Al-Biqa'iAl‑Ahqaf · 46:1–8

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الأحقاف

Al-Ahqaf

The Wind-Curved Sandhills · Meccan · 35 ayahs

46:1Page 502

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

(p-١١٨)سُورَةُ الأحْقافِ

مَقْصُودُها إنْذارُ الكافِرِينَ بِالدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الوَعْدِ في قِيامِ السّاعَةِ اللّازِمِ لِلْعِزَّةِ والحِكْمَةِ الكاشِفِ لَهُما أتَمَّ كَشْفٍ بِما وقَعَ الصِّدْقُ في الوَعْدِ بِهِ مِن إهْلاكِ المُكَذِّبِينَ بِما يُضادُّ حالَ بِلادِهِمْ وأنَّهُ لا يَمْنَعُ مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ مانِعٌ؛ لِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ لا شَرِيكَ لَهُ فَهو المُسْتَحِقُّ لِلْإفْرادِ بِالعِبادَةِ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتْ تَسْمِيَتُها بِالأحْقافِ الدّالَّةِ عَلى هُدُوءِ الرِّيحِ وسُكُونِ الجَوِّ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ [قَوْمِ] هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ التَّوْحِيدِ وإنْذارِهِمْ بِالعَذابِ دُنْيا وأُخْرى ومِن إهْلاكِهِمْ وعَدَمِ إغْناءِ ما عَبَدُوهُ عَنْهم ولا يَصِحُّ تَسْمِيَتُها بِهُودٍ ولا تَسْمِيَةُ هُودٍ بِالأحْقافِ لِما ذُكِرَ مِنَ المَقْصُودِ بِكُلٍّ مِنهُما ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لا يُذَلُّ مَن والى ولا يُعَزُّ مَن عادى ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ بِزَواجِرِ الإنْذارِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي يَخُصُّ حِزْبَهُ بِعَمَلِ الأبْرارِ لِلْفَوْزِ في دارِ القَرارِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ.

* *

﴿حم﴾ حِكْمَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي هي النِّهايَةُ في الصَّوابِ والسَّدادِ أحْكَمَها الَّذِي أحاطَتْ قُدْرَتُهُ فَهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ.

46:2Page 502

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.

ولَمّا بُنِيَتِ الجاثِيَةُ عَلى النَّظَرِ في آياتِ الخافِقَيْنِ خِطابًا لِأهْلِ الإيمانِ (p-١١٩)اسْتِدْلالًا عَلى يَوْمِ الفَصْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ في الدُّخانِ بِآيَةِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] والَّتِي بَعْدَها، فَأنْتَجَتِ العِلْمَ بِأنَّ الكِبْرِياءَ لِخالِقِهِما بِما يُشاهَدُ مِن قَهْرِهِ لِلْمُلُوكِ فَمَن سِواهم بِالمَوْتِ وما دُونَهُ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِأحَدٍ وبَيَّنَتْ - بِما أفْهَمَهُ المُلْكُ والكِبْرِياءُ والحِكْمَةُ؛ لِأنَّ عادَةَ مَن كانَ بِهَذا الوَصْفِ ألّا يَكُونَ [كَلامُهُ] إلّا بِحَسْبِ الحاجَةِ - أنَّ الكِتابَ مُنَزَّلٌ نُجُومًا لِبَيانِ ما يُحاوِلُونَ بِهِ مُدْحِضٌ لِحُجَّتِهِمْ هادِمٌ لِعِزَّتِهِمْ بِحِكْمَتِهِ وعِزَّتِهِ، فَثَبَتَ الحَشْرُ وحَقَّ النَّشْرُ، وخَتَمَ بِصِفَتَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ، ذَكَّرَ بِما ثَبَتَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ تَأْكِيدًا لِأمْرِ البَعْثِ وتَحْقِيقًا لِلْيَوْمِ الآخِرِ عَلى وجْهٍ مُبَيِّنٍ أنَّ الخَلْقَ كُلَّهُ آياتٌ وحِكَمٌ واعْتِباراتٌ؛ لِأنَّهُ أثْبَتَ أنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ، ونَفى عَنْهُ كُلَّ باطِلٍ، فَقالَ خِطابًا لِأهْلِ الأوْثانِ مِن سائِرِ الأدْيانِ الصّابِيَةِ والمَجُوسِ وغَيْرِهِمُ الَّذِينَ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِهِمْ وخُتِمَتْ بِالفِسْقِ الجامِعِ لَهُمُ المُوجِبِ لِكُفْرِهِمْ: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ﴾ أيِ: الجامِعِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ بِالتَّدْرِيجِ عَلى حَسَبِ المَصالِحِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ (p-١٢٠)أيِ الجَبّارِ المُتَكَبِّرِ المُخْتَصِّ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّذِي هو الحَمْدُ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ رُبُوبِيَّتُهُ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ تَقْرِيرًا لِأنَّهُ لَمْ يَضَعْ شَيْئًا إلّا في أوْفَقِ مَحالِّهِ، وأنَّهُ الخالِقُ [لِلشَّرِّ كَما أنَّهُ الخالِقُ] لِلْخَيْرِ ولِجَمِيعِ الأفْعالِ وأنَّهُ يُعِزُّ أوْلِياءَهُ ويُذِلُّ أعْداءَهُ ويُحْكِمُ أمْرَ دِينِهِ فَيُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى مُعارَضَتِهِ في شَيْءٍ مِنهُ فَصارَتْ آيَةُ الجاثِيَةِ مُقَدِّمَةً لِهَذِهِ وهَذِهِ نَتِيجَةٌ.

46:3Page 502

مَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ ٣

We did not create the heavens and earth and what is between them except in truth and [for] a specified term. But those who disbelieve, from that of which they are warned, are turning away.

ولَمّا ثَبَتَ في الجاثِيَةِ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعالى في الدُّخانِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] بِما ذُكِرَ فِيهِما مِنَ [الآياتِ و] المَنافِعِ والحِكَمِ، أثْبَتَ [هُنا] مَضْمُونَ [ما بَعْدَ] ذَلِكَ بِزِيادَةِ الأجَلِ فَقالَ دالًّا عَلى عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿ما خَلَقْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُوجِبَةِ لِلتَّفَرُّدِ بِالكِبْرِياءِ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ عَلى ما فِيهِما مِنَ الآياتِ الَّتِي فُصِّلَ بَعْضُها في الجاثِيَةِ. ولَمّا كانَ مِنَ المَقاصِدِ هُنا الرَّدُّ عَلى المَجُوسِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ثَبَتَ خَلْقًا لِغَيْرِ اللَّهِ قالَ: ﴿وما بَيْنَهُما﴾ أيْ: مِنَ الهَواءِ المَشْحُونِ بِالمَنافِعِ وكُلِّ خَيْرٍ وكُلِّ شَرٍّ مِن أفْعالِ العِبادِ وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ في تَفْسِيرِهِ: جَمِيعُ الوُجُودِ أوَّلِهِ وآخِرِهِ نُسْخَةٌ (p-١٢١)لِأُمِّ الكِتابِ والسَّماواتِ والأرْضِ إشارَةً إلى بَعْضِ الوُجُودِ، وبَعْضُهُ يُعْطِي مِنَ الدَّلالَةِ عَلى المَطْلُوبِ ما يُعْطِيهِ الكُلُّ بِوَجْهٍ ما، غَيْرَ أنَّ ما عَلا أصَحُّ دَلالَةً وأقْرَبُ شَهادَةً وأبْيَنُ إشارَةً، وما صَغُرَ مِنَ المَوْجُوداتِ دَلالَتُهُ مُجْمَلَةٌ يَحْتاجُ المُسْتَعْرِضُ فِيهِ إلى التَّثَبُّتِ وتَدْقِيقِ النَّظَرِ والبَحْثِ. انْتَهى.

﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والتَّصَرُّفِ المُطْلَقِ، فَخَلَقَ [الباطِلَ] بِالحَقِّ؛ لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في مُلْكِهِ الَّذِي لا شائِبَةَ لِغَيْرِهِ فِيهِ لِلِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ لِلْمُجازاةِ بِالعَدْلِ والمَنِّ بِالفَضْلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يَعْلَمُها سِواهُ، وفي خَلْقِ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ أعْظَمُ دَلالَةٍ عَلى وُجُودِ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، ودَلَّ عَلى قَهْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: لِبَعْثِ النّاسِ إلى دارِ القَرارِ لِفَصْلِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن أهْلِ النّارِ، وفَناءِ الخافِقَيْنِ وما نَشَأ عَنْهُما مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وأمَرْنا النّاسَ بِالعَمَلِ في ذَلِكَ الأجَلِ بِطاعَتِنا ووَعَدْناهم عَلَيْها جِنانَ النَّعِيمِ، فالَّذِينَ آمَنُوا عَلى ما أُنْذِرُوا مُقْبِلُونَ، ومِن غَوائِلِهِ مُشْفِقُونَ، فَهم بِطاعَتِنا عامِلُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ مِنَ السِّياقِ لَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا مِن أعْلامِ الدَّلائِلِ ما لَوْ خَلَّوْا أنْفُسَهم وما فَطَرْناها عَلَيْهِ لَعَلِمُوهُ فَهم لِذَلِكَ ﴿عَمّا أُنْذِرُوا﴾ (p-١٢٢)مِمَّنْ هم عارِفُونَ بِأنَّ إنْذارَهُ لا يَتَخَلَّفُ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ ومِن غَوائِلِهِ آمِنُونَ، فَهم بِما يُغْضِبُنا فاعِلُونَ، شَهِدَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ الوُجُودِ فَما سَمِعُوا لَها ولا أصْغَوْا إلَيْها وأنْذَرَتْهُمُ الرُّسُلُ والكُتُبُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَأعْرَضُوا عَنْها واشْمَأزُّوا مِنها.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ الكِتابِ وعَظِيمَ الرَّحْمَةِ بِهِ وجَلِيلَ بَيانِهِ، وأرْدَفَ ذَلِكَ بِما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الشَّرِيعَةِ مِن تَوْبِيخِ مَن كَذَّبَ بِهِ وقَطْعِ تَعَلُّقِهِمْ وأنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ نَصَبَ مِن دَلائِلِ السَّماواتِ والأرْضِ [إلى] ما ذُكِرَ في صَدْرِ السُّورَةِ ما كَلُّ قِسْمٍ مِنها كافٍ في الدَّلالَةِ وقائِمٌ بِالحُجَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمُ التَّمادِي عَلى ضَلالِهِمْ والِانْهِماكِ في سُوءِ حالِهِمْ وسَيِّئِ مُحالِهِمْ، أُرْدِفَتْ بِسُورَةِ الأحْقافِ تَسْجِيلًا بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ وإعْلامًا بِألِيمِ مُنْقَلَبِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ ولَوِ اعْتَبَرُوا بِعَظِيمِ ارْتِباطِ ذَلِكَ الحَقِّ وإحْكامِهِ وإتْقانِهِ لَعَلِمُوا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَبَثًا، ولَكِنَّهم عَمُوا عَنِ الآياتِ وتَنْكَبُّوا عَنِ انْتِهاجِ الدَّلالاتِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ثُمَّ أخَذَ (p-١٢٣)سُبْحانَهُ وتَعالى في تَعْنِيفِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ في عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦] ثُمَّ ذَكَرَ عِنادَهم عَنْ سَماعِ الآياتِ فَقالَ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ [الأحقاف: ٧] الآياتِ. ثُمَّ التَحَمَ الكَلامُ وتَناسَجَ إلى آخِرِ السُّورَةِ. انْتَهى.

46:4Page 502

قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤

Say, [O Muḥammad], "Have you considered that which you invoke besides Allāh? Show me what they have created of the earth; or did they have partnership in [creation of] the heavens? Bring me a scripture [revealed] before this or a [remaining] trace of knowledge, if you should be truthful."

ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ الأصْلَ الدّالَّ عَلى التَّوْحِيدِ وإثْباتِ العَدْلِ والحُرْمَةِ بِالبَعْثِ لِلْفَصْلِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّهم أعْقَلُ النّاسِ، وكانَ العاقِلُ لا يَأْمَنُ غَوائِلَ الإنْذارِ إلّا إنْ أعَدَّ لَها ما يَتَحَقَّقُ دَفْعُهُ لَها وكانَ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المُتَوَعِّدِ إلّا مَن يُساوِيهِ أوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ بِشَرِكَةٍ أوْ غَيْرِها، وكانُوا يَدَّعُونَ في أصْنامِهِمْ أنَّها شُرَكاءُ، بَنى عَلى ذَلِكَ الأصْلِ تَفارِيعَهُ، وبَدَأ بِإبْطالِ مُتَمَسَّكِهِمْ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى آمِرًا لَهُ ﷺ بِأنْ يُنَبِّهَهم عَلى سَفَهِهِمْ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَمّا قَدْ يَضُرُّهم مِن غَيْرِ احْتِرازٍ مِنهُ دالًّا عَلى عَدَمِ إلَهِيَّةِ ما دَعَوْهُ آلِهَةً بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى إلَهِيَّتِها مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ، لِأنَّ مَنصِبَ الإلَهِيَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يُثْبَتَ [و] لَهُ مِنَ الشَّرَفِ ما هو مَعْلُومٌ (p-١٢٤)بِغَيْرِ دَلِيلٍ قاطِعٍ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ المُعَرِّضِينَ أنْفُسَهم لِغايَةِ الخَطَرِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي بَعْدَ تَأمُّلٍ ورُؤْيَةٍ باطِنَةٍ ﴿ما تَدْعُونَ﴾ أيْ: دُعاءَ عِبادَةٍ، ونَبَّهَ عَلى سُفُولِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، فَلا كُفُوءَ لَهُ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنْ رُؤْيَةِ ما مُشاهَدَتُهم لَهُ مَعْلُومَةٌ لا يَصِحُّ إلّا بِتَأْوِيلِ أنَّهُ عَنْ بَعْضِ الأحْوالِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: أهم شُرَكاءُ في الأرْضِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿أرُونِي﴾ وأكَّدَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ماذا خَلَقُوا﴾ أيِ اخْتَرَعُوهُ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ لِيَصِحَّ ادِّعاءُ أنَّهم شُرَكاءُ فِيها بِاخْتِراعِ ذَلِكَ الجُزْءِ. ولَمّا كانَ مَعْنى الكَلامِ وتَرْجَمْتُهُ: أرُونِي أهم شُرَكاءُ في الأرْضِ؟ عادَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَدْعُونَهم ﴿شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ أيْ: نَوْعٌ مِن أنْواعِ الشَّرِكَةِ: تَدْبِيرٌ - كَما يَقُولُ أهْلُ الطَّبائِعِ، أوْ خَلْقٌ أوْ غَيْرُهُ، أرُونِي ذَلِكَ الَّذِي خَلَقُوهُ مِنها لِيَصِحَّ ادِّعاؤُكم فِيهِمْ واعْتِمادُكم عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ.

فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الخَلْقَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، والشَّرِكَةَ ثانِيَةً دَلِيلًا عَلى حَذْفِها أوَّلًا.

(p-١٢٥)ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ أحَدَ شَيْئَيْنِ: سَمْعٍ وعَقْلٍ، قالَ تَعالى: ﴿ائْتُونِي﴾ [أيْ] حُجَّةً عَلى دَعْواكم في هَذِهِ الأصْنامِ أنَّها خَلَقَتْ شَيْئًا، أوْ أنَّها تَسْتَحِقُّ أنْ تُعْبَدَ ﴿بِكِتابٍ﴾ أيْ: واحِدٍ يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ، لا أُكَلِّفُكم إلى الإتْيانِ بِأكْثَرَ مِن كِتابٍ واحِدٍ. ولَمّا كانَتِ الكُتُبُ مُتَعَدِّدَةً ولَمْ يَكُنْ كِتابٌ قَبْلَ القُرْآنِ عامًّا لِجَمِيعِ ما سَلَفَ مِنَ الزَّمانِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ [أيِ] الَّذِي نَزَلَ عَلَيَّ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، وهَذا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ فَإنَّها كُلَّها شاهِدَةٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، لَوْ أتى بِها آتٍ لَشَهِدَتْ عَلَيْهِ.

ولَمّا ذَكَرَ الأعْلى الَّذِي لا يَجِبُ التَّكْلِيفُ إلّا بِهِ، وهو النَّقْلُ القاطِعُ، سَهَّلَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَ إلى ما دُونَهُ الَّذِي مِنهُ العَقْلُ، وأقْنَعَ [مِنهُ] بِبَقِيَّةٍ واحِدَةٍ ولَوْ كانَتْ أثَرًا لا عَيْنًا فَقالَ: ﴿أوْ أثارَةٍ﴾ أيْ: بَقِيَّةِ رَسْمٍ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: وهي البَقِيَّةُ مِن أثَرِ كُلِّ شَيْءٍ يُرى بَعْدَ ذَهابِهِ وحالِ رُؤْيَتِهِ بِأثَرِها خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ يَتَحَدَّثُونَ بِها في آثارِهِمْ، قالالبَغَوِيُّ: وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الأثَرِ وهو الرِّوايَةُ.

﴿مِن عِلْمٍ﴾ (p-١٢٦)أيْ قَطْعِيٍّ بِضَرُورَةٍ أوْ تَجْرِبَةٍ أوْ مُشاهَدَةٍ أوْ غَيْرِهِ ولَوْ ظَنًّا يَدُلُّ عَلى ما ادَّعَيْتُمْ فِيهِمْ مِنَ الشَّرِكَةِ. ولَمّا كانَ لَهم مِنَ النُّفْرَةِ مِنَ الكَذِبِ واسْتِشْناعِهِ واسْتِبْشاعِهِ واسْتِفْظاظِهِ ما لَيْسَ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، أشارَ إلى تَقْرِيعِهِمْ بِالكَذِبِ إنْ لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلى دَعْواهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في الصِّدْقِ عَلى ما تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم.

46:5Page 502

وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ ٥

And who is more astray than he who invokes besides Allāh those who will not respond to him until the Day of Resurrection [i.e., never], and they, of their invocation, are unaware.

ولَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَوْلَهم في الأصْنامِ بِعَدَمِ قُدْرَتِها عَلى إتْيانِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتٍ في الأصْلِ، أتْبَعَهُ إبْطالَهُ بِعَدَمِ عِلْمِها لِيُعْلَمَ قَطْعًا أنَّهم أضَلُّ النّاسِ حَيْثُ ارْتَبَطُوا في أجَلِّ الأشْياءِ - وهو أُصُولُ الدِّينِ - بِما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ أصْلًا، فَقالَ تَعالى مُنْكِرًا أنْ يَكُونَ أحَدٌ أضَلَّ مِنهُمْ، عاطِفًا عَلى ما هَدى السِّياقُ حَتْمًا إلى تَقْدِيرِهِ وهُوَ: فَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدَّعِي شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ وإنْ قَلَّ بِلا دَلِيلٍ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ﴾ يَدَّعِي أعْظَمَ الأشْياءِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ما عَقْلِيٍّ ولا نَقْلِيٍّ، فَهو ﴿يَدْعُو﴾ ما لا قُدْرَةَ لَهُ ولا عِلْمَ، وما انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ لَمْ تَصِحَّ عِبادَتُهُ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، وأرْشَدَ إلى سُفُولِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أدْنى (p-١٢٧)رُتْبَةٍ [مِن رُتَبِ] الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ والكَمالِ، فَهو سُبْحانُهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ ويَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ يُجِيبُ الدُّعاءَ ويَكْشِفُ البَلاءَ ويُحَقِّقُ الرَّجاءَ إذا شاءَ، ويُدَبِّرُ عَبْدَهُ لِما يَعْلَمُ مِن سِرِّهِ وعَلَنِهِ بِما لا يَقْدِرُ هو عَلى تَدْبِيرِ نَفْسِهِ [بِهِ]، ويُرِيدُ العَبْدُ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ ما لَوْ وُكِلَ [العَبْدُ] فِيهِ إلى نَفْسِهِ وأُجِيبَ إلى طُلْبَتِهِ كانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَيُدَبِّرُهُ سُبْحانَهُ بِما تَشْتَدُّ كَراهِيَتُهُ لَهُ فَيَكْشِفُ الحالُ عَنْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَجٌ إلّا فِيهِ ﴿مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ أيْ: لا يُوجِدُ الإجابَةَ ولا يَطْلُبُ إيجادَها مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها لِأنَّهُ لا أهْلِيَّةَ لَهُ لِذَلِكَ.

ولَمّا كانَ أقَلُّ الِاسْتِجابَةِ مُطْلَقَ الكَلامِ، وكانُوا في الآخِرَةِ يُكَلِّمُونَهم في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ بِما يَضُرُّهُمْ، غَيّا هَذا النَّفْيَ بِوَقْتٍ لا يَنْفَعُ فِيهِ اسْتِجابَةٌ أصْلًا ولا يُغْنِي أحَدٌ عَنْ أحَدٍ أبَدًا فَقالَ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيِ: الَّذِي صَرَّفْنا لَهم مِن أدِلَّتِهِ ما هو أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ ولا يَزِيدُهم لَكَ إلّا إنْكارًا ورُكُونًا إلى ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ أصْلًا وهم يَدَّعُونَ الهِدايَةَ ويَعِيبُونَ أشَدَّ عَيْبٍ الغَوايَةَ. ولَمّا كانَ مَن لا يَسْتَجِيبُ قَدْ يَكُونُ لَهُ [عِلْمٌ] بِطاعَةِ الإنْسانِ لَهُ تُرْجى مَعَهُ إجابَتُهُ يَوْمًا ما، نَفى (p-١٢٨)ذَلِكَ بِقَوْلِهِ زِيادَةً في عَيْبِهِمْ في دُعاءِ ما لا رَجاءَ في نَفْعِهِ: ﴿وهم عَنْ دُعائِهِمْ﴾ أيْ: دُعاءِ المُشْرِكِينَ إيّاهم ﴿غافِلُونَ﴾ أيْ: لَهم هَذا الوَصْفُ ثابِتٌ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، لا يَعْلَمُونَ مَن يَدْعُوهم ولا مَن لا يَدْعُوهُمْ، وعَبَّرَ بِالغَفْلَةِ الَّتِي هي مِن أوْصافِ العُقَلاءِ لِلْجَمادِ تَغْلِيبًا إنْ كانَ المُرادُ أعَمَّ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مِمَّنْ عَبَدُوهُ مِن عُقَلاءِ الإنْسِ والجِنِّ وغَيْرِهِمْ واتِّصافًا إنْ كانَ المُرادُ الأصْنامَ خاصَّةً، أوْ تَهَكُّمًا كَأنَّهُ قِيلَ: هم عُلَماءُ فَإنَّكم أجَلُّ مَقامًا مِن أنْ تَعْبُدُوا ما لا يَعْقِلُ، وإنَّما عَدَمُ اسْتِجابَتِهِمْ لَكم دائِمًا غَفْلَةٌ دائِمَةٌ كَما تَقُولُ لِمَن كَتَبَ كِتابًا كُلُّهُ فاسِدٌ: أنْتَ عالِمٌ لَكِنَّكَ كُنْتَ ناعِسًا - ونَحْوَ هَذا.

46:6Page 503

وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ ٦

And when the people are gathered [that Day], they [who were invoked] will be enemies to them, and they will be deniers of their worship.

ولَمّا غَيّا سُبْحانَهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ فَأفْهَمُ أنَّهم يَسْتَجِيبُونَ لَهم فِيهِ، بَيَّنَ ما يُحاوِرُونَهم بِهِ إذْ ذاكَ فَقالَ: ﴿وإذا حُشِرَ﴾ أيْ: جُمِعَ بِكُرْهٍ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ وأسْهَلِ أمْرٍ ﴿النّاسُ﴾ أيْ: كُلُّ مَن يَصِحُّ مِنهُ النَّوْسُ - أيِ التَّحَرُّكُ - يَوْمَ القِيامَةِ ﴿كانُوا﴾ أيِ المَدْعُوُّونَ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: لِلدّاعِينَ ﴿أعْداءً﴾ ويُعْطِيهِمُ اللَّهُ قُوَّةَ الكَلامِ فَيُخاطِبُونَهم بِكُلِّ ما يُخاطِبُ بِهِ العَدُوُّ عَدُوَّهُ ﴿وكانُوا﴾ أيِ المَعْبُودُونَ ﴿بِعِبادَتِهِمْ﴾ أيِ: الدّاعِينَ، وهُمُ المُشْرِكُونَ - إيّاهم ﴿كافِرِينَ﴾ لِأنَّهم كانُوا عَنْها غافِلِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-١٢٩)﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]

46:7Page 503

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ٧

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is obvious magic."

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم في غايَةِ السَّفَهِ في عِبادَةِ ما لا دَلِيلَ بِوَجْهٍ عَلى عِبادَتِهِ، أتْبَعَهُ بَيانَ أنَّهم في غايَةِ الغَباوَةِ بِإنْكارِ ما لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنهُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] ﴿وإذا تُتْلى﴾ أيْ: تُقْرَأُ مِن أيِّ قارِئٍ كانَ عَلى وجْهِ المُتابَعَةِ ﴿عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ: الَّتِي لا أعْظَمَ مِنها في أنْفُسِها وبِإضافَتِها إلَيْنا ﴿بَيِّناتٍ﴾ لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها قالُوا - هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ الوَصْفَ الحامِلَ لَهم عَلى القَوْلِ فَقالَ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا تِلْكَ الأنْوارَ الَّتِي أبْرَزَتْها تِلْكَ التِّلاوَةُ لَها - هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿لِلْحَقِّ﴾ أيْ: لِأجْلِهِ ﴿لَمّا﴾ أيْ: حِينَ ﴿جاءَهُمْ﴾ بَيانُها لِأنَّها مَعَ بَيانِها لا شَيْءَ أثْبَتُ مِنها وأنَّهم بادَرُوا أوَّلَ سَماعِهِمْ لَها إلى إنْكارِها دُونَ تَفَكُّرٍ: ﴿هَذا﴾ أيِ: الَّذِي تُلِيَ ﴿سِحْرٌ﴾ أيْ: خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرٌ في أنَّهُ خَيالٌ، فَدَلَّ قَوْلُهم هَذا - بِمُبادَرَتِهِمْ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ أصْلًا، وبِكَوْنِهِ أبْعَدَ الأشْياءِ عَنْ حَقِيقَةِ ما قِيلَ فِيهِ - عَلى أنَّهم أكْثَرُ النّاسِ عِنادًا وأجْرَؤُهم عَلى الكَذِبِ وهم يَدَّعُونَ أنَّهم أعْرَقُ النّاسِ في الإنْصافِ (p-١٣٠)وألْزَمُهم لِلصِّدْقِ.

46:8Page 503

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨

Or do they say, "He has invented it"? Say, "If I have invented it, you will not possess for me [the power of protection] from Allāh at all. He is most knowing of that in which you are involved.1 Sufficient is He as Witness between me and you, and He is the Forgiving, the Merciful."

ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ بِعَظِيمِ حُجَجِها وزِخارِ ما أغْرَقَ مِن لُجُجِها، عَلى أنَّ ما يَدِينُونَ بِهِ أوْهى مِنَ الخَيالِ، وأنَّ هَذا الكِتابَ في صِدْقِهِ وكُلِّ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ أثْبَتُ مِنَ الجِبالِ، فَكانُوا أجْدَرَ الخَلْقِ بِأنْ يَقُولُوا: رَجَعْنا عَمّا كُنّا فِيهِ وآمَنّا، كانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: هَلْ أقَرُّوا بِأنَّكَ صادِقٌ في نِسْبَةِ هَذا الكِتابِ إلى اللَّهِ، فَعادَلَهُ بِقَوْلِهِ دَلِيلًا عَلَيْهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ مُجَدِّدِينَ لِذَلِكَ مُتابِعِينَ لَهُ ﴿افْتَراهُ﴾ أيْ: تَعَمَّدَ كَذِبَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ عَجَبًا لِأنَّهُ قَوْلٌ مَقْرُونٌ بِما يُكَذِّبُهُ ويُبْطِلُهُ كَما يَأْتِي في تَقْرِيرِهِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَيَقُولُونَ ذَلِكَ، وقَدْ قَرَّحُوا القُلُوبَ بِهِ فَماذا يَرُدُّهم عَنْهُ؟ [قِيلَ]: ﴿قُلْ﴾ ما هو أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِن وقْعِ النَّبْلِ، وهو ما يَرُدُّ ما رَمَوْكَ بِهِ عَلَيْهِمْ بِحُجَّةٍ هي أجْلى مِنَ الشَّمْسِ في الظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ دُونَها سَحابٌ. ولَمّا كانَ مِن عادَةِ المُلُوكِ أنَّهُ مَتى كَذَبَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ عاجَلُوهُ بِالعُقُوبَةِ قالَ: ﴿إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ أيْ: تَعَمَّدْتُ (p-١٣١)كَذِبَهُ عَلى زَعْمِكم وأنا إنَّما أُرِيدُ [بِهِ] نَصِيحَتَكُمْ، فالَّذِي أفْتَرِيهِ عَلَيْهِ وأنْسِبُهُ إلَيْهِ يُعاقِبُنِي عَلى ذَلِكَ ولا يَتْرُكُنِي أصْلًا، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمْلِكُونَ﴾ أيْ: أيُّها المَنصُوحُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لِي مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ العَزِيزِ المُتَكَبِّرِ الحَكِيمِ ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا يَرُدُّ عَنِّي انْتِقامَهُ مِنِّي؛ لِأنَّ المَلِكَ لا يَتْرُكُ مَن كَذَبَ عَلَيْهِ مُطْلَقَ كَذِبٍ، فَكَيْفَ بِمَن يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ عَلَيْهِ في الرِّسالَةِ بِأُمُورٍ عَظِيمَةٍ ويُلازِمُهُ مَساءً وصَباحًا غُدُوًّا ورَواحًا، فَأيُّ حامِلٍ لِي حِينَئِذٍ عَلى افْتِرائِهِ، والمَقْصُودُ [بِهِ] لا يَنْفَعُنِي، والمَكْذُوبُ عَلَيْهِ لا يَتْرُكُنِي؛ ثُمَّ عَلَّلَ ما أفادَهُ الكَلامُ مِن وُجُوبِ الِانْتِقامِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ﴾ أيْ: مِنكم ومِن كُلِّ أحَدٍ ﴿بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ مِن نِسْبَتِي إلى الكَذِبِ، فَلَوْ أنَّهُ كَما تَقُولُونَ ما ناظَرَنِي فَضْلًا عَنْ أنَّهُ يُؤَيِّدُنِي ويَنْصُرُنِي، وفِيهِ عَلى ذَلِكَ تَهْدِيدٌ لَهم وتَسْلِيَةٌ لَهُ وتَفْرِيجٌ عَنْهُ.

ولَمّا كانَ الإمْلاءُ وحْدَهُ لَيْسَ قاطِعًا في ذَلِكَ وإنْ كانَ ظاهِرًا فِيهِ، فَكانَ لا بُدَّ في دَعْوى الصِّدْقِ مِن دَلِيلٍ قاطِعٍ وبُرْهانٍ ساطِعٍ، وكانَتْ شَهادَةُ المَلِكِ الَّذِي الكَلامُ فِيهِ أعْظَمُ الأدِلَّةِ لِأنَّهُ الأعْلَمُ، ومَدارُ الشَّهادَةِ العِلْمُ، فَأنْتَجَ الكَلامُ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿كَفى﴾ وأكَّدَ الكَلامَ بِما قُرِنَ بِالفاعِلِ مِن حَرْفِ الجَرِّ تَحْقِيقًا لِلْفِعْلِ ونَفْيًا لِلْمَجازِ فَقالَ: ﴿بِهِ شَهِيدًا﴾ (p-١٣٢)أيْ: شاهِدًا بَلِيغَ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّهُ الأعْلَمُ بِجَمِيعِ أحْوالِنا ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ يَشْهَدُ بِنَفْسِهِ الأقْدَسِ لِلصّادِقِ مِنّا وعَلى الكاذِبِ، وقَدْ شَهِدَ بِصِدْقِي بِعَجْزِكم عَنْ مُعارَضَةِ شَيْءٍ مِن هَذا الكِتابِ الَّذِي أتَيْتُ بِهِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ كَلامُهُ لِأنِّي لا أقْدِرُ وحْدِي عَلى ما لا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ فُرادى ولا مُجْتَمِعِينَ وأنْتُمْ عَرَبٌ مِثْلِي، بَلْ [و] أنا أُمِّيٌّ وفِيكم [أنْتُمُ] الكَتَبَةُ والَّذِينَ خالَطُوا العُلَماءَ وسَمِعُوا أحادِيثَ الأُمَمِ وضَرَبُوا - بَعْدَ بِلادِ العَجَمِ - في بِلادِ العَرَبِ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ ظُهُورَ الشَّمْسِ أنَّكم كاذِبُونَ ﴿وهُوَ الغَفُورُ﴾ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَمْحُوَ الذُّنُوبَ كُلَّها أعْيانَها وآثارَها فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها ولا يُعاتِبُ ﴿الرَّحِيمُ﴾ الَّذِي يُكْرِمُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ ويُفَضِّلُ بِالتَّوْفِيقِ لِما يُرْضِيهِ، فَفي هَذا الخِتامِ تَرْغِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في الصَّفْحِ عَنْهم فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ في افْتِتاحِها مِنَ الِافْتِراءِ، ونَدْبٌ إلى الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وتَرْغِيبٌ لَهم في التَّوْبَةِ، ومَنعٌ مِن أنْ يَقُولُوا: فَلِمَ لا يُعاجِلُنا بِالعُقُوبَةِ عَلى نِسْبَتِنا لَكَ [إلى] الكَذِبِ إنْ كُنْتَ صادِقًا بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُمْهِلَ الكاذِبَ، وأمّا أنَّهُ يُؤَيِّدُهُ بِما يَشُدُّ بِهِ كَذِبَهُ اللّازِمَ مِنهُ أنَّهُ يَزِيدُ فِيهِ فَلا يَجُوزُ، لِأنَّ ذَلِكَ قادِحٌ [فِي] الحِكْمَةِ وفي الكِبْرِياءِ وفي المُلْكِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском