Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
القارعة
Al-Qari'ah
The Calamity · Meccan · 11 ayahs
(p-٢٢٠)سُورَةُ القارِعَةِ مَقْصُودُها
إيضاحُ يَوْمِ الدِّينِ بِتَصْوِيرِ ثَوانِي أحْوالِهِ في مَبْدَئِهِ ومَآلِهِ، وتَقْسِيمِ النّاسِ فِيهِ إلى ناجٍ وهالِكٍ، واسْمُها القارِعَةُ واضِحٌ في ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْلى ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَةُ إيجادِهِ وبَيانِهِ جَمِيعَ الوَرى ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أهْلَ حِزْبِهِ بِالتَّوْفِيقِ لِما يَجِبُ ويَرْضى.
* *
لَمّا خَتَمَ العادِيّاتِ بِالبَعْثِ ذَكَرَ صَيْحَتَهُ فَقالَ: ﴿القارِعَةُ﴾ أيِ الصَّيْحَةُ أوِ القِيامَةُ، سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَقْرَعُ أسْماعَ النّاسِ وتَدُقُّها دَقًّا شَدِيدًا [عَظِيمًا] مُزْعِجًا بِالأفْزاعِ، والأجْرامِ الكَثِيفَةِ بِالتَّشَقُّقِ والِانْفِطار، والأشْياءِ الثّابِتَةِ بِالِانْتِثارِ.
ولَمّا كانَتْ تَفُوقُ الوَصْفَ في عِظَمِ شَأْنِها [و] جَلِيلِ سُلْطانِها، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ وزادَهُ عِظَمًا بِالإلْهامِ والإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مُشِيرًا بِالِاسْتِفْهامِ إلى أنَّها مِمّا يَسْتَحِقُّ السُّؤالَ عَنْهُ عَلى وجْهِ التَّعْجِيبِ والِاسْتِعْظامِ فَقالَ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وأكَّدَ تَعْظِيمَها [إعْلامًا -] (p-٢٢١)بِأنَّهُ [مَهْما] خَطَرَ بِبالِكَ مِن عِظَمِها فَهي أعْظَمُ مِنهُ فَقالَ:
101:3Page 600
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡقَارِعَةُ ٣
And what can make you know what is the Striking Calamity?
﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ وإنْ بالَغْتَ في التَّعَرُّفِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ أيْ أنَّكَ لا تَعْرِفُها لِأنَّكَ لَمْ تَعْهَدْ مِثْلَهُ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ”﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩] ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠]“ كانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِأنْ يَسْألَ: مَتى ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ الهائِلُ الأمْرِ، الفَظِيعُ الحالِ، الشَّدِيدُ البَأْسِ، والقِيامَةُ هي القارِعَةُ، وكَرَّرَتْ تَعْظِيمًا لِأمْرِها كَما ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] و[فِي] قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] ثُمَّ زادَ عَظِيمَ هَوْلِهِ إيضاحًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] والفَراشُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، والمَبْثُوثُ: المُنْتَشِرُ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] والعِهْنِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ، وخَصَّ لِإعْدادِهِ لِلْغَزْلِ إذْ لا يُصْبَغُ لِغَيْرِهِ بِخِلافِ الأبْيَضِ [فَإنَّهُ -] لا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الخَلْقِ في وزْنِ الأعْمالِ وصَيْرُورَةِ كُلِّ فَرِيقٍ إلى ما كُتِبَ لَهُ وقُدِّرَ - انْتَهى.
101:4Page 600
يَوۡمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلۡفَرَاشِ ٱلۡمَبۡثُوثِ ٤
It is the Day when people will be like moths, dispersed,1
ولَمّا ألْقى السّامِعُ جَمِيعَ فِكْرِهِ إلى تَعَرُّفِ أحْوالِها، قالَ ما تَقْدِيرُهُ: تَكُونُ ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ أيْ كَوْنًا كَأنَّهُ جِبِلَّةٌ ﴿النّاسُ﴾ أيِ الَّذِينَ حالُهم (p-٢٢٢)النَّوْسُ عَلى كَثْرَتِهِمْ واخْتِلافِ ذَواتِهِمْ وأحْوالِهِمْ ومَراتِبِهِمْ ومَقادِيرِهِمْ وانْتِشارِهِمْ بَعْدَ بَعْثَرَةِ القُبُورِ وتَحْصِيلِ ما في الصُّدُورِ ﴿كالفَراشِ﴾ أيْ صِغارِ الجَرادِ لِأنَّها تَتَفَرَّشُ وتَتَهافَتُ عَلى النّارِ، أوْ هو طَيْرٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا دَمَ لَهُ، يَتَساقَطُ في النّارِ ولَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، وقالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ: شَبَّهَهم بِالفَراشِ الَّتِي تَطِيرُ مِن هُنا ومِن هُنا ولا تَجْرِي عَلى سَمْتٍ واحِدٍ وهي هَمَجٌ يَجْتَلِبُها السِّراجُ، وقالَ غَيْرُهُ: وجْهُ الشَّبَهِ الكَثْرَةُ والِانْتِشارُ والضَّعْفُ والذِّلَّةُ والتَّطايُرُ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جانِبٍ كَما تَتَطايَرُ الفَراشُ، وكَثْرَةُ التَّهافُتِ في النّارِ ورُكُوبِ بَعْضِهِمْ [بَعْضًا -] ومَوْجِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ كَما قالَ تَعالى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] ﴿المَبْثُوثِ﴾ أيِ المُنْتَشِرِ المُتَفَرِّقِ.
101:5Page 600
وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٱلۡمَنفُوشِ ٥
And the mountains will be like wool, fluffed up.1
ولَمّا كانَتِ الجِبالُ أشَدَّ ما تَكُونُ، عَظُمَ الرَّهْبَةُ بِالإخْبارِ بِما يَفْعَلُ بِها فَقالَ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الشِّدَّةِ والصَّلابَةِ وأنَّها صُخُورٌ راسِخَةٌ ﴿كالعِهْنِ﴾ أيِ الصُّوفِ المُصَبَّغِ لِأنَّها مُلَوَّنَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ﴾ [فاطر: ٢٧] أيْ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿المَنفُوشِ﴾ أيِ المَندُوفِ المُفَرِّقِ الأجْزاءِ الَّذِي لَيْسَ هو بِمُتَلَبِّدٍ شَيْءٌ مِنهُ عَلى غَيْرِهِ، (p-٢٢٣)فَتَراها لِذَلِكَ مُتَطايِرَةً في الجَوِّ كالهَباءِ المَنثُورِ حَتّى تَعُودَ الأرْضُ كُلُّها لا عِوَجَ فِيها ولا أمْتًا.
101:6Page 600
فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ ٦
Then as for one whose scales are heavy [with good deeds],
ولَمّا كانَ اليَوْمُ إنَّما يُوصَفُ لِأجْلِ ما يَقَعُ فِيهِ، سَبَبٌ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ مُفَصَّلًا لَهُمْ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ﴾ أيْ بِالرُّجْحانِ. ولَمّا كانَتِ المَوْزُوناتُ كَثِيرَةَ الأنْواعِ جِدًّا، جَمَعَ المِيزانَ بِاعْتِبارِها فَقالَ: ﴿مَوازِينُهُ﴾ أيْ مَقادِيرُ أنْواعِ حَسَناتِهِ بِاتِّباعِ [الحَقِّ] لِأنَّهُ ثَقِيلٌ في الدُّنْيا واجْتِنابُ الباطِلِ، والمَوْزُونُ الأعْمالُ أنْفُسُها تَجَسُّدًا وصَحائِفُها
﴿فَهُوَ﴾ بِسَبَبِ رُجْحانِ حَسَناتِهِ ﴿فِي عِيشَةٍ﴾ أيْ حَياةٍ تَتَقَلَّبُ فِيها، ولَعَلَّهُ ألْحَقَها الهاءَ الدّالَّةَ عَلى الوَحْدَةِ - والمُرادُ العَيْشُ - لِيَفْهَمَ أنَّها عَلى حالَةٍ [واحِدَةٍ] - في الصَّفاءِ واللَّذَّةِ ولَيْسَتْ ذاتَ ألْوانٍ كَحَياةِ الدُّنْيا ﴿راضِيَةٍ﴾ أيْ ذاتُ رِضًى أوْ مَرَضِيَّةً [لِأنَّ أُمَّهُ -] جَنَّةٌ عالِيَةٌ
﴿وأمّا مَن خَفَّتْ﴾ أيْ طاشَتْ ﴿مَوازِينُهُ﴾ أيْ بِأنْ غَلَبَتْ سَيِّئاتُهُ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ لِاتِّباعِهِ الباطِلَ وخِفَّتِهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا
﴿فَأُمُّهُ﴾ أيِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وتَضُمُّهُ إلَيْها كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: أمْ - لِأنَّها تَقْصِدُ لِذَلِكَ، ويَسْكُنُ إلَيْها كَما يَسْكُنُ إلى الأُمِّ، وكَذا المَسْكَنُ، وهو يَفْهَمُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنها غَلَبَ عَلَيْهِ طَبْعُ الشَّيْطانِ لِكَوْنِ العُنْصُرِ النّارِيِّ أكْثَرَ أجْزائِهِ، وعَظَّمَها بِالتَّنْكِيرِ والتَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ المُعْلَمِ بِأنَّهُ لا قَرارَ لَها فَقالَ: ﴿هاوِيَةٌ﴾ أيْ نارٌ نازِلَةٌ سافِلَةٌ جِدًّا فَهو بِحَيْثُ لا يَزالُ يَهْوِي فِيها نازِلًا وهو في عِيشَةٍ ساخِطَةٍ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، ذَكَرَ العِيشَةَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها ثانِيًا، وذَكَرَ (p-٢٢٤)الأُمَّ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها أوَّلًا.
ولَمّا كانَتْ مِمّا يَفُوتُ الوَصْفُ بِعَظِيمِ أهْوالِها وشَدِيدِ زِلْزالِها، جَمَعَ الأمْرَ فِيها فَقالَ مُنْكِرًا أنْ يَكُونَ مَخْلُوقٌ يَعْرِفُ وصْفَها: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ وإنِ اشْتَدَّ تَكَلُّفُكَ ﴿ما هِيَهْ﴾ أيِ الهاوِيَةُ لِأنَّهُ لَمْ يَعْهَدْ أحَدٌ مِثَلَها لِيَقِيسَها عَلَيْهِ، وهاءُ السَّكْتِ إشارَةٌ إلى إنَّ ذِكْرَها مِمّا يَكْرِبُ القَلْبَ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى الِاسْتِرْسالِ في الكَلامِ أوْ [إلى -] أنَّها مِمّا يَنْبَغِي لِلسّامِعِ أنْ يَقْرَعَ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ عَنْها سَمْعُهُ فَيَسْكُتُ لِسَماعِ الجَوابِ وفَهْمِهِ غايَةَ السُّكُوتِ ويُصْغِي غايَةَ الإصْغاءِ.
ولَمّا هَوَّلَها بِما ذَكَرَ، أتْبَعَها ما يُمْكِنُ البِشْرُ مَعْرِفَتَهُ مِن وصْفِها فَقالَ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها، هَذا ما تَتَعارَفُونَهُ بَيْنَكُمْ، وأمّا التَّفاصِيلُ فَأمْرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا نِهايَةُ القارِعَةِ، فَتَلاؤُمُ الأوَّلِ لِلْآخَرِ واضِحٌ جِدًّا وظاهِرٌ - واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences