحْدَثَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ؛ فَما لَهم لا يُغَيِّرُونَ ما ابْتَدَعَ مِنَ الضَّلالِ؛ بِما أتاهم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وسَمَّوْهُ ”مُحْدَثًا“؛ وإنْ كانَ المَدارُ عَلى الحَقِّ؛ فَما لَهم لا يَنْظُرُونَ الأدِلَّةَ؛ ويَتْبَعُونَ الحُجَجَ.
ولَمّا كانَ هَذا دالًّا عَلى أنَّهم لَيْسُوا عَلى ثِقَةٍ مِمّا جَزَمُوا بِهِ؛ قالَ: (p-٣٣٦)﴿بَلْ﴾؛ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا جازِمِينَ بِما قالُوا؛ وإنْ أكَّدُوهُ غايَةَ التَّأْكِيدِ؛ بَلْ ﴿هم في شَكٍّ﴾؛ أيْ: تَرَدُّدٍ؛ مُحِيطٍ بِهِمْ؛ مُبْتَدِئٍ لَهُمْ؛ ﴿مِن ذِكْرِي﴾؛ أيْ: فَلِهَذا لا يَثْبُتُونَ فِيهِ عَلى قَوْلٍ واحِدٍ؛ أيْ: إنَّ أحْوالَهم في أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ أحْوالَ الشّاكِّ؛ وعَدَلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إلى الإفْرادِ؛ لِأنَّ هَذا السِّياقَ لِلتَّوْحِيدِ؛ فالإفْرادُ أوْلى بِهِ؛ ولِيَكُونَ نَصًّا عَلى المُرادِ بَعْدَ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ قَطْعًا لِشُبَهِ مُتَعَنِّتِيهِمْ.
ولَمّا كانُوا في الحَقِيقَةِ عَلى ثِقَةٍ مِن حَقِيقَتِهِ - وإنْ كانَ قَوْلُهُمْ؛ وفِعْلُهُمْ؛ قَوْلَ الشّاكِّ -؛ قالَ: ﴿بَلْ﴾؛ أيْ: لَيْسُوا في شَكٍّ مِنهُ في نَفْسِ الأمْرِ؛ وإنْ كانَ قَوْلُهم قَوْلَ مَن هو في شَكٍّ؛ ولَمّا كانُوا قَدْ جَرَتْ لَهم مَصائِبُ ومِحَنٌ؛ وشَدائِدُ وفِتَنٌ؛ رُبَّما ظَنُّوا أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ فَوْقَها؛ نَفى أنْ يَكُونُوا ذاقُوا شَيْئًا مِن عَذابِهِ الَّذِي يُرْسِلُهُ عِنْدَ إرادَةِ الِانْتِقامِ؛ فَعَبَّرَ بِما يُفِيدُ اسْتِغْراقَ النَّفْيِ في جَمِيعِ الزَّمَنِ الماضِي؛ فَقالَ: ﴿لَمّا يَذُوقُوا﴾؛ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ إلى الآنَ؛ ﴿عَذابِ﴾؛ أيْ: الَّذِي أعْدَدْتُهُ لِلْمُكَذِّبِينَ؛ فَهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ؛ ولَوْ ذاقُوهُ لانْحَلَّتْ عُرى عَزائِمِهِمْ؛ وصارُوا أذَلَّ شَيْءٍ؛ وأحْقَرَهُ؛ وأدْناهُ؛ وأصْغَرَهُ؛ وإطْباقُ (p-٣٣٧)أهْلِ الرَّسْمِ؛ وأكْثَرِ القُرّاءِ؛ عَلى حَذْفِ يائِهِ رَسْمًا؛ وقِراءَةً؛ إشارَةٌ إلى أنَّهُ العَذابُ الأدْنى؛ المُذْهِبُ لَحْمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ؛ وإثْباتُ يَعْقُوبَ وحْدَهُ لَها في الحالَيْنِ؛ إشارَةٌ إلى أنَّهُ العَذابُ المُعَدُّ لِإهْلاكِ الأُمَمِ الطّاغِيَةِ؛ لا مُطْلَقُ العَذابِ.
38:9Page 453
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ ٩
Or do they have the depositories of the mercy of your Lord, the Exalted in Might, the Bestower?1
ولَمّا أرْشَدَ إنْكارُهم خُصُوصِيَّتَهُ بِالذِّكْرِ - بِنَفْيِ شَكِّهِمُ اللّازِمِ مِنهُ إثْباتُ أنَّهم عَلى عِلْمٍ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ؛ وأنَّهُ أحَقُّهم بِالرِّسالَةِ - إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: أفِيهِمْ غَيْرُهُ مَن هو أهْلٌ لِتَلَقِّي هَذا الذِّكْرِ؛ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ ويَتْرُكَ هَذا البَشِيرَ النَّذِيرَ ﷺ؛ عادَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿أمْ عِنْدَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ ﴿خَزائِنُ رَحْمَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ إنْزالُ الوَحْيِ إحْسانًا إلى المُنْزَلِ عَلَيْهِ؛ عَدَلَ عَنْ إفْرادِ الضَّمِيرِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ؛ المُفِيدَةِ لِلتَّرْبِيَةِ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لَهُ ﷺ لِأنَّهُ أضْخَمُ لِشَأْنِهِ؛ وأفْخَمُ لِمِقْدارِهِ ومَكانِهِ -: ﴿رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ؛ لِيَخُصُّوا بِهِ مَن شاؤُوا؛ ويَمْنَعُوا مَن شاؤُوا: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ولَمّا كانَ لا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ إلّا الغالِبُ لِكُلِّ ما سِواهُ؛ المُفِيضُ عَلى مَن يَشاءُ ما يَشاءُ؛ قالَ: ﴿العَزِيزِ الوَهّابِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ ويُفِيضُ عَلى جِهَةِ التَّفَضُّلِ ما يَشاءُ عَلى مَن يُرِيدُ؛ ولَهُ صِفَةُ الإفاضَةِ؛ (p-٣٣٨)مُتَكَرِّرَةَ الآثارِ عَلى الدَّوامِ؛ فَلا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ ولا مانِعَ لِما أعْطى.
38:10Page 453
أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ ١٠
Or is theirs the dominion of the heavens and the earth and what is between them? Then let them ascend through [any] ways of access.1
ولَمّا سَلَبَ عَنْهُمُ التَّصَرُّفَ في الخَزائِنِ؛ أتْبَعَهُ نَفْيَ المُلْكِ عَمّا شاهَدُوا مِنها؛ وهو جُزْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا؛ فَقالَ: ﴿أمْ لَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ ولَمّا كانَ الحُكْمُ عَلى ذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الحُكْمَ عَلى الفَضاءِ؛ قالَ: ﴿وما بَيْنَهُما﴾؛ أيْ: لِتَكُونَ كَلِمَتُهم في هَذا الكَوْنِ هي النّافِذَةَ؛ ويَتَكَلَّمُوا في الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ؛ ويُسْنِدُوا ما شاؤُوا مِنَ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ إلى مَن شاؤُوا؛ ثُمَّ بَيَّنَ عَجْزَهُمْ؛ وبَكَّتَهُمْ؛ وقَرَّعَهُمْ؛ ووَبَّخَهم بِما سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفُوا الرُّقِيَّ إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ؛ ﴿فِي الأسْبابِ﴾؛ أيْ: الطُّرُقِ المُوَصِّلَةِ إلى السَّماءِ؛ لِيَسْتَوُوا عَلى العَرْشِ؛ الَّذِي هو أمارَةُ المُلْكِ؛ فَيَدَّبَّرُوا العالَمَ؛ فَيَخُصُّوا مَن شاؤُوا بِالرِّسالَةِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ لَهم ذَلِكَ؛ وأنَّهُ لا يَسُوغُ لِأحَدٍ أنْ يَخْتَصَّ دُونَهم بِشَيْءٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences