Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الدخان
Ad-Dukhan
The Smoke · Meccan · 59 ayahs
(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الدُّخانِ
مَقْصُودُها الإنْذارُ مِنَ الهَلَكَةِ لِمَن لَمْ يَقْبَلْ ما في الذِّكْرِ الكَرِيمِ الحَكِيمِ مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ رَحْمَةً جَعَلَها بَيْنَ عامَّةِ خَلْقِهِ مُشْتَرَكَةً، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها الدُّخانُ إذا تُؤُمِّلَتْ آياتُهُ وإفْصاحُ ما فِيها وإشاراتُهُ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الجَبّارِ الواحِدِ القَهّارِ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ النِّذارَةِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي [خَصَّ] أهْلَ وِدادِهِ بِرَحْمَةِ البِشارَةِ.
﴿حم﴾ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى شَيْءٍ مِن أسْرارِ أخَواتِها.
ولَمّا خُتِمَتِ الزُّخْرُفُ بِبِشارَةٍ باطِنَةٍ ونِذارَةٍ ظاهِرَةٍ، وكانَ ما بَشَّرَ بِهِ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ العَرَبِ وسَلامَتِهِمْ مِن غَوائِلِ ما كانُوا فِيهِ مُسْتَبْعَدًا، افْتَتَحَ هَذا بِمِثْلِ ذَلِكَ مُقْسِمًا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿والكِتابِ﴾ [أيِ] الجامِعِ (p-٢)لِكُلِّ خَيْرٍ ﴿المُبِينِ﴾ أيِ: البَيِّنِ في نَفْسِهِ، المُوَضِّحِ لِما تَقَدَّمَ مِن دَقِيقِ البِشارَةِ لِأهْلِ الصَّفاءِ والبِصارَةِ، واضِحُ النِّذارَةِ بِصَرِيحِ العِبارَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما يُرادُ مِنهُ، ولِأجَلِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِبْعادِ أكَّدَ جَوابَ القَسَمِ وأتى بِهِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ:
44:3Page 496
إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣
Indeed, We sent it down during a blessed night.1 Indeed, We were to warn [mankind].
﴿إنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيِ الكِتابَ إمّا جَمِيعًا إلى بَيْتِ العِزَّةِ في سَماءِ الدُّنْيا أوِ ابْتَدَأْنا إنْزالَهُ إلى الأرْضِ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ أيْ: لَيْلَةِ القَدْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. أوِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، فَلِذَلِكَ يَتَأثَّرُ عَنْهُ مِنَ التَّأْثِيراتِ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ الأفْهامُ في الدِّينِ والدُّنْيا، قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا كُلَّ سَنَةٍ بِمِقْدارِ ما كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُنْزِلُهُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في تِلْكَ السَّنَةِ وسَمّاها ﴿مُبارَكَةٍ﴾ لِأنَّها لَيْلَةُ افْتِتاحِ الوَصْلَةِ وأشَدُّ اللَّيالِي بَرَكَةً يَكُونُ العَبْدُ فِيها حاضِرًا بِقَلْبِهِ مُشاهِدًا لِرَبِّهِ، يَتَنَعَّمُ فِيها بِأنْوارِ الوَصْلَةِ ويَجِدُ فِيها نَسِيمَ القُرْبَةِ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وأعْظَمُ اللَّيالِي بَرَكَةً ما كُوشِفَ فِيها بِحَقائِقِ الأشْياءِ.
(p-٣)ولَمّا كانَ هَذا مُوَضِّحًا لِما لَوَّحَ بِهِ آخِرُ تِلْكَ مِنَ البِشارَةِ في ظاهِرِ النِّذارَةِ، عَلَّلَ الإنْزالَ أوِ اسْتَأْنَفَ ما فِيهِ مِن واضِحِ النِّذارَةِ المُوصِلِ إلى المَعانِي المُقْتَضِيَةِ لِلْبِشارَةِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنّا﴾ أيْ: عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الجَلالِ ﴿كُنّا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ دائِمًا لِعِبادِنا ﴿مُنْذِرِينَ﴾ لا نُؤاخِذُهم مِن غَيْرِ إنْذارٍ، فَلِأجْلِ رَحْمَتِنا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ وهم أرَقُّ النّاسِ طَبْعًا وأصْفاهم قُلُوبًا وأوْعاهم [سَمْعًا] نُوصِلُهم بِما هَيَّأْناهم بِهِ مِن ذَلِكَ إلى ما لَمْ يَصِلْ غَيْرُهم إلَيْهِ ولَمْ يُقارِبْهُ مِنَ المَعالِي في الأخْلاقِ والشَّمائِلِ والِاكْتِسابِ لِجَمِيعِ الفَضائِلِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَضَمَّنَتْ [سُورَةُ] حم السَّجْدَةِ وسُورَةُ الشُّورى مِن ذِكْرِ الكِتابِ العَزِيزِ ما قَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ مِمّا لَمْ تَنْطَوِ سُورَةُ غافِرٍ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، وحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ الإعْلامُ بِتَنْزِيلِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وتَفْصِيلِهِ وكَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا إلى ما ذَكَرَ تَعالى مِن خَصائِصِهِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وتَعَلَّقَ الكَلامُ بَعْدَ هَذا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى آخِرِ السُّورَةِ، افْتَتَحَ تَعالى سُورَةَ الدُّخانِ بِما يُكْمِلُ ذَلِكَ الغَرَضَ، وهو التَّعْرِيفُ بِوَقْتِ إنْزالِهِ إلى (p-٤)سَماءِ الدُّنْيا فَقالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ فَضْلَها فَقالَ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] فَحَصَلَ وصْفُ الكِتابِ بِخَصائِصِهِ والتَّعْرِيفُ بِوَقْتِ إنْزالِهِ إلى سَماءِ [الدُّنْيا] وتَقَدَّمَ الأهَمُّ مِن ذَلِكَ في السُّورَتَيْنِ قَبْلُ، وتَأخَّرَ التَّعْرِيفُ بِوَقْتِ إنْزالِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ إذْ لَيْسَ في التَّأْكِيدِ كالمُتَقَدِّمِ، ثُمَّ وقَعَ إثْرَ هَذا تَفْصِيلُ وعِيدٍ قَدْ أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] وما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠] وتَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْسَهُ عَنْ عَظِيمِ افْتِرائِهِمْ في جَعْلِهِمُ الشَّرِيكَ والوَلَدَ، إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَفَصَلَ بَعْضَ ما أجْمَلَتْهُ هَذِهِ الآيُ في قَوْلِهِ تَعالى في صَدْرِ سُورَةِ الدُّخانِ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾ [الدخان: ١٦] والإشارَةُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ شَأْنَ غَيْرِهِمْ في هَذا وهَلاكَهم بِسُوءِ ما ارْتَكَبُوا لِيَشْعُرُوا أنْ لا فارِقَ إنْ هم عَقَلُوا واعْتَبَرُوا، ثُمَّ عَرَّضَ بِقَرْنِهِمْ في مَقالَتِهِ ما بَيْنَ لابَتَيْها أعَزُّ مِنِّي ولا أكْرَمُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى: (p-٥)﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والتَحَمَ هَذا كُلُّهُ التِحامًا يُبْهِرُ العُقُولَ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِذِكْرِ حالِ المُتَّقِينَ جَرْيًا عَلى المُطَّرِدِ مِن شَفْعِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لِيُبَيِّنَ حالَ الفَرِيقَيْنِ ويَنْتِجَ عِلْمُ الواضِحِ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، ثُمَّ قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] وقَدْ أخْبَرَهُ مَعَ بَيانِ الأمْرِ ووُضُوحِهِ أنَّهُ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ثُمَّ قالَ: ﴿فارْتَقِبْ﴾ [الدخان: ١٠] وعْدَكَ ووَعِيدَهم ﴿إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩]
44:4Page 496
فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤
Therein [i.e., on that night] is made distinct1 every precise matter -
ولَمّا وصَفَ لَيْلَةَ إنْزالِ هَذا القُرْآنِ بِالبَرَكَةِ، وأعْلَمَ أنَّ مِن أعْظَمِ بَرَكَتِها النِّذارَةَ، وكانَتِ النِّذارَةُ مَعَ أنَّها فُرِّقَتْ مِنَ البِشارَةِ أمْرًا عَظِيمًا مُوجِبًا لِفُرْقانِ ما بَيْنَ المَحاسِنِ والمَساوِئِ مِنَ الأعْمالِ قائِدَةً إلى كُلِّ خَيْرٍ بِدَلِيلِ أنَّ أتْباعَ ذَوِي البَرَكَةِ مِنَ العُلَماءِ، وإذا تَعارَضَ عِنْدَهم أمْرُ العالِمِ والظّالِمِ، قَدَّمُوا أمْرَ الظّالِمِ لِما يَخافُونَ مِن نِذارَتِهِ، وأهْمَلُوا أمْرَ العالِمِ وإنْ عَظُمَ الرَّجاءُ لِبِشارَتِهِ، قالَ مُعَلِّلًا لِبَرَكَتِها بَعْدَ تَعْلِيلِ الإنْزالِ فِيها، ومُعَمِّمًا لَها يَحْصُلُ فِيها مِن بَرَكاتِ التَّفْضِيلِ: ﴿فِيها﴾ أيِ: اللَّيْلَةِ المُبارَكَةِ سَواءٌ قُلْنا: إنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ أوْ لَيْلَةُ النِّصْفِ أصالَةً أوْ مَآلًا ﴿يُفْرَقُ﴾ أيْ: يُنْشَرُ ويُبَيَّنُ ويُفْصَلُ ويُوَضَّحُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أيْ: مُحْكَمِ الأمْرِ لا يُسْتَطاعُ أنْ يُطْعَنَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِن جَمِيعِ ما يُوحى بِهِ مِنَ الكُتُبِ وغَيْرِها والأرْزاقِ والآجالِ والنَّصْرِ والهَزِيمَةِ والخِصْبِ (p-٦)والقَحْطِ وغَيْرِها مِن جَمِيعِ أقْسامِ الحَوادِثِ وجُزْئِيًّا في أوْقاتِها وأماكِنِها، ويُبَيَّنُ ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ فَيَجِدُونَهُ سَواءً فَيَزْدادُونَ بِذَلِكَ إيمانًا، قالَ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُكْتَبُ مِن أُمِّ الكِتابِ [فِي لَيْلَةِ القَدْرِ] ما هو كائِنٌ في السَّنَةِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، والأرْزاقِ والآجالِ، قالَ: ورَوى أبُو الضُّحى عَنْهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْضِي الأقْضِيَةَ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ فَيُسَلِّمُها إلى أرْبابِها في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: فَيُسَلِّمُها إلى أرْبابِها وعُمّالِها مِنَ المَلائِكَةِ لَيْلَةَ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ.
44:5Page 496
أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥
[Every] matter [proceeding] from Us. Indeed, We were to send [a messenger]
ولَمّا كانَ هَذا مُفْهِمًا لِأُمُورٍ لا حَصْرَ لَها، بَيَّنَ أنَّهُ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فِيهِ، ولا تَجَدُّدَ عِنْدَهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ إلّا تَعْلِيقُ القُدْرَةِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِفَخامَةِ ما تَضَمَّنَهُ وصْفُهُ بِأنَّهُ حَكِيمٌ: ﴿أمْرًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِ هَذا كُلِّهِ مَعَ انْتِشارِهِ وعَدَمِ انْحِصارِهِ أمْرًا عَظِيمًا جِدًّا واحِدًا لا تَعَدُّدَ فِيهِ دَبَّرْناهُ في الأزَلِ وقَرَّرْناهُ وأتْقَنّاهُ واخْتَرْناهُ لِيُوجَدَ في أوْقاتِهِ بِتَقْدِيرٍ، ويُبْرَزَ عَلى ما لَهُ مِن (p-٧)الإحْكامِ في أحْيانِهِ في أقَلَّ [مِن] لَمْحِ البَصَرِ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مُسْتَغْرِقًا لِما تَحْتَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن عِنْدِنا﴾ أيْ: مِنَ العادِياتِ والخَوارِقِ وما وراءَها. ولَمّا بَيَّنَ [حالَ] الفُرْقانِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الإنْذارُ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ: ﴿إنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِن أوْصافِ الكَمالِ وكَمالِ العَظَمَةِ ﴿كُنّا﴾ أيْ: أزَلًا وأبَدًا ﴿مُرْسِلِينَ﴾ أيْ: لَنا صِفَةُ الإرْسالِ بِالقُدْرَةِ عَلَيْها في [كُلِّ] حِينٍ، والإرْسالُ لِمَصالِحِ العِبادِ، لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفُرْقانِ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ وغَيْرِهِما حَتّى لا يَكُونَ لَبْسٌ، فَلا يَكُونُ لِأحَدٍ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وهَذا الكَلامُ المُنْتَظِمُ والقَوْلُ المُلْتَحِمُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، المُتَراصِفُ أجْمَلَ رَصْفٍ في وصْفِ لَيْلَةِ الإنْزالِ دالٌّ عَلى أنَّهُ لَمْ تَنْزِلْ صَحِيفَةٌ ولا كِتابٌ إلّا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ لِلْأحادِيثِ الوارِدَةِ في أنَّ الكُتُبَ كُلَّها نَزَلَتْ فِيها كَما بَيَّنْتُهُ في كِتابِي: ”مَصاعِدُ النَّظَرِ لِلْإشْرافِ عَلى مَقاصِدِ السُّوَرِ“ وكَذا قَوْلُهُ في سُورَةِ القَدْرِ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] فَإنَّ الوَحْيَ الَّذِي [هُوَ] مَجْمَعُ ذَلِكَ هو رُوحُ الأُمُورِ الحَكِيمَةِ، وبَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ الرِّسالاتِ (p-٨)بِقَوْلِهِ:
44:6Page 496
رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦
As mercy from your Lord. Indeed, He is the Hearing, the Knowing,
﴿رَحْمَةً﴾ وعَدْلٌ لِأجْلِ ما اقْتَضاهُ التَّعْبِيرُ بِالرَّحْمَةِ عَمّا كانَ مِن أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ بِالعَظَمَةِ مِن قَوْلِهِ: ”مِنّا“ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ وإرْسالِ كُلِّ نَبِيٍّ مَضى مِن قَبْلِكَ، فَإنَّ رِسالاتِهِمْ كانَتْ لِبَثِّ الأنْوارِ في العِبادِ، وتَمْهِيدِ الشَّرائِعِ في العِبادِ، حَتّى اسْتَنارَتِ القُلُوبُ، واطْمَأنَّتِ النُّفُوسُ، بِما صارَتْ تَعْهَدُ مِن شَرْعِ الشَّرائِعِ وتَوْطِئَةِ الأدْيانِ، فَتَسَهَّلَتْ طُرُقُ الرَّبِّ لِتَعْمِيمِ رِسالَتِكَ حَتّى مَلَأتْ أنْوارُكَ الآفاقَ، فَكُنْتَ نَتِيجَةَ كُلِّ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الرِّفاقِ.
ولَمّا كانَتِ الرِّسالَةُ لا بُدَّ فِيها مِنَ السَّمْعِ والعِلْمِ قالَ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ أيْ: فَهو الحَيُّ المُرِيدُ ﴿العَلِيمُ﴾ فَهو القَدِيرُ البَصِيرُ المُتَكَلِّمُ، يَسْمَعُ ما يَقُولُهُ رُسُلُهُ وما يُقالُ لَهُمْ، وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يُسْمَعَ وإنْ كانَ بِحَيْثُ لا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ مِنَ الكَلامِ النَّفْسِيِّ وغَيْرِهِ الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلى سَمْعِنا كَنِسْبَةِ ما تَسْمَعُهُ مِنَ الكَلامِ إلى سَمْعِ الأصَمِّ وسَمْعِهِ لَيْسَ كَأسْماعِنا، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِالمَسْمُوعاتِ عَلى ما هي عَلَيْهِ قَبْلَ وُجُودِها كَما أنَّ عِلْمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْلُوماتِ كَما هي قَبْلَ كَوْنِها.
44:7Page 496
رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧
Lord of the heavens and the earth and that between them, if you would be certain.
ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ عَلى تِلْكَ الحالِ العَظِيمَةِ البَرَكَةِ لِأجْلِ الإرْسالِ، وبَيَّنَ أنَّ مُعْظَمَ ثَمَرَةِ الإرْسالِ الإنْذارُ لِما لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ (p-٩)مِنَ التَّوْرا، دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَةُ التَّرْبِيَةِ فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ: مالِكِ ومُنْشِئِ ومُدَبِّرِ ﴿السَّماواتِ﴾ أيْ: جَمِيعِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ ﴿والأرْضِ﴾ وما فِيها ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِمّا تُشاهِدُونَ مِن هَذا الفَضاءِ، وما فِيهِ مِنَ الهَواءِ وغَيْرِهِ، مِمّا تَعْلَمُونَ مِنَ اكْتِسابِ العِبادِ، وغَيْرِهِما مِمّا لا تَعْلَمُونَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ ذُو العَرْشِ والكُرْسِيِّ فَعُلِمَ بِهَذا أنَّهُ مالِكُ المُلْكِ كُلِّهِ.
ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِهَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ ويَأْنَفُونَ مِن وصْفِهِمْ بِأنَّهم غَيْرُ مُحَقِّقِينَ لِشَيْءٍ يَعْتَرِفُونَ بِهِ، أشارَ إلى ما يَلْزَمُهم بِهَذا الإقْرارِ إنْ كانُوا [كَما] يَزْعُمُونَ مِنَ التَّحْقِيقِ [فَقالَ]: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أيْ: إنْ كانَ لَكم إيقانٌ بِأنَّهُ الخالِقُ لِما رَكَزَ في غَرائِزِكم وجِبِلّاتِكم رُسُوخَ العِلْمِ الصّافِي السّالِمِ عَنْ شَوائِبِ الأكْدارِ مِن حُظُوظِ النُّفُوسِ وعَوائِقِ العَلائِقِ، فَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذِهِ الأجْرامِ الكَثِيفَةِ جِدًّا المُتَعالِي بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِلا مُمْسِكٍ تُشاهِدُونَهُ مَعَ تَغَيُّرِ كُلٍّ مِنها بِأنْواعِ الغِيَرِ مِن رَبٍّ، وأنَّهُ لا يَكُونُ وهي عَلى [هَذا] النِّظامِ إلّا وهو (p-١٠)كامِلُ العِلْمِ شامِلُ القُدْرَةِ، مُخْتارٌ في تَدْبِيرِهِ، حَكِيمٌ في شَأْنِهِ كُلِّهِ وجَمِيعِ تَقْدِيرِهِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ أنْ يَدَعَ مَن فِيها مِنَ العُلَماءِ العُقَلاءِ الَّذِينَ هم خُلاصَةُ ما فِيهِما هَمَلًا يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ مِن غَيْرِ رَسُولٍ مُعْلِمٍ بِأوامِرِهِ، وأحْكامِهِ وزَواجِرِهِ، مُنَبِّهٌ لَهم عَلى أنَّهُ ما خَلَقَ هَذا الخَلْقَ كُلَّهُ إلّا لِأجْلِهِمْ، لِيَحْذَرُوا سَطَواتِهِ ويُقَيِّدُوا بِالشُّكْرِ عَلى ما حَباهم بِهِ مِن أنْواعِ هِباتِهِ.
44:8Page 496
لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨
There is no deity except Him; He gives life and causes death. [He is] your Lord and the Lord of your first forefathers.
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا النَّظَرِ الصّافِي رُبُوبِيَّتُهُ، وبِعَدَمِ اخْتِلالِ التَّدْبِيرِ عَلى طُولِ الزَّمانِ وحْدانِيَّتُهُ، وبِعَدَمِ الجَرْيِ عَلى نِظامٍ واحِدٍ مِن كُلِّ وجْهٍ فَعَلَهُ بِالِاخْتِيارِ وقُدْرَتِهِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ مُنَبِّهًا لَهم عَلى أنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ أنْتَجَ ذَلِكَ ولا بُدَّ فَقالَ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [أيْ] وإلّا لِنازِعِهِ في أمْرِهِما أوْ بَعْضُهُ مُنازِعٌ، أوْ أمْكَنَ أنْ يُنازِعَ فَيَكُونُ مُحْتاجًا لا مَحالَةَ، وإلّا لَدَفَعَ عَنْهُ مَن يُمْكِنُ نَزْعُهُ لَهُ وخِلافُهُ إيّاهُ، فَلا يَكُونُ صالِحًا لِلتَّدْبِيرِ والقَهْرِ لِكُلِّ مَن يُخالِفُ رُسُلَهُ والإيحاءِ لِكُلِّ مَن يُوافِقُهم عَلى مَرِّ الزَّمانِ وتَطاوُلِ الدَّهْرِ ومَدِّ الحَدَثانِ عَلى نِظامٍ مُسْتَمِرٍّ، وحالٍ ثابِتٍ مُسْتَقِرٍّ.
(p-١١)ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا مُدَبِّرَ لِلْوُجُودِ غَيْرُهُ، ثَبَتَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِ ما فِيهِما مِنَ التَّدْبِيرِ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى تَمامِ دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ لِأنَّهُ لا شَيْءَ مِمَّنْ فِيهِما يَبْقى لِيُسْنَدَ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ، ويُحالَ شَيْءٌ مِنَ الأُمُورِ عَلَيْهِ، فَهُما جُمْلَتانِ: الأُولى نافِيَةٌ لِما أثْبَتُوهُ مِنَ الشَّرِكَةِ، والثّانِيَةُ مُثْبِتَةٌ لِما نَفَوْهُ مِنَ البَعْثِ.
ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالإفاضَةِ والسَّلْبِ، وكانَ السَّلْبُ أدَلَّ عَلى القَهْرِ، ذَكَّرَهم ما لَهم مِن ذَلِكَ في أنْفُسِهِمْ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي أفاضَ عَلَيْكم ما تُشاهِدُونَ مِنَ النِّعَمِ في الأرْواحِ وغَيْرِها ﴿ورَبُّ آبائِكُمُ﴾ ولَمّا كانُوا يُشاهِدُونَ مِن رُبُوبِيَّتِهِ لِأقْرَبِ آبائِهِمْ ما يُشاهِدُونَ لِأنْفُسِهِمْ، رَقّى نَظَرَهم إلى النِّهايَةِ فَقالَ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أفاضَ عَلَيْهِمْ ما أفاضَ عَلَيْكم ثُمَّ سَلَبَهم ذَلِكَ كَما تَعْلَمُونَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ مِنهم عَلى مُمانَعَةٍ ولا طَمَعٍ في مُنازَعَةٍ بِنَوْعِ مُدافَعَةٍ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُهم مُنْكِرًا لِما لَزِمَهُ القَطْعُ بِهِ بِهَذا البُرْهانِ الزّاهِرِ والسُّلْطانِ الظّاهِرِ القاهِرِ عِنادًا ولَدَدًا وإنْ كانَ باطِنُهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، (p-١٢)فَكانَ فِعْلُهُ فِعْلَ الشّاكِّ اللّاعِبِ، كانَ التَّقْدِيرُ لِأجْلِ ما يَظْهَرُ [مِن حالِهِمْ]: لَكِنَّكم غَيْرُ مُوقِنِينَ بِعِلْمٍ مِنَ العُلُومِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ مَعَ الصَّرْفِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم إيذانًا بِالغَضَبِ، وأنَّهم أهْلٌ لِلْمُعاجَلَةِ بِالعَطَبِ: ﴿بَلْ هُمْ﴾ أيْ: بِضَمائِرِهِمْ ﴿فِي شَكٍّ﴾ لِأنَّهم لا يُجَرِّدُونَ أنْفُسَهم مِن شَوائِبِ المُكَدِّراتِ لِصَفاءِ العِلْمِ، ثُمَّ أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ الشّاغِلَ لَهم عَنْ هَذا المُهِمِّ حالَ الصِّبْيانِ مَعَ ادِّعائِهِمُ الكَمالَ بِأخْلاقِ الأجِلّاءِ مِنَ الرِّجالِ [فَقالَ]: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ دائِمًا فِعْلَ التّارِكِ لِما هو فِيهِ مِن أجَدِّ الجِدِّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ إلى اللَّعِبِ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ ولا ثَمَرَةَ [لَهُ] بِوَجْهٍ بَعْدَ فِعْلِ الشّاكِّ بِالإعْراضِ وعَدَمِ الإسْراعِ إلى التَّصْدِيقِ والإيفاضِ.
44:10Page 496
فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ ١٠
Then watch for the Day when the sky will bring a visible smoke
ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعَ أنْ يَقُولَ الرَّسُولُ ﷺ المَفْهُومَ مِنَ السِّياقِ: فَماذا صَنَعَ فِيهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ، الَّذِي لَمْ يَدَعْ لَبْسًا لِإنْسانٍ؟ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَسْلِيَةً لَهُ وتَهْدِيدًا لَهُمْ: ﴿فارْتَقِبْ﴾ أيِ انْتَظِرْ بِكُلِّ جُهْدِكَ عالِيًا عَلَيْهِمْ ناظِرًا لِأحْوالِهِمْ نَظَرَ مَن هو حارِسٌ (p-١٣)لَها، مُتَحَفِّظًا مِن مِثْلِها بِهِمَّةٍ كَهِمَّةِ الأسَدِ الأرْقَبِ، والفِعْلُ مُتَعَدٍّ ولَكِنَّهُ قُصِرَ تَهْوِيلًا لِذَهابِ الوَهْمِ في مَفْعُولِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ولَعَلَّ المُرادَ في الأصْلِ ما يَحْصُلُ مِن أسْبابِ نَصْرِكَ ومُوجِباتِ خِذْلانِهِمْ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾ أيْ: فِيما يُخَيَّلُ لِلْعَيْنِ لِما يُغْشِي البَصَرَ مِن شِدَّةِ الجُهْدِ بِالجُوعِ إنْ كانَ المُرادُ ما حَصَلَ [لَهُمْ] مِنَ المَجاعَةِ النّاشِئَةِ عَنِ القَحْطِ الَّذِي سَبَّبَهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ»». ورُوِيَ في الصَّحِيحِ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ يَرى ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ، وفي الواقِعِ أنَّ المُرادَ عِنْدَ قُرْبِ السّاعَةِ وعَقِبَ قِيامِها، فَإنَّهُ ورَدَ أنَّهُ يَأْتِي إذْ ذاكَ فَيَغْشى النّاسَ ويَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ مِنهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ، ويَجُوزُ أنْ [يَكُونَ] المُرادُ أعَمَّ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ وأوَّلُهُ وقْتُ القَحْطِ [وكانَ آيَةً عَلى ما بَعْدَهُ، أوْ مِنهُ ما يَأْتِي عِنْدَ خُرُوجِ الدُّخانِ مِنَ القَحْطِ] الَّذِي يَحْصُلُ قَبْلَهُ أوْ غَيْرِهِ كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خَبَأً فَما هُوَ؟ قالَ: الدُّخَ»». فَفُسِّرَ بِالدُّخانِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ لا لَبْسَ فِيهِ عِنْدَ رائِيهِ ومُبَيِّنٍ لِما سِواهُ مِنَ الآياتِ لِلْفَطِنِ
44:11Page 496
يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١
Covering the people; this is a painful torment.
(p-١٤)﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أيِ: المُهَدَّدِينَ بِهَذا، وهُمُ الَّذِينَ رَضُوا بِحَضِيضِ النَّوْسِ والِاضْطِرابِ عَنْ أوْجِ الثَّباتِ في رُتْبَةِ الصَّوابِ، رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««بادِرُوا بِالأعْمالِ سِتًّا: الدَّجّالَ والدُّخانَ ودابَّةَ الأرْضِ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وأمْرَ العامَّةِ وخُوَيْصَةَ أحَدِكُمْ»».
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ إتْيانِهِ جَرْيًا عَلى عادَةِ جَهْلِهِمْ: ما هَذا؟ أُجِيبُوا بِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ لِسانِ الحالِ، أوْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ أوْ بَعْضِ أوْلِياءِ اللَّهِ: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يَخْلُصُ وجَعُهُ إلى القَلْبِ فَيَبْلُغُ في ألَمِهِ بِما كُنْتُمْ تُؤْلِمُونَ دُعاتَكم إلى اللَّهِ بِرَدِّ مَقُولِهِمْ والِاسْتِخْفافِ بِاغْتِرارِكم بِكَثْرَةِ العَدَدِ [والقُوَّةِ] والمَدَدِ.
44:12Page 496
رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ ١٢
[They will say], "Our Lord, remove from us the torment; indeed, we are believers."
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا حِينَ تَحَقَّقُوا ذَلِكَ؟ قِيلَ: قالُوا وقَدِ انْحَلَّتْ عُرى تِلْكَ العَزائِمِ، ووَهَتْ تِلْكَ القُوى مِن كَلِّ [عازِمٍ]، وسَفْلَتَ بَعْدَ العُلُوِّ تِلْكَ الشَّوامِخُ مِنَ الهِمَمِ مُدَّعِينَ أنَّهم لِغايَةِ الإذْعانِ مِن أهْلِ القُرْبِ والرِّضْوانِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: أيُّها المُبْدِعُ لَنا والمُحْسِنُ (p-١٥)إلَيْنا ﴿اكْشِفْ عَنّا العَذابَ﴾ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِما عَلِمُوا أنَّهُ المُوجِبُ كَشْفُهُ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِما لِحالِهِمْ مِنَ المُنافاةِ لِخَبَرِهِمْ: ﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في وصْفِ الإيمانِ واصِلُونَ إلى رُتْبَةِ الإيقانِ، وهَذا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فَإذا طَلَعَتْ ورَآها النّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها»» ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ. وإنْ [كانَ] المُرادُ بِالعَذابِ ما حَصَلَ مِنَ القَحْطِ كانَ هَذا الإيمانُ عَلى سَبِيلِ الوَعْدِ.
44:13Page 496
أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ ١٣
How will there be for them a reminder [at that time]? And there had come to them a clear Messenger.
ولَمّا كانَ كَشْفُ الآياتِ وإظْهارُ العَذابِ لا يُفِيدُ في الدَّلالَةِ عَلى الحَقِّ أكْثَرَ مِمّا أفادَهُ الرَّسُولُ ﷺ بِما أقامَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ بَلْ إفادَةُ الرَّسُولِ أعْظَمُ، أُجِيبَ مَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ حالِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ، إيذانًا بِدَوامِ مُصابِهِمْ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ ما كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ إلّا لِظَنِّ أنَّهم صادِقُونَ: ﴿أنّى﴾ أيْ: كَيْفَ ومِن أيْنَ ﴿لَهُمُ الذِّكْرى﴾ أيْ: هَذا التَّذَكُّرُ العَظِيمُ الَّذِي وصَفُوا بِهِ أنْفُسَهم ﴿وقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿جاءَهُمْ﴾ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ بِما (p-١٦)لا يُقايَسُ ﴿رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ غايَةَ الظُّهُورِ أنَّهُ رَسُولُنا، ومُوَضَّحٌ غايَةَ الإيضاحِ لِما جاءَ بِهِ عَنّا بِما أُظْهِرَ مِنَ الآياتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّلالاتِ.
44:14Page 496
ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ ١٤
Then they turned away from him and said, "[He was] taught [and is] a madman."
ولَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْهُ مَعَ ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ بِالبَيانِ اسْتِخْفافًا بِهِ وبِمَن جاءَ مِن بَعْدِهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ ما لَهُ مِن عَلِيِّ الرُّتْبَةِ في نَفْسِهِ وبِالإضافَةِ إلى مَن أرْسَلَهُ. ولَمّا كانَتِ الفِطَرُ الأُولى داعِيَةُ إلى الإقْبالِ عَلى الحَقِّ، نازِعَةً إلى الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ والعُكُوفِ بِبابِهِ، واللِّجاءِ إلى جَنابِهِ، إلّا بِجُهْدٍ مِنَ النَّفْسِ في النُّفُورِ وعِلاجِ دَواعِي الثُّبُورِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ فَقالَ: ﴿تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أيْ: أطاعُوا ما دَعاهم إلى الإدْبارِ عَنْهُ مِن دَواعِي الهَوى ونَوازِعِ الشَّهَواتِ والحُظُوظِ ﴿وقالُوا﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى إساءَتِهِمْ بِالتَّوَلِّي: ﴿مُعَلَّمٌ﴾ أيْ: عَلَّمَهُ غَيْرُهُ مِنَ البَشَرِ ﴿مَجْنُونٌ﴾ فَلَمْ يُبالُوا بِالتَّناقُضِ البَيِّنِ الأمْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لا يُبالِي بِعَرْضِهِ ولا حَياءَ لَهُ لا طِيبَ لِدائِهِ لِأنَّهُ لا وُجُودَ لِدَوائِهِ، وأنَّهُ إذا مَسَّ بِما يُلَيِّنُهُ ويَرُدُّهُ ويُهِينُهُ لا يُؤْمِنُ [مِن] رُجُوعِهِ إلى الحالِ السَّيِّئِ عِنْدَ كَشْفِ ذَلِكَ (p-١٧)الضُّرِّ عَنْهُ.
44:15Page 496
إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ ١٥
Indeed, We will remove the torment for a little. Indeed, you [disbelievers] will return [to disbelief].
ولَمّا لَفَتَ سُبْحانَهُ الخِطابَ عَنْهم إهانَةً لَهُمْ، بَيَّنَ أنَّ سَبَبَهُ أنَّ داءَهم عُضالٌ، فَلَيْسَ لَهُ أبَدًا زَوالٌ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِاسْتِبْعادِهِمْ زَوالَ ما هم فِيهِ: ﴿إنّا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِالعِلْمِ المُحِيطِ وغَيْرِهِ ﴿كاشِفُو العَذابِ﴾ [أيْ] عَنْكم بِدُعاءِ رَسُولِكم ﷺ في القَوْلِ بِأنَّ الدُّخانَ ما كانُوا يَرَوْنَهُ بِسَبَبِ الجُوعِ مِنَ القَحْطِ ﴿قَلِيلا﴾ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْكم لا لِخَفاءِ ما في ضَمائِرِكم عَلَيْنا. ولَمّا كانُوا قَدْ أكَّدُوا الإخْبارَ بِإيمانِهِمْ، وهو باطِلٌ، أكَّدَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ بِكَذِبِهِمْ، ومَن أصْدَقُ مِنهُ سُبْحانَهُ قِيلًا، فَقالَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ عَوْدُكم بَعْدَ كَشْفِنا عَنْكم في ذَلِكَ الزَّمَنِ القَصِيرِ إلى الكُفْرانِ وإنْ أكَّدْتُمْ حُصُولَ الإيمانِ [بِأكِيدِ الأيْمانِ] لِما في جِبِلّاتِكم مِنَ العِوَجِ ولِطِباعِكم مِنَ المُبادَرَةِ إلى الزَّلَلِ، فَإيمانُكم هَذا الَّذِي أخْبَرْتُمْ بِرُسُوخِهِ عَرَضٌ زائِلٌ وخَيالٌ باطِلٌ، وإنْ كانَ هَذا في آخِرِ الزَّمانِ فَلا بِدْعَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهم عَلى حَقِيقَتِهِ بِمِلْكٍ أوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَرُدُّهُ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ زَمانُ خَرْقِ العاداتِ ونَقْضِ المُطَّرِداتِ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ولَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ، وتَأْدِيبًا (p-١٨)لَنا وتَعْلِيمًا.
44:16Page 496
يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦
The Day We will strike with the greatest assault, indeed, We will take retribution.
ولَمّا كانَ اليَوْمَ قَدْ يُرادُ بِهِ المَنُّ المُجْتَمِعُ في حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ، وكانَ زَمانُ الدُّخانِ [إنْ] كانَ المُرادُ بِهِ القَحْطَ الَّذِي كانَ قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ أوْ ما يَقْرُبُ مِنَ السّاعَةِ يُسَمّى يَوْمًا واحِدًا لِاتِّحادِ ذَلِكَ الحُكْمِ، أبْدَلَ مِن ”يَوْمِ الدُّخانِ“ قَوْلَهُ تَهْدِيدًا بِشِقِّ الأكْبادِ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والبَطْشِ: الأخْذُ بِقُوَّةِ ﴿البَطْشَةَ الكُبْرى﴾ [أيِ] الَّتِي تَنْحَلُّ لَها عُراهم وتَنْخُلُ بِها عَزائِمُهم وقُواهم ولا يَحْتَمِلُها حَقائِقُهم ولا مُناهُمْ، سَواءٌ كانَتِ البَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ أوْ غَيْرَهُ فَيَخْسَرُ هُنالِكَ مَن كَشَفَ حالُ الِابْتِلاءِ عَنْ طُغْيانِهِ، وتَمَرُّدِهِ عَلى رَبِّهِ وعِصْيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا ظَرْفًا لِ ”عائِدُونَ“. ولَمّا كانَ ما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الحِلْمِ وطُولِ الإمْهالِ مُوجِبًا لِأهْلِ البَلادَةِ والغِلْظَةِ الشَّكَّ في وعِيدِهِ، قالَ مُؤَكِّدًا: ﴿إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ صِفَةٌ ثابِتَةٌ لَمْ نَزَلْ نَفْعَلُها بِأعْدائِنا لِنَسُرَّ أضْدادَهم في أوْلِيائِنا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences