Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
ابراهيم
Ibrahim
Abraham · Meccan · 52 ayahs
14:1Page 255
الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ١
Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -
(p-٣٦٩)سُورَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالكَمالِ، وعَزَّ [عَنْ] أنْ يَكُونَ لَهُ كُفُوٌ أوْ مِثالٌ ”الرَّحْمَنُ“ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ بِكِتابٍ هو الغايَةُ في البَيانِ ”الرَّحِيمُ“ الَّذِي اخْتارَ مِن عِبادِهِ مَن ألْزَمَهم رُوحَ وِدادِهِ ﴿الر﴾ مَقْصُودُ السُّورَةِ التَّوْحِيدُ، وبَيانُ أنَّ هَذا الكِتابَ غايَةُ البَلاغِ إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ كافِلٌ بِبَيانِ الصِّراطِ الدّالِّ عَلَيْهِ المُؤَدّى إلَيْهِ. ناقِلٌ - بِما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ - لِلْخَلْقِ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ حَرْفُ الرّاءِ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَرامِ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أمّا التَّوْحِيدُ فَواضِحٌ أمّا أمْرُ الكِتابِ فَلِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ دُعائِهِ لِذَرِّيَّتِهِ الَّذِينَ أسْكَنَهم عِنْدَ البَيْتِ المُحَرَّمِ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]
ولَمّا خَتَمَ الرَّعْدَ بِأنَّهُ لا شَهادَةَ تُكافِئُ شَهادَةً مِن عِنْدِهِ، عِلْمُ الكِتابِ إشارَةٌ إلى أنَّ الكِتابَ هو الشّاهِدُ بِإعْجازِهِ بِبَلاغَتِهِ وما حَوى مِن (p-٣٧٠)فُنُونِ العُلُومِ، وأتى بِهِ في ذاكَ السِّياقِ مُعَرَّفًا لِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِ في البَقَرَةِ وغَيْرِها ثُمَّ تَكَرَّرَ وصْفُهُ في [سُورَةِ يُونُسَ وهُودٍ ويُوسُفَ والرَّعْدِ] بِأنَّهُ حَكِيمٌ مُحْكِمٌ مُفَصِّلٌ مُبِيِّنٌ، وأنَّهُ الحَقُّ الثّابِتُ الَّذِي تَزُولُ الجِبالُ الرَّواسِي وهو ثابِتٌ لا يَتَّعْتَعُ شَيْءٌ مِنهُ. ولا يُزَلْزَلُ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، ذَكَرَهُ في أوَّلِ [هَذِهِ] السُّورَةِ مُنْكِرًا تَنْكِيرَ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ في دَرَجاتٍ مِنَ العَظَمَةِ. لا تَحْتَمِلُ عُقُولُكُمُ الإخْبارَ عَنْها بِغَيْرِ هَذا الوَصْفِ، ودَلَّ تَعْلِيلُ وصْفِهِ بِالمُبِينِ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ“إلَيْكَ" بِلِسانِ قَوْمِكَ لِتُبَيِّنَ لَهم.
ولَمّا اسْتَجْمَعَ التَّعْرِيفَ بِالأوْصافِ المُوجِبَةِ لِلْفَلاحِ المَذْكُورَةِ أوَّلَ السُّورَةِ المُسْتَدِلِّ عَلَيْها بِكُلِّ بُرْهانٍ مُنِيرٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ، فَصارَ بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ عَنِ اجْتِناءِ ثَمَرَتِهِ مَن وقَفَ عَلى حَقائِقَ تِلْكَ النُّعُوتِ، شَوَّقَ إلى تِلْكَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ تَفْصِيلِ ما في أوَّلِ البَقَرَةِ في الَّتِي قَبْلِها كَما مَضى بِما يُحِثُّ عَلَيْهِ ويُقْبِلُ بِقَلْبِ كُلِّ عاقِلٍ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ أيْ عامَّةِ قَوْمِكَ وغَيْرِهِمْ بِدُعائِكَ إيّاهم بِهِ وإنْ كانُوا ذَوِي اضْطِرابٍ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الَّتِي هي أنْواعٌ كَثِيرَةٌ (p-٣٧١)مِنَ الضَّلالاتِ الَّتِي أدَّتْ إلَيْها الجَهالاتُ ﴿إلى النُّورِ﴾ الَّذِي هو واحِدٌ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ المَدْعُو بِالهِدايَةِ إلَيْهِ في الفاتِحَةِ، أوْ لِتُبَيِّنَ لِلْعَرَبِ قَوْمَكَ لِأنَّهُ بِلِسانِهِمْ بَيانًا شافِيًا، فَتَجْعَلُهم - بِما تُقِيمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَجِ السّاطِعَةِ، وتُوَضِّحُ لَهم مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ، وتَنْصُبُ لَهم مِنَ الأعْلامِ الظّاهِرَةِ، وتَحْكُمُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ الباهِرَةِ - في مِثْلِ ضَوْءِ النَّهارِ بِما فَتَحَ مِن مُقْفَلِ أبْصارِهِمْ، وكَشَفَ عَنْ أغْطِيَةِ قُوبِهِمِ، فَيَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن أنْ يَخْرُجُوا مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ الَّتِي هي طُرُقُ الشَّيْطانِ إلى نُورِ الإيمانِ الَّذِي هو سَبِيلُهُ ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وشَبَّهَ الإيمانَ وما أرْشَدَ إلَيْهِ بِالنُّورِ، لِأنَّهُ عِصْمَةُ العَقْلِ مِنَ الخَطَأِ في الطَّرِيقِ إلى اللَّهِ كَما أنَّ النُّورَ عِصْمَةُ البَصَرِ مِنَ الضَّلالِ عَنِ الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ، وإذا خَرَجُوا إلى النُّورِ كانُوا جَدِيرِينَ بِأنْ يُخْرِجُوا جَمِيعَ النّاسِ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ والإذْنُ: الإطْلاقُ في الفِعْلِ بِقَوْلٍ يُسْمَعُ بِالأُذُنِ، هَذا أصْلُهُ - قالَهُ الرُّمانِيُّ.
ولَمّا كانَ النُّورُ مُجْمَلًا، بَيَّنَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ أوِ البَدَلِ بِتَكْرِيرِ العامِلِ فَقالَ: ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ﴾ الَّذِي تَعالى عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ (p-٣٧٢)فَعَزَّ [عَنْ] أنْ يَدْخُلَ أحَدٌ صِراطَهُ الَّذِي هو رَبُّهُ، أوْ يَتَعَرَّضُ [أحَدٌ] إلى سالِكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ﴿الحَمِيدِ﴾ المُحِيطُ بِجَمِيعِ الكَمالِ، فَهو المُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ المَحامِدِ لِذاتِهِ وبِما يَفِيضُ عَلى عِبادِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي يُرَبِّيهِمْ ويَتَحَمَّدُ إلَيْهِمْ بِها عَلى كُلِّ حالٍ، فَكَيْفَ إذا سَلَكُوا سَبِيلَهُ الواضِحَ الواسِعَ السَّهْلَ! .
14:2Page 255
ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ ٢
Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe [i.e., destruction] to the disbelievers from a severe punishment -
ولَمّا أضافَ طَرِيقَ النَّجاةِ إلى وصْفَيْنِ يَجُوزُ إطْلاقُ كُلٍّ مِنهُما عَلى الخَلْقِ، بَيْنَهُما بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ العِلْمِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِالرَّفْعِ. وعَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ في قِراءَةِ الباقِينَ بِالجَرِّ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى الأسْماءِ الأعْلامِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ بِحَقٍّ ووَصَفَهُ بِما اقْتَضى تَوْحِيدُهُ، فَقالَ: ”اللَّهُ“ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ أيِ الأجْسامِ العالِيَةِ مِنَ الأراضِي وغَيْرِها. ولَمّا كانَ في سِياقِ الدَّلالَةَ عَلى الخالِقِ وإثْباتِ تَوْحِيدِهِ، أكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ مَعَ صِلَتِهِ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيْ فَوَيْلٌ لِمَن أشْرَكَ بِهِ شَيْئًا مِنهُما أوْ فِيهِما، فَإنَّهُ لا أبْيَنُ مِن أنَّ ما كانَ مَمْلُوكًا لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونُ شَرِيكًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَوَأْلٌ ونَجاةٌ وسَلامَةٌ لِمَنِ اهْتَدى بِهِ فَخَرَجَ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ ”ووَيْلٌ“ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الهَلاكِ، يَنْصِبُ نَصْبَ المَصادِرِ ثُمَّ يَرْفَعُ (p-٣٧٣)رَفْعِها لِإفادَةِ أنَّ مَعْنى الهَلاكِ - وهو ضِدُّ الوَأْلِ الَّذِي هو النَّجاةُ - ثابِتٌ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ الَّذِينَ سَتَرُوا أدِلَّةَ عُقُولِهِمْ ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ تَتَضاعَفُ آلامُهُ وقُوَّتُهُ؛ والشِّدَّةُ: تَجَمُّعٌ يَصْعُبُ مَعَهُ التَّفْكِيكُ.
14:3Page 255
ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٣
The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allāh, seeking to make it [seem] deviant. Those are in extreme error.
ولَمّا أشارَ إلى ما لِلْكافِرِينَ، وصَفَهم بِما عاقَهم عَنْ قَبُولِ الخَيْرِ وتَرْكِهِمْ في أوْدِيَةِ الشَّرِّ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يُحِبُّوا أوْ يُوجِدُونَ المَحَبَّةَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ مُتابَعَةً لِلْهَوى ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وهي النَّشْأةُ الأُولى الَّتِي هي دارُ الِارْتِحالِ، مُؤْثِرِينَ لَها ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾ أيِ النَّشْأةِ الأُخْرى الَّتِي هي دارُ المَقامِ، وذَلِكَ بِأنْ يُتابِعُوا أنْفُسَهم عَلى حُبِّها حَتّى يَكُونُوا كَأنَّهم طالِبُونَ لِذَلِكَ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَحَبَّةَ قَدْ تَكُونُ بِالإرادَةِ؛ والمَحَبَّةُ: مَيَّلُ الطِّباعِ إلى الشَّيْءِ بِالشَّهْوَةِ، فَهم يَمْتَنِعُونَ خَوْفًا عَلى دُنْياهُمُ الَّتِي مِنها رِئاسَتِهِمْ عَنْ سُلُوكِ الصِّراطِ ”و“ يَضُمُّونَ إلى ذَلِكَ أنَّهم ”يَصُدُّونَ“ أيْ يُعْرِضُونَ بِأنْفُسِهِمْ ويَمْنَعُونَ غَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ طَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ والسَّبِيلُ: المَذْهَبُ المُهَيَّأُ لِلسُّلُوكِ ”و“ يَزِيدُونَ (p-٣٧٤)عَلى ذَلِكَ أنَّهم ”يَبْغُونَها“ أيْ يَطْلُبُونَ لَها، حَذَفَ الجارَّ وأوْصَلَ الفِعْلَ تَأْكِيدًا لَهُ ﴿عِوَجًا﴾ والعِوَجُ: مَيْلٌ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِكَسْرِ العَيْنِ في الدِّينِ والأمْرِ والأرْضِ، وبِالفَتْحِ في كُلِّ ما كانَ قائِمًا كالحائِطِ والرُّمْحِ ونَحْوَهُما ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ، إسْنادٌ مَجازِيٌّ، لِأنَّ البَعِيدَ أهْلُ الضَّلالِ بِمَيْلِهِمْ عَنِ الباقِي إلى الفانِي وبِطَلَبِهِمُ العِوَجَ فِيما قَوَّمَهُ اللَّهُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا.
14:4Page 255
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤
And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allāh sends astray [thereby] whom He wills1 and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.
ولَمّا قَدَّمَ [ما أفْهَمُ] أنَّهُ أرْسَلَهُ ﷺ بِلِسانِ قَوْمِهِ إلى النّاسِ كافَّةٍ لِأنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ أسْهَلُ الألْسِنَةِ وأجْمَعُها وأفْصَحُها وأبْيَنُها، فَكانَ في غايَةِ العَدالَةِ، وخَتَمَ بِأنَّ السَّبِيلَ إلَيْهِ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ والِاعْتِدالِ، دَلَّ عَلى شَرَفِ هَذا اللِّسانِ لِصَلاحِيَتِهِ لِجَمِيعِ الأُمَمِ وخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ بِخُصُوصِ لِسانِ كُلُّ مِنَ الرُّسُلِ بِقَوْمِهِ، فَلِذَلِكَ أتْبَعُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا في العَظَمَةِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾ أيْ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ ﴿إلا بِلِسانِ﴾ أيْ لُغَةِ ”قَوْمِهِ“ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَ ”لِيُبَيِّنَ“ أيْ بَيانًا شافِيًا ﴿لَهُمْ﴾ كَما تَقَدَّمَ أنّا أرْسَلْناكَ بِكِتابٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانِ قَوْمِكَ لِتُبَيِّنَ لَهم (p-٣٧٥)ولِجَمِيعِ الخُلُقِ، فَإنَّ لِسانَكَ أسْهَلُ الألْسِنَةِ وأعْذَبُها، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ [إبراهيم: ١] بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ، فَإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّهُ لا مانِعَ حِينَئِذٍ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ عَلى هَذا الصِّراطِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ ﴿فَيُضِلُّ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ يَضِلُّ ”اللَّهَ“ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ إضْلالَهُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ هَذا اهْتِمامًا بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقُ الشَّرِّ كَما أنَّهُ خالِقُ الخَيْرِ مَعَ أنَّ السِّياقَ لِذَمِّ الكافِرِينَ الَّذِينَ هم رُؤُوسُ أهْلِ الضَّلالِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُضِلُّ الهادِي، وأمّا الرُّسُلُ فَمُبَيِّنُونَ مُلْزِمُونَ لِلْحُجَّةِ تَمْيِيزًا لِلضّالِّ مِنَ المُهْتَدِي ﴿”وهُوَ“﴾ أيْ وحْدُهُ ﴿”العَزِيزُ“﴾ الَّذِي لا يُرامُ ما عِنْدَهُ إلّا بِهِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَنْقَضُّ ما دَبَّرَهُ، فَلِذَلِكَ دَبَّرَ بِحِكْمَتِهِ إرْسالُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ إلى الخَلْقِ كافَّةً بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ، لِأنَّ المَقْصُودَ جَمْعُ الخَلْقِ عَلى الحَقِّ، فَجَمَعَهم عَلى لِسانٍ واحِدٍ أنْسَبَ ما يَكُونُ لِذَلِكَ، ولَوْ أُنْزِلَ بِألْسِنَةِ كُلِّها لَكانَ مُنافِيًا لِهَذا المَقْصُودِ، وإنْ كانَ مَعَ الإعْجازِ بِكُلِّ لِسانٍ كانَ قَرِيبًا مِنَ الإلْجاءِ فَيَفُوتُ الإيمانُ بِالغَيْبِ، ويُؤَدِّي أيْضًا إلى ادِّعاءِ أهْلِ كُلِّ لِسانٍ (p-٣٧٦)أنَّ التَّعْبِيرَ [عَنْهُ] بِلِسانِهِمْ أعْظَمُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى المُفاخَرَةِ والعَصَبِيَّةِ المُؤَدِّي إلى أشَدِّ الفُرْقَةِ، وأنْسَبُ الألْسِنَةِ لِسانُ قَوْمِ الرَّسُولِ لِأنَّهُمْ، أقْرَبُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ فَهْمُهم لِأسْرارِ شَرِيعَتِهِ [و]وُقُوفُهم عَلى حَقائِقِها أسْهَلَ، ويَكُونُونَ عَنِ الغَلَطِ والخَطَأِ أبْعَدَ، فَإذا فَهِمُوا عَنْهُ دَعَوْا مَن يَلِيهِمْ بِالتَّراجِمَةِ وهَلُمَّ جَرا، فانْتَشَرَ الأمْرُ وعَمَّ وسَهُلَ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ أبْعَدَ مِنَ التَّحْرِيفِ وأسْلَمَ مِنَ التَّنازُعِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: لَمّا كانَتْ [سُورَةُ الرَّعْدِ] عَلى ما تُمَهِّدُ بِأنْ كانَتْ تِلْكَ الآياتُ والبَراهِينُ الَّتِي سَلَفَتْ فِيها لا يُبْقى مَعَها شَكٌّ لِمَنِ اعْتَبَرَ بِها لِتَعْظِيمِ شَأْنِها وإيضاحِ أمْرِها، قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] أيْ إذا [هُمْ] تَذَكَّرُوا بِهِ واسْتَبْصَرُوا بِبَراهِينِهِ وتَدَبَّرُوا آياتِهِ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ [الرعد: ٣١] ولَمّا كانَ هَذا الهُدى والضَّلالُ كُلُّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ وسابِقُ إرادَتِهِ وقَدْ قالَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] قالَ تَعالى هُنا ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١] إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] تَمَّ (p-٣٧٧)بَسْطُها في [سُورَةِ الرَّعْدِ]، أعْلَمَ هُنا أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُ ومُلْكِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٢] فالسَّماواتُ والأرْضُ بِجُمْلَتِهِما وما فِيهِما مِن عَظِيمِ ما أوْضَحَ لَكُمُ الِاعْتِبارُ بِهِ، كُلُّ ذَلِكَ لَهُ مُلْكًا وخَلْقًا واخْتِراعًا،
﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢] لِعِنادِهِمْ مَعَ وُضُوحِ الأمْرِ وبَيانِهِ ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣] مَعَ وُضُوحِ السَّبِيلِ وانْتِهاجِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ وكَأنَّ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ لَمّا حَمَلَهُمُ الحَسَدُ والعِنادُ وبَعُدَ الفَهْمُ بِما جُبِلَ عَلى قُلُوبِهِمْ وطُبِعَ عَلَيْها عَلى أنْ أنْكَرُوا كَوْنَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ حَتّى قالُوا: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] ﴿ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] وحَتّى قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَما كَثُرَ هَذا مِنهم وتَبَعَ خَلْفُهم في هَذا سَلَفَهُمْ، رَدَّ تَعالى أزْعامَهم وأبْطَلَ تَوَهُّمَهم في آياتٍ ورَدَتْ عَلى التَّدْرِيجِ (p-٣٧٨)فِي هَذا الغَرَضِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَأوَّلُ الوارِدِ مِن ذَلِكَ في مَعْرِضِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وعَلى تَرْتِيبِ سُوَرِ الكِتابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢] الآيَةُ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِانْفِرادِهِ تَعالى بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ والتَّدْبِيرِ والرُّبُوبِيَّةِ، وفي طَيٍّ ذَلِكَ أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ لِأنَّ الكُلَّ خَلْقُهُ ومُلْكُهُ، وأنَّهُ العَلِيمُ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ في إرْسالِ الرُّسُلِ وكَوْنِهِمْ مِنَ البَشَرِ، فَأرْغَمَ اللَّهُ تَعالى بِمَضْمُونِ هَذِهِ الآيِ كُلَّ جاحِدٍ مُعانِدٍ؛ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى في [سُورَةِ هُودٍ] قَوْلَ قَوْمِ نُوحٍ ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هود: ٢٧] الآيَةُ وجَوابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨] أيْ أنِّي وإنْ كُنْتُ في البَشَرِيَّةِ مِثْلُكم فَقَدْ خَصَّنِي اللَّهُ بِفَضْلِهِ وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ وبُرْهانًا عَلى ما جِئْتُكم بِهِ عَنْهُ، وفي هَذِهِ [القِصَّةِ] أعْظَمُ عِظَةٍ، ثُمَّ جَرى هَذا لِصالِحٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، ودَيْدَنَ الأُمَمُ أبَدًا مَعَ أنْبِيائِهِمُ ارْتِكابَ هَذِهِ المَقالاتِ، وفِيها مِنَ الحَيْدِ والعَجْزِ عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ ما لا يَخْفى وما هو شاهِدٌ عَلى تَعَنُّتِهِمْ، ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ [تَعالى] (p-٣٧٩)نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيفًا بِأحْوالِ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِيَسْمَعَ ذَلِكَ مَن جَرى لَهُ مِثْلَ ما جَرى لَهم فَقالَ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] وأعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا لا يَحُطُّ شَيْئًا مِن مَناصِبِهِمْ، بَلْ هو واقِعٌ في قِيامِ الحُجَّةِ عَلى العِبادِ. ثُمَّ تَلا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ أيْ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأقْطَعَ لِلْعُذْرِ، فَرُبَّما كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ اخْتِلافِ الألْسِنَةِ: لا نَفْهَمُ عَنْهُمْ، إذْ قالُوا ذَلِكَ مَعَ اتِّفاقِ اللُّغاتِ، فَقَدْ قالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] هَذا وهو عَلَيْهِ السَّلامُ يُخاطِبُهم بِلِسانِهِمْ فَكَيْفَ لَوْ كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ بَلْ لَوْ خالَفَتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الأُمَمَ في التَّبَتُّلِ وعَدَمِ اتِّخاذِ الزَّوْجاتِ والأوْلادِ واسْتِعْمالِ الأغْذِيَةِ وغَيْرِها مِن مَأْلُوفاتِ البَشَرِ لَكانَ مُنْفِرًا، فَقَدْ بانَ وجْهُ الحِكْمَةِ في كَوْنِهِمْ مِنَ البَشَرِ [ولَوْ كانُوا مِنَ المَلائِكَةِ لَوَقَعَ النِّفارُ والشُّرُودُ لِافْتِراقِ الجِنْسِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] أيْ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يَقَعَ تَنافُرٌ فَكَوْنُهم مِنَ البَشَرِ] أقْرَبُ وأقْوَمُ لِلْحُجَّةِ. ولَمّا كانَتْ رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ عامَّةً، كانَ (p-٣٨٠)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُخاطِبُ كُلَّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ العَرَبِ بِلِسانِها ويُكَلِّمُها بِما تَفْهَمُ، وتَأمَّلْ كَمْ بَيْنَ كِتابِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ لِأنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الصَّدَقَةِ وكِتابِهِ إلى وائِلِ بْنِ حَجَرٍ مَعَ اتِّحادِ الغَرَضِ، ولِلْكِتابَيْنِ نَظائِرٌ يُوقِفُ عَلَيْها في مَظانِّها، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى الجَمِيعِ، واسْتَمَرَّ باقِي [سُورَةِ إبْراهِيمَ ] عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى التَّعْرِيفِ بِحالِ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ ووَعِيدِ مَن خالَفَهم وبَيانِ بَعْضِ أهْوالِ الآخِرَةِ وعَذابِها انْتَهى.
14:5Page 255
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٥
And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days1 of Allāh." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الرُّسُلُ بِما ذَكَرَهُ، تَوَقَّعَ السّامِعُ تَفْصِيلَ شَيْءٍ مِن أخْبارِهِمْ، فابْتَدَأ بِذِكْرٍ مِن كِتابِهِ أجَلُّ كِتابٍ بَعْدَ القُرْآنِ هُدًى لِلنّاسِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ، وتَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، وتَثْبِيتًا وتَصْبِيرًا عَلى أذى قَوْمِهِ، وإرْشادًا إلى ما فِيهِ الصَّلاحُ في مُكالَمَتِهِمْ، فَقالَ مَصْدَرًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿مُوسى بِآياتِنا﴾ أيِ البَيِّناتِ؛ ثُمَّ فَسَّرَ الإرْسالَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةً عَلى مُغالَبَةِ الأُمُورِ (p-٣٨١)﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أيْ أنْواعِ الجَهْلِ ﴿إلى النُّورِ﴾ بِتِلْكَ الآياتِ ﴿وذَكِّرْهُمْ﴾ أيْ تَذْكِيرًا عَظِيمًا ﴿بِأيّامِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ مِن وقائِعِهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنحِ لِأوْلِيائِهِ والمِحَنِ لِأعْدائِهِ كَما أرْسَلْناكَ لِذَلِكَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ التَّذْكِيرِ العَظِيمِ ﴿لآياتٍ﴾ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ أيْ بَلِيغِ الصَّبْرِ بِبَلاءِ اللَّهِ، قالَ في العَوارِفِ: وقالَ أبُو الحَسَنِ بْنِ سالِمٍ: هم ثَلاثَةٌ: مُتَصَبِّرٌ، وصابِرٌ، [وصَبّارٌ]، فالمُتَصَبِّرُ مَن صَبَرَ في اللَّهِ، فَمَرَّةً يَصْبِرُ ومَرَّةً يَجْزَعُ، والصّابِرُ مَن يَصْبِرُ في اللَّهِ [ولِلَّهِ] ولا يَجْزَعُ ولَكِنْ يَتَوَقَّعُ مِنهُ الشَّكْوى، وقَدْ يُمَكِّنُ مِنهُ الجَزَعُ، فَأمّا الصَّبّارُ فَذَلِكَ الَّذِي صَبَّرَهُ اللَّهُ في اللَّهِ ولِلَّهِ وبِاللَّهِ، فَهَذا لَوْ وقَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ البَلايا لا يَجْزَعُ ولا يَتَغَيَّرُ مِن جِهَةِ الوُجُوبِ والحَقِيقَةِ، لا مِن جِهَةِ الرَّسْمِ (p-٣٨٢)والخَلِيقَةِ، وإشارَتُهُ في هَذا ظُهُورُ حُكْمِ العِلْمِ فِيهِ مَعَ ظُهُورِ صِفَةِ الطَّبِيعَةِ.
﴿شَكُورٍ﴾ أيْ عَظِيمِ الشُّكْرِ لِنَعْمائِهِ، فَإنَّ أيّامَهُ عِنْدَ أوْلِيائِهِ لا تَخْلُو مِن نِعْمَةٍ أوْ نِقْمَةٍ، وفي صِيغَةِ المُبالَغَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ عادَتَهُ تَعالى جَرَتْ بِأنَّهُ إنَّما يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ بَعْدَ طُولِ الِامْتِحانِ بِعَظِيمِ البَلاءِ لِيَتَبَيَّنَ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] وذَلِكَ أنَّهُ لا شَيْءَ أشَقُّ عَلى النُّفُوسِ مِن مُفارَقَةِ المَأْلُوفِ لا سِيَّما إنْ كانَ دَيْنًا ولا سِيَّما إنْ كانَ [قَدْ] دَرَجَ عَلَيْهِ [الأسْلافُ]، فَلا يَقُومُ بِالدُّعاءِ إلى الدِّينِ إلّا مَن بَلَغَ الذُّرْوَةَ في الصَّبْرِ.
14:6Page 256
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٦
And [recall, O Children of Israel], when Moses said to his people, "Remember the favor of Allāh upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.
ولَمّا ذَكَرَ ما أمَرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أمْرُهُ في الشَّرِيفِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ الَّذِينَ هو مِن رُؤُوسِهِمْ وأُولِي عَزْمِهِمْ، [كانَ] كَأنَّهُ قِيلَ: فَبَيِّنْ أنْتَ لِلنّاسِ ما نَزَلْ إلَيْهِمْ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ اقْتِداءً بِأخِيكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ”و“ اذْكُرْ لَهم خَبَرَهُ فَإنَّ أيّامَهُ مِن أعْظَمِ أيّامِ اللَّهِ: أشَدُّها مِحْنَةً وأجَلُّها مِنحَةً ﴿وإذْ قالَ مُوسى﴾ امْتِثالًا لِما أمَرْناهُ بِهِ ﴿لِقَوْمِهِ﴾ مُذَكِّرًا لَهم بِأيّامِ اللَّهِ مَعَهم ثُمَّ أيّامِهِ مَعَ غَيْرِهِمْ.
(p-٣٨٣)ولَمّا كانَ المُرادُ بِالتَّذْكِيرِ بِالأيّامِ زِيادَةَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، أشارَ إلى [أنَّ] مَقامَ التَّرْهِيبِ هُنا أهَمُّ لِلْحَثِّ عَلى تَرْكِهِمُ الضَّلالَ بِتَرْكِ عادَتِهِ في التَّرَفُّقِ بِمِثْلِ ما في [البَقَرَةِ والمائِدَةِ] مِنَ الِاسْتِعْطافِ بِعاطِفَةِ الرَّحِمِ بِقَوْلِهِ: ”يا قوم“ فَأسْقَطَها هُنا إشارَةً إلى أنَّ المَقامَ يَقْتَضِي الإبْلاغَ في الإيجازِ في التَّذْكِيرِ لِلْخَوْفِ مِن مُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ، وعَبَّرَ بِالنِّعْمَةِ عَنِ الإنْعامِ حَثًّا عَلى الِاسْتِدْلالِ بِالأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”نِعْمَةِ“ قَوْلِهِ: ”إذْ“ وهو ظَرْفُ النِّعْمَةِ.
ولَمّا كانُوا قَدْ طالَ صَبْرُهم جِدًّا بِما طالَ مِن بَلائِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ في العادَةِ خَلاصُهم مِنهُ، وإنْ أمْكَنَ عَلى بُعْدٍ لَمْ يَكُنْ إلّا في أزْمِنَةٍ طِوالٍ جِدًّا بِتَعَبٍ شَدِيدٍ، أشارَ إلى إسْراعِهِ بِخَلاصِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَوْ جَرى عَلى مُقْتَضى العادَةِ جَزاءً لَهم عَلى طُولِ صَبْرِهِمْ، فَعَبَّرَ بِالإفْعالِ دُونَ التَّفْعِيلِ الَّذِي اقْتَضاهُ سِياقُ البَقَرَةِ فَقالَ:﴿أنْجاكم مِن﴾ بَلاءٍ ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ وأتْباعِهِ اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ، فَإنَّ الآلَ عَلى الشَّخْصِ نَفْسِهِ وعَلى أهْلِ الرَّجُلِ وأتْباعِهِ (p-٣٨٤)وأوْلِيائِهِ؛ قالَ في القامُوسِ: ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا لِما فِيهِ شَرَفٌ غالبًا، فَكَأنَّهم قالُوا: مَن أيِّ بَلائِهِمْ؟ فَقالَ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ أيْ يُكَلِّفُونَكم ويُوَلُّونَكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهانَةِ والقَهْرِ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ بِالِاسْتِعْبادِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلصَّبْرِ البَلِيغِ، اقْتَضى ذَلِكَ العَطْفَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ أيْ تَذْبِيحًا كَثِيرًا مُمِيتًا - بِما أفادَهُ تَعْبِيرُ الأعْرافِ بِالقَتْلِ، ومُعَرَّفًا بِإعادَةِ التَّعْبِيرِ بِالذَّبْحِ أنَّ المَوْتَ بِالسِّكِّينِ ﴿أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُوا أنْ يَحْيَوْا ﴿نِساءَكُمْ﴾ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ بَلاءً آخَرَ ”و“ الحالُ أنَّ ﴿فِي ذَلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٩] أيِ الأمْرِ الشَّدِيدِ المَشَقَّةِ مِنَ العَذابِ [المُتَقَدِّمِ] أوِ الإنْجاءِ أوْ هُما ﴿بَلاءٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُرَبِّي لَكُمُ المُدَبِّرُ لِأُمُورِكم ﴿عَظِيمٌ﴾
14:7Page 256
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ٧
And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.'"
ولَمّا ذَكَّرَهم بِنِعْمَةِ الأمْنِ رَغَّبَهم فِيما يَزِيدُها، ورَهَّبَهم مِمّا يُزِيلُها فَقالَ: ”وإذْ“ أيْ واذْكُرُوا إذْ ﴿تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ أعْلِمِ المُحْسِنَ إلَيْكم إعْلامًا بَلِيغًا يَنْتَفِي عَنْهُ الشُّكُوكُ قائِلًا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ وأكَّدَهُ لِما لِلْأنْفُسِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِاعْتِقادِها أنَّ الزِّيادَةَ بِالسَّعْيِ في الرِّزْقِ والنَّقْصِ بِالتَّهاوُنِ فِيهِ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ مِن نِعَمِي، فَإنَّ الشُّكْرَ قَيْدُ المَوْجُودِ وصَيْدُ المَفْقُودِ ”إنَّ عَطائِي لَعَتِيدٌ فَأرْجُوهُ“ (p-٣٨٥)﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ النِّعْمَةَ فَلَمْ تُقَيِّدُوها بِالشُّكْرِ لِأنْقُصُنَّكم ولِأُعَذِّبُنَّكم ﴿إنَّ عَذابِي﴾ بِإزالَتِها وغَيْرِها ﴿لَشَدِيدٌ﴾ فَخافُوهُ، فالآيَةُ - كَما تَرى - مِنَ الِاحْتِباكِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences