Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
يوسف
Yusuf
Joseph · Meccan · 111 ayahs
12:1Page 235
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ١
Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the clear Book.
(p-١)سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبِهِ الإعانَةُ آمِينَ
[مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِالإبانَةِ لِكُلِّ ما يُوجِبُ الهُدى لِما ثَبَتَ فِيما مَضى، ويَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَمامِ عِلْمِ مَنزِلِهِ غَيْبًا وشَهادَةً وشُمُولِ قُدْرَتِهِ قَوْلًا وفِعْلًا، وهَذِهِ القِصَّةُ - كَما تَرى - أنْسَبُ الأشْياءِ لِهَذا المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ سُورَةَ يُوسُفَ - واللَّهُ أعْلَمُ.
”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ”الرَّحْمَن“ الَّذِي لَمْ يَدَعْ لَبْسًا لِعُمُومِ رَحْمَتِهِ في طَرِيقِ الهُدى ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالإبْعادِ عَنْ مَوْطِئِ الرَّدى.
لَمّا خَلَّلَ سُبْحانَهُ تِلْكَ مِمّا خَلَّلَها بِهِ مِنَ القَصَصِ والآياتِ القاطِعَةِ بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ [و] بِإذْنِهِ نَزَلَ، وأنَّهُ لا يُؤْمِنُ إلّا مَن شاءَ إيمانَهُ، وأنَّهُ مَهْما شاءَهُ كانَ، وبَيَّنَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ عَلى مِثْلِ ما عَذَّبَ بِهِ الأُمَمَ (p-٢)وعَلى التَّأْلِيفِ بَيْنَ مَن أرادَ وإيقاعَ الخِلافَ بَيْنَ مَن شاءَ، وأشارَ إلى أنَّهُ حَكَمَ بِالنُّصْرَةِ لِعابِدِيهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ما أرادَ لِأنَّهُ إلَيْهِ يَرْجِعُ الأمْرُ كُلُّهُ، تَلاها بِهَذِهِ السُّورَةِ لِبَيانِ هَذِهِ الأغْراضِ بِهَذِهِ القِصَّةِ العَظِيمَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي لَقِيَ فِيها يُوسُفُ عِلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لَقِيَ مَن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ ومَن غَيْرِهِمْ ومِنَ الغُرْبَةِ وشَتاتِ الشَّمْلِ، ثُمَّ كانَتْ لَهُ العاقِبَةُ فِيهِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ لِما تَدَرَّعَ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى شَدِيدِ البَلاءِ والتَّفْوِيضِ لِأمْرِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا تَسْلِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الأمِينِ وتَأْسِيَةً بِمَن مَضى مِن إخْوانِهِ المُرْسَلِينَ فِيما يَلْقى في حَياتِهِ مَن أقارِبِهِ الكافِرِينَ وبَعْدَ وفاتِهِ مِمَّنْ دَخَلَ مِنهم في الدِّينِ في آلِ بَيْتُهُ كَما وقَعَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَعْذِيبٍ عَقِبَهُ وعَقِبَ إخْوَتِهِ مِمَّنْ بالَغَ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وقَدْ وقَعَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالفِعْلِ ما هَمَّ الكَفّارُ مِن أقارِبِ النَّبِيِّ ﷺ بِفِعْلِهِ بِهِ كَما حَكاهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ ﴿لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فَنَجا مِنهم أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُ بِأيْدِيهِمْ إلّا ما كانَ مِنَ الحَصْرِ في شِعَبِ أبِي طالِبٍ ومِنَ الهِجْرَةِ بِأمْرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إخْوَتِهِ الَّذِينَ فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ ومَلَّكَهُ قِيادَهُمْ، فَكانَ في سَوْقِ قِصَّتِهِ عَقِبَ الإخْبارِ بِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ القِصَصِ تَثْبِيتِهِ صَلّى اللَّهُ (p-٣)عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ الفَتْحِ مِن مِلْكِ قِيادِهِمْ ورَدِّ عِنادِهِمْ ومَنِّهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ، وفي إشارَتِها بِشارَةٌ بِأنَّ المَحْسُودَ يُعانِي ويَعْلى إنْ عَمَلَ ما هو الأحْرى بِهِ والأُولى، ومِن فَوائِدِ ذِكْرِها التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الحَسَدَ داءٌ عَظِيمٌ شَدِيدُ التَّمَكُّنِ في النُّفُوسِ حَتّى أنَّهُ بِعَزْمِ تَمَكُّنِهِ وكَثْرَةِ مَكانِهِ وتَعَدُّدِ كائِنِهِ رُبَّما غَلَبَ أهْلَ الصَّلاحِ إلّا مَن بادَرَ مِنهم بِالتَّوْبَةِ داعِي الفَلّاحِ، وتَرَكَتْ إعادَتَها دُونَ غَيْرِها مِنَ القَصَصِ صَوْنًا لِلْأكابِرِ عَنْ ذِكْرِ ما رُبَّما أوْجَبَ اعْتِقادَ نَقْصٍ، أوْ تَوْجِيهَ طَعْنٍ أوْ غَمْصٍ، أوْ هَوْنِ داءِ الحَسَدِ، عِنْدَ ذِي تَهَوُّرٍ ولَدَدٍ، وخَلَّلَها سُبْحانَهُ بِبَلِيغِ الحِكَمِ [وخَتْمِها] بِما أنْتَجَتْ مِن ثُبُوتِ أمْرِ القُرْآنِ ونَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْ هَذا النَّبِيِّ العَظِيمِ.
هَذا مُناسَبَةُ ما بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وأمّا مُناسَبَةُ الأوَّلِ لِلْآخَرِ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ [فِي آخِرِ] تِلْكَ بِتَمامِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ أهْلُ السَّبْقِ مِنَ الفَصاحَةِ والفَوْتِ في البَلاغَةِ في أوَّلِ هَذِهِ بِما فَعَلَ في (p-٤)كَلامِهِ مِن أنَّهُ تَعالى يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِما تَذْهَبُ الأفْهامُ والعُقُولُ - عَلى كَرِّ الأزْمانِ وتَعاقُبِ الدُّهُورِ وتَوالِي الأيّامِ وتَمادِي اللَّيالِي - في مَعْناهُ كُلُّ مَذْهَبٍ وتَطَيُّرُ كُلِّ مَطارٍ مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي واسْتِجْماعِ القُوى، ولا تَقِفُ مِن ذَلِكَ عَلى أمْرٍ مُحَقَّقٍ ولا مُرادٍ مَعْلُومٍ وعَلى أنْ يَأْتِيَ بِما يَفْهَمُ بِأوائِلِ النَّظَرِ أدْنى مَعْناهُ فَهْمًا يُوَثَّقُ بِأنَّهُ مُرادٌ، ثُمَّ لا يَزالُ يُبْرِزُ مِنهُ مِن دَقائِقِ المَعانِي كُلَّما كَرَّرَ التَّأمُّلَ وتَغَلْغَلَ الفَهْمُ إلى حَدٍّ يُعْلِمُ أنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْ كُلِّ ما فِيهِ مِن جَلِيلِ مَعانِيهِ ولَطِيفِ مَبانِيهِ فَقالَ تَعالى: ﴿الر﴾ قالَ الرُّومانِيُّ: لَمْ تُعَدَّ الفَواصِلُ لِأنَّها لا تُشاكِلُ رُؤُوسَ الآياتِ لِأنَّها عَلى حَرْفَيْنِ، فَأُجْرِيَتْ مَجْرى الأسْماءِ النّاقِصَةِ، وإنَّما يَؤُمُّ بِالفَواصِلِ التَّمامَ، وأمّا ”طَهَ“ فَيُعَدُّ لِأنَّهُ يُشْبِهُ رُؤُوسَ آيِها - انْتَهى.
وهَذا قَوْلُ مَن ذَهَبَ سَهْوًا إلى أنَّ السَّجْعَ مَقْصُودٌ في القُرْآنِ، وهو قَوْلٌ مَرْدُودٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ كَما مَضى القَوْلُ فِيهِ في آخِرِ سُورَةِ بَراءَةَ، فَإنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى أنَّهُ شِعْرٌ وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى أنَّهُ سَجْعٌ، لِأنَّ السَّجْعَ صُنْعُ الكُهّانِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى ادِّعاءِ أنَّهُ كِهانَةٌ وذَلِكَ كُفْرٌ لا شَكَّ فِيهِ، وقَدْ أطْنَبْتُ فِيهِ [فِي] كِتابِي مَصاعِدُ النَّظَرِ، وبَيَّنْتُ مَذاهِبَ (p-٥)العادِينَ لِلْآياتِ وأنَّ مَرْجِعُها التَّوْقِيفَ مِثْلَ نَقْلِ القِراءاتِ سَواءٌ - واللَّهُ الهادِي.
ولَمّا ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ الماضِيَةُ بِأنَّ هَذا الكِتابَ مُحْكَمٌ، وخُتِمَتْ بِالحِكْمَةِ المَقْصُودَةِ مِن قَصِّ أنْباءِ الرُّسُلِ، وكانَ السِّياقُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ [بِهِ] في قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣] ودَلَّ عَلى أنَّهُ أُنْزِلَ بِعِلْمِهِ، ابْتُدِئَتْ هَذِهِ لِإتْمامِ تِلْكَ الدّالَّةِ بِالإشارَةِ إلى ما لَهُ مِن عُلُوِّ المَحَلِّ وبُعْدِ الرُّتْبَةِ، فَعَقَّبَ سُبْحانِهِ هَذِهِ المُشْكِلَةَ الَّتِي ألْقاها بِالأحْرُفِ المُقَطَّعَةِ وبانَ أنَّها مَعَ إشْكالِها عِنْدَ التَّأمُّلِ واضِحَةٌ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القُرْآنِ وإلى هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الآياتُ العَظِيمَةُ العالِيَةُ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ أيِ الجامِعُ لِجَمِيعِ المُراداتِ.
ولَمّا تَقَدَّمُ أوَّلَ سُورَتِي يُونُسَ وهُودَ وصْفُهُ بِالحِكْمَةِ والإحْكامِ والتَّفْصِيلِ، وُصِفَ هُنا بِأخَصِّ مِن ذَلِكَ فَقالَ تَعالى:﴿المُبِينِ﴾ أيِ البَيِّنِ في نَفْسِهِ أنَّهُ جامِعٌ مُعْجِزٌ لا يَشْتَبِهُ عَلى العَرَبِ بِوَجْهٍ، والمُوَضِّحِ لِجَمِيعِ ما حَوى، وهو جَمِيعُ المُراداتِ لِمَن أمْعَنَ التَّدَبُّرَ وأنْعَمَ التَّفْكِيرَ، ولِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف: ١١١] و ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] والبَيانُ: إظْهارُ المَعْنى لِلنَّفْسِ بِما يَفْصِلُهُ (p-٦)عَنْ غَيْرِهِ وهو غَرَضُ كُلِّ حَكِيمٍ في كَلامِهِ، ويَزِيدُ عَلَيْهِ البُرْهانُ بِأنَّهُ إظْهارُ صِحَّةِ المَعْنى بِما يَشْهَدُ بِهِ، وأبانَ - لازِمٌ مُتَعَدٍّ؛
12:2Page 235
إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢
Indeed, We have sent it down as an Arabic Qur’ān1 that you might understand.
ثُمَّ عَلَّلَ المُبِينَ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِالإنْزالِ لِأنَّهُ في سِياقِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ بِخِلافِ ما عَبَّرَ فِيهِ بِالجَعْلِ كَما يَأْتِي في الزُّخْرُفِ: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ أيِ الكِتابَ المُفَسَّرَ بِهَذِهِ السُّورَةِ أوْ بِالقُرْآنِ كُلِّهِ ﴿قُرْآنًا﴾ سُمِّي بَعْضُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكُلِّ والبَعْضِ ﴿عَرَبِيًّا﴾ وعَلَّلَ إنْزالَهُ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ تَكُونُوا مِن ذَوِي العَقْلِ أوْ مِن أنْ تَعْقِلُوا ما يُرادُ مِنكُمْ؛ قالَ: أبُو حَيّانِ و”لَعَلَّ“ تَرَجٍّ فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ أفْصَحُ الألْسِنَةِ وأوْسَعُها وأقْوامُها وأعْدَلُها، لِأنَّ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ القَوْلَ - وإنْ خُصَّ بِخِطابِهِ قَوْمٌ - يَكُونُ عامًّا لِمَن سِواهم.
12:3Page 235
نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٣
We relate to you, [O Muḥammad], the best of stories in what We have revealed to you of this Qur’ān although you were, before it, among the unaware.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَقُصُّ عَلَيْهِ [مِن] أنْباءِ الرُّسُلِ ما يُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَهُ، قالَ مُثْبِتًا ومُعَلِّلًا بِأنَّهُ الكِتابُ بِعِلَّةٍ أُخْرى مُشاهَدَةٍ هي أخَصُّ مِنَ الأُولى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ وعَظَّمَ هَذِهِ القِصَّةَ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ أيِ الِاقْتِصاصِ (p-٧)أوِ المَقْصُوصِ بِأنْ نَتَّبِعَ بَعْضَ الحَدِيثِ كَما نُعَلِّمُهُ بَعْضًا فَنُبَيِّنُهُ أحْسَنَ البَيانِ - لِأنَّهُ مَن قَصِّ الأثَرِ - تَثْبِيتًا لِفُؤادِكَ وتَصْدِيقًا لِنُبُوَّتِكَ وتَأْيِيدًا عَلى أحْسَنِ تَرْتِيبٍ وأحْكَمِ نِظامٍ وأكْمَلِ أُسْلُوبٍ وأوْفى تَحْرِيرٍ وأبْدَعِ طَرِيقَةٍ مَعَ ما نُفَصِّلُها بِهِ مِن جَواهِرِ الحِكَمِ وبَدائِعِ المَعانِي مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ، وهي قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ هي في التَّوْراةِ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ ورَقَةً لا يَضْبُطُها إلّا حُذّاقَ أحْبارِهِمْ، مَن تَأمَّلَ اقْتِصاصُها فِيها أوْ في غَيْرِها مِن تَوارِيخِهِمْ ذاقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ حَتّى لَقَدْ أسْلَمَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ لِما رَأوْا مِن حُسْنِ اقْتِصاصِها، رَوى البَيْهَقِيُّ في أواخِرِ الدَّلائِلِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ حَبْرًا مِنَ اليَهُودِ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ وكانَ قارِئًا لِلتَّوْراةِ فَوافَقَهُ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في التَّوْراةِ فَقالَ [لَهُ] الحَبْرُ: يا مُحَمَّدُ ! مَن عَلَّمَكَها؟ قالَ: اللَّهُ عَلَّمَنِيها، فَرَجَعَ إلى اليَهُودِ فَقالَ [لَهُمْ]: أتَعْلَمُونَ واللَّهِ أنَّ مُحَمَّدًا لَيَقْرَأُ القُرْآنَ كَما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ! فانْطَلَقَ بِنَفَرٍ مِنهم حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرِفُوهُ بِالصِّفَةِ ونَظَرُوا إلى خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَجَعَلُوا يَسْتَمِعُونَ إلى قِراءَتِهِ لِسُورَةِ يُوسُفَ، فَتَعَجَّبُوا مِنهُ وقالُوا: يا مُحَمَّدُ ! مَن عَلَّمَكَها؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَّمَنِيها اللَّهُ، فَأسْلَمَ (p-٨)القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ» .
وقَدْ ضَمَّنَها سُبْحانَهُ مِنَ النُّكَتِ والعِبَرِ والحَكَمِ أمْرًا عَظِيمًا، وذَكَرَ فِيها حُسَنَ مُجاوَرَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإخْوَتِهِ وصَبْرُهُ عَلى أذاهم وحِلْمَهُ عَنْهم وإغْضاءَهُ عِنْدَ لِقائِهِمْ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ وكَرَمَهُ في العَفْوِ، والأنْبِياءَ والصّالِحِينَ والمَلائِكَةَ والشَّياطِينَ والإنْسَ والجِنَّ والأنْعامَ والطَّيْرَ وسِيَرَ المُلُوكِ والمَمالِيكِ والتُّجّارِ والعُلَماءِ والجُهّالِ والرِّجالِ والنِّساءِ ومَكْرِهِنَّ والتَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والإعْجازَ والتَّعْبِيرَ والسِّياسَةَ والمُعاشَرَةَ وتَدْبِيرَ المَعاشِ وجَمِيعَ الفَوائِدِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ والدُّنْيا، وذَكَرَ الحَبِيبَ والمَحْبُوبَ، ولَمْ يُدْخِلْ فِيها شَيْئًا مِن غَيْرِها دُونَ سائِرِ القِصَصِ، وكانَ عِقابُها إلى خَيْرٍ وسَلامَةٍ واجْتِماعِ شَمْلٍ وعَفْوٍ مِنَ اللَّهِ وتَجاوُزٍ عَنِ الكُلِّ ﴿بِما أوْحَيْنا﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحائِنا ﴿إلَيْكَ﴾
ولَمّا كانَ إنْزالُ القُرْآنِ مَجْمَعَ الخَيِّراتِ، عَيَّنَ المُرادَ بِالإشارَةِ واسْمِ العَلَمِ فَقالَ: ﴿هَذا القُرْآنَ﴾ الَّذِي قالُوا فِيهِ: إنَّهُ مُفْتَرى، فَنَحْنُ نُتابِعُ فِيهِ القِصَصَ بَعْدَ قِصَّةٍ بَعْدَ قِصَّةِ والحِكَمَ حِكْمَةً في أثَرِ حِكْمَةٍ حَتّى لا يَشُكَّ شاكٌّ ولا يَمْتَرِيَ مُمْتَرٍ في أنَّهُ مِن عِنْدِنا وبِإذْنِنا ويَكُونُ أمْرُهُ في البُعْدِ مِنَ اللَّبْسِ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ.
ولَمّا كانُوا مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ ﷺ عارِفِينَ بِأنَّهُ كانَ (p-٩)مُباعِدًا لِلْعِلْمِ والعُلَماءِ، وكانَ فِعْلُهم في التَّكْذِيبِ فِعْلُ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ، قالَ: ﴿وإنْ﴾ أيْ وإنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ ﴿كُنْتَ﴾ ولَمّا كانَ كَوْنُهُ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الزَّمانَ الماضِيَ، أثْبَتَ الجارُ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ هَذا الكِتابِ أوْ إيحائِنا إلَيْكَ بِهِ ﴿لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ وغَيْرِها، مُؤَكِّدًا لَهُ بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ، وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ آخِرِها ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] بَعْدَ التِفاتِهِ عَنْ كَثَبٍ إلى آخَرَ الَّتِي قَبِلَها ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] والحُسْنُ: مَعْنًى يَتَقَبَّلُهُ العَقْلُ ويَطْرُقُ إلى طَلَبِ المُتَّصِفِ بِهِ أنْواعَ الحِيَلِ، ومادَّةُ، غَفَلَ، بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى السَّتْرِ والحَجْبِ، مِنَ الغِلافِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ فَلا يَنْظُرُ مِنهُ شَيْئًا ولا يَنْظُرُهُ شَيْءٌ ما دامَ فِيهِ، ومِنهُ الغَفْلَةُ - لِلْجِلْدَةِ الَّتِي عَلى الكَمَرَةِ، والغُفْلِ - بِالضَّمِّ: ما لا عَلاقَةَ [لَهُ] مِنَ الأرْضِ، ودابَّةٌ غُفْلٌ، لا سِمَةَ لَها، لِأنَّ عَدَمَ العَلّامَةِ مُؤْدٍ إلى الجَهْلِ بِها فَكَأنَّها في غِلافٍ لا يَنْظُرُ مِنهُ، ومِنهُ رَجُلٌ غُفْلٌ: لا حَسَبَ عِنْدِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى جَهْلِهِ، والتَّغَفُّلِ: الخَتْلُ، أيْ أخْذُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ مَقْصُودَ السُّورَةِ وصْفُ الكِتابِ بَعْدَ الحِكْمَةِ والتَّفْصِيلِ بِالإبانَةِ عَنْ جَمِيعِ المَقاصِدِ المُنْزِلِ لَها؛ وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: هَذِهِ السُّورَةُ مِن جُمْلَةِ ما قُصَّ (p-١٠)عَلَيْهِ ﷺ مِن أنْباءٍ الرُّسُلِ وأخْبارِ مِن تَقَدُّمَهُ مِمّا فِيهِ التَّثْبِيتُ المَمْنُوحُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] ومِمّا وقَعَتِ الإحالَةُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأنْعامِ - كَما تَقَدَّمَ - وإنَّما أُفْرِدَتْ عَلى حِدَّتِها ولَمْ تُنَسَّقْ عَلى قَصَصِ الرُّسُلِ مَعَ أنَّهم في سُورَةٍ واحِدَةٍ لِمُفارَقَةِ مَضْمُونِها تِلْكَ القَصَصِ، ألّا تَرى أنَّ تِلْكَ قَصَصُ إرْسالِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَيْفِيَّةَ تَلَقِّي قَوْمِهِمْ لَهم وإهْلاكِ مُكَذِّبِيهِمْ، أمّا هَذِهِ القِصَّةُ فَحاصِلُها فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ وتَعْرِيفٌ بِحُسْنِ عاقِبَةِ الصَّبْرِ، فَإنَّهُ تَعالى امْتَحَنَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفَقْدِ ابْنَيْهِ وبَصَرِهِ وشَتاتِ بَنِيهِ، وامْتَحَنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُبِّ والبَيْعِ وامْرَأةِ العَزِيزِ وفَقْدِ الأبِ والإخْوَةِ والسِّجْنِ، ثُمَّ امْتَحَنَ جَمِيعَهم بِشُمُولِ الضُّرِّ وقِلَّةِ ذاتِ اليَدِ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ [يوسف: ٨٨] ثُمَّ تَدارَكَهُمُ اللَّهُ بِالفَهْمِ وجَمْعِ شَمْلِهِمْ ورَدِّ بَصَرِ أبِيهِمْ وائْتِلافِ قُلُوبِهِمْ ورَفْعِ ما نَزَعَ بِهِ الشَّيْطانُ وخَلاصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كَيْدٍ كادَهُ واكْتِنافِهِ بِالعِصْمَةِ وبَراءَتِهِ عِنْدَ المَلِكِ والنَّسْوِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا أعْقَبَهُ جَمِيلُ الصَّبْرِ وجَلالُهُ اليَقِينِ في حُسْنِ تَلَقِّي الأقْدارِ بِالتَّفْوِيضِ والتَّسْلِيمِ عَلى تَوالِي الِامْتِحانِ وطُولِ المُدَّةِ، ثُمَّ انْجَرَّ في أثْناءِ هَذِهِ القِصَّةِ الجَلِيلَةِ إنابَةُ (p-١١)امْرَأةِ العَزِيزِ ورُجُوعِها إلى الحَقِّ وشَهادَتِها لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما مَنَحَهُ اللَّهُ مِنَ النَّزاهَةِ عَنْ كُلِّ ما يَشِينُ، ثُمَّ اسْتِخْلاصِ العَزِيزِ إيّاهُ - إلى ما انْجَرَّ في هَذِهِ القِصَّةِ الجَلِيلَةِ مِنَ العَجائِبِ والعِبَرِ ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١] فَقَدِ انْفَرَدَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بِنَفْسِها ولَمْ تُناسِبْ ما ذُكِرَ مِن قَصَصِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبَ ومُوسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما جَرى في أُمَمِهِمْ، فَلِهَذا فُصِلَتْ عَنْهُمْ، وقَدْ أشارَ في سُورَةٍ بِرَأْسِها إلى عاقِبَةِ مِن صَبَرَ ورَضى وسَلَّمَ لِيَتَنَبَّهَ المُؤْمِنُونَ عَلى ما في طَيِّ ذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ لَهم مِمّا أجْمَلَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ الإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] - إلى قَوْلِهِ ”آمِنًا“ وكانَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِجُمْلَتِها أشْبَهُ شَيْءٍ بِحالِ المُؤْمِنِينَ في مُكابَدَتِهِمْ في أوَّلِ الأمْرِ وهِجْرَتِهِمْ وتَشَقُّقِهِمْ مَعَ قَوْمِهِمْ وقِلَّةِ ذاتِ أيْدِيهِمْ إلى أنْ جَمَعَ اللَّهُ شَمَلَهم ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وأوْرَثَهُمُ [اللَّهُ] الأرْضَ وأيَّدَهم ونَصَرَهُمْ، ذَلِكَ بِجَلِيلِ إيمانِهِمْ وعَظِيمِ صَبْرِهِمْ، فَهَذا ما أوْجَبَ تَجَرُّدَ هَذِهِ القِصَّةِ عَنْ تِلْكَ القَصَصِ - واللَّهُ أعْلَمُ، وأمّا تَأخُّرُ ذِكْرِها عَنْها فَمُناسِبٌ لِحالِها ولِأنَّها إخْبارٌ بِعاقِبَةِ مَن آمَنَ واتَّعَظَ ووَقَفَ عِنْدَ ما حَدَّ لَهُ، فَلَمْ يَضُرُّهُ (p-١٢)ما كانَ، ولَمْ تُذْكَرْ إثْرَ قَصَصِ الأعْرافِ لِما بَقِيَ مِنَ اسْتِيفاءِ تِلْكَ القَصَصِ الحاصِلِ ذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ؛ ثُمَّ إنَّ ذِكْرَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ مَعَ مَن كانَ مَعَهم مِنَ المُنافِقِينَ وصَبْرِهِمْ عَلَيْهِمْ مِمّا يَجِبُ أنْ يَتَقَدَّمَ ويُعَقِّبَ بِهَذِهِ القِصَّةِ مِن حَيْثُ عاقِبَةُ [الصَّبْرِ] والحَضُّ عَلَيْهِ - كَما مَرَّ، فَأُخِّرَتْ إلى عَقِبِ سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَجْمُوعِ هَذا - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ؛ ثُمَّ ناسَبَتْ سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا أنْ تَذْكُرَ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] وقَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] وقَوْلِهِ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] -الآيَةُ، وقَوْلِهِ ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ [هود: ١٢١] ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود: ١٢٢] فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ، إمّا نِسْبَتُها لِلْأوْلى فَإنَّ نَدَمَ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واعْتِرافَهم بِخَطّاءِ فِعْلِهِمْ وفَضْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ
﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] وعَفْوِهِ عَنْهم ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] ونَدَمِ امْرَأةِ العَزِيزِ وقَوْلِها ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١] - الآيَةُ، كُلُّ هَذا مِن بابِ إذْهابِ الحَسَنَةِ السَّيِّئَةِ، وكَأنَّ ذَلِكَ مِثالٌ (p-١٣)لِما عَرَفَ المُؤْمِنُونَ مِن إذْهابِ الحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ؛ وأمّا نِسْبَةُ السُّورَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] فَإنَّ هَذا أمْرٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ، فَأتْبَعَ بِحالِ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وما كانَ مِن أمْرِهِما وصَبْرِهِما مَعَ طُولِ المُدَّةِ وتَوالى امْتِحانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُبِّ ومُفارَقَةِ الأبِ والسِّجْنِ حَتّى خَلَّصَهُ اللَّهُ أجْمَلَ خَلاصٍ بَعْدَ طُولِ تِلْكَ المَشَقّاتِ، ألّا تَرى قَوْلَ نَبِيِّنا وقَدْ ذَكَّرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَشَهِدَ لَهُ بِجَلالَةِ الحالِ وعَظِيمِ الصَّبْرِ فَقالَ «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ أخِي يُوسُفَ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ» فَتَأمَّلْ عُذْرَهُ لَهُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وشَهادَتَهُ بِعَظِيمِ قَدْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]
لَمّا قِيلَ لَهُ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] أتَّبِعْ بِحالِ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] - إلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤] وقَدْ شَمِلَتِ الآيَةُ ذِكْرَ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ أمَرَ بِالِاقْتِداءِ في الصَّبْرِ بِهِمْ، وقِيلَ لَهُ ﴿فاصْبِرْ (p-١٤)كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ويُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أُولِي العَزْمِ؛ ثُمَّ إنَّ حالَ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - في صَبْرِهِما ورُؤْيَةِ حُسْنِ عاقِبَةِ الصَّبْرِ في الدُّنْيا مَعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُما مِن عَظِيمِ الثَّوابِ - أنْسُبُ شَيْءٍ لِحالِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مُكابَدَةِ قُرَيْشٍ ومُفارَقَةِ وطَنِهِ، ثُمَّ تَعَقَّبَ ذَلِكَ بِظَفْرِهِ بِعَدْوِهِ وإعْزازِ دِينِهِ وإظْهارِ كَلِمَتِهِ ورُجُوعِهِ إلى بَلَدِهِ عَلى حالَةٍ قَرَّتْ بِها عُيُونُ المُؤْمِنِينَ وما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى أصْحابِهِ - فَتَأمَّلْ ذَلِكَ، ويُوَضِّحُ ما ذَكَرْنا خَتْمُ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠] الآيَةُ فَحاصِلُ هَذا كُلِّهِ الأمْرُ بِالصَّبْرِ وحُسْنُ عَواقِبِ أوْلِياءِ اللَّهِ فِيهِ؛ وأمّا النِّسْبَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] فَلا أنْسَبُ لِهَذا ولا أعْجَبُ مِن حالِ إخْوَةٍ فُضَلاءَ لِأبٍ واحِدٍ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى وصالِحِي عِبادِهِ جَرى بَيْنَهم مِنَ التَّشَتُّتِ ما جَعَلَهُ اللَّهُ عِبْرَةً لِأُولِي الألْبابِ؛ وأمّا النِّسْبَةُ لِآيَةِ التَّهْدِيدِ فَبَيِّنَةٌ، وكَأنَّ الكَلامَ في قُوَّةٍ ”اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم - وانْتَظِرُوا“ (p-١٥)فَلَنْ نَصْبِرَ عَلَيْكم مُدَّةَ صَبْرِ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ وضَّحَ بِفَضْلِ اللَّهِ وجْهَ وُرُودِ هَذِهِ السُّورَةِ عَقِبَ سُورَةِ هُودٍ - واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
12:4Page 235
إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ ٤
[Of these stories mention] when Joseph said to his father,1 "O my father, indeed I have seen [in a dream] eleven stars and the sun and the moon; I saw them prostrating to me."
ولَمّا تَمَّ ما أرادَ تَعالى مِن تَعْلِيلِ الوَصْفِ [بِالمُبِينِ] أبْدَلَ مِن قَوْلِهِ ”أحْسَنُ القَصَصِ“ قَوْلَهُ: ﴿إذْ﴾ أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ خَبَرَ إذْ، أيْ خَبَرَ يُوسُفَ إذْ ﴿قالَ يُوسُفُ﴾ أيِ ابْنُ يَعْقُوبَ إسْرائِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لأبِيهِ﴾ وبَيِّنَ أدَبَهُ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى أنَّ أباهُ عالِي المَنزِلَةِ جِدًّا، وإلى أنَّ الكَلامَ الآتِيَ مِمّا لَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، فَيَنْبَغِي أنْ يَهْتَمَّ بِسَماعِهِ والجَوابِ عَلَيْهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ: ﴿يا أبَتِ﴾ تاءُهُ لِلتَّأْنِيثِ لِأنَّهُ يُوقَفُ عَلَيْها عِنْدَ بَعْضِ القُرّاءِ بِالهاءِ، وكَسْرَتُها عِنْدَ مَن كَسَرَ دالَّةٌ عَلى ياءِ الإضافَةِ الَّتِي عَوَّضَ عَنْها تاءُ التَّأْنِيثِ، واجْتِماعُ الكَسْرَةِ مَعَها كاجْتِماعِها مَعَ الياءِ، وفَتْحُها عِنْدَ مَن فَتْحَ عِوَضٌ عَنِ الألِفِ القائِمَةِ مَقامَ ياءِ الإضافَةِ.
ولَمّا كانَ صَغِيرًا، وكانَ المَنامُ عَظِيمًا خَطِيرًا، اقْتَضى المَقامُ التَّأْكِيدَ فَقالَ: ﴿إنِّي رَأيْتُ﴾ أيْ في مَنامِي، فَهو مِنَ الرُّؤْيا الَّتِي هي رُؤْيَةٌ في المَنامِ، (p-١٦)فَرَّقَ بَيْنَ حالِ النَّوْمِ واليَقَظَةِ في ذَلِكَ بِألِفِ التَّأْنِيثِ ﴿أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ أيْ نَجْمًا كَبِيرًا ظاهِرًا جِدًّا مُضِيئًا بَرّاقًا، وفي عَدَمِ تَكْرارِ هَذِهِ القِصَّةِ في القُرْآنِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: كُرِّرَتْ قِصَصُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمْكِينًا لِفَصاحَتِها بِتَرادُفِ السِّياقِ، وفي تَكْرِيرِ قِصَصِهِمْ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ لَمْ تُكَرَّرْ لِئَلّا تُفْتَرَ فَصاحَتُها، فَكَأنَّ عَدَمَ تَكْرِيرِها لِأنَّ مَقاصِدَ السُّورِ لَمْ تَقْتَضِ ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ لِلنَّيِّرَيْنِ اسْمانِ يَخُصّانِهِما هُما في غايَةِ الشُّهْرَةِ، قالَ مُعَظِّمًا لَهُما: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ ولَمّا تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الحالِ الَّتِي رَآهم عَلَيْها، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى أيِّ حالٍ؟ وكانَتِ الرُّؤْيا باطِنَ البَصَرِ الَّذِي هو باطِنُ النَّظَرِ، فَكانَ التَّعْبِيرُ بِها لِلْإشارَةِ إلى غَرابَةِ هَذا الأمْرِ، زادَ في الإشارَةِ إلى ذَلِكَ بِإعادَةِ الفِعْلِ، وألْحَقَهُ ضَمِيرُ العُقَلاءِ لِتَكُوَنَ دَلالَتُهُ عَلى كُلٍّ مِن عَجِيبِ أمْرِ الرُّؤْيا ومِن فِعْلِ المَرْتى الَّذِي لا يَعْقِلُ فِعْلَ العُقَلاءِ مِن وجْهَيْنِ فَقِيلَ: ﴿رَأيْتُهم لِي﴾ (p-١٧)أيْ خاصَّةً ﴿ساجِدِينَ﴾ ]أجْراهم مَجْرى العُقَلاءِ لِفِعْلِ العُقَلاءِ].
12:5Page 236
قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٥
He said, "O my son, do not relate your vision to your brothers or they will contrive against you a plan. Indeed Satan, to man, is a manifest enemy.
فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُ أبُوهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ عالِمًا بِأنَّ إخْوَتَهُ سَيَحْسُدُونَهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الرُّؤْيا إنْ سَمِعُوها ﴿يا بُنَيَّ﴾ فَبَيَّنَ شَفَقَتَهُ عَلَيْهِ، وأكَّدَ النَّهْيَ بِإظْهارِ الإدْغامِ فَقالَ: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ﴾ أيْ هَذِهِ ﴿عَلى إخْوَتِكَ﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ النَّهْيِ قَوْلُهُ: ﴿فَيَكِيدُوا﴾ أيْ: فَيُوقِعُوا ﴿لَكَ كَيْدًا﴾ أيْ: يَخُصُّكَ، فاللّامُ لِلِاخْتِصاصِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا نَهْيَ عَنِ الغِيبَةِ لِلنَّصِيحَةِ، بَلْ هي مِمّا يُنْدَبُ إلَيْهِ؛ قالَ الرُّمانِيُّ: والرُّؤْيا: تَصَوُّرُ المَعْنى في المَنامِ عَلى تَوَهُّمِ الإبْصارِ، وذَلِكَ أنَّ العَقْلَ مَغْمُورٌ بِالنَّوْمِ، فَإذا تَصَوَّرَ الإنْسانُ المَعْنى تَوَهَّمَ أنَّهُ يَراهُ؛ وقالَ الإمامُ الرّازِي في اللَّوامِعِ: هي رُكُودُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ عَنِ الإدْراكِ والإحْساسِ، وحَرَكَةِ المَشاعِرِ الباطِنَةِ إلى المَدارِكِ، فَإنَّ لِلنَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ حَواسَّ ظاهِرَةً ومَشاعِرَ باطِنَةً، فَإذا سَكَنَتِ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ اسْتُعْمِلَتِ الحَواسُّ الباطِنَةُ في إدْراكِ الأُمُورِ الغائِبَةِ، فَرُبَّما تُدْرِكُها عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها، فَلا يَحْتاجُ إلى تَعْبِيرٍ، ورُبَّما تَراها في صُورَةٍ مُحاكِيَةٍ مُناسِبَةٍ لَها فَيَحْتاجُ إلى التَّعْبِيرِ، مِثالُ الأوَّلِ رُؤْيا النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرامَ، (p-١٨)والثّانِي كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذِهِ.
وقالَ الرُّمانِيُّ: والرُّؤْيا الصّادِقَةُ لَها تَأْوِيلٌ، والرُّؤْيا الكاذِبَةُ لا تَأْوِيلَ لَها - انْتَهى. وهَذا لِمَن يَنامُ قَلْبُهُ وهم مِن عَدا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ شَفَقَةَ الإخْوَةِ تَمْنَعُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ، عَلَّلَهُ تَقْرِيبًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ﴾ أيِ المُحْتَرِقَ المُبْعَدَ ﴿لِلإنْسانِ﴾ أيْ عامَّةٍ ولا سِيَّما الأكابِرُ مِنهم ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ واضِحُ العَداوَةِ ومُوَضِّحُها لِكُلِّ واعٍ فَيُوقِعُ العَداوَةَ بِما يُخَيِّلُهُ مِن فَوْتِ الحُظُوظِ بِتَرْكِها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أمْرَ الرُّؤْيا مُشْكَلٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَقُصَّ إلّا عَلى شَفِيقٍ ناصِحٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences