Al-Biqa'iAl‑A'la · 87:1–14

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الأعلى

Al-A'la

The Most High · Meccan · 19 ayahs

87:1Page 591

سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ١

Exalt the name of your Lord, the Most High,

(p-٣٨٧)سُورَةُ سَبِّحْ وتُسَمّى الأعْلى

قالَ المَلْوِيُّ: وكانَ النَّبِيُّ ﷺ [يُحِبُّها - ] لِكَثْرَةِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ والخَيْراتِ – مَقْصُودُها إيجابُ التَّنْزِيهِ لِلْأعْلى سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ أنْ يَلْحَقَ ساحَةَ عَظَمَتِهِ شَيْءٌ مِن شَوائِبِ النَّقْصِ كاسْتِعْجالٍ في أمْرٍ مِن إهْلاكٍ لِلْكافِرِينَ أوْ غَيْرِهِ أوِ العَجْزِ عَنِ البَعْثِ أوْ إهْمالِ الخَلْقِ سُدًى يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِغَيْرِ حِسابٍ، أوْ أنْ يَتَكَلَّمَ بِما [لا - ] يُطابِقُ الواقِعَ أوْ بِما يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِهِ كَما أذِنَتْ بِذَلِكَ الطّارِقُ مُجْمَلًا وشَرَحَتْهُ هَذِهِ مُفَصَّلًا، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ كُلٌّ مِنِ اسْمِها سَبِّحْ والأعْلى ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ العُلى كُلُّهُ فَلا نَقْصَ يَلْحَقُهُ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ جُودُهُ، فَكُلُّ مَوْجُودٍ هو الَّذِي أوْجَدَهُ وكُلُّ حَيَوانٍ هو الَّذِي يُرَبِّيهِ ويَرْزُقُهُ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي [مَن - ] كانَ مِن حِزْبِهِ فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ الطّاعَةَ ويُيَسِّرُها لَهُ ويُوَفِّقُهُ.

* *

(p-٣٨٨)لِما تَضَمَّنَ أمْرُهُ سُبْحانَهُ في آخِرِ الطّارِقِ بِالإمْهالِ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِعْجالِ الَّذِي هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ لِكَوْنِهِ [نَقْصًا- ]، وأشارَ نَفْيُ الهَزْلِ [عَنِ القُرْآنِ -] - إلى أنَّهم وصَمُوهُ بِذَلِكَ وهو في غايَةِ البُعْدِ [عَنْهُ - ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ فِيها ونَزَّهَ نَفْسَهُ الأقْدَسَ سُبْحانَهُ عَنْهُ، أمَرَ أكْمَلَ خَلْقِهِ رَسُولَهُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنُ ﷺ بِتَنْزِيهِ اسْمِهِ لِأنَّهُ وحْدَهُ العالِمُ بِذَلِكَ حَقَّ عِلْمِهِ، وإذا نُزِّهَ اسْمُهُ عَنْ أنْ يَدْعُوَ بِهِ وثَنًا أوْ غَيْرَهُ أوْ يَضَعُهُ في غَيْرِ ما يَلِيقُ بِهِ، كانَ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ أشَدَّ تَنْزِيهًا، فَقالَ مُرَغِّبًا في الذِّكْرِ لا سِيَّما بِالتَّنْزِيهِ الَّذِي هو نَفْيُ المُسْتَحِيلاتِ لِأنَّ التَّخَلِّي قَبْلَ التَّحَلِّي، شارِحًا لِأُصُولِ الدِّينِ مُقَدِّمًا لِلْإلَهِيّاتِ الَّتِي هي النِّهاياتُ مِنَ الذّاتِ ثُمَّ الصِّفاتُ لا سِيَّما القَيُّومِيَّةُ ثُمَّ الأفْعالُ عَلى النُّبُوّاتِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ النُّبُوَّةَ لِيَعْرِفَ العَبْدُ رَبَّهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ، فَيَزُولُ عَنْهُ داءُ الجَهْلِ المُوقِعُ في التَّقْلِيدِ، وداءُ الكِبْرِ المُوقِعُ في إنْكارِ الحُقُوقِ، فَيَعْتَرِفُ بِالعُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، لا مُثْنِيًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالجَلالِ ثُمَّ الجَمالِ فَيَعْبُدُهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ امْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ: ﴿سَبِّحِ﴾ أيْ نَزَّهَ وبَرِئَ تَنْزِيهًا وتَبْرِئَةً عَظِيمَتَيْنِ جَدًّا قَوِيَّتَيْنِ شَدِيدَتَيْنِ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بَعْدَ إيجادِكَ عَلى صِفَةِ الكَمالِ بِتَرْبِيَتِكَ (p-٣٨٩)عَلى أحْسَنِ الخِلالِ حَتّى كُنْتَ في غايَةِ الجَلالِ والجَمالِ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مُحْتاجًا في أنْ تَكُونَ حَياتُهُ طَيِّبَةً لِيَتَمَكَّنَ مِمّا يُرِيدُ إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: كَبِيرٌ يَنْتَمِي إلَيْهِ لِيَكُونَ لَهُ بِهِ رِفْعَةٌ يَنْفَعُهُ بِها عِنْدَ مُهِمّاتِهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ عِنْدَ ضَرُوراتِهِ، ومُقْتَدى يَرْبُطُ بِهِ نَفْسَهُ عِنْدَ مُلِمّاتِهِ، وطَرِيقَةٌ مُثْلى تَرْتَكِبُها كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا ورَسُولًا وبِالإسْلامِ دِينًا» أرْشَدَهُ ﷺ إلى أنَّ الِانْقِطاعَ إلَيْهِ أعْلى الجاهِ، فَقالَ واصِفًا لِمَن أمَرَهُ بِتَسْبِيحِهِ بِإثْباتِ ما لَهُ مِنَ الواجِباتِ بَعْدَ نَفْيِ المُسْتَحِيلاتِ كَما أشارَ إلَيْهِ ”سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ“: ﴿الأعْلى﴾ [أيِ - ] الَّذِي لَهُ وصْفُ الأعْلَوِيَّةِ في المَكانَةِ لا المَكانُ عَلى الإطْلاقِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ وكُلِّ سُوءٍ مِنَ الإلْحادِ في شَيْءٍ مِن أسْمائِهِ بِالتَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ وإطْلاقِهِ إلى غَيْرِهِ مَعَ زَعْمٍ أنَّهُما فِيهِ سَواءٌ، وذَكَرَهُ خالِيًا عَنِ التَّعْظِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِيَكُونَ راسِخًا في التَّنْزِيهِ فَيَكُونُ مِن أهْلِ العِرْفانِ الَّذِينَ يُضِيئُونَ عَلى النّاسِ مَعَ كَوْنِهِمْ في الرُّسُوخِ كالأوْتادِ الشّامِخَةِ الَّتِي هي مَعَ عُلُوِّها لا تَتَزَحْزَحُ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ (p-٣٩٠)هَذا المَعْنى مُعَبِّرًا عَنْهُ بِجَمِيعِ جِهاتِهِ [الأرْبَعِ - ] في ابْتِداءِ سُوَرِ أرْبَعٌ اسْتِيعابًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ الحُسْنى الشَّرِيفَةِ مِن جَمِيعِ جِهاتِها. فابْتَدَأ سُورَةَ الإسْراءِ الَّتِي هي سُورَةُ الإحْسانِ بِ ”سُبْحانَ“ المَصْدَرُ الصّالِحُ لِجَمِيعِ مَعانِيهِ إعْلامًا بِأنَّ هَذا المَعْنى ثابِتٌ لَهُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِن زَمانٍ أوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ ثَنى بِالماضِي في أوَّلِ الحَدِيدِ والحَشْرِ والصَّفِّ تَصْرِيحًا بِوُقُوعِ ما أفْهَمَهُ المَصْدَرُ في الماضِي الَّذِي يَشْمَلُ أزَلَ الآزالِ إلى وقْتِ الإنْزالِ، ثُمَّ ثُلْثٌ في أوَّلِ الجُمْعَةِ والتَّغابُنِ بِالمُضارِعِ لِأنْ يَفْهَمَ مَعَ ما أفْهَمَ المَصْدَرَ والماضِي دَوامَ التَّجَدُّدِ، فَلَمّا تَمَّ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ تَوَجَّهَ الأمْرُ فَخُصَّتْ بِهِ سُورَتُهُ، وقَدْ مَضى في أوَّلِ الحَدِيدِ والجُمْعَةِ ما يُتَمِّمُ هَذا.

87:2Page 591

ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢

Who created and proportioned

ولَمّا كانَ الإبْداعُ أدَلَّ ما يَكُونُ مَعَ التَّنَزُّهِ عَلى الكَمالِ لا سِيَّما النُّورُ الَّذِي هو سَبَبُ الِانْكِشافِ والظُّهُورِ، مَعَ أنَّهُ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ ”مِمَّ خُلِقَ“ وهو أدَلُّ شَيْءٍ عَلى البَعْثِ المَذْكُورِ ”فِي [يَوْمِ - ] تُبْلى السَّرائِرُ“ قالَ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ الَّذِي أبْهَمَهُ لِوُضُوحِهِ في ”مِمَّ خُلِقَ“ مُرَغِّبًا في الفِكْرِ في أفْعالِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّذِي هو السَّبَبُ الأقْرَبُ لِلسَّعادَةِ بِالدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ الجائِزاتِ بَعْدَ التَّرْغِيبِ في الذِّكْرِ الَّذِي هو المُهَيِّئُ لِلْفِكْرِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ (p-٣٩١)أيْ أوْجَدَ مِنَ العَدَمِ أيْ لَهُ صِفَةُ الإيجادِ لِكُلِّ ما أرادَهُ لا يَعْسُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿فَسَوّى﴾ أيْ أوْقَعَ مَعَ الإيجادِ وعَقِبَهُ التَّسْوِيَةَ في كُلِّ خَلْقٍ بِأنْ جَعَلَ لَهُ ما يَتَأتّى مَعَهُ كَمالُهُ ويَتِمُّ مَعاشُهُ، وعَدَلَ بَيْنَ الأمْزِجَةِ الأرْبَعَةِ الماءِ والهَواءِ والنّارِ بَعْدَ أنْ قَهَرَها عَلى الجَمْعِ مَعَ التَّضادِّ لِئَلّا تَتَفاسَدَ، وذَلِكَ بِالعِلْمِ التّامِّ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ دَلالَةً عَلى تَمامِ حِكْمَتِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ.

وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُخْبِرًا عَنْ عَمَهِ الكُفّارِ في ظَلامِ حَيْرَتِهِمْ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] وكانَ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنَ العَبِيدِ المُحاطِ بِأعْمالِهِمْ ودَقائِقِ أنْفاسِهِمْ وأحْوالِهِمْ مِن أقْبَحِ مُرْتَكَبٍ وأبْعَدِهِ عَنِ المَعْرِفَةِ بِشَيْءٍ مِن عَظِيمِ أمْرِ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ وتَعالى عَلاؤُهُ وشَأْنُهُ، أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِأمْرِ نَبِيِّهِ ﷺ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ الأعْلى عَنْ شَنِيعِ اعْتِدائِهِمْ وإفْكِ افْتِرائِهِمْ، فَقالَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] أيْ نَزَّهَهُ عَنْ قَبِيحِ مَقالِهِمْ، وقَدَّمَ التَّنْبِيهَ عَلى التَّنْزِيهِ في أمْثالِ هَذا ونَظائِرِهِ ووُقُوعِ ذَلِكَ أثْناءَ السُّوَرِ [و - ] فِيما بَيْنَ سُورَةٍ وأُخْرى، وأتْبَعَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ التَّعْرِيفِ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وعَلَيَّ حِكْمَتِهِ بِما يُبَيِّنُ ضَلالَهم فَقالَ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] (p-٣٩٢)﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وتَنَزَّهَ عَمّا يَتَقَوَّلُهُ المُفْتَرُونَ - انْتَهى.

87:3Page 591

وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣

And who destined and [then] guided

ولَمّا كانَ جَعْلُ الأشْياءِ عَلى أقْدارٍ مُتَفاوِتَةٍ مَعَ الهِدايَةِ إلى ما وقَعَ الخَلْقُ لَهُ عَلى أوْجُهٍ مُتَفاضِلَةٍ مَعَ التَّساوِي في العَناصِرِ مِمّا يَلِي التَّسْوِيَةَ، وهو مِن خَواصِّ المَلِكِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا مَعَ الكَمالِ، أتْبَعَهُ بِهِ بِالواوِ دَلالَةً عَلى تَمَكُّنِ الأوْصافِ فَقالَ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ أيْ أوْقَعَ تَقْدِيرَهُ في أجْناسِ الأشْياءِ وأنْواعِها وأشْخاصِها ومَقادِيرِها وصِفاتِها وأفْعالِها وآجالِها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِها، فَجَعَلَ البَطْشَ لِلْيَدِ والمَشْيَ لِلرَّجُلِ والسَّمْعَ لِلْأُذُنِ والبَصَرَ لِلْعَيْنِ ونَحْوَ ذَلِكَ ﴿فَهَدى﴾ أيْ أوْقَعَ بِسَبَبِ تَقْدِيرِهِ وعَقِبِهِ الهِدايَةَ لِذَلِكَ الَّذِي وقَعَ التَّقْدِيرُ مِن أجْلِهِ مِنَ الشَّكْلِ والجَواهِرِ والأعْراضِ الَّتِي هَيَّأهُ بِها لِما يَلِيقُ بِهِ طَبْعًا أوِ اخْتِيارًا بِخَلْقِ المُيُولِ والإلْهاماتِ، ونَصْبِ الدَّلائِلِ والآياتِ لِدَفْعِ الشُّرُورِ وجَلْبِ الخُيُورِ، فَتَرى الطِّفْلَ أوَّلُ ما يَقَعُ مِنَ البَطْنِ يَفْتَحُ فاهُ لِلرَّضاعَةِ، وغَيْرُهُ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ، يَهْتَدِي إلى ما يَنْفَعُهُ مِن سائِرِ الِانْتِفاعاتِ، فالخَلْقُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّسْوِيَةِ لِيَحْصُلَ الِاعْتِدالُ، والتَّقْدِيرُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الهِدايَةِ لِيَحْصُلَ الكَمالُ.

87:4Page 591

وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ٤

And who brings out the pasture

ولَمّا كانَتْ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ تارَةً بِالنَّفْسِ وتارَةً بِالآفاقِ، ونَبَّهَ بِآياتِ النَّفْسِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا آياتُ الآفاقِ، وكانَ النَّباتُ مِن آياتِها (p-٣٩٣)أدَلَّ المَخْلُوقاتِ عَلى البَعْثِ قالَ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ﴾ أيْ أوْقَعَ إخْراجَ ﴿المَرْعى﴾ بِما أنْزَلَ مِنَ المُعْصِراتِ فَأنْبَتَ ما تَرْعاهُ الدَّوابُّ مِنَ النَّجْمِ وغَيْرِهِ بَدْءًا وإعادَةً، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ لا سِيَّما عَلى البَعْثِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أقْدَرُ عَلى جَمْعِ الأمْواتِ مِنَ الأرْضِ بِنَفْسِهِ بَعْدَ أنْ تَفَتَّتُوا مِنَ الماءِ عَلى جَمْعِهِ لِلنَّباتِ الَّذِي كانَ تُفَتَّتُ في الأرْضِ وصارَ [تُرابًا و-] إخْراجُهُ كَما كانَ في العامِ الماضِي بِإذْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو خَلْقٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ.

87:5Page 591

فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ ٥

And [then] makes it black stubble.

ولَمّا كانَ إيباسُهُ وتَسْوِيدُهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ ونُمُوِّهِ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وكَمالِ الِاخْتِيارِ بِمُعاقَبَةِ الأضْدادِ عَلى الذّاتِ الواحِدَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ﴾ أيْ بَعْدَ أطْوارٍ مِن زَمَنِ إخْراجِهِ ﴿غُثاءً﴾ أيْ كَثِيرًا، ثُمَّ أنْهاهُ فَأيْبَسَهُ وهَشَّمَهُ ومَزَّقَهُ فَجَمَعَ السَّيْلَ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ فَجَعَلَهُ زَبَدًا وهالِكًا وبالِيًا وفُتاتًا عَلى [وجْهِ - ] الأرْضِ ﴿أحْوى﴾ أيْ في غايَةِ الرَّيِّ حَتّى صارَ أسْوَدَ يَضْرِبُ إلى خُضْرَةٍ، أوْ أحْمَرَ يَضْرِبُ إلى سَوادٍ، أوِ اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ فَصارَتْ تَضْرِبُ إلى سَوادٍ، وقالَ القَزّازُ رَحِمَهُ اللَّهُ في دِيوانِهِ: الحُوَّةُ شِيَةٌ مِن شِياتِ الخَيْلِ، وهى بَيْنَ الدُّهْمَةِ والكُمْتَةِ، وكَثُرَ هَذا حَتّى سَمَّوْا كُلَّ أسْوَدَ أحَوى - انْتَهى. فَيَجُوزُ أنْ يُرِيدَ حِينَئِذٍ أنَّهُ أسْوَدُ مِن شِدَّةِ يَبْسِهِ فَحَوَتْهُ الرِّياحُ وجَمَعَتْهُ مِن كُلِّ أوْبٍ (p-٣٩٤)حَيْثُ تُفَتَّتُ، فَكُلٌّ مِنَ الكَلِمَتَيْنِ فِيها حَياةٌ ومَوْتٌ، وأخَّرَ الثّانِيَةَ لِتَحَمُّلِهِما لِأنَّ دَلالَتَها عَلى الخُضْرَةِ أتَمُّ، فَلَوْ قُدِّمَتْ لَمْ تُصْرَفْ إلى غَيْرِها، فَدَلَّ جَمْعُهُ بَيْنَ الأضْدادِ عَلى الذّاتِ الواحِدَةِ عَلى كَمالِ الِاخْتِيارِ، وأمّا الطَّبائِعُ فَلَيْسَ لَها مِنَ التَّأْثِيرِ الَّذِي أقامَها سُبْحانَهُ فِيهِ إلّا الإيجابِيُّ كالنّارِ مَتى أصابَتْ شَيْئًا أحْرَقَتْهُ، ولا تَقْدِرُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ تَنْقُلَهُ إلى صِفَةٍ أُخْرى غَيْرِ الَّتِي أثَرْتَها فِيهِ، وأشارَ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ إلى تَذَكُّرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ في كُلِّ عامٍ الدّالُّ عَلى بَعْثِ الخَلائِقِ، وخُصَّ المَرْعى لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى البَعْثِ لِأنَّهُ مِمّا يُنْبِتُهُ النّاسُ، وإذا انْتَهى تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ وصارَ تُرابًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ سُبْحانَهُ بِالماءِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ سَواءٌ [ كَما يَفْعَلُ بِالأمْواتِ سَواءٌ - ] مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا.

87:6Page 591

سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦

We will make you recite, [O Muḥammad], and you will not forget,

ولَمّا اسْتَوْفى سُبْحانَهُ وتَعالى وصْفَ مَن أمَرَهُ ﷺ بِتَسْبِيحِهِ بِما دَلَّ عَلى أوْصافِ جِمالِهِ ونُعُوتِ كِبْرِيائِهِ وجَلالِهِ، وشَرَحَ ما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى الإبْداعِ والهِدايَةِ والتَّصَرُّفِ في الأرْواحِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ بِالنَّشْرِ والطَّيِّ والقَبْضِ والبَسْطِ، فَدَلَّ عَلى تَمامِ أُصُولِ الدِّينِ بِالدَّلالَةِ عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مِن ذاتِهِ إلى صِفاتِهِ ثُمَّ إلى أفْعالِهِ فَتَمَّ ما لِلْخالِقِ، أتْبَعَهُ ما لِلْخَلائِقِ وبَدَأ بِما لِأشْرَفِ (p-٣٩٥)خَلْقِهِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ تَقْدِيرًا لِلنُّبُوَّةِ الَّتِي بِها تَتِمُّ السَّعادَةُ بِالحَقائِقِ الواصِلَةِ مِنَ الحَقِّ إلى عَبْدِهِ، الَّتِي بِها يَتِمُّ أمْرُهُ مِنَ القُوَّتَيْنِ العِلْمِيَّةِ ثُمَّ العَمَلِيَّةِ بِقَبُولِ الرِّسالَةِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ، لِأنَّ حَياةَ الإنْسانِ لا يَتِمُّ طِيبُها إلّا بِمُقْتَدِي يُقْتَدى بِهِ مِن أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وسائِرِ أحْوالِهِ، ولا مُقْتَدِيَ مِثْلُ المَعْصُومِ عَنْ كُلِّ مَيْلٍ المُوجَبِ ذَلِكَ الحُبَّ مِن كُلِّ ما يَعْرِفُ حالَهُ، والحُبُّ في اللَّهِ أعْظَمُ دَعائِمِ الدِّينِ، فَقالَ مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ لِلْمَوْصُوفِ بِالجَلالِ والجَمالِ دالًّا [عَلى - ] أنَّهُ يُحْيِي مَيِّتَ الأرْواحِ بِالعِلْمِ كَما يُحْيِي مَيِّتَ الأشْباحَ بِالأرْواحِ ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أيْ نَجْعَلُكَ بِعَظَمَتِنا بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ بِالتَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ قارِئًا، أيْ جامِعًا لِهَذا الذِّكْرِ الَّذِي هو حَياةُ الأرْواحِ بِمَنزِلَةِ حَياةِ الأشْباحِ، الَّذِي تُقَدِّمُ أنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ، عالِمًا بِهِ كُلَّ عِلْمٍ، ناشِرًا لَهُ في كُلِّ حَيٍّ، فارِقًا بِهِ [بَيْنَ - ] كُلِّ مُلْتَبِسٍ، وإنْ كانَتْ أُمِّيًّا لا تَحْسُنُ الكِتابَةُ ولا القِراءَةُ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ أيْ شَيْئًا مِنهُ ولا مِن غَيْرِهِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ آيَتانِ: كَوْنُكَ تَقْرَأُ وأنْتَ أُمِّيٌّ، وكَوْنُكَ تُخْبِرُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ كَما قُلْتَ فَلا تُحَرِّكْ [بِهِ - ] لِسانَكَ عِنْدَ التَّنْزِيلِ لِتَعْجَلَ بِهِ ولا تُتْعِبْ نَفْسَكَ فَإنَّ عَلَيْنا حِفْظَهُ في صَدْرِكَ وإنْطاقِ لِسانِكَ بِهِ.

87:7Page 591

إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧

Except what Allāh should will. Indeed, He knows what is declared and what is hidden.

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَنْسَخُ مِنَ الشَّرِيعَةِ ما يَشاءُ بِحَسَبِ المَصالِحِ تَخْفِيفًا لِما لَهُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الرِّفْقِ، قالَ لافِتًا القَوْلَ إلى سِياقِ الغَيْبَةِ (p-٣٩٦)إَعْلامًا بِأنَّ ذِكْرَ الجَلالَةِ أعْظَمُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأداةِ العَظَمَةِ: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، أنْ تَنْساهُ لِأنَّهُ نَسَخَهُ، أوْ لِتَظْهَرَ عَظَمَتُهُ في أنَّ أعْظَمَ الخَلْقِ يَغْلِبُهُ القُرْآنُ لِأنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ فَتَنْسى الآيَةَ أوِ الكَلِمَةَ ثُمَّ تَذْكُرُها تارَةً بِتَذْكِيرِ أحَدٍ مِن آحادِ أُمَّتِكَ وتارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ الفاعِلُ لِهَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها لا سِيَّما الإقْراءُ والحُكْمُ عَلى ما يَقْرَأُ بِأنَّهُ لا يَنْسى إلّا ما شاءَ مِنهُ إلّا يَكُونُ لا مُحِيطَ العِلْمِ، قالَ تَعالى مُصَرِّحًا بِذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ أهْلِ القُصُورِ في النَّظَرِ لِمَثَلِهِ جارِيًا عَلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ مُعَبِّرًا بِالضَّمِيرِ إشارَةً إلى تَعالِيهِ في العَظَمَةِ إلى حَيْثُ تَنْقَطِعُ أمانِي الخَلْقِ عَنْ إدْراكِهِ بِما كَثُرَ مِن أفْعالِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الَّذِي مَهْما شاءَ كانَ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]

ولَمّا كانَ المُرادُ بَيانَ إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنَّ نِسْبَةَ الجَلْيِّ والخَفِيِّ مِن جَهْرِهِ بِالقُرْآنِ وتَرْدِيدِهِ عَلى قَلْبِهِ سِرًّا وغَيْرِ ذَلِكَ إلَيْهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، وكانَ السِّياقُ لِلْجَلِيِّ، ذَكَرَهُما مُصَرِّحًا بِكُلٍّ مِنهُما مُقَدِّمًا الجَلِيَّ (p-٣٩٧)لِأنَّ هَذا مَقامُهُ، وذَكَرَهُ بِوَصْفِهِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ بِهِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ ثابِتٌ لَهُ هَذا الوَصْفَ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ في الإقْراءِ والقِراءَةِ وغَيْرِهِما. ولَمّا ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُهُ مُطْلَقًا لا بِقَيْدِ كَوْنِهِ جَهْرًا، قالَ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ: ﴿وما يَخْفى﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ خَفاؤُهُ مِنَ القِراءَةِ وغَيْرِها عَلى أيْ حالَةٍ كانَ الإخْفاءُ، فَيَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ بِهِ إذا جَهَرَ بِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى.

87:8Page 591

وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ ٨

And We will ease you toward ease.1

ولَمّا ذَكَرَ الإلَهِيّاتِ والنُّبُوَّةِ وأُشِيرَ إلى النُّسَخِ، أشارَ إلى أنَّ الدِّينَ المَشْرُوعَ لَهُ هو الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُقِيمُهُ في شَيْءٍ بِنَسْخٍ أوْ غَيْرِهِ إلّا كانَ هو الأيْسَرُ [لَهُ - ] والأرْفَقُ، لِأنَّ الرِّفْقَ والعُنْفَ يَتَغَيَّرانِ بِحَسَبِ الزَّمانِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلْقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ أثَرَ بَيانِهِ لِلْعِلْمِيَّةِ: ﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ أيْ نَجْعَلُكَ أنْتَ مُهَيَّأً مُسَهَّلًا [مُلَيَّنًا - ] مُوَفَّقًا ﴿لِلْيُسْرى﴾ أيْ في حِفْظِ الوَحْيِ وتَدَبُّرِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطَّرائِقِ والحالاتِ كُلِّها الَّتِي هي لَيِّنَةٌ سَهْلَةٌ خَفِيفَةٌ - كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ”كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ“ ولِهَذا لَمْ يَقُلْ: ونُيَسِّرُ لَكَ، لِأنَّهُ هو مَطْبُوعٌ عَلى حُبِّها.

87:9Page 591

فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩

So remind, if the reminder should benefit;1

ولَمّا كَمَّلَهُ ﷺ وهَيَّأهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْأيْسَرِ ويَسَّرَهُ غايَةَ التَّيْسِيرِ، سَبَّبَ عَنْهُ وُجُوبَ التَّذْكِيرِ لِكُلِّ أحَدٍ في كُلِّ حالَةٍ (p-٣٩٨)تَكْمِيلًا لِغَيْرِهِ شَفَقَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ بَعْدَ لَمّا [لَهُ - ] في نَفْسِهِ فَإنَّ لِلَّهِ ساعاتٍ لَهُ فِيها نَفَحاتٍ تُقْضى فِيها الحاجاتُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ صارَ كالطَّبِيبِ الحاذِقِ في عِلاجِ المَرْضى فَيَقُومُ بِنَفْعِ عِبادِهِ لِشُكْرِهِ [بَعْدَ - ] ذِكْرِهِ بِإذْنٍ مِنهُ إشارَةً إلى [أنَّ - ] التِّلْمِيذَ يَحْتاجُ إلى إذَنِ المَشايِخِ وتَزْكِيَتِهِمْ، [وإلى - ] أنَّ أعْظَمَ الأدْواءِ أنْ يَقْتَصِرَ الإنْسانُ عَلى ما عِنْدَهُ ولا يَطْلُبُ الِازْدِيادَ مِمّا لَيْسَ عِنْدَهُ مِن خَيْرِ الزّادِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ بِهَذا الذِّكْرِ الحَكِيمِ، وعَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ إفْهامًا لِلْإطْلاقِ الكُلِّيِّ فَقالَ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أيْ إنْ جَوَّزْتَ نَفْعَها وتَرَجَّيْتَهُ [ولَوْ كانَ -] عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ - بِما أشارَ إلَيْهِ تَأْنِيثُ الفِعْلِ بَعْدَ ما أفادَتْهُ أداةُ الشَّكِّ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ الغَيْبَ لا يَقْطَعُ بِعَدَمِ نَفْعِ أحَدٍ بَلْ لا يَزالُ عَلى رَجاءٍ مِنهُ وإنِ اسْتَبْعَدَهُ، ولِهَذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَزالُ يَدْعُو إلى اللَّهِ تَعالى وإنِ اشْتَدَّ الأمْرُ، ولا يُحَقِّرُ أحَدًا أنْ يَدْعُوَهُ ولا يَيْأسَ مِن أحَدٍ وإنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، والأمْرُ بِالإعْراضِ عَمَّنْ تَوَلّى ونَحْوَ ذَلِكَ [ إنَّما هو بِالإعْراضِ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِ ومِن تَقْطِيعِ النَّفْسِ لِأجْلِهِ حَسَراتٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. - ]

87:10Page 591

سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ١٠

He who fears [Allāh] will be reminded.

ولَمّا أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ لِكُلِّ أحَدٍ، قَسَّمَ النّاسَ لَهُ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَقْبَلُ العِلاجَ، وقِسْمٌ لا يَقْبَلُهُ، إعْلامًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِكُلٍّ مِنَ القِسْمَيْنِ (p-٣٩٩)جُمْلَةً وأفْرادًا عَلى التَّعْيِينِ ولَمْ يَزَلْ عالِمًا بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنِ ابْتِلاءً مِنهُ لِعِبادِهِ لِتَقُومَ لَهُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِما يَتَعارَفُونَهُ بَيْنَهم ولَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ، فَقالَ حاثًّا عَلى شُكْرِ الجَوائِحِ [مِنَ - ] العَقْلِ ونَحْوِهِ والجَوارِحِ مِنَ القَلْبِ واللِّسانِ وغَيْرِهِما: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ أيْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ولَوْ عَلى أخْفى وُجُوهِ التَّذْكِيرِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ ﴿مَن يَخْشى﴾ أيْ في جِبِلَّتِهِ نَوْعُ خَشْيَةٍ، وهو السَّعِيدُ لِما قُدِّرَ لَهُ في نَفْسِهِ مِنَ السَّعادَةِ العُظْمى لِقَبُولِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ فَيَذْكُرُ ما يَعْلَمُ مِنها في نَفْسِهِ فَيَتَّعِظُ، فَإنَّ الخَشْيَةَ [حامِلَةٌ - ] عَلى كُلِّ خَيْرٍ فَيَتَنَعَّمُ بِقَلْبِهِ وقالَبِهِ في الجَنَّةِ العُلْيا ويَحْيى فِيها حَياةً طَيِّبَةً مِن غَيْرِ سُقْمٍ ولا تَوًى، دائِمًا بِلا آخِرَ وانْتِهاءٍ.

87:11Page 591

وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى ١١

But the wretched one will avoid it –

ولَمّا ذَكَرَ مَن يُحِبُّ حُبَّهُ في اللَّهِ ذَكَرَ مَن يُبْغِضُ في اللَّهِ، وعَلامَةُ الحُبِّ الِاقْتِداءُ، وعَلامَةُ البُغْضِ التَّجَنُّبُ والِانْتِهاءُ والِابْتِداعُ والإباءُ، فَقالَ: ﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيْ يُكَلِّفُ نَفْسَهُ وفِطْرَتَهُ الأُولى المُسْتَقِيمَةُ تَجَنُّبُ الذِّكْرى الَّتِي نَشاءُ تَذْكِيرَهُ بِها مِن أشْرَفِ الخَلائِقِ وأعْظَمِهِمْ وصِلَةٍ بِالخالِقِ. ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي يُعالِجُ نَفْسَهُ عَلى العِوَجِ شَدِيدَ العُتُوِّ قالَ: ﴿الأشْقى﴾ أيِ الَّذِي لَهُ هَذا الوَصْفُ عَلى الإطْلاقِ لِأنَّهُ خالَفَ أشْرَفَ الرُّسُلِ فَهو لا يَخْشى فَكانَ أشْقى النّاسِ، كَما أنَّ مَن آمَنَ بِهِ (p-٤٠٠)أشْرَفُ مِمَّنْ آمَنَ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

87:12Page 591

ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ١٢

[He] who will [enter and] burn in the greatest Fire,

ولَمّا ذَكَرَ وصْفَهُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُ العَمَلَ السِّيِّئَ، ذَكَرَ جَزاءَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي يَصْلى﴾ أيْ يُباشِرُ مُباشَرَةَ الغَمُوسِ [بِقَلْبِهِ - ] وقالَبِهِ مُقاسِيًا ﴿النّارَ الكُبْرى﴾ [أيِ - ] الَّتِي هي أعْظَمُ الطَّبَقاتِ وهي السُّفْلى لِأنَّهُ لَيْسَ في طَبْعِهِ أنْ يُخْشى، بَلْ هو كالجُلْمُودِ الأقْسى لِأنَّهُ جاهِلٌ مُقَلِّدٌ أوْ مُتَكَبِّرٌ مُعانِدٌ، أوِ المُرادُ نارُ الأُخْرى فَإنَّها أعْظَمُ مِن نارِ البَرْزَخِ وأعْظَمُ مِن نارِ الدُّنْيا بِسَبْعِينَ جُزْءًا، فَلِهَذا اسْتَحَقَّتْ أنْ تَتَّصِفَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ عَلى الإطْلاقِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الثَّمَرَةَ في الأوَّلِ وهي الخَشْيَةُ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّها مِنَ الثّانِي، وهي القَسْوَةُ النّاشِئَةُ عَلى الحُكْمِ بِالشَّقاوَةِ، وذَكَرَ الأصْلَ والسَّبَبَ في الثّانِي وهو الشَّقاوَةُ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ في الأوَّلِ وهو السَّعادَةُ، فالإسْعادُ سَبَبٌ والخَشْيَةُ ثَمَرَةٌ، والإشْقاءُ سَبَبٌ والقَساوَةُ ثَمَرَةٌ ومُسَبِّبٌ، وكَذا ما نَبْعُهُ مِنَ النّارِ وما نَشَأ عَنْهُ، وسِرُّ ذَلِكَ [أنَّهُ - ] ذَكَرَ مَبْدَأ السَّعادَةِ أوَّلًا حَثًّا عَلَيْهِ، ومَآلُ الشَّقاوَةِ ثانِيًا تَحْذِيرًا مِنهُ، قالَ المَلْوِيُّ: ولا شَكَّ أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ البَراعَةِ في التَّرْكِيبِ وبَداعَةِ التَّرْتِيبِ (p-٤٠١)وكَثْرَةُ العُلُومِ مَعَ الِاخْتِصارِ وعَدَمُ التَّكْرارِ، فَيَكْتَفِي في مَوْضِعٍ بِالثَّمَرَةِ بِلا سَبَبٍ وفي آخَرَ بِالسَّبَبِ بِلا ثَمَرَةٍ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي والثّانِي عَلى الأوَّلِ، فَيَضُمُّ السَّبَبَ إلى الثَّمَرَةِ والثَّمَرَةِ إلى السَّبَبِ كَما يُطْلَقُ القَضاءُ ويُكْتَفى بِهِ عَنِ القَدْرِ، ويُطْلَقُ القَدْرُ ويُكْتَفى بِهِ عَنِ القَضاءِ، وكَذَلِكَ يُذْكَرُ الحُكْمُ ويُتْرَكانِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِما فَتُذْكَرُ الثَّلاثَةُ، ويَظْهَرُ بِمِثالٍ وهو أنَّ مَن أرادَ إقامَةَ دُولابٍ يُهَنْدِسُ أوَّلًا مَوْضِعَ البِئْرِ بِسَهْمِهِ وتُرْسِهِ ومَدارِهِ وحَوْضِهِ الَّذِي يَصُبُّ فِيهِ المارُّ وجَداوِلَهُ الَّتِي يَنْساقُ مِنها، فَهَذا هَنْدَسَةٌ وتَدْبِيرٌ وحُكْمٌ وإرادَةٌ، فَإذا صَنَعَ ذَلِكَ وأتَمَّهُ سُمِّيَ قَضاءً وإيجادًا وتَأْثِيرًا، فَإذا رَكِبَ عَلى الجِبالِ قَوادِيسُ تَحْمِلُ مِقْدارًا مِنَ الماءِ مُعِينًا إذا نَزَلَتْ إلى الماءِ أخَذَتْهُ، وإذا صَعِدَتْ فانْتَهَتْ وأرادَتِ الهُبُوطَ فَرَّغَتْهُ فَتُصَرِّفُ الماءَ مِن جَداوِلِهِ إلى ما صَنَعَ لَهُ كانَ ذَلِكَ قَدْرًا فَهو النِّهايَةُ، فَمَتى ذَكَرَ واحِدٌ مِنَ الثَّلاثَةِ: الحُكْمُ والقَضاءُ والقَدَرُ، دَلَّ عَلى الآخَرِ.

87:13Page 591

ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ١٣

Neither dying therein nor living.

ولَمّا كانَ ما هَذا شَأْنُهُ يَهْلَكُ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في أسْرَعِ وقْتٍ، فَإذا كانَ مِن شَأْنِهِ مَعَ هَذا العِظَمِ أنَّهُ لا يَهْلَكُ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا واضِحًا عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَةِ مُقَدِّرِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى فَأشارَ إلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي إعْلامًا بِأنَّ مَراتِبَ هَذِهِ الشِّدَّةِ في التَّرَدُّدِ (p-٤٠٢)بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ لا يَعْلَمُ عُلُوَّها عَنْ شِدَّةِ الصَّلى إلّا اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَهُ في هَذِهِ النّارِ مَوْتٌ وإنْ طالَ المَدى.

ولَمّا كانَ مَن يَدْخُلُ النّارَ فَلا تُؤَثِّرُ في مَوْتِهِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ إكْرامًا لَهُ مِن بابِ خَرْقِ العَوائِدِ، احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْيا﴾ أيْ حَياةً تَنْفَعُهُ لِأنَّهُ ما تَزَكّى فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى.

87:14Page 591

قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤

He has certainly succeeded who purifies himself

ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا أنَّ لِهَذا هَذا الشَّقاءُ الأعْظَمُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ لَمْ يُزَكِّ نَفْسَهُ لِأنَّهُ [ما - ] كانَ مَطْبُوعًا عَلى الخَشْيَةِ، أنْتَجَ ولا بُدَّ قَوْلُهُ تَعالى دالًّا عَلى الدِّينِ التَّكْلِيفِيِّ وهو اجْتِنابٌ واجْتِلابٌ، فَجَمَعَ الِاجْتِنابَ والِاجْتِلابَ بِالتَّزْكِيَةِ بِالتَّبَتُّلِ بِالأبْوابِ والمُلازَمَةِ لِلْأعْتابِ بِامْتِثالِ الأمْرِ واجْتِنابِ النَّهْيِ بِالمُجاهَداتِ المُقَرَّباتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، المُنْجِياتِ بَعْدَ ما حَذَّرَ مِنَ المُهْلِكاتِ، لِلْمُسارَعَةِ في مَحابِّهِ ومَراضِيهِ اجْتِماعًا عَلى العِبادَةِ المُوصِلَةِ لِلْخالِقِ بَعْدَ حُصُولِ الكَمالِ والتَّكْمِيلِ فَإنَّهُ لا بُدَّ في الحَياةِ الطَّيِّبَةِ بَعْدَ الِانْتِماءِ إلى ذِي الجاهِ العَرِيضِ والِاقْتِداءِ بِمَن لا يَزِيغُ مِنَ الِارْتِباطِ بِطَرِيقَةٍ مُثْلى يَحْصُلُ بِها الِاغْتِباطُ لِيَصِلَ بِها إلى المَقْصُودِ ويُعَمِّرَ أوْقاتَهُ بِوَظائِفِها لِئَلّا يَحْصُلَ لَهُ خَلَلٌ ولا ضَياعٌ لِنَفائِسِ الأوْقاتِ ولا غَفْلَةٌ (p-٤٠٣)يَسْتَهْوِيهِ بِها قُطّاعُ الطَّرِيقِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ بِكُلِّ مُرادٍ ﴿مَن تَزَكّى﴾ أيْ أعْمَلَ نَفْسَهُ في تَطْهِيرِها مِن فاسِدِ الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ والأقْوالِ والأفْعالِ والأمْوالِ وتَنْمِيَةِ أعْمالِها القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ وصَدَقَةِ أمْوالِها، وذَلِكَ هو التَّسْبِيحُ الَّذِي [أمَرَ - ] بِهِ أوَّلَ السُّورَةِ وما تَأثَّرَ عَنْهُ، مِن عَمَلٍ هَذا فَهو الأسْعَدُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском