Al-Biqa'iAl‑Hijr · 15:1–8

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الحجر

Al-Hijr

The Rocky Tract · Meccan · 99 ayahs

15:1Page 262

الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ ١

Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the Book and a clear Qur’ān [i.e., recitation].

(p-١)سُورَةُ ”الحِجْرِ“

مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ في الذِّرْوَةِ مِنَ الجَمْعِ لِلْمَعانِي الواضِحَةِ لِلْحَقِّ؛ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ أصْلًا؛ وأشْكَلُ ما فِيها وأمْثَلُهُ في هَذا المَعْنى قِصَّةُ أصْحابِ الحِجْرِ؛ فَإنَّ وُضُوحَ آيَتِهِمْ عِنْدَهُمْ؛ وعِنْدَ كُلِّ مَن شاهَدَها؛ أوْ سَمِعَ بِها؛ كَوُضُوحِ ما دَلَّ عَلَيْهِ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ في أمْرِ الكِتابِ عِنْدَ جَمِيعِ العَرَبِ؛ لا سِيَّما قُرَيْشٌ؛ وأيْضًا آيَتُهم في غايَةِ الإيضاحِ لِلْحَقِّ؛ والجَمْعِ لِمَعانِيهِ الدّائِرَةِ عَلى التَّوْحِيدِ المُقْتَضِي لِلِاجْتِماعِ عَلى الدّاعِي؛ ومِن هُنا يَتَّضِحُ ويَتَأيَّدُ ما اخْتَرْتُهُ مِنَ الإعْرابِ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿”كَما أنْزَلْنا (p-٢)عَلى المُقْتَسِمِينَ“؛﴾ مِن تَعْلِيقِي لَهُ بِـ ﴿”فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ“؛﴾ [الحجر: ٨١] المُقْتَضِي لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ بَيْنَ شَأْنِهِمْ في كُفْرِهِمْ؛ وشَأْنِ قُرَيْشٍ في مِثْلِ ذَلِكَ - كَما سَتَراهُ -؛ عَلى أنَّ لَفْظَ ”الحِجْرِ“؛ يَدُلُّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَقْصُودُ السُّورَةِ؛ مِنَ الجَمْعِ؛ والِاسْتِدارَةِ؛ الَّتِي رُوحُها الإحاطَةُ المُمَيِّزَةُ لِلْمُحاطِ بِهِ مِن غَيْرِهِ؛ بِلا لَبْسٍ أصْلًا؛ واللَّهُ أعْلَمُ. ”بِسْمِ اللَّهِ“؛ الواحِدِ الأحَدِ؛ الجامِعِ لِما شُتِّتَ مِن بَدَدٍ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي جَمَعَ خَلْقَهُ في رَحْمَةِ البَيانِ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي خَصَّ الأبْرارَ بِما أباحَهُمُ الرِّضْوانَ.

لَمّا خَتَمَ الَّتِي قَبْلَها بِعُنْوانِ الكِتابِ؛ ابْتَدَأ هَذِهِ بِشَرْحِ ذَلِكَ العُنْوانِ؛ وأوَّلُهُ وصْفُهُ بِأنَّهُ جامِعٌ؛ والخَيْرُ كُلُّهُ في الجَمْعِ؛ والشَّرُّ كُلُّهُ في الفُرْقَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الر تِلْكَ﴾؛ أيْ: هَذِهِ الآياتُ العالِيَةُ المَقامِ؛ النَّفِيسَةُ المَرامِ؛ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الكامِلِ غايَةَ الكَمالِ؛ الَّذِي لا كِتابَ عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ؛ الجامِعُ لِجَمِيعِ ما يَقُومُ بِهِ الوُجُودُ مِنَ الخَيْراتِ؛ القاطِعُ في قَضائِهِ مِن غَيْرِ شَكٍّ؛ ولا تَرَدُّدٍ؛ الغالِبُ بِأحْكامِهِ القاهِرَةِ؛ في وعْدِهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وأحْكامِهِ؛ في إعْجازِهِ لِجَمِيعِ مَن يُعانِدُهُ. (p-٣)ولَمّا كانَ الغالِبُ في هَذِهِ السُّورَةِ القَطْعَ؛ الَّذِي هو مِن لَوازِمِ الكِتابِ؛ قَدَّمَهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قَطْعٌ بِأمْرِ الأجَلِ؛ والمَلائِكَةِ؛ وحِفْظِ الكِتابِ؛ والرَّمْيِ بِالشُّهُبِ؛ وكِفايَةِ المُسْتَهْزِئِينَ؛ فَكانَ كَما قالَ - سُبْحانَهُ - ”و“؛ آياتُ؛ ”قُرْآنٍ“؛ أيْ: قُرْآنٍ جامِعٍ؛ ناشِرٍ؛ مُفَصَّلٍ؛ واصِلٍ؛ إذِ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ؛ ﴿مُبِينٍ﴾؛ لِجَمِيعِ ما يَجْمَعُ الهِمَمَ عَلى اللَّهِ؛ فَيُوصِلُ إلى السَّعادَةِ؛ وهَذِهِ الإبانَةُ - الَّتِي لَمْ تَدَعْ لَبْسًا - هو مُتَّصِفٌ بِها؛ مَعَ كَوْنِهِ جامِعًا لِلْأُصُولِ؛ ناشِرًا لِلْفُرُوعِ؛ لا خَلَلَ فِيهِ يُدْخَلُ مِنهُ عَلَيْهِ؛ ولا فَصْمَ يُؤْتى مِنهُ إلَيْهِ؛ فاعْجَبْ لِأمْرٍ حاوٍ لِجَمْعٍ؛ وفَرْقٍ؛ وفَصْلٍ؛ ووَصْلٍ.

والإبانَةُ: إظْهارُ المَعْنى لِلنَّفْسِ بِما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ الإبانَةِ الفَصْلُ؛ فَهَذا شَرْحُ كَوْنِهِ بَلاغًا؛ فَمَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ اعْتِقادُ كَوْنِ القُرْآنِ بَلاغًا جامِعًا لِلْأُمُورِ المُوصِلَةِ إلى اللَّهِ؛ مُغْنِيًا عَنْ جَمِيعِ الأسْبابِ؛ فَلا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى شَيْءٍ سِواهُ؛ ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا﴾ [الحجر: ٣] ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]؛ وكانَ الجَمْعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ؛ الدّالِّ كُلٍّ مِنهُما عَلى الجَمْعِ؛ إشارَةً إلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في جَعْلِهِمُ القُرْآنَ عِضِينَ؛ وأنَّ قَوْلَهم شَدِيدُ المُباعَدَةِ لِمَعْناهُ؛ مَعَ أنَّ المَفْهُومَيْنِ - مَعَ تَصادُقِهِما عَلى شَيْءٍ واحِدٍ - مُتَغايِرانِ؛ فالكِتابُ: ما يُدَوَّنُ في الطُّرُوسِ؛ والقُرْآنُ: (p-٤)ما يُقْرَأُ بِاللِّسانِ؛ فَكَأنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى حِفْظِهِ في الطُّرُوسِ بِالكِتابَةِ؛ والثّانِيَ إلى حِفْظِهِ في الصُّدُورِ بِالدِّراسَةِ؛ وسَيَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]؛ مُؤَيِّدًا لِذَلِكَ؛ وكُلٌّ مِن مادَّتَيْ ”كَتَبَ“؛ و”قَرَأ“؛ بِجَمِيعِ التَّقالِيبِ تَدُورُ عَلى الجَمْعِ.

أمّا ”كَتَبَ“ - وتَنْقَلِبُ إلى ”كَبَتَ“؛ و”تَبَكَ“؛ و”بَكَتَ“؛ و”بَتَكَ“ -؛ فَقالَ في ”المُجْمَلُ“: ”كَتَبْتُ الكِتابَ؛ أكْتُبُهُ“؛ وهو مِن ”الجَمْعُ“؛ والكِتابُ أيْضًا: الدَّواةُ؛ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ ما هو آلَتُهُ؛ و”المُكْتَبُ“ - كَـ ”مُعْظَمٌ“ -: العُنْقُودُ أُكِلَ بَعْضُ ما فِيهِ؛ تَشْبِيهًا لَهُ بِالمَكْتُوبِ؛ والكَتِيبَةُ: الجَيْشُ؛ والجَماعَةُ المُسْتَحِيزَةُ مِنَ الخَيْلِ إذا أغارَتْ؛ مِنَ المِائَةِ إلى الألْفِ؛ انْتَهى؛ و”كَتَبَتِ البَغْلَةُ“؛ إذا جَمَعَتْ بَيْنَ شَفْرَيْ رَحِمِها بِحَلْقَةٍ؛ وقالَ القَزّازُ: وأصْلُهُ - أيْ: الكِتابِ - ضَمُّكَ الشَّيْءَ إلى الشَّيْءِ؛ فَكَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِضَمِّ الحُرُوفِ؛ بَعْضِها إلى بَعْضٍ؛ ”كَتَبْتُ المَزادَةَ“؛ إذا خَرَّزْتُها؛ (p-٥)يَعْنِي: فَضَمَمْتُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ.

والكُتْبَةُ؛ بِالضَّمِّ: السَّيْرُ يُخَرَّزُ بِهِ؛ وما يُكْتَبُ بِهِ حَياءُ النّاقَةِ لِئَلّا يُنْزى عَلَيْها؛ والإكْتابُ: شَدَّ رَأْسِ القِرْبَةِ؛ والكَتِيبَةُ: جَماعَةٌ تَكَتَّبُوا؛ أيْ: تَجَمَّعُوا؛ و”تَكَبَّتَ الرَّجُلُ“؛ بِتَقْدِيمِ المُوَحَّدَةِ؛ إذا تَقَبَّضَ؛ ومِنهُ ”الكُتابُ“؛ بِضَمِّ الكافِ؛ وتَخْفِيفِ التّاءِ الفَوْقانِيَّةِ؛ لِسَهْمٍ صَغِيرٍ؛ يَتَعَلَّمُ بِهِ الصِّبْيانُ الرَّمْيَ؛ كَذا قالَ القَزّازُ: إنَّهُ مُخَفَّفٌ؛ وفي القامُوسِ: وزْنُهُ كَـ ”رُمّانٌ“؛ وزادَ أنَّهُ مُدَوَّرُ الرَّأْسِ؛ و”كَتَبْتُ النّاقَةَ تَكْتِيبًا“: صَرَرْتُها؛ و”اكْتَتَبَ بَطْنُهُ“: أمْسَكَ؛ و”المُكْتَوْتِبُ“: المُمْتَلِئُ؛ والمُنْتَفِخُ؛ ويَلْزَمُ الجَمْعُ القَطْعَ والغَلَبَةَ؛ الَّتِي هي مِن لَوازِمِ القُدْرَةِ؛ فَمِنَ القَطْعِ: ”الكِتابُ“؛ بِمَعْنى الفَرْضِ؛ والحُكْمِ؛ والقَدَرِ؛ و”البَتْكُ“: القَطْعُ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ لِلسَّيْفِ: باتِكٌ؛ أيْ: قاطِعٌ؛ ومِنَ الغَلَبَةِ والقُدْرَةِ: ”الكِتابُ“؛ بِمَعْنى القَدَرِ؛ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: و”الكاتِبُ“؛ عِنْدَهُمْ: العالِمُ؛ وقالَ القَزّازُ: و”الكاتِبُ“: الحافِظُ؛ وهَذانَ يَرْجِعانِ أيْضًا إلى نَفْسِ الجَمْعِ - لِجَمْعِ الحافِظِ المَحْفُوظَ؛ والعالِمِ المَعْلُومَ؛ و”كَبَتَ اللَّهُ العَدُوَّ“؛ بِتَقْدِيمِ المُوَحَّدَةِ: صَرَفُهُ ذَلِيلًا؛ وهو مِن ”تَكَبَّتَ الرَّجُلُ“؛ إذا تَقَبَّضَ”؛ وعِبارَةُ (p-٦)القَزّازِ:“كَبَتَ أعْداءَهُ”: رَدَّهم بِغَيْظِهِمْ؛ أيْ: فانْقَمَعُوا؛ وانْجَمَعُوا عَمّا كانُوا انْتَشَرُوا لَهُ؛ و“كَبَتَ الرَّجُلَ”؛ إذا صَرَعَهُ عَلى وجْهِهِ؛ و“بَكَّتَهُ تَبْكِيتًا”؛ إذا أنَّبَهُ؛ أوْ ضَرَبَهُ بِعَصًا؛ أوْ سَيْفٍ؛ ونَحْوِهِما؛ لِما يَلْزَمُهُ مِن تَصاغُرِ نَفْسِهِ؛ وتَقَبُّضِها.

وأمّا“قَرَأ”؛ مَهْمُوزًا - ويَنْقَلِبُ إلى“رَقَأ”؛ و“أرَقَ”؛ و“أقَرَ”-؛ وغَيْرَ مَهْمُوزٍ؛ يائِيًّا؛ وتَراكِيبُهُ خَمْسَةٌ:“قَرَيَ”؛ و“قَيَرَ”؛ و“رَقَيَ”؛ و“رَيَقَ”؛ و“يَرَقَ”؛ وواوِيًّا؛ وتَراكِيبُهُ سِتَّةٌ:“قَرَوَ”؛ و“قَوَرَ”؛ و“رَقَوَ”؛ و“رَوَقَ”؛ و“وقَرَ”؛ و“ورَقَ”؛ فَهو لِلْجَمْعِ أيْضًا؛ ويَلْزَمُهُ الإمْساكُ؛ ورُبَّما كانَ عَنْهُ الِانْتِشارُ؛ فَمِنَ الجَمْعِ:“قَرَأْتُ القُرْآنَ”؛ أيْ: تَلَوْتُهُ؛ فَجَعَلْتُ بَعْضَ حُرُوفِهِ؛ وكَلِماتِهِ؛ وآياتِهِ تالِيًا لِبَعْضٍ؛ مُتَّصِلًا بِهِ؛ مَجْمُوعًا مَعَهُ؛ ويَلْزَمُ القِراءَةَ النُّسُكُ؛ ومِنهُ“القارِئُ”؛ و“المُتَقَرِّئُ”؛ و“القُرّاءُ”- كَـ“رُمّانٌ”-؛ أيْ: النّاسِكُ؛ ويَلْزَمُ عَنْهُ الفِقْهُ؛ ولِذا قِيلَ:“تَقَرَّأ”؛ إذا تَفَقَّهَ؛ وهو مِنَ الجَمْعِ نَفْسِهِ أيْضًا؛ لِأنَّ النّاسِكَ جَمَعَ النُّسُكَ إلى القِراءَةِ؛ وانْجَمَعَ هَمُّهُ؛ والفَقِيهَ جَمَعَ الفِقْهَ إلَيْها؛ قالَ في“المُجْمَلُ”: و“القُرْآنُ”؛ مِن“القَرْءُ”؛ وهو الجَمْعُ؛ أيْ: وزْنًا ومَعْنًى؛ وفي القامُوسِ: و“قَرَأ عَلَيْهِ السَّلامَ”: أبْلَغَهُ؛ كَـ“أقْرَأهُ”؛ ولا يُقالُ: أقْرَأهُ؛ إلّا إذا (p-٧)كانَ السَّلامُ مَكْتُوبًا؛ وقالَ الزُّبَيْدِيُّ؛ في مُخْتَصَرِ“العَيْنُ”: و“قَرَأتِ المَرْأةُ قُرْءًا”؛ إذا رَأتْ دَمًا؛ و“أقْرَأتْ”؛ إذا حاضَتْ؛ فَهي مُقْرِئٌ؛ انْتَهى؛ فَكَأنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الدَّمِ؛ لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ أنَّ المَرْأةَ جَمَعَتْهُ إلّا بِرُؤْيَتِهِ؛ وهو مِنَ الِانْتِشارِ؛ الَّذِي قَدْ يَلْزَمُ الجَمْعَ؛ أوْ يَكُونُ“فَعَلَ”هُنا لِلْإزالَةِ؛ فَمَعْناهُ: أزالَتْ إمْساكَ الدَّمِ؛ كَما أنَّ هَذا مَعْنى“أقَرَأتْ”؛ فَإنَّ“فَعَلَ”- لِخِفَّتِهِ وكَثْرَةِ دَوْرِهِ - يَتَصَرَّفُ في مَعانِي جَمِيعِ الأبْوابِ؛ وقالَ في“المُجْمَلُ”: و“أقْرَأتِ المَرْأةُ”: خَرَجَتْ مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ؛ أوْ حَيْضٍ إلى طُهْرٍ؛ قُلْتُ: فالأوَّلُ يَكُونُ فِيهِ“أفْعَلَ”؛ لِلْإزالَةِ؛ والثّانِي لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ؛ كَما تَقُولُ:“أتْهَمَ الرَّجُلُ؛ وأنْجَدَ”؛ إذا دَخَلَ في“تِهامَةَ”؛ أوْ“نَجْدٍ”؛ قالَ: و“القُرْءُ”: وقْتٌ يَكُونُ لِلطُّهْرِ مَرَّةً؛ ولِلْحَيْضِ مَرَّةً؛ قُلْتُ: فالأوَّلُ لِلْجَمْعِ نَفْسِهِ؛ والثّانِي لِأنَّهُ دَلِيلُ الجَمْعِ؛ قالَ: والجَمْعُ“قُرُوءٌ”؛ ويُقالُ:“القُرْءُ”؛ هو الطُّهْرُ؛ وذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ الطّاهِرَةَ كانَ الدَّمُ اجْتَمَعَ وامْتَسَكَ في بَدَنِها؛ فَهو مِن:“قَرَيْتُ الماءَ”؛ و“قَرى الآكِلُ الطَّعامَ في شِدْقِهِ”؛ وقَدْ يَخْتَلِفُ اللَّفْظانِ؛ فَيُهْمَزُ أحَدُهُما؛ ولا يُهْمَزُ الآخَرُ؛ (p-٨)والمَعْنى واحِدٌ؛ إذا كانَ الأصْلُ واحِدًا؛ وقَوْمٌ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ القُرْءَ: الحَيْضُ؛ وفي القامُوسِ: والقُرْءُ - ويُضَمُّ -: الحَيْضُ؛ والطُّهْرُ؛ ضِدٌّ - وقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُ ذَلِكَ -؛ والوَقْتُ؛ لِأنَّهُ جامِعٌ لِما فِيهِ؛ والقافِيَةُ؛ لِأنَّها جامِعَةٌ لِشَمْلِ الأبْياتِ؛ جَمْعُهُ“أقْرُؤٌ”؛ و“قُرُوءٌ”؛ وجَمْعُ الحَيْضِ“أقْراءٌ”؛ وكَأنَّ العِلَّةَ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ جَمْعُ الكَثْرَةِ هو الأصْلَ في الجَمْعِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالجَمْعِ نَفْسِهِ الكَثْرَةُ؛ فَكُلَّما كانَ أكْثَرَ؛ كانَ بِهِ أجْدَرَ؛ لَمّا كانَ الأصْلُ كَذَلِكَ؛ وكانَ“القُرْءُ”؛ بِمَعْنى“الطُّهْرُ”؛ هو الأصْلَ في مَدْلُولِ الجَمْعِ؛ كانَ أحَقَّ بِجَمْعِ الكَثْرَةِ؛ الَّذِي هو أعْرَقُ في الجَمْعِ؛ ولَمّا كانَ“القُرْءُ”؛ بِمَعْنى“الحَيْضُ”؛ فَرْعًا؛ كانَ لَهُ جَمْعُ القِلَّةِ؛ الَّذِي هو فَرْعٌ في بابِ الجَمْعِ؛ و“أقْرَأتْ”: حاضَتْ؛ وطَهُرَتْ؛ و“أقْرَأتِ الرِّياحُ”: هَبَّتْ لِوَقْتِها؛ لِأنَّ هُبُوبَها دالٌّ عَلى اجْتِماعِها؛ كَظُهُورِ دَمِ الحَيْضِ؛ و“قَرَأ الشَّيْءَ”: جَمَعَهُ؛ وضَمَّهُ؛ والحامِلُ: ولَدَتْ؛ لِأنَّ ظُهُورَ الوَلَدِ هو المُحَقِّقُ لِجَمْعِها إيّاهُ في بَطْنِها؛ و“أقْرَأ”: رَجَعَ؛ ودَنا؛ وأخَّرَ؛ واسْتَأْخَرَ؛ وغابَ؛ وانْصَرَفَ؛ (p-٩)وتَنَسَّكَ كَـ“تَقَرَّأ”؛ بَعْضُهُ لِلْإيجابِ؛ وبَعْضُهُ لِلسَّلْبِ؛ و“المُقَرَّأةُ”؛ كَـ“مُعَظَّمَةٌ”: الَّتِي يُنْتَظَرُ بِها انْقِضاءُ أقْرائِها؛ و“قَدْ قُرِئَتْ”: حُبِسَتْ لِذَلِكَ؛ و“أقْراءُ الشِّعْرِ”: أنْواعُهُ؛ وأنْحاؤُهُ؛ لِأنَّها جامِعَةٌ لِلْأجْزاءِ؛ و“القِرْءَةُ”؛ بِالكَسْرِ: الوَباءُ؛ لِجَمْعِهِ الهَمَّ؛ و“اسْتَقْرَأ الجَمَلُ النّاقَةَ”: تارَكَها لِيَنْظُرَ ألَقُحَتْ أمْ لا؛ مِنَ التَّتَبُّعِ؛ والسَّبْرِ؛ وهو بِمَعْنى جَمْعِ الأدِلَّةِ؛ و“قَرَأتِ النّاقَةُ”؛ إذا حَمَلَتْ؛ فَهي قارِئٌ؛ أيْ: جَمَعَتْ في بَطْنِها ولَدًا؛ و“أقْرَأتْ”؛ إذا اسْتَقَرَّ الماءُ في رَحِمِها؛ ومِنَ الإمْساكِ:“رَقَأ الدَّمُ؛ والدَّمْعُ؛ رُقُوءًا”؛ إذا انْقَطَعا؛ قالَ أبُو زَيْدٍ: و“الرَّقُوءُ”؛ أيْ: بِالفَتْحِ: ما يُوضَعُ عَلى الدَّمِ فَيَسْكُنُ؛ و“رَقَأ بَيْنَهُمْ”: أصْلَحَ؛ وأفْسَدَ؛ وفي الدَّرَجَةِ: صَعِدَ؛ وهي المَرْقاةُ؛ وتُكْسَرُ؛ و“رَقَأ العَرَقُ”: ارْتَفَعَ؛ مِنهُ ما هو بِمَعْنى الجَمْعِ؛ ومِنهُ ما هو بِمَعْنى الِانْتِشارِ والعُلُوِّ؛ الَّذِي رُبَّما لَزِماهُ؛ ومِنَ الإمْساكِ:“الأرَقُ”؛ وهو السَّهَرُ؛ لِأنَّهُ يُمْسِكُ النَّوْمَ؛ والإرْقانُ: دُودٌ يَكُونُ في الزَّرْعِ؛ فَكَأنَّهُ يُوجِبُ الهَمَّ؛ الَّذِي يَكُونُ عَنْهُ الأرَقُ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِانْتِشارِ؛ الَّذِي (p-١٠)رُبَّما يَلْزَمُ الجَمْعَ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الجَمْعِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ الهَمَّ - واللَّهُ أعْلَمُ؛ وفي القامُوسِ: و“الإرْقانُ”؛ بِالكَسْرِ: شَجَرٌ أحْمَرُ؛ والحِنّاءُ؛ والزَّعْفَرانُ؛ ودَمُ الأخَوَيْنِ؛ كَأنَّهُ سَبَبٌ لِلْعُكُوفِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ؛ أوْ أنَّهُ يَجْمَعُ بِصَبْغِهِ لَوْنًا إلى لَوْنٍ؛ و“الإرْقانُ”؛ أيْضًا: آفَةٌ تُصِيبُ الزَّرْعَ؛ والنّاسَ؛ كَـ“الأرَقانُ”؛ مُحَرَّكَةً؛ وبِكَسْرَتَيْنِ؛ وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وضَمِّ الرّاءِ؛ و“الأرَقُ”؛ و“الأرَقانُ”؛ بِفَتْحِهِما؛ و“الأُراقُ”؛ كَـ“غُرابٌ”؛ و“اليَرَقانُ”؛ مُحَرَّكَةً؛ وهَذِهِ أشْهَرُ داءٍ يَتَغَيَّرُ مِنهُ لَوْنُ البَدَنِ فاحِشًا إلى صُفْرَةٍ؛ أوْ سَوادٍ؛ كَأنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ سَبَبَ الأرَقِ كانَ هو الأرَقَ البَلِيغَ؛ و“زَرْعٌ مَأْرُوقٌ؛ ومَيْرُوقٌ”: مَؤُوفٌ؛ و“الأُقُرُ”؛ بِضَمَّتَيْنِ: وادٍ واسِعٌ مَمْلُوءٌ حِمْضًا ومِياهًا؛ وهو واضِحٌ في مَعْنى الجَمْعِ؛ قَدْ مَضى مِن هَذِهِ المادَّةِ جُمْلَةٌ في آخِرِ سُورَةِ“يُوسُفَ”- عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]؛ وتَأْتِي بَقِيَّتُها - إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) - في سُورَةِ“سُبْحانَ"؛ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٦]

15:2Page 262

رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٢

Perhaps those who disbelieve will wish1 that they had been Muslims.

(p-١١)ولَمّا وصَفَ - سُبْحانَهُ - هَذا القُرْآنَ بِما وصَفَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ والإبانَةِ لِجَمِيعِ المَقاصِدِ؛ الَّتِي مِنها سُؤالُ الكَفَرَةِ - عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ - التَّأْخِيرَ لِلطّاعَةِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ [إبراهيم: ٤٤]؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يُبَيِّنْ لِلْكَفَرَةِ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ بَيانًا يَرُدُّهُمْ؟ فَقالَ - سُبْحانَهُ - باسِطًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] -: ﴿رُبَما يَوَدُّ﴾؛ أشارَ (تَعالى) بِكَوْنِهِ مُضارِعًا إلى أنَّ ودَّهم لِذَلِكَ يَكُونُ كَثِيرًا جِدًّا؛ مُتَكَرِّرًا؛ وإيلاءَهُ لِـ ”رُبَما“ - وإنَّما يَلِيها في الأغْلَبِ الماضِي - مُعْلِمٌ بِأنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ؛ كَما يُقْطَعُ بِالماضِي الَّذِي تَحَقَّقَ؛ ووَقَعَ؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: ولَوْ وقْتًا ما؛ والوَدُّ: التَّمَنِّي؛ وهو تَقْدِيرُ المَعْنى في النَّفْسِ لِلِاسْتِمْتاعِ؛ وإظْهارِ مَيْلِ الطِّباعِ لَهُ إلَيْهِ؛ وفِيهِ اشْتِراكٌ بَيْنَ التَّمَنِّي والحُبِّ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ؛ وهو هُنا لِلتَّمَنِّي؛ فَإنَّهُ بَيَّنَ مَوْدُودَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا جِبِلِّيًّا؛ ﴿مُسْلِمِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في وصْفِ الإسْلامِ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ إلى آخِرِهِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والإسْلامُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ عَلى حالِ سَلامَةٍ؛ كَإسْلامِ الثَّوْبِ إلى مَن يُقَصِّرُهُ؛ وإسْلامِ الصَّبِيِّ إلى مَن يُعَلِّمُهُ؛ فالإسْلامُ (p-١٢)الَّذِي هو الإيمانُ - إعْطاءُ مَعْنى الحَقِّ في الدِّينِ بِالإقْرارِ؛ والعَمَلِ بِهِ؛ انْتَهى؛ وقَدْ كانَ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ؛ فَقَدْ نَدِمَ كُلُّ مَن أسْلَمَ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى تَأْخِيرِ إسْلامِهِ؛ لَمّا عَلِمُوا فَضْلَ الإسْلامِ؛ ورَأوْا فَضائِلَ السّابِقِينَ - كَما هو مَذْكُورٌ في السِّيَرِ وفُتُوحِ البُلْدانِ؛ وسَيَكُونُ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ في القِيامَةِ؛ وما قَبْلَها؛ فالمَعْنى أنَّكم إنْ كَذَّبْتُمْ في القَطْعِ - في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا﴾ [إبراهيم: ٤٤]؛ الآيَةَ - بِأنَّكم تَرْجِعُونَ عَنْ هَذا الشَّمَمِ؛ وتَتَبَرَّؤُونَ مِن هَذِهِ السَّجايا والهِمَمِ؛ فَتَسْألُونَ اللَّهَ (تَعالى) في الطّاعَةِ؛ وقَدْ فاتَ الفَوْتُ بِحُلُولِ حادِثِ المَوْتِ إلى غَيْرِهِ؛ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ عِنْدَكم شَكٌّ في الأُمُورِ الَّتِي يَجُوزُ كَوْنُها؛ ولا يَنْبَغِي حِينَئِذٍ لِلْعاقِلِ تَرْكُ الِاهْتِمامِ بِالِاسْتِعْدادِ عَلى تَقْدِيرِ هَذا الِاحْتِمالِ؛ هَذا - أعْنِي التَّقْلِيلَ - مَدْلُولُ ”رُبَّ“؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها قَدْ تَرِدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ وقالَ الجَمالُ (p-١٣)ابْنُ هِشامٍ في كِتابِ ”المُغْنِي“: إنَّهُ أغْلَبُ أحْوالِها؛ واسْتَدَلَّ بِشَواهِدَ لا تَدُلُّ عِنْدَ التَّأمُّلِ؛ ولا يَصِحُّ قَوْلُ مَن نَسَبَ إلى الكَشّافِ ذَلِكَ؛ فَإنَّ كَلامَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّجّاجِ؛ وعِبارَةُ الزَّجّاجِ - كَما نَقَلَها الإمامُ جَمالُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ المُكَرَّمِ؛ في كِتابِهِ ”لِسانُ العَرَبِ“؛ ومِن خَطِّهِ نَقَلْتُ: مَن قالَ: إنَّ ”رُبَّ“؛ يُعْنى بِها التَّكْثِيرُ؛ فَهو ضِدُّ ما تَعْرِفُهُ العَرَبُ؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَلِمَ جازَتْ في قَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ و”رُبَّ“؛ لِلتَّقْلِيلِ؟ فالجَوابُ أنَّ العَرَبَ خُوطِبَتْ بِما تَعْلَمُهُ في التَّهْدِيدِ؛ والرَّجُلُ يَتَهَدَّدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: ”لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى فِعْلِكَ“؛ وهو لا يَشُكُّ أنَّهُ يَنْدَمُ؛ ويَقُولُ: ”رُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ مِن مِثْلِ ما صَنَعْتَ“؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الإنْسانَ يَنْدَمُ كَثِيرًا؛ ولَكِنَّ مَجازَهُ أنَّ هَذا لَوْ كانَ مِمّا يُوَدُّ في حالٍ واحِدَةٍ مِن أحْوالِ العَذابِ؛ أوْ كانَ الإنْسانُ يَخافُ أنْ يَنْدَمَ عَلى الشَّيْءِ؛ لَوَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنابُهُ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ مَعْنى التَّهْدِيدِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا (p-١٤)ويَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣]؛ انْتَهى.

فَقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّهم يُطْلِقُونَها بِمَعْنى القِلَّةِ فِيما يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَثِيرٌ؛ إرْخاءً لِلْعِنانِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى وُجُوبِ الأخْذِ بِالأحْوَطِ؛ وذَلِكَ واقِعٌ في التَّهْدِيدِ؛ وفارِقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ ما يُعْلَمُ أنَّهُ كَثِيرٌ مِن أمْرٍ خارِجٍ عَنِ العِبارَةِ المُخْبَرِ بِها عَنْهُ؛ وبَيْنَ ما تُعْرَفُ كَثْرَتُهُ مِن تِلْكَ العِبارَةِ؛ وزِيدَتْ ”ما“؛ فِيها تَأْكِيدًا؛ مِن حَيْثُ إنَّها تُفْهِمُ أنَّ الأمْرَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ؛ ولِتَهْيِئَتِها لِمَجِيءِ الفِعْلِ بَعْدَها؛ قالَ الإمامُ أبُو حَيّانَ: والظّاهِرُ أنَّ ”ما“؛ في ”رُبَّ“؛ مُهَيِّئَةٌ؛ وذَلِكَ أنَّها مِن حَيْثُ هي حَرْفُ جَرٍّ - عَلى خِلافٍ فِيهِ - لا يَلِيها إلّا الأسْماءُ؛ فَجِيءَ بِها مُهَيِّئَةً لِمَجِيءِ الفِعْلِ بَعْدَها؛ وعَلى كَثْرَةِ مَجِيءِ ”رُبَّ“؛ في كَلامِ العَرَبِ لَمْ تَجِئْ في القُرْآنِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ؛ انْتَهى؛ ودَخَلَتْ هَهُنا عَلى المُضارِعِ - وهي لِلْماضِي - لِأنَّهُ لِصِدْقِ الوَعْدِ؛ كَأنَّهُ عِيانٌ؛ قَدْ كانَ؛ أوْ لِأنَّ ”ما“؛ إذا لَحِقَتْها سَوَّغَتْ دُخُولَها عَلى المُسْتَقْبَلِ؛ كَما تَدْخُلُ عَلى (p-١٥)المَعْرِفَةِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ:

15:3Page 262

ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٣

Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.

ولَمّا طَرَقَ لَهم - سُبْحانَهُ - الِاحْتِمالَ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ جَوَّزُوهُ فَأخَذُوا في الِاسْتِعْدادِ لَهُ؟ فَقِيلَ: بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى عِنادِهِمْ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ مُلْتَفِتًا إلى ما أشارَ إلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“؛ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٣]؛ مِنَ المانِعِ لَهم عَنِ الإذْعانِ -: ﴿ذَرْهُمْ﴾؛ يا أعَزَّ الخَلْقِ عِنْدَنا؛ كالبَهائِمِ؛ ﴿يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾؛ والتَّمَتُّعُ: التَّلَذُّذُ؛ وهو طَلَبُ اللَّذَّةِ حالًا بَعْدَ حالٍ؛ كالتَّقَرُّبِ في أنَّهُ طَلَبُ القُرْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ؛ ﴿ويُلْهِهِمُ﴾؛ أيْ: يَشْغَلْهم عَنْ أخْذِ حَظِّهِمْ مِنَ السَّعادَةِ؛ ﴿الأمَلُ﴾؛ أيْ: رَجاؤُهم طُولَ العُمْرِ؛ وبُلُوغَ ما يُقَدِّرُهُ الوَهْمُ مِنَ المَلاذِ؛ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مُهَيِّئٍ لِذَلِكَ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا لا يَشْتَغِلُ بِهِ إلّا أحْمَقُ؛ سَبَّبَ عَنْهُ التَّهْدِيدَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: ما يَحِلُّ بِهِمْ بَعْدَ ما فَسَحْنا لَهم مِن زَمَنِ التَّمَتُّعِ؛ وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ في بُرْهانِهِ: لَمّا تَقَدَّمَ مِن وعِيدِ الكُفّارِ ما تَضَمَّنَهُ الآيُ المُخْتَتَمُ بِها سُورَةُ ”إبْراهِيمَ“؛ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]؛ إلى خاتِمَتِها؛ أعْقَبَ ذَلِكَ (p-١٦)بِقَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]؛ أيْ: عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأحْوالِ الجَلائِلِ؛ ثُمَّ قالَ (تَعالى) - تَأْكِيدًا لِذَلِكَ الوَعِيدِ -: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ ثُمَّ أعْقَبَ (تَعالى) هَذا بِبَيانِ ما جَعَلَهُ سُنَّةً في عِبادِهِ؛ مِنَ ارْتِباطِ الثَّوابِ والعِقابِ؛ مُعَجَّلَةً؛ ومُؤَجَّلَةً؛ بِأوْقاتٍ وأحْيانٍ؛ لا انْفِكاكَ لَها عَنْها؛ ولا تَقَدُّمَ ولا تَأخُّرَ؛ إذِ اسْتِعْجالُ البَطْشِ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ مِمَّنْ يَخافُ الفَوْتَ؛ والعالَمُ؛ بِجُمْلَتِهِمْ؛ لِلَّهِ (تَعالى)؛ وفي قَبْضَتِهِ؛ لا يَفُوتُهُ أحَدٌ مِنهُمْ؛ ولا يُعْجِزُهُ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]؛ وكانَ هَذا يَزِيدُ إيضاحًا قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]؛ وقَوْلَهُ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ [إبراهيم: ٤٤]؛ وقَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؛ الآيَةَ؛ وتَأمَّلْ نُزُولَ قَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]؛ عَلى هَذا؛ وعَظِيمَ مَوْقِعِهِ في اتِّصالِهِ بِهِ؛ ووُضُوحَ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وأمّا افْتِتاحُ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]؛ فَإحالَةٌ عَلى أمْرَيْنِ واضِحَيْنِ: أحَدُهُما ما نَبَّهَ بِهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ الدَّلائِلِ والآياتِ؛ كَما يُفَسَّرُ؛ والثّانِي ما بَيَّنَهُ القُرْآنُ المَجِيدُ؛ وأوْضَحَهُ؛ وانْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ والغُيُوبِ؛ والوَعْدِ؛ والوَعِيدِ؛ وتَصْدِيقِ بَعْضِ ذَلِكَ بَعْضًا؛ فَكَيْفَ لا يَكُونُ (p-١٧)المُتَوَعَّدُ بِهِ في قُوَّةِ الواقِعِ المُشاهَدِ؛ لِشِدَّةِ البَيانِ في صِحَّةِ الوُقُوعِ؟ فالعَجَبُ مِنَ التَّوَقُّفِ والتَّكْذِيبِ! ثُمَّ أعْقَبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]؛ انْتَهى.

15:4Page 262

وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ ٤

And We did not destroy any city but that for it was a known decree.

ولَمّا هُدِّدُوا بِآيَةِ التَّمَتُّعِ وإلْهاءِ الأمَلِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ جِدًّا مِن أحْوالِهِمْ الِاسْتِعْجالُ بِالعَذابِ؛ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً؛ كانَ الكَلامُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: فَقالُوا: يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ؛ عَجِّلْ لَنا ما تَتَوَعَّدُنا بِهِ؛ وكانَ هَذا غائِظًا؛ مُوجِعًا؛ حامِلًا عَلى تَمَنِّي سُرْعَةِ الإيقاعِ بِهِمْ؛ فَقِيلَ في الجَوابِ: إنَّ لَهم أجَلًا بِكِتابٍ مَعْلُومٍ؛ لا بُدَّ مِن بُلُوغِهِمْ لَهُ؛ لِأنَّ المُتَوَعِّدَ لا يَخافُ الفَوْتَ؛ فَهو يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ؛ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ فَلْيَسْتَعِدُّوا؛ فَإنَّ الأمْرَ غَيْبٌ؛ فَما مِن لَحْظَةٍ إلّا وهي صالِحَةٌ لِأنْ يُتَوَقَّعَ فِيها العَذابُ؛ فَإنّا لا نُهْلِكُهم إلّا إذا بَلَغُوا كِتابَهُمُ المَعْلُومَ؛ ﴿وما﴾؛ جَعَلْنا هَذا خاصًّا بِهِمْ؛ بَلْ هو عادَتُنا؛ ﴿ما أهْلَكْنا﴾ [القصص: ٤٣]؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾؛ أيْ: مِنَ القُرى.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإهْلاكِ؛ واسْتِعْجالِهِمْ؛ واسْتِهْزائِهِمْ بِهِ؛ وكانَ (p-١٨)تَقْدِيرُهُ - سُبْحانَهُ - وكُتُبُهُ مِن عالَمِ الغَيْبِ؛ اقْتَضى الحالُ التَّأْكِيدَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَحْتُومٌ؛ مَفْرُوغٌ مِنهُ؛ سابِقٌ تَقْدِيرُهُ عَلى زَمَنِ الإهْلاكِ؛ فَأتى بِالواوِ لِأنَّ الحالَ بِدُونِ الواوِ كالجُزْءِ مِن سابِقِها كالخَبَرِ؛ والنَّعْتِ؛ الَّذِي لا يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِهِ؛ والَّتِي بِالواوِ هي زِيادَةٌ في الخَبَرِ السّابِقِ؛ ولِذَلِكَ احْتِيجَ إلى الرَّبْطِ بِالواوِ؛ كَما يُرْبَطُ بِها في العَطْفِ؛ فَقالَ: ﴿إلا ولَها﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَها في الإهْلاكِ؛ أوْ لِإهْلاكِها؛ ﴿كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أيْ: أجَلٌ مَضْرُوبٌ؛ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إذا جاءَهُمُ العَذابُ في الأجَلِ الَّذِي كَتَبْناهُ لَهُمْ: هَلْ يَوَدُّونَ الإسْلامَ؛ أمْ لا؛

15:5Page 262

مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٥

No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.

ثُمَّ بَيَّنَ الآيَةَ السّابِقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَسْبِقُ﴾؛ وأكَّدَ الِاسْتِغْراقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أُمَّةٍ﴾؛ وبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الأجَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أجَلَها﴾؛ أيْ: الَّذِي قَدَّرْناهُ لَها؛ ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أيْ: عَنْهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ؛ ولَمْ يَقُلْ: تَسْتَأْخِرُ؛ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ؛ كالماضِي؛ لِئَلّا يَصْرِفُوهُ إلى خِطابِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - تَعَنُّتًا؛

15:6Page 262

وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ ٦

And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.1

ثُمَّ لَمّا أجابَهم بِهَذا الجَوابِ الدّالِّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وكَمالِ العِلْمِ؛ الدّالَّيْنِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ عَطَفَ عَلى ما تَقَدَّمَ أنَّهُ في قُوَّةِ المَلْفُوظِ؛ قَوْلَهُ (p-١٩)- دالًّا عَلى تَرْكِهِمُ الجَوابَ إلى التَّعَنُّتِ؛ والسَّفَهِ -: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: لَمْ يُجَوِّزُوا أنَّهم يَوَدُّونَ ذَلِكَ؛ بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى العِنادِ؛ وقالُوا: ﴿يا أيُّها الَّذِي﴾؛ ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِالتَّنْزِيلِ نَفْسِهِ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿نُـزِّلَ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: بِزَعْمِهِ؛ ﴿الذِّكْرُ﴾؛ وبَيَّنُوا أنَّهم ما سَمَّوْهُ تَنْزِيلًا إلّا تَهَكُّمًا؛ فَقالُوا - مُؤَكِّدِينَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأنَّ قَوْلَهم مُنْكَرٌ -: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ادِّعائِكَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْكَ ذِكْرًا؛ والَّذِي تَراهُ جِنِّيٌّ يُلْقِي إلَيْكَ تَخْلِيطًا؛ فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى عِنادِهِمْ؛ فَإنَّهم أقامُوا الشَّتْمَ مَقامَ الجَوابِ عَمّا مَضى؛ صَنْعَةَ المَغْلُوبِ المَقْطُوعِ في المُناظَرَةِ؛

15:7Page 262

لَّوۡمَا تَأۡتِينَا بِٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧

Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"

تَمَّ أتْبَعُوهُ ما زَعَمُوا أنَّهُ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ؛ فَقالُوا: ﴿لَوْ ما﴾؛ أيْ: هَلّا؟ ولِمَ لا ﴿تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ ؟ دَلِيلًا عَلى صِدْقِكَ؛ إمّا لِلشَّهادَةِ لَكَ؛ وإمّا لِإهْلاكِ مَن خالَفَكَ؛ ﴿إنْ كُنْتَ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾؛ فِيما تَقُولُ؛ أيْ: ما وجْهُ اخْتِصاصِكَ عَنّا بِنُزُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْكَ؛ ورُؤْيَتِكَ إيّاهُمْ؛ وأنْتَ مِثْلُنا في الإنْسانِيَّةِ؛ والنَّسَبِ؛ والبَلَدِ؟ هَذا بَعْدَ أنْ قامَتْ عَلى صِدْقِهِ الأدِلَّةُ القاطِعَةُ؛ والبَراهِينُ السّاطِعَةُ؛ الَّتِي أعْظَمُها القُرْآنُ؛ الدّاعِي لَهم إلى المُبارَزَةِ كُلَّ حِينٍ؛ المُبَكِّتُ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ المُساجَلَةِ كُلَّ وقْتٍ.

15:8Page 262

مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذٗا مُّنظَرِينَ ٨

We do not send down the angels except with truth;1 and they [i.e., the disbelievers] would not then be reprieved.

(p-٢٠)ولَمّا كانَ في قَوْلِهِمْ أمْرانِ؛ أجابَ عَنْ كُلٍّ مِنهُما عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: رُبَّما إذًا أجابَهُمْ؛ فَقِيلَ: أجابَ عَنِ الثّانِي؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ﴾؛ أيْ: هَذا النَّوْعَ؛ ﴿إلا﴾؛ تَنَزُّلًا مُلْتَبِسًا؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ عَمَلِ الأمْرِ الثّابِتِ؛ وهو مَعْنى ما قالَ البُخارِيُّ؛ في كِتابِ التَّوْحِيدِ: قالَ مُجاهِدٌ: بِالرِّسالَةِ؛ والعَذابِ؛ وأمّا عَلى الرُّسُلِ فَبِالحَقِّ مِنَ الأقْوالِ؛ وأمّا عَلى المُنْذِرِينَ فَبِالحَقِّ مِنَ الأفْعالِ؛ مِنَ الهَلاكِ؛ والنَّجاةِ؛ فَلَوْ نُزِّلُوا عَلَيْهِمْ - كَما اقْتَرَحُوا - لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمْ؛ فَهَلَكُوا؛ ﴿وما كانُوا﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿إذًا﴾؛ أيْ: إذْ تَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ؛ ﴿مُنْظَرِينَ﴾؛ أيْ: حاصِلًا لَهُمُ الإنْظارُ؛ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ؛ لِأنَّ الأمْرَ الثّابِتَ يَلْزَمُهُ نَجاةُ الطّائِعِ؛ وهَلاكُ العاصِي في الحالِ؛ مِن غَيْرِ إمْهالٍ؛ وكانَ حِينَئِذٍ يَفُوتُ ما قَضَيْنا بِهِ مِن تَأْخِيرِهِمْ؛ وإخْراجِ مَن أرَدْنا إيمانَهُ مِن أصْلابِهِمْ؛

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском