Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
القيامة
Al-Qiyamah
The Resurrection · Meccan · 40 ayahs
(p-٨٢)سُورَةُ القِيامَةِ
مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى عَظَمَةِ المُدَّثِّرِ المَأْمُورِ بِالإنْذارِ ﷺ لِعَظَمَةِ مُرْسِلِهِ سُبْحانَهُ وتَمامِ اقْتِدارِهِ بِأنَّهُ كَشَفَ لَهُ العُلُومَ حَتّى صارَ إلى الأعْيانِ بَعْدَ الرُّسُومِ بِشَرْحِ آخِرِ سُورَتِهِ مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ تَذْكِرَةٌ عَظِيمَةٌ لِما أوْدَعَهُ [اللَّهُ -] مِن وُضُوحِ المَعانِي وعُذُوبَةِ الألْفاظِ وجَلالَةِ النُّظُومِ ورَوْنَقِ السَّبْكِ وعُلُوِّ المَقاصِدِ، فَهو لِذَلِكَ مَعْشُوقٌ لِكُلِّ طَبْعٍ، مَعْلُومٌ ما خَفِيَ مِن أسْرارِهِ وإشاراتِهِ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وقُوَّةِ العَزْمِ بِحَيْثُ يَصِيرُ بَعْدَ كَشْفِهِ إذا أثَّرَ كَأنَّهُ كانَ مَنسِيًّا بَعْدَ حِفْظِهِ فَذَكِّرْ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] فَحَفِظَهُ وعَلِمَ مَعانِيَهُ وتَخَلَّقَ بِها، وإنَّما المانِعُ عَنْ ذَلِكَ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى، فَمَن شاءَ حَجَبَهُ عَنْهُ أصْلًا ورَأْسًا، ومَن شاءَ كَشَفَ عَنْةُ الحِجابَ وجَعَلَهُ يُعِينُهُ عَلى (p-٨٣)عَلى أعْظَمِ صَوابٍ دُونَ شَكٍّ ولا ارْتِيابٍ، وجَلّى عَلَيْهِ أوانِسَهُ وعَرائِسَهُ وحَباهُ جَواهِرَهُ ونَفائِسَهُ، وحَلّاهُ بِهِ، فَكانَ مِلْكَهُ وسائِسَهُ، كَما كانَ المُدَّثِّرُ ﷺ حِينَ كانَ خُلُقَهُ القُرْآنُ، واسْمُها القِيامَةُ واضِحٌ في ذَلِكَ جِدًّا، ولَيْسَ فِيها ما يَقُومُ بِالدَّلالَةِ عَلَيْهِ غَيْرُهُ إذا تُؤُمِّلَتِ الآيَةُ مَعَ ما أشارَتْ إلَيْهِ ”لا“ النّافِيَةُ لِلْقَسَمِ أوِ المُؤَكَّدَةُ مَعَ أنَّها في الوُضُوحِ في حَدٍّ لا يَحْتاجُ إلى الإقْسامِ [عَلَيْهِ -] لِأنَّهُ لا يُوجَدُ أحَدٌ يَدَعُ مِن تَحْتِ يَدِهِ يَعْدُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ويَتَصَرَّفُونَ فِيما خَوَّلَهم فِيهِ مِنهُ غَيْرَ حِسابٍ، فَكَيْفَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ الَّذِي وكَّلَ عَبِيدَهُ أضْعافَهم مِنَ المَلائِكَةِ فَهم يُدِيرُونَ كُلَّ لَحْظَةٍ فِيهِمْ كُؤُوسُ المَنايا، ويَأْخُذُونَ مِن أمْرِهِمْ بِهِ سُبْحانَهُ إلى دارِهِ البَرْزَخِ لِلتَّهْيِئَةِ لِلْعَرْضِ ويَسُوقُونَهم زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ إلى العَوْدِ في الأرْضِ حَتّى يَنْتَهِيَ الجَمْعُ في القُبُورِ، ويُقَيِّمَهم بِالنَّقْرِ في النّاقُورِ، والنَّفْخِ في الصُّورِ، إلى ساحَةِ الحِسابِ لِلثَّوابِ والعِقابِ، ولَمْ يَحْجُبْ عَنْ عِلْمِ ذَلِكَ حَتّى ضَلَّ عَنْهُ أكْثَرُ الخَلْقِ إلّا مَشِيئَتُهُ سُبْحانَهُ بِتَغْلِيبِ النَّفْسِ الأمّارَةِ حَتّى صارَتِ اللَّوّامَةُ مُنْهَمِكَةً في الشَّرِّ شَدِيدَةَ اللَّوْمِ عَنِ الإقْصارِ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ كَما أنَّ ما جَلّاهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى كانَ خُلُقُهُ، ولِمَن أرادَ مِن أتْباعِهِ إلّا إرادَتُهُ سُبْحانَهُ (p-٨٤)بِتَغْلِيبِ المُطَمْئِنَّةِ حَتّى صارَ الكُلُّ رُوحًا صِرْفًا [و -] نُورًا خالِصًا بَحْتًا ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي شَرُفَ رَسُولُهُ ﷺ فَأعْجَزَ الخَلْقَ بِكِتابِهِ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَتَيِ الإيجادِ والبَيانِ أهْلَ الهُدى والضَّلالِ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أهْلَ العِنايَةِ بِالسَّدادِ في الأقْوالِ والأفْعالِ.
* *
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الآخِرَةَ أوَّلَ سُورَةِ المُدَّثِرِ وخَوَّفَ مِنها بِالتَّعْبِيرِ بِالنّاقُورِ وما تَبِعَهُ، ثُمَّ أعادَ أمْرُها آخِرَها، وذَكَرَ التَّقْوى الَّتِي هي أعْظَمُ أسْبابِ النَّجاحِ فِيها والمَغْفِرَةَ الَّتِي هي الدَّواءُ الأعْظَمُ لَها، وكانَ الكُفّارُ يُكَذِّبُونَ بِها، وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ أقامَ عَلَيْها مِنَ الأدِلَّةِ مِن أوَّلِ القُرْآنِ إلى هُنا تارَةً مَعَ الإقْسامِ وأُخْرى مَعَ الخُلُوِّ عَنْهُ ما صَيَّرَها في حَدِّ البَدِيهِيّاتِ، وكانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِأنَّ المُخْبِرَ إذا كَذَّبَهُ السّامِعُ حَلَفَ عَلى ما أخْبَرَهُ بِهِ، وكانَ الإقْسامُ مَعَ تَحَقُّقِ العِنادِ لا يُفِيدُ، أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى أنَّ الأمْرَ قَدْ صارَ غَنِيًّا عَنِ الإقْسامِ لِما لَهُ مِنَ الظُّهُورِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ [إلّا -] مُعانِدٌ، فَقالَ مُشِيرًا إلى تَعْظِيمِها والتَّهْوِيلِ في أمْرِها بِذِكْرِها وإثْباتِ أمْرِها بِعَدَمِ الإقْسامِ أوْ تَأْكِيدِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ أيْ لا أُوقِعُ الإقْسامَ أوْ أُوقِعُهُ مُؤَكِّدًا ﴿بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ عَلى وُجُودِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ بِسَبَبِ وُجُودِهِ لِأنَّ الأمْرَ (p-٨٥)غَنِيٌّ فِيهِ [عَنْ ذَلِكَ -] وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ قَسَمٌ هو مُؤَكَّدٌ بِالنّافِي، ودُخُولُهُ في التَّأْكِيدِ سائِغٌ بَلْ شائِعٌ في كَلامِهِمْ جِدًّا، وجازَ القَسَمُ بِالشَّيْءِ عَلى وُجُودِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ في العَظَمَةِ في الدَّرَجَةِ العُلْيا كَما يَقُولُ الإنْسانُ: واللَّهِ إنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ، أيْ لا شَيْءَ أحْلِفُ بِهِ عَلى وُجُودِهِ - يا أيُّها المُنْكِرُ - أعْظَمُ مِنهُ [حَتّى -] أحْلِفَ بِهِ ولا بُدَّ لِي مِنَ الحَلِفِ لِأجْلِ إنْكارِكَ فَأنا أحْلِفُ بِهِ عَلَيْهِ، فالمَعْنى حِينَئِذٍ أنَّهُ لا شَيْءَ أدَلُّ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ مِن هَذَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَلِذا أُوقِعُ القَسَمَ بِهِما، وسِرُّ التَّأْكِيدِ [بِ ”لا“ -]- كَما قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ، إنَّ الإثْباتَ مِن طَرِيقِ النَّفْيِ آكَدُ كَأنَّهُ رَدَّ عَلى المُنْكَرِ أوَّلًا ثُمَّ أثْبَتَ القَسَمَ ثانِيًا، فَإنَّ الجَمْعَ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ دَلِيلُ الحَصْرِ.
75:2Page 577
وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ ٢
And I swear by the reproaching soul1 [to the certainty of resurrection].
ولَمّا كانَ مِنَ المُقَرَّرِ المَعْلُومِ الَّذِي هو في أقْصى غاياتِ الظُّهُورِ أنَّ مَن طَلَبَهُ المَلِكُ [طَلَبَ -] عَرْضٍ وحِسابٍ [وثَوابٍ -] وعِقابٍ يَلُومُ نَفْسَهُ في كَوْنِهِ لَمْ يُبالِغْ في العَمَلِ بِما يُرْضِي المَلِكَ والإخْلاصَ في مُوالاتِهِ، والتَّحَيُّزَ إلَيْهِ ومُصافاتِهِ. وكانَ أكْثَرَ لَوْمِ النَّفْسِ واقِعًا في ذَلِكَ اليَوْمِ، وكانَ إدْراكُها لِلَّوْمِ المُرَتَّبِ عَلى إدْراكِ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ومَعْرِفَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَهُما مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ الخالِقِ وكَمالِ عَظَمَتِهِ المُوجِبِ لِإيجادِ ذَلِكَ اليَوْمِ (p-٨٦)لِإظْهارِ عَظَمَتِهِ و[حُكْمِهِ و-] حِكْمَتِهِ قالَ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ﴾ عَلى حَدِّ ما مَضى في [أنَّ -] الباءَ صِلَةٌ أوْ سَبَبٌ ﴿اللَّوّامَةِ﴾ أيِ الَّتِي تَلُومُ صاحِبَها وهي خَيِّرَةٌ وشِرِّيرَةٌ، فالخَيِّرَةُ تَكُونُ سَبَبًا لِلنَّجاةِ فِيهِ والأُخْرى [تَكُونُ -] سَبَبًا لِلْهَلاكِ فِيهِ، فَإنْ لامَتْ عَلى الشَّرِّ أوْ عَلى التَّهاوُنِ بِالخَيْرِ أنْجَتْ، وإنْ لامَتْ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ أهْلَكَتْ، وكَيْفَما كانَتْ لا بُدَّ أنْ تَلُومَ، وهي [بَيْنَ -] الأمارَةِ والمُطْمَئِنَّةِ، فَما غُلِبَ عَلَيْها مِنهُما كانَتْ في حَيِّزِهِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: فالمُطْمَئِنَّةُ الَّتِي انْقادَتْ لِأوامِرِ اللَّهِ، والأمّارَةُ المُخالِفَةُ لَها المُتَّبِعَةُ لِلْهَوى، واللَّوّامَةُ هي المُجاهِدَةُ، فَتارَةً لَها اليَدُ وتارَةً عَلَيْها، وهي نَفْسُ الإنْسانِ خاصَّةً لِأنَّها بَيْنَ طَوْرَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ والكَمالِ والنُّقْصانِ والصُّعُودِ والهُبُوطِ والطّاعَةِ والعِصْيانِ، قالَ الإمامُ السَّهَرْوَرْدِيُّ في البابِ السّادِسِ والخَمْسِينَ مِن مَعارِفِهِ: وهي نَفْسٌ واحِدَةٌ لَها صِفاتٌ مُتَغايِرَةٌ، فالمَلائِكَةُ في دَرَجَةِ الكَمالِ، والحَيَواناتُ الأُخَرُ في دِرْكَةِ النُّقْصانِ. ولِهَذا جَمَعَ بَيْنَ القِيامَةِ و[بَيْنَ -] اللَّوّامَةِ، لِأنَّ الثَّوابَ والعِقابَ لِلْآدَمِيِّ دُونَ المَلائِكَةِ (p-٨٧)والحَيَواناتِ العُجْمِ، واللَّوّامَةُ يَشْتَدُّ لَوْمُها في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى عَدَمِ الخَيْرِ أوْ عَدَمِ الزِّيادَةِ مِنهُ، لا أُقْسِمُ عَلى ذَلِكَ بِهَذا الَّذِي هو مِن أدَلِّ الأُمُورِ عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ الأمْرَ في ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنِ القَسَمِ.
75:3Page 577
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ ٣
Does man think that We will not assemble his bones?
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ قَطْعًا بِما يُرْشِدُ إلَيْهِ جَمِيعُ ما مَضى جَوابًا لِلْقَسَمِ: إنَّكَ واللَّهِ صادِقٌ في إنْذارِكَ فَلا بُدَّ أنْ يُنْقَرَ في النّاقُورِ بِالنَّفْخِ في الصُّورِ. قالَ بانِيًا عَلَيْهِ بَعْدَ الإشارَةِ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ القِيامَةِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَذْفُ الجَوابِ مِن أنَّها في وُضُوحِ الأمْرِ وتَحَتُّمِ الكَوْنِ عَلى حالَةٍ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ مُنْكِرًا عَلى مَن يَشُكُّ فِيها بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الَّذِي يَقْبَلُ [عَلى -] الأُنْسِ بِنَفْسِهِ والنَّظَرِ في عَطْفِهِ والسُّرُورِ بِحَسَبِهِ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى النَّوْعِ كُلِّهِ لِأنَّ أكْثَرَهم كَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الحُظُوظِ عَلى العَقْلِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ ”أنَّ“ أيْ أنا.
ولَمّا كانَ فِيهِمْ مَن يُبالِغُ في الإنْكارِ، عَبَّرَ أيْضًا بِأداةِ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ”لَنْ نَجْمَعَ“ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عِظامَهُ﴾ أيِ الَّتِي هي قالَبُ بَدَنِهِ وعِمادِهِ مِنَ الأرْضِ فَيُعِيدُها كَما كانَتْ بَعْدَ تَمَزُّقِها وتَفَتُّتِها وافْتِراقِها وبَلاها وانْمِحاقِها، وقَدْ سَدَّتِ المُخَفَّفَةُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ”يَحْسَبُ“ المُقَدَّرَيْنِ بِ ”يَحْسَبُنا“ غَيْرَ جامِعَيْنِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ مُخْبِرًا عَنْ أهْلِ (p-٨٨)الكُفْرِ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] ثُمَّ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، والوَعِيدُ بِهِ لِمَن ذُكِرَ بَعْدُ في قَوْلِهِ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآياتُ ومَن كانَ عَلى حالِهِ في تَكْذِيبِ وُقُوعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ عِنْدَ جَوابِ مَن سُئِلَ بِقَوْلِهِ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] فَبَسَطَ القَوْلَ في هَذِهِ السُّورَةِ في بَيانِ ذِكْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وأهْوالِهِ، وأُشِيرَ إلى حالِ مَن كَذَّبَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ٦] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أحْوالِ الخَلائِقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] انْتَهى.
75:4Page 577
بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ ٤
Yes. [We are] Able [even] to proportion his fingertips.
ولَمّا أسْنَدَ الحُسْبانَ إلى النَّوْعِ لِأنَّ مِنهم مَن يَقُولُ: لا نُبْعَثُ لِأنَّنا نَتَفَتَّتُ ونَنْمَحِقُ، قالَ مُجِيبًا لَهُ: ﴿بَلى﴾ أيْ لَنَجْمَعَنَّ عِظامَهُ وجَمْعُ أجْزائِهِ لِأنّا قَدَرْنا عَلى تَفْصِيلِ عِظامِهِ وتَفْتِيتِها مِن بَعْدِ ارْتِتاقِها حالَ كَوْنِها نُطْفَةً واحِدَةً لِأنَّ كُلَّ مَن قَدَرَ عَلى التَّفْصِيلِ قَدَرَ عَلى الجَمْعِ والتَّوْصِيلِ حالَ كَوْنِنا ﴿قادِرِينَ﴾ أيْ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلى أنْ﴾
ولَمّا كانَتْ تَسْوِيَةُ الصَّغِيرِ أصْعَبَ، قالَ: ﴿نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أيْ أصابِعَهُ [أوْ -] سُلامَيّاتِهِ وهي عِظامُهُ الصِّغارُ الَّتِي في يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ كُلٌّ مِنها طُولُ إصْبَعٍ وأقَلُّ، خَصَّها لِأنَّها أطْرافُهُ وآخِرُ ما يَتِمُّ [بِهِ -] خَلْقُهُ بِأنْ نَجْمَعَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ المَوْتِ سَواءٌ، فالكِبارُ (p-٨٩)بِطَرِيقِ الأوْلى لِأنَّها أبْيَنُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ تَسْوِيَتِنا ذَلِكَ مِنَ النُّطْفَةِ وتَسْوِيَتِنا لَهُ مِنَ التُّرابِ، وهي لا تَكُونُ مُسَوّاةً وهي قالَبُ البَدَنِ إلّا بِتَسْوِيَةِ ما عَلَيْهِ مِن لِباسِ اللَّحْمِ والعَصَبِ والجِلْدِ كَما يَعْهَدُها العاهِدُ، فَتَسْوِيَةُ البَنانِ كِنايَةٌ عَنْ تَسْوِيَةِ جَمِيعِ البُنْيانِ كَما لَوْ قِيلَ لَكَ: هَلْ تَقْدِرُ عَلى تَأْلِيفِ هَذا الحَنْظَلِ، فَقُلْتَ: نَعَمْ، وعَلى تَأْلِيفِ الخَرْدَلِ، مَعَ ما يُفْهَمُ مِن تَخْصِيصِها مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى ما فِيها مِن بَدِيعِ الصُّنْعِ المُتَأثِّرِ عَنْهُ ما لَها مِن لَطائِفِ المَنافِعِ، أوْ أنْ نُسَوِّيَها الآنَ فَنَجْمَعُها عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِها نُطْفَةً مِنَ الِاجْتِماعِ قَبْلَ فَتْقِها وتَفْرِيقِها حَتّى تَكُونَ كَخُفِّ البَعِيرِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى تَفْصِيلِ الأنامِلِ حَتّى تَتَهَيَّأ لِلْأعْمالِ اللَّطِيفَةِ قادِرٌ عَلى جَمْعِها، فَتَزُولُ عَنْها تِلْكَ المَنفَعَةُ. ومَن قَدَرَ عَلى تَفْصِيلِ الماءِ بَعْدَ [اخْتِلاطِهِ -] وجَمَعَهُ بَعْدَ انْفِصالِهِ قادِرٌ عَلى جَمْعِ التُّرابِ بَعْدَ افْتِراقِهِ، وكَيْفَما كانَ فَهو تَنْبِيهٌ عَلى التَّأمُّلِ في لُطْفِ تَفْصِيلِ الأنامِلِ وبَدِيعِ صُنْعِها المُوجِبِ لِلْقَطْعِ بِأنَّ صانِعَها قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ، قالَ في القامُوسِ: البَنانُ: الأصابِعُ أوْ أطْرافُها. والسُّلامى - وزْنُ حُبارى: عِظامٌ صِغارٌ طُولَ إصْبَعٍ أوْ أقَلَّ في اليَدِ والرِّجْلِ.
ولَمّا تَقَدَّمَ ما أشارَ إلى أنَّ القِيامَةَ في غايَةِ الظُّهُورِ، أضْرَبَ عَنْ هَذا الإنْكارِ فَقالَ بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: إنَّهُ لا يَحْسَبُ عَدَمَ ذَلِكَ (p-٩٠)لِأنَّهُ مِنَ الظُّهُورِ في حَدٍّ لا يَحْتاجُ إلى كَبِيرِ تَأمُّلٍ فَلَوْ مَشى مَعَ عَقْلِهِ عَرَفَ الحَقَّ: ﴿بَلْ يُرِيدُ﴾ أيْ يُوقِعُ الإرادَةَ ﴿الإنْسانُ﴾ أظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّصْرِيحِ بِالتَّعْمِيمِ لِمُقْتَضى الطَّبْعِ المُوجِبِ لَهُ عَدَمُ الفِكْرِ في الآخَرِ مَعَ شِدَّةِ ظُهُورِها لِأنَّهُ مَعْنِيٌّ بِشَهَواتِهِ فَلا نَجاةَ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وحَذَفَ مَفْعُولَ ”يُرِيدُ“ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ ما يُرِيدُهُ بِمُقْتَضى طَبْعِهِ وشَهَواتِهِ خارِجٌ عَنْ طَوْرِهِ فَهو مُعاقَبٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ عَبْدٌ، والعَبْدُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُراقِبًا لِلسَّيِّدِ، لا يُرِيدُ إلّا ما يَأْمُرُهُ بِهِ، فَإذا أرادَ ما أمَرَهُ بِهِ لَمْ تُنْسَبْ إلَيْهِ إرادَةٌ بَلِ الإرادَةُ لِلسَّيِّدِ لا لَهُ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ، وكانَتْ إرادَتُهُ الخارِجَةُ عَنِ الأمْرِ مَعْصِيَةٌ، قالَ مُعَلِّلًا: ﴿لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ أيْ يَقَعُ مِنهُ الإرادَةُ لِيَقَعَ مِنهُ الفُجُورُ في المُسْتَقْبَلِ مِن زَمانِهِ بِأنْ يَقْضِيَ شَهَواتِهِ ويَمْضِيَ راكِبًا رَأْسَهُ في هَواهُ، ونَفْسُهُ الكاذِبَةُ تُورِدُ عَلَيْهِ الأمانِي وتُوَسِّعُ لَهُ في الأمَلِ وتُطْمِعُهُ في العَفْوِ مِن دُونِ عَمَلٍ، قالَ الحَسَنُ: المُؤْمِنُ ما تَراهُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ [ويَقُولُ: ما أرَدْتُ بِكَلامِي؟ وما أرَدْتُ بِأكْلِي؟ والفاجِرُ يَمْضِي قِدَمًا لا يُحاسِبُ نَفْسَهُ ] ولا يُعاتِبُها. ويَجُوزُ أنْ يُعَوِّدَ الضَّمِيرُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِيَكُونَ المَعْنى: لِيَعْمَلَ الفُجُورُ بَيْنَ [يَدِيِ -] اللَّهِ تَعالى (p-٩١)وبِمَرْأًى مِنهُ ومَسْمَعٍ ويَطْمَعُ في أنْ لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ أوْ يُجازِيهِ بِفُجُورِهِ، قالَ في القامُوسِ: والفَجْرُ: الِانْبِعاثُ في المَعاصِي والزِّنا كالفُجُورِ.
ولَمّا كانَ عَرِيقًا في التَّلَبُّسِ بِهَذا الوَصْفِ، أنْتَجَ لَهُ الِاسْتِهْزاءَ بِهَذا الخَطْبِ الأعْظَمِ فَتَرْجَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُ﴾ [أيْ -] سُؤالَ اسْتِهْزاءٍ واسْتِبْعادٍ، ويُوضَعُ مَوْضِعَ مَفْعُولِ يَسْألُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ فَقالَ: ﴿أيّانَ﴾ [أيْ -] أيُّ وقْتٍ يَكُونُ ﴿يَوْمُ القِيامَةِ﴾
ولَمّا كانَ الجَوابُ: [يَوْمُ -] يَكُونُ كَذا وكَذا، عَدَلَ عَنْهُ إلى ما سَبَّبَ عَنِ اسْتِبْعادِهِ لِأنَّهُ أهْوَلُ، فَقالَ دالًّا عَلى خَرابِ العالَمِ لِتَجَرُّدِ الإنْسانِ عَنْ مَسْكَنِهِ وما ألِفَهُ مِن أحْوالِهِ فَيَكُونُ أهْوَلَ مَعْبَرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ لِأنَّها مَوْضِعُها: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أيْ شَخَصَ وقَفَ فَلا يَطْرِفُ مِن هَوْلِ ما يَرى - هَذا عَلى قِراءَةِ نافِعٍ بِالفَتْحِ، وهي إشارَةٌ إلى مَبْدَأِ حالِهِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالكَسْرِ مُشِيرَةٌ إلى مَآلِهِ فَإنَّ مَعْناها: تَحَيَّرَ ودَهِشَ وغَلَبَ، مِن بَرْقِ الرَّجُلِ - إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَحُسِرَ بَصَرُهُ وتَفَرَّقَ تَفَرُّقَ الشَّيْءِ في المايِعِ إذا انْفَتَحَ عَنْهُ وِعاؤُهُ بِدَلِيلِ قِراءَةِ بَلَقَ مِن بَلَقَ البابُ - إذا انْفَتَحَ، وبَلَقَ البابُ كَنَصَرَ: فَتَحَهُ (p-٩٢)كُلَّهُ، أوْ شَدِيدًا كَأبْلَقَهُ فانْبَلَقَ، وبَلَقَ كَفَرِحَ: تَحَيَّرَ - قالَهُ في القامُوسِ.
ولَمّا كانَتْ آياتُ السَّماواتِ أخْوَفُ، ذَكَرَها بادِئًا بِما طَبَعَهُ البَرْدُ، إشارَةً إلى شِدَّةِ الحَرِّ والتَّوَهُّجِ والأخْذِ بِالأنْفاسِ المُوجِبِ لِشِدَّةِ اليَأْسِ فَقالَ: ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ أيْ وجَدَ خَسَفَهُ بِأنْ خَسَفَهُ اللَّهُ تَعالى أذْهَبُ صُورَتَهُ كَما تَذْهَبُ صُورَةُ الأرْضِ المَخْسُوفَةِ، وذَلِكَ بِإذْهابِ ضَوْئِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ لِزَوالِ رَبْطِ المُسَبِّباتِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِالأسْبابِ وظُهُورِ الخَوارِقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
﴿وجُمِعَ﴾ أيْ جَمْعًا هو في غايَةِ الإحْكامِ والشِّدَّةِ كَما أفْهَمَهُ التَّذْكِيرُ [و -] عَلى أيْسَرِ الوُجُوهِ وأسْهَلِها ﴿الشَّمْسُ﴾ أيْ آيَةُ النَّهارِ ﴿والقَمَرُ﴾ مَعَ عَدَمِ إنارَتِهِ وإنْ كانَ نُورُهُ الآنَ مِن نُورِها فَذَهَبَ الِانْتِفاعُ بِهِما وهُما مَعَ ذَهابِ النُّورِ وتَفَرُّقِ البَصَرِ مُدْرِكانِ لِوُجُودِ الكَشْفِ التّامِّ عَنِ الخَفِيّاتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] وبَعْدَ جَمْعِهِما يُلْقَيانِ في النّارِ كَأنَّهُما ثَوْرانِ عَقِيرانِ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُهُولَ مُطْلَقُ جَمْعِهِما المُخْرَجِ لَهُما عَنِ العادَةِ ولِلدَّلالَةِ عَلى السُّهُولَةِ.
75:10Page 577
يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ ١٠
Man will say on that Day, "Where is the [place of] escape?"
ولَمّا عَظُمَ أمْرُ القِيامَةِ بِما تَقَدَّمَ، أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ الأمْرَ (p-٩٣)فِيهِ عَلى غَيْرِ ما نَعْهَدُهُ في الدُّنْيا مِن وِجْدانِ مُهَرِّبٍ أوْ حاكِمٍ غَيْرِ الَّذِي يَخافُهُ المَطْلُوبُ أوْ شَيْءٌ مِن تَشَعُّبِ الكَلِمَةِ وتَفَرُّقِها [فَقالَ-]: ﴿يَقُولُ الإنْسانُ﴾ أيْ بِشِدَّةِ رَوْعِهِ جَرْيًا مَعَ طَبْعِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذا كانَ هَذا الخَطْبُ الأجَلُّ والقادِحُ الأكْبَرُ، وحَكى بِيَقُولُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ فَقالَ: ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيِ الفِرارُ والمَوْضِعُ الَّذِي إلَيْهِ الفِرارُ والزَّمانُ القابِلُ لِذَلِكَ، قَوْلُ آيِسٍ مَدْهُوشٍ قادَهُ إلَيْهِ الطَّبْعُ، وذَلِكَ حِينَ تُقادُ جَهَنَّمُ بِسَبْعِينَ ألْفَ سِلْسِلَةٍ، كُلُّ سِلْسِلَةٍ بِأيْدِ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ، لَها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ انْقِطاعِ الأسْبابِ، قالَ نافِيًا بِما سالَ عَنْهُ بِأداةِ الرَّدْعِ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يُقالُ هَذا فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى وُجُودِ مَعْناهُ وهو مَعْنى ﴿لا وزَرَ﴾ أيْ مَلْجَأ ومُعْتَصِمَ ولا حِصْنَ ولا التِجاءَ واعْتِصامَ، وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ الإنْسانِ رُجُوعًا مِن طَبْعِهِ إلى عَقْلِهِ أقْعَدُ وأدَلُّ عَلى الهَوْلِ لِأنَّهُ لا يَفْهَمُ أنَّهُ بَعْدَ أنْ سَألَ مِن عَظِيمِ الهَوْلِ نَظَرَ في جُمْلَةِ الأمْرِ فَتَحَقَّقَ أنْ لا حِيلَةَ بِوَجْهٍ أصْلًا، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالأداةِ الجامِعَةِ لِمَجامِعِ الرَّدْعِ.
75:12Page 577
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ ١٢
To your Lord, that Day, is the [place of] permanence.
ولَمّا كانَ المَعْنى: لا مَفَرَّ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ، لِأنَّ مُلْكَهُ مُحِيطٌ وقُدْرَتَهُ شامِلَةٌ، قالَ مُتَرْجِمًا عَنْهُ ذاكِرًا صِفَةَ الإحْسانِ لَوْمًا لِنَفْسِهِ عَلى عَدَمِ الشُّكْرِ: ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِأنْواعِ الإحْسانِ وحْدَهُ، لا (p-٩٤)إلى شَيْءٍ غَيْرِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ ﴿المُسْتَقَرُّ﴾ أيِ اسْتِقْرارِ الخَلْقِ [كُلِّهِمْ -] ناطِقِهِمْ وصامِتِهِمْ ومَكانِ قَرارِهِمْ وزَمانِهِ إلى حُكْمِهِ سُبْحانَهُ ومَشِيئَتِهِ ظاهِرًا وباطِنًا لا [حُكْمَ -] لِأحَدٍ غَيْرُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ في ظاهِرٍ ولا باطِنٍ كَما هو في الدُّنْيا.
75:13Page 577
يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ١٣
Man will be informed that Day of what he sent ahead1 and kept back.2
ولَمّا كانَ مَوْضِعُ السُّؤالِ عَنْ عِلَّةِ هَذا الِاسْتِقْرارِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا بانِيًا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُنْكِئَ إنَّما هو كَشْفُ الأسْرارِ لا كَوْنُهُ مِن كاشَفٍ مُعِينٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى يُسْرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّ مَن نَدَبَهُ إلى ذَلِكَ فِعْلُهُ كائِنًا مَن كانَ: ﴿يُنَبَّأُ﴾ أيْ يُخْبِرُ تَخْبِيرًا عَظِيمًا مُسْتَقْصًى ﴿الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ﴾ [أيْ -] إذا كانَ هَذا الزِّلْزالُ الأكْبَرُ ﴿بِما قَدَّمَ﴾ أيْ مِن عَمَلِهِ العَظِيمِ ﴿وأخَّرَ﴾ أيْ في أوَّلِ عُمْرِهِ وآخِرِهِ - كِنايَةً عَنِ الِاسْتِقْصاءِ أوْ بِما قَدَّمَهُ فَآثَرَهُ عَلى غَيْرِهِ هَلْ هو الشَّرْعُ أوِ الهَوى أوْ بِما عَمِلَ في مُدَّةِ عُمْرِهِ وبِما أخَّرَ عَمَلَهُ لِمُعاجَلَةِ المَوْتِ لَهُ عَنْهُ فَيُخْبِرُ بِما كانَ يَعْمَلُهُ مِن أمَلِهِ لَوْ مَدَّ في أجْلِهِ، أوِ الَّذِي قَدَّمَهُ هو ما عَمِلَهُ بِنَفْسِهِ وما أخَّرَهُ هو ما سَنَّهُ فَعَمِلَ بِهِ النّاسُ مِن بَعْدِهِ (p-٩٥)مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وعَلَيْهِ مَشى الغَزالِيُّ في البابِ الثّالِثِ مِن كِتابِ البَيْعِ مِنَ الإحْياءِ.
75:14Page 577
بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤
Rather, man, against himself, will be a witness,1
ولَمّا عَظُمَ القِيامَةُ بِكَشْفِ الأسْرارِ فِيها والإنْباءِ بِها، وكانَ الشَّأْنُ أنَّ الإنْسانَ لا يُنَبَّأُ إلّا بِما هو جاهِلٌ لَهُ أوْ غائِبٌ عَنْهُ، و[كانَ -] مِمّا يَخِفُّ عَلى الإنْسانِ في الدُّنْيا النِّسْيانُ، وكانَ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمُ كَشْفِ الغِطاءِ، زادَهُ عِظَمًا بِالإعْلامِ بِأنَّهُ يَجْلُو بَصِيرَةَ الإنْسانِ حَتّى يَصِيرَ مُسْتَحْضِرًا لِجَمِيعِ ما لَهُ مِن شَأْنٍ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: ولَيْسَ جاهِلًا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا مُحْتاجًا إلى الإنْباءِ بِهِ، قالَ بانِيًا عَلَيْهِ: ﴿بَلِ الإنْسانُ﴾ [أيْ كُلُّ -] واحِدٍ مِن هَذا النَّوْعِ ﴿عَلى نَفْسِهِ﴾ خاصَّةً ﴿بَصِيرَةٌ﴾ أيْ حُجَّةً بَيِّنَةً عَلى أعْمالِهِ، فالهاءُ لِلْمُبالَغَةِ - يَعْنِي أنَّهُ في غايَةِ المَعْرِفَةِ لِأحْوالِ نَفْسِهِ فَإنَّهُ إذا تَأمَّلَ وأنْعَمَ النَّظَرَ ولَمْ يَقِفْ مَعَ الحُظُوظِ عَرَفَ جَيِّدَ فِعْلِهِ مِن رَدِيئِهِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ الفِطَرَ الأُولى شاهِدَةٌ بِالخَيْرِ والشَّرِّ - كَما أشارَ إلَيْهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «البِرُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ واطْمَأنَّ إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ ما حاكَ في الصَّدْرِ وتَرَدَّدَتْ فِيهِ النَّفْسُ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ [الخَشَنِيِّ-] (p-٩٦)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَوْلُهُ ﷺ: «إنَّما أدْرَكَ النّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ» - رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ في ذَلِكَ [اليَوْمَ -] قُوَّةَ الذِّكْرى حَتّى تَصِيرَ أعْمالُهُ كُلُّها بَيْنَ عَيْنَيْهِ لِأنَّهُ تَعالى يَنْفِي عَنْهُ الشَّواغِلَ البَدَنِيَّةَ ويَكْشِفُ عَنْهُ الحُجُبَ النَّفْسانِيَّةَ حَتّى تَصِيرَ أعْمالُهُ مُمَثَّلَةً لَهُ كَأنَّهُ يَراها ولا تَنْفَعُهُ مَعْذِرَتُهُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَعْتَذِرُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ يُعْرَفُ كَذِبُهُ بِنَفْسِ وُجُودِهِ لا بِشَيْءٍ خارِجٍ عَنْهُ تارَةً يَكُونُ خالِقُهُ أوْجَدَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ وسَلامَةِ الأسْبابِ المُزِيلَةِ لِلْعِلَلِ وتارَةً بِإنْطاقِ جَوارِحِهِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْتَذِرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَنْ كُلِّ سُوءِ عَمَلِهِ، ويُجادِلُ أعْظَمَ مُجادَلَةٍ، وكانَ المُجادِلُ في الغالِبِ [يَظُنُّ -] أنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ أوْ لا يَعْلَمُ لَهُ ذَنْبًا، قالَ: ﴿ولَوْ ألْقى﴾ أيْ ذَكَرَ بِغايَةِ السُّرْعَةِ ذَلِكَ الإنْسانَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ دَلالَةً عَلى غايَةِ الصِّدْقِ والِاهْتِمامِ والتَّمَلُّقِ ﴿مَعاذِيرَهُ﴾ أيْ كُلُّ كَلامٍ يُمْكِنُ أنْ يُخْلِصَ بِهِ، جَمْعُ عُذْرٍ أوْ مَعْذِرَةٍ وهو إيساعُ الحِيلَةِ في دَفْعِ الخَلَلِ: وقالَ في القامُوسِ: المَعاذِيرُ: (p-٩٧)السُّتُورُ والحُجَجُ جَمْعُ مِعْذارٍ، وذَلِكَ لِاشْتِراكِهِما في مُطْلَقِ السَّتْرِ بِالفَتْحِ والسِّتْرِ بِالكَسْرِ في سَتْرِ المُذْنِبِ والحُجَّةُ في سَتْرِ الذَّنْبِ فالمَعْنى أنَّهُ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِهِ ولَوِ احْتَجَّ عَنْها واجْتَهَدَ في سَتْرِ عُيُوبِها، فَلا تُقْبَلُ مِنها الأعْذارُ، لِأنَّهُ قَدْ أعْطى البَصِيرَةَ فَأعْماها بِهَوْنِ النَّفْسِ وشَهَواتِها، وتِلْكَ البَصِيرَةُ هي نُورُ المَعْرِفَةِ المَرْكُوزِ في الفِطْرَةِ الأُولى وهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences