Al-Biqa'iAl‑Jathiyah · 45:1–13

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الجاثية

Al-Jathiyah

The Crouching · Meccan · 37 ayahs

45:1Page 499

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

(p-٥٧)(p-٥٨)سُورَةُ الجاثِيَةِ وتُسَمّى الشَّرِيعَةَ

مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مُنْزِلَ هَذا الكِتابِ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ في الدُّخانِ - ذُو العِزَّةِ لِأنَّهُ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ وهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ، والحِكْمَةُ لِأنَّهُ لَمْ يَضَعْ شَيْئًا إلّا في أحْكَمِ مَواضِعِهِ، فَعُلِمَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالكِبْرِياءِ، فَوَضَعَ شَرْعًا [هُوَ] في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ لا تَسْتَقِلُّ العُقُولُ بِإدْراكِهِ ولا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنهُ عَنْهُ، أمَرَ فِيهِ ونَهى، ورَغَّبَ [ورَهَّبَ] ثُمَّ بَطَنَ حَتّى أنَّهُ لا يُعْرَفُ، ثُمَّ ظَهَرَ حَتّى أنَّهُ لا يُجْهَلُ، فَمِنَ المُكَلَّفِينَ [مَن حَكَّمَ] عَقْلَهُ وجانَبَ هَواهُ فَشَهِدَ جَلالَهُ فَسَمِعَ وأطاعَ، ومِنهُ مَن تَبِعَ هَواهُ فَضَّلَ عَنْ نُورِ العَقْلِ فَزاغَ وأضاعَ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ ولا بُدَّ أنْ يَجْمَعَ سُبْحانَهُ الخَلْقَ لِيَوْمِ الفَصْلِ فَيَظْهَرَ كُلَّ الظُّهُورِ ويِدِينَ عِبادَهُ لِيَشْهَدَ رَحْمَتَهُ المُطِيعُ وكِبْرِياءَهُ العاصِي، ويَنْشُرَ العَدْلَ ويُظْهِرَ الفَضْلَ، ويَتَجَلّى في جَمِيعِ صِفاتِهِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها الشَّرِيعَةُ، واسْمُها الجاثِيَةُ واضِحُ (p-٥٩)الدَّلالَةِ فِيهِ إذا تُؤَمِّلُ كُلٌّ مِن آيَتِهِما، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الهادِي.

”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي تَفَرَّدَ بِتَمامِ العِزِّ والكِبْرِياءِ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي أحْكَمَ رَحْمَتَهُ بِالبَيانِ العامِّ لِلسُّعَداءِ والأشْقِياءِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ بِمَلابِسِ طاعَتِهِ الأوْلِياءَ

* *

﴿حم﴾ أيْ: حِكْمَةُ مُحَمَّدٍ إلَيْها المُنْتَهى كَما تَقَدَّمَ في الدُّخانِ ما أفْهَمَ إنْزالَهُ مِن أُمِّ الكِتابِ جُمْلَةً إلى بَيْتِ العِزَّةِ، ودَلَّ عَلى بَرَكَتِهِ مِمّا دَلَّ عَلى حِكْمَةِ مُنْزِلِهِ وعِزَّتِهِ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ والإيقاعِ بِالمُجْرِمِينَ بَعْدَ طُولِ الحِلْمِ والأناةِ والنَّجاةِ لِلْمُتَّقِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ هي في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ لِأنَّها راجِعَةٌ إلى الحُسْنِ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، وأشارَ إلى سُهُولَتِها عَلى مَن تَأْمَّلَ هَذا الذِّكْرَ المُتَرْجَمَ بِلِسانِ أعْلى الخَلْقِ وأكْمَلِهِمْ وأشْرَفِهِمْ خَلائِقَ وأفْضَلِهِمْ، ابْتَدَأ هَذِهِ بِالإعْلامِ بِأنَّهُ زادَ ذَلِكَ يُسْرًا وسُهُولَةً بِإنْزالِهِ مُنَجَّمًا بِحَسْبِ الوَقائِعِ مُطابِقًا لَها أتَمَّ مُطابَقَةٍ بَعْدَ إنْزالِهِ جُمْلَةً مِن أُمِّ الكِتابِ ثُمَّ مُرَتَّبًا لِما أُنْزِلَ مِنهُ تَرْتِيبًا يُفْهِمُ عُلُومًا ويُوَضِّحُ أسْرارًا غامِضَةً مُهِمَّةً فَقالَ:

45:2Page 499

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.

﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ﴾ أيْ: إنْزالُ الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرِ مُفَرَّقًا لِزِيادَةِ التَّسْهِيلِ في التَّفْهِيمِ والإبْلاغِ في اليُسْرِ في التَّعْلِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَضْلِ العَمِيمِ (p-٦٠)وزادَهُ عِظَمًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: كائِنٌ مِنَ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ.

ولَمّا كانَ -كَما مَضى- لِلْعِزَّةِ والحِكْمَةِ أعْظَمُ بَرَكَةً هُنا قالَ: ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ فَكانَ كِتابُهُ عَزِيزًا حَكِيمًا لا كَما تَقُولُ الكَفَرَةُ مِن أنَّهُ شِعْرٌ أوْ كَذِبٌ أوْ كِهانَةٌ؛ لِأنَّهُ لا حِكْمَةَ لِذَلِكَ ولا عَزَّةَ بِحَيْثُ يَلْتَبِسُ أمْرُهُ بِأمْرِهِ هَذا الكِتابِ المُحِيطِ [بِدائِرَةِ الحِكْمَةِ] والصَّوابِ، ودَلَّ بِشَواهِدِ القُدْرَةِ وآثارِ الصَّنْعَةِ مِن نُسْخَةِ هَذا الكِتابِ عَلى الصِّفَتَيْنِ وعَلى وحْدانِيَّتِهِ فِيهِما اللّازِمِ مِنهُ تَفَرُّدُهُ المُطْلَقُ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ ولَوْ بِالعَمَلِ، وتَرْغِيبًا في تَدْقِيقِ النَّظَرِ بِتَأمُّلِ آياتِ الوُجُودِ الَّتِي هَذا الكِتابُ شَرْحٌ لِمُغْلَقِها وتَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِها، وإيماءٌ إلى أنَّها [أهْلٌ] لِصَرْفِ الأفْكارِ إلى تَأمُّلِها

45:3Page 499

إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٣

Indeed, within the heavens and earth are signs for the believers.

﴿إنَّ فِي﴾ ولَمّا كانَتِ الحَوامِيمُ - كَما رَوى أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ الفَضائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لُبابَ القُرْآنِ، حَذَفَ ما ذُكِرَ في البَقَرَةِ مِن قَوْلِهِ ”خَلَقَ“ لِيَكُونَ ما هُنا أشْمَلَ فَقالَ: ﴿السَّماواتِ﴾ أيْ: ذَواتِها بِما لَها مِنَ الدَّلالَةِ (p-٦١)[عَلى صانِعِها] وخالِقِها عَلى ما فِيها مِنَ العِبَرِ بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ وعَظِيمِ الصَّنْعَةِ ما لَها مِنَ الشُّفُوفِ الدّالِّ عَلى تَعَدُّدِها بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ ﴿والأرْضِ﴾ كَذَلِكَ [و] بِما حَوَتْ مِنَ المَعادِنِ والمُعايِشِ والمَنابِعِ والمَعاوِنِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: دَلائِلَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وجَمِيعِ كَمالِهِ؛ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا بُدَّ لِكُلٍّ مِن ذَلِكَ مِن صانِعٍ مُتَّصِفٍ بِذَلِكَ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لِأنَّهم بِرُسُوخِهِمْ في هَذا الوَصْفِ الشَّرِيفِ أهْلٌ لِلنَّظَرِ لِأنَّ رَبَّهم يَهْدِيهِمْ بِإيمانِهِمْ فَشَواهِدُ الرُّبُوبِيَّةِ لَهم مِنهُما لائِحَةٌ، وأدِلَّةُ الإلَهِيَّةِ فِيهِما واضِحَةٌ، ولَعَلَّهُ أشارَ بِالتَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ إلى أنَّهُ لا بُدَّ في رَدِّ شُبَهِ أهْلِ الطَّبائِعِ مِن تَقَدُّمِ الإيمانِ، وأنَّ [مَن] لَمْ يَكُنْ راسِخَ الإيمانِ لَمْ يَخْلُصْ مِن شُكُوكِهِمْ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَضَمَّنَتِ السُّورَةُ المُتَقَدِّمَةُ إيضاحَ أمْرِ الكِتابِ وعَظِيمَ بَيانِهِ وأنَّهُ شافٍ كافٍ وهُدًى ونُورٌ، كانَ أمْرُ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ أعْظَمَ شَيْءٍ لِانْقِطاعِهِمْ وعَجْزِهِمْ وقِيامِ (p-٦٢)الحُجَّةِ بِهِ عَلَيْهِمْ حَتّى رَضُوا بِالقَتْلِ والخِزْيِ العاجِلِ وما قامُوا بِادِّعاءِ مُعارَضَتِهِ ولا تَشَوَّفُوا إلى الإسْنادِ إلى عَظِيمِ تِلْكَ المُعارَضَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ [تَعالى] تَنْبِيهًا لِنَبِيِّهِ والمُؤْمِنِينَ إلى ما قَدْ نَصَبَهُ مِنَ الدَّلائِلِ سِواهُ مِمّا صَدَّ المُعْرِضَ عَنِ الِاعْتِبارِ بِها أوْ بِبَعْضِها مُجَرَّدُ هَواهُ، ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، فَقالَ تَعالى بَعْدَ القَسَمِ بِالكِتابِ المُبِينِ ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لَوْ لَمْ تَجِئْهم يا مُحَمَّدُ بِعَظِيمِ آيَةِ الكِتابِ فَقَدْ كانَ لَهم فِيما نَصَبْنا مِنَ الأدِلَّةِ أعْظَمُ بُرْهانٍ وأعْظَمُ تِبْيانٍ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم: ٨] فَلَمّا نَبَّهَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، أتْبَعَ بِذِكْرِ ما بَثَّ في الأرْضِ فَقالَ:

45:4Page 499

وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٤

And in the creation of yourselves and what He disperses of moving creatures are signs for people who are certain [in faith].

﴿وفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الجاثية: ٥] أيْ: في دُخُولِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ بِألْطَفِ اتِّصالٍ وأرْبَطِ انْفِصالٍ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ [يس: ٤٠] (p-٦٣)ثُمَّ نَبَّهَ عَلى الِاعْتِبارِ بِإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ وسَمّاهُ رِزْقًا بِحَطِّ القِياسِ فَقالَ: ﴿وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الجاثية: ٥] ثُمَّ قالَ: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥] الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيِ يَسْتَدْعِي بَسْطًا يَطُولُ، ثُمَّ قالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٦] أيْ: عَلاماتُهُ ودَلائِلُهُ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦] أبْعَدُ ما شاهَدُوهُ مِن شاهِدِ الكِتابِ وما تَضَمَّنَهُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما وما بَيْنَهُنَّ مِن عَجائِبِ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ لِأُولِي الألْبابِ، فَإذا لَمْ يَعْتَبِرُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَبِماذا يُعْتَبَرُ، ثُمَّ أرْدَفَ تَعالى بِقَرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ في تَصْمِيمِهِمْ مَعَ وُضُوحِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] الآياتِ الثَّلاثَ، ثُمَّ قالَ: ﴿هَذا هُدًى﴾ [الجاثية: ١١] وأشارَ إلى الكِتابِ وجَعَلَهُ نَفْسَ الهُدى لِتَحَمُّلِهِ كُلَّ أسْبابِ الهُدى وجَمِيعَ جِهاتِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن كَفَرَ بِهِ (p-٦٤)ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ نِعَمِهِ وآلائِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زائِدًا في تَوْبِيخِهِمْ، والتَحَمَتِ الآيُ عاضِدَةً هَذا الغَرَضَ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا ووَعِيدًا وتَهْدِيدًا إلى آخِرِ السُّورَةِ. انْتَهى.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ بِالنَّظَرِ في آياتِ الآفاقِ، أتْبَعَها آياتِ الأنْفُسِ فَقالَ: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ أيِ: المُخالِفِ لِخَلْقِ الأرْضِ الَّتِي أنْتُمْ مِنها بِالِاخْتِيارِ والعَقْلِ والِانْتِشارِ والقُدْرَةِ عَلى السّارِّ والضّارِّ ﴿وما يَبُثُّ﴾ أيْ: [يَنْشُرُ و] يُفَرِّقُ بِالحَرَكَةِ الِاخْتِيارِيَّةِ بَثًّا عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿مِن دابَّةٍ﴾ مِمّا تَعْلَمُونَ ومِمّا لا تَعْلَمُونَ بِما في ذَلِكَ مِن مُشارَكَتِكم في الحَرَكَةِ بِالِاخْتِيارِ والهِدايَةِ لِلْمَنافِعِ بِإدْراكِ الجُزْئِيّاتِ ومُخالَفَتِكم في الصُّورَةِ والعَقْلِ وإدْراكِ الكُلِّيّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُخالَفَةِ الأشْكالِ والمَنافِعِ والطَّبائِعِ ونَحْوِها ﴿آياتٌ﴾ [أيْ] عَلى صِفاتِ الكَمالِ ولا سِيَّما العِزَّةُ والحِكْمَةُ، وهي عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ بِالنَّصْبِ هُنا، وفي الَّذِي بَعْدَهُ عَطَفَ الآيَتَيْنِ عَلى حَيِّزِ ”إنَّ“ [فِي] الآيَةِ الأُولى مِنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، فَلِهَذِهِ الآيَةِ نَظَرٌ إلى التَّأْكِيدِ، وهو عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ مُبْتَدَأٌ بِالعَطْفِ عَلى ”إنَّ“ وما في حَيِّزِها، وهي أبْلَغُ لِأنَّها تُشِيرُ إلى أنَّ ما في تَصْوِيرِ الحَيَوانِ وجَمِيعِ شَأْنِهِ مِن عَجِيبِ الصُّنْعِ (p-٦٥)ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى اللَّهِ [فَهُوَ] بِحَيْثُ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ، فَهو غَنِيٌّ عَنِ التَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا الخَلْقَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ثانِيًا، وثانِيًا ذَواتِ الأنْفُسِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن ذَواتِ السَّماواتِ أوَّلًا.

ولَمّا كانَتْ آياتُ الأنْفُسِ أدَقَّ وأدَلَّ عَلى القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ بِما لَها مِنَ التَّجَدُّدِ والِاخْتِلافِ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ: فِيهِمْ أهْلِيَّةُ القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ ﴿يُوقِنُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهُمُ العُرُوجُ في دَرَجاتِ الإيمانِ إلى أنْ يَصِلُوا إلى شَرَفِ الإيقانِ، فَلا يُخالِطُهم شَكٌّ في وحْدانِيَّتِهِ؛ قالَ الحَرالِّيُّ في تَفْسِيرِ ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] آيَةُ النَّفْسِ مُنَبِّهَةٌ عَلى آيَةِ الحِسِّ، وآيَةُ الحِسِّ مُنَبِّهَةٌ عَلى آيَةِ النَّفْسِ، إلّا أنَّ آيَةَ النَّفْسِ أعْلَقُ، فَهي لِذَلِكَ أهْدى، غايَةُ آيَةِ الآفاقِ الإيمانُ، وغايَةُ آيَةِ النَّفْسِ اليَقِينُ.

45:5Page 499

وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٥

And [in] the alternation of night and day and [in] what Allāh sends down from the sky of provision [i.e., rain] and gives life thereby to the earth after its lifelessness and [in His] directing of the winds are signs for a people who reason.

ولَمّا ذَكَرَ الظَّرْفَ وما خَلَقَ لِأجْلِهِ مِنَ النّاسِ، ضَمَّ إلَيْهِمْ بَعْضَ ما خَلَقَهُ لِأجْلِهِمْ [لِشَرَفِهِ] بِالحَياةِ، أتْبَعَهُ ما أوْدَعَ الظَّرْفَ مِنَ المَرافِقِ لِأجَلِ الحَيَوانِ فَقالَ: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ بِذَهابِ أحَدِهِما ووُجُودِ الآخَرِ بَعْدَ ذَهابِهِ عَلى التَّعاقُبِ آيَةً مُتَكَرِّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ عَلى الإيجادِ بَعْدَ الإعْدامِ بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ، وجَرَّ ”اخْتِلافِ“ بِتَقْدِيرِ ”فِي“ فَيَنُوبُ حَرْفُ العَطْفِ مَنابَ عامِلٍ واحِدٍ لِلِابْتِداءِ عِنْدَ مَن (p-٦٦)رَفَعَ ”آياتٌ“، ومَنابَ ”إنَّ“ عِنْدَ مَن نَصَبَ، فَلَمْ يَلْزَمْ نِيابَتُهُ مَنابَ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في الِابْتِداءِ في الرَّفْعِ وفي ”إنَّ“ في النَّصْبِ.

ولَمّا كانَ المَطَرُ أدَلَّ مِمّا مَضى عَلى البَعْثِ والعِزَّةِ، لِأنَّ الشَّيْءَ كُلَّما قَلَّ الإلْفُ لَهُ كانَ أمْكَنَ لِلتَّأمُّلِ فِيهِ، أوْلاهُ إيّاهُ فَقالَ: ﴿وما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي تَمَّتْ عَظَمَتُهُ فَنَفَذَتْ كَلِمَتُهُ. ولَمّا كانَ الإنْزالُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما أتى مِن عُلُوٍّ مَعْنَوِيٍّ وإنْ لَمْ يَكُنْ حِسِّيًّا، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ هُنا الأمْرانِ فَقالَ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾

ولَمّا كانَتْ مَنافِعُ السَّماءِ غَيْرَ مُنْحَصِرَةٍ في الماءِ قالَ: ﴿مِن رِزْقٍ﴾ أيْ: مَطَرٍ وغَيْرِهِ مِنَ الأسْبابِ المُهَيِّئَةِ لِإخْراجِ الرِّزْقِ ﴿فَأحْيا بِهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِهِ وتَعَقُّبِهِ ﴿الأرْضَ﴾ أيِ: الصّالِحَةَ لِلْحَياةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يَبَسِها وتَهَشُّمِ ما كانَ فِيها مِنَ النَّباتِ وانْقِلابِهِ بِالِاخْتِلاطِ بِتُرابِها تُرابًا، فَإذا نَزَلَ عَلَيْها الماءُ جَمَعَهُ مِنها فَأخْرَجَهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ كُلَّما تَجَدَّدَ نُزُولُهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ بِالجارِّ إشارَةً إلى دَوامِ (p-٦٧)الحَياةِ بِالقُوَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِالفِعْلِ.

ولَمّا ذَكَرَ [ما يَشْمَلُ الماءَ، ذَكَرَ] سَبَبَ السَّحابِ الَّذِي يَحْمِلُهُ فَقالَ: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ في كُلِّ جِهَةٍ مِن جِهاتِ الكَوْنِ وفي كُلِّ مَعْنًى مِن رَحْمَةٍ وعَذابٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، ولَمْ يَذْكُرِ الفُلْكَ والسَّحابَ كَما في البَقَرَةِ لِاقْتِضاءِ اللُّبابِيَّةِ المُسَمّاةِ بِها الحَوامِيمَ، ذَلِكَ لِأنَّهُما مِن جُمْلَةِ مَنافِعِ التَّصْرِيفِ، وتَوْحِيدِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ أبْلَغُ لِأنَّ تَصْرِيفَ الشَّيْءِ الواحِدِ في الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ أعْجَبُ ﴿آياتٌ﴾ قِراءَةُ الرَّفْعِ أبْلَغُ لِإشارَتِها بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّأْكِيدِ إلى أنَّ ما في الآيَةِ ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ لِلصّانِعِ بِما في التَّصْرِيفِ مِنَ الِاخْتِلافِ، والماءُ بِما يَحْدُثُ عَنْهُ مِنَ الإنْباتِ أوْضَحُ دَلالَةً مِن بَقِيَّتِها عَلى البَعْثِ، ولِأجْلِ شِدَّةِ ظُهُورِها ناطَ الأمْرَ فِيها بِالعَقْلِ فَقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقالَ القالِيُّ: والمَعْنى أنَّ المُنْصِفِينَ لَمّا نَظَرُوا في السَّماواتِ والأرْضِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهُما مِن صانِعٍ آمَنُوا، فَإذا نَظَرُوا في خَلْقِ أنْفُسِهِمْ ونَحْوِها ازْدادُوا إيمانًا فَأيْقَنُوا، فَإذا نَظَرُوا في سائِرِ الحَوادِثِ عَقَلُوا واسْتَحْكَمَ عِلْمُهم.

45:6Page 499

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٦

These are the verses of Allāh which We recite to you in truth. Then in what statement after Allāh and His verses will they believe?

(p-٦٨)ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الآياتِ العَظِيماتِ، وكانَتْ كُلُّها مُشْتَرِكَةً في العِظَمِ، بَعْدَ ما أشارَ إلى تَبايُنِ رُتَبِها في الخَفاءِ والجَلاءِ بِفَواصِلِها، قالَ مُشِيرًا إلى عُلُوِّ رُتَبِها بِأداةِ البُعْدِ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ: الآياتُ الكُبْرى ﴿آياتُ اللَّهِ﴾ أيْ: دَلائِلُ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لا شَيْءَ أجْلى ولا أظْهَرُ ولا أوْضَحُ مِنها. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَها؟ قالَ: أوْ يَكُونُ المُرادُ: نُشِيرُ إلَيْها حالَ كَوْنِنا ﴿نَتْلُوها﴾ أيْ: نُتابِعُ قَصَّها ﴿عَلَيْكَ﴾ سَواءٌ كانَتْ مَرْئِيَّةً أوْ مَسْمُوعَةً، مُتَلَبِّسَةً ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا يُسْتَطاعُ تَحْوِيلُهُ فَلَيْسَ بِسِحْرٍ ولا كَذِبٍ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ حِينَئِذٍ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ وعَلى مَن يَطْلُبُ إجابَتَهم إلى المُقْتَرَحاتِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ أيْ: خَبَرٍ عَظِيمٍ صادِقٍ يَتَجَدَّدُ عِلْمُهم بِهِ يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَحَدَّثَ بِهِ، واسْتَغْرَقَ كُلَّ حَدِيثٍ فَقالَ: ﴿بَعْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الحَدِيثِ الأعْظَمِ عَنِ المَلِكِ الأعْلى ﴿وآياتِهِ﴾ أيْ: والحَدِيثِ عَنْ دَلالاتِهِ العَظِيمَةِ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مَن خاطَبَ - وهُمُ الجُمْهُورُ - رَدُّوهُ عَلى قَوْلِهِ: ”وفِي خَلْقِكُمْ“ وهو أقْوى تَبْكِيتًا، وغَيْرُهم وهم أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ (p-٦٩)عاصِمٍ ورَوْحٍ عَنْ يَعْقُوبَ رَأوْا أنَّ ذَلِكَ الخِطابَ صُرِفَ إلى خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾

45:7Page 499

وَيۡلٞ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٧

Woe to every sinful liar

ولَمّا كانَ لا يَبْقى عَلى الكُفْرِ نَوْعَ بَقاءٍ فَضْلًا عَنِ الإصْرارِ بَعْدَ هَذا البَيانِ إلّا مَن يَسْتَحِقُّ النَّكالَ لِمُجاهَرَتِهِ بِالعِنادِ، قالَ عَلى وجْهِ الِاسْتِنْتاجِ مُهَدِّدًا: ﴿ويْلٌ﴾ أيْ: مَكانٌ مَعْرُوفٌ في جَهَنَّمَ ﴿لِكُلِّ أفّاكٍ﴾ أيْ: مَبالِغٍ في صَرْفِ الحَقِّ عَنْ وجْهِهِ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: مَبالِغٍ في اكْتِسابِ الإثْمِ وهو الذَّنْبُ، وعَمَلِ ما لا يَحِلُّ مِمّا يُوجِبُ العِقابَ، وفُسِّرَ هَذا بِقَوْلِهِ:

45:8Page 499

يَسۡمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٨

Who hears the verses of Allāh recited to him, then persists arrogantly as if he had not heard them. So give him tidings of a painful punishment.

﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: دَلالاتِ المَلِكِ الأعْظَمِ الظّاهِرَةَ حالَ كَوْنِها ﴿تُتْلى﴾ أيْ: يُواصِلُ اسْتِماعَهُ لَها بِلِسانِ القالِ أوِ الحالِ مِن أيِّ تالٍ كانَ، عالِيَةً ﴿عَلَيْهِ﴾ بِجَمِيعِ ما فِيها مِن سُهُولَةِ فَهْمِها وعُذُوبَةِ ألْفاظِها وظُهُورِ مَعانِيها وجَلالَةِ مَقاصِدِها مَعَ الإعْجازِ فَكَيْفَ إذا كانَ التّالِي أشْرَفَ الخَلْقِ.

ولَمّا كانَتْ تِلاوَتُها مُوجِبَةً لِإقْلاعِهِ فَكانَ إصْرارُهُ مَعَ بُعْدِ رُتْبَتِهِ في الشَّناعَةِ مُسْتَبْعِدًا كَوْنَهُ قالَ: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أيْ: يَدُومُ دَوْمًا عَظِيمًا عَلى قَبِيحِ ما هو فِيهِ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ أيْ: طالِبًا الكِبْرَ عَنِ الإذْعانِ (p-٧٠)ومُوجِدًا لَهُ. ولَمّا كانَ مَعَ ما ذُكِرَ مِن حالِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَماعُهُ لَها، خَفَّفَ مِن مُبالَغَتِهِ في الكُفْرِ، بَيَّنَ أنَّها لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ نَوْعًا مِنَ التَّأْثِيرِ، فَكانَ قَلْبُهُ أشَدَّ قَسْوَةً مِنَ الحَجَرِ [فَقالَ]: ﴿كَأنْ﴾ أيْ: كَأنَّهُ ﴿لَمْ يَسْمَعْها﴾ فَعُلِمَ مِن ذَلِكَ ومِنَ الإصْرارِ وما قُيِّدَ بِهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ أنَّ حالَهُ عِنْدَ السَّماعِ وقَبْلَهُ وبَعْدَهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، وقَدْ عُلِمَ بِهَذا الوَصْفِ أنَّ [كُلَّ] مَن لَمْ تَرُدَّهُ آياتُ اللَّهِ تَعالى كانَ مُبالِغًا في الإثْمِ والإفْكِ، فَكانَ لَهُ الوَيْلُ.

ولَمّا كانَ الإصْرارُ مَعْناهُ الدَّوامَ المُتَحَكِّمَ، لَمْ يَذْكُرِ الوَقْرَ الَّذِي هو مِنَ الأمْراضِ الثّابِتَةِ كَما ذَكَرَهُ في سُورَةِ لُقْمانَ، قالَ ابْنُ القَطّاعِ وابْنُ ظَرِيفٍ في أفْعالِهِما، أصَرَّ عَلى الذَّنْبِ والمَكْرُوهِ: أقامَ، وقالَ عَبْدُ الغافِرِ الفارِسِيُّ في المَجْمَعِ: أصْرَرْتُ عَلى الشَّيْءِ أيْ أقَمْتُ ودُمْتُ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: والإصْرارُ: العَزْمُ عَلى الشَّيْءِ والثَّباتُ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ ونَقَلَهُ عَنْ عَبْدِ الحَقِّ في واعِيهِ: وأصْلُ الصَّرِّ الإمْساكُ، ومِنهُ يُقالُ: أصَرَّ فُلانٌ عَلى كَذا، أيْ أقامَ عَلَيْهِ وأمْسَكَهُ في نَفْسِهِ وعَقَدَهُ لِأنَّهُ قَدْ يَقُولُ ما لَيْسَ في نَفْسِهِ وما لا يَعْتَقِدُهُ، والرَّجُلُ مُصِرٌّ عَلى الذَّنْبِ أيْ مُمْسِكٌ لَهُ مُعْتَقِدٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ (p-٧١)قالَ: مِنَ الإصْرارِ عَلَيْهِ وهو العَزْمُ عَلى أنْ لا يُقْلِعَ عَنْهُ، وقالَ الأصْفَهانِيُّ تَبَعًا لِصاحِبِ الكَشّافِ: وأصْلُهُ مِن أصَرَّ الحِمارُ عَلى العانَةِ، وهو أنْ يَنْحَنِيَ عَلَيْها صارًّا أُذُنَيْهِ.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ ثَباتِهِ عَلى الخُبْثِ، سَبَّبَ عَنْهُ تَهْدِيدَهُ في أُسْلُوبٍ دالٍّ - بِما فِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ - عَلى شِدَّةِ الغَضَبِ وعَلى أنَّهُ إنْ كانَ لَهُ بِشارَةٌ فَهي العَذابُ فَلا بِشارَةَ لَهُ أصْلًا فَقالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ أيْ: عَلى هَذا الفِعْلِ الخَبِيثِ ﴿بِعَذابٍ﴾ لا يَدْعُ لَهُ عُذُوبَةً أصْلًا ﴿ألِيمٍ﴾ أيْ: بَلِيغِ الإيلامِ.

45:9Page 499

وَإِذَا عَلِمَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا شَيۡـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩

And when he knows anything of Our verses, he takes them in ridicule. Those will have a humiliating punishment.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى كُفْرَهُ بِما يَسْمَعُ مِنَ الآياتِ، أتْبَعَهُ ما هو أعَمُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿وإذا عَلِمَ﴾ أيْ: أيَّ نَوْعٍ كانَ مِن أسْبابِ العِلْمِ ﴿مِن آياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِإضافَتِها إلَيْنا ﴿شَيْئًا﴾

45:10Page 499

مِّن وَرَآئِهِمۡ جَهَنَّمُۖ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡـٔٗا وَلَا مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠

Before them1 is Hell, and what they had earned will not avail them at all nor what they had taken besides Allāh as allies. And they will have a great punishment.

[وراءَهُ] وكانَ كُلَّما رَأوُا الإنْسانَ في غايَةِ التَّمَكُّنِ مِنهُ، قالَ مُبَيِّنًا لِلْعَذابِ: ﴿جَهَنَّمُ﴾ أيْ: تَأْخُذُهم لا مَحالَةَ وهم في غايَةِ الغَفْلَةِ عَنْها بِتَرْكِ الِاحْتِرازِ مِنها، ويَحْسُنُ التَّعْبِيرُ بِالوَراءِ أنَّ الكَلامَ في الأفّاكِ، وهو انْصِرافُ (p-٧٢)الأُمُورِ عَنْ أوْجُهِها إلى أقْفائِها فَهو ماشٍ أبَدًا إلى ورائِهِ فَهو ماشٍ إلى النّارِ بِظَهْرِهِ، ويُسْتَعْمَلُ ”وراءُ“ في الإمامِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مَجازًا عَنِ الإحاطَةِ أيْ تَأْخُذُهم مِنَ الجِهَةِ الَّتِي هم بِها عالِمُونَ والجِهَةُ الَّتِي هم بِها جاهِلُونَ، فَتَلْقاهم بِغايَةِ التَّجَهُّمِ والعَبُوسَةِ والغَيْظِ والكَراهَةِ ضِدَّ ما كانُوا عَلَيْهِ عِنْدَ [العِلْمِ] بِالآياتِ المَرْئِيَّةِ والمَسْمُوعَةِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ المُلازِمِ لِلضَّحِكِ والتَّمايُلِ بَطَرًا وأشَرًا، ومِثْلَ ما كانُوا عَلَيْهِ عِنْدَ المُلاقاةِ لِلْمُصَدِّقِينَ بِتِلْكَ الآياتِ.

[و] لَمّا كانُوا يُظْهِرُونَ الرُّكُونَ إلى ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأعْراضِ الفانِيَةِ، قالَ: ﴿ولا يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ أيْ: في دَفْعِ ذَلِكَ ﴿ما كَسَبُوا﴾ أيْ: حَصَّلُوا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أفادَتْهُمُ العِزَّ الَّذِي أوْرَثَهُمُ الِاسْتِهْزاءَ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: مِن إغْناءٍ. ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ العَمى يَدَّعُونَ إغْناءَ آلِهَتِهِمْ عَنْهُمْ، قالَ مُصَرِّحًا بِها: ﴿ولا ما اتَّخَذُوا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم (p-٧٣)بِأخْذِهِ مُخالِفِينَ لِما دَعَتْهم إلَيْها فِطَرُهُمُ الأُولى السَّلِيمَةُ مِنَ البُعْدِ عَنْها.

ولَمّا كانَ كُفْرُهم إنَّما هو الإشْراكُ، فَكانُوا يَقُولُونَ: ”اللَّهُ“ أيْضًا، قالَ مُعَبِّرًا بِما يُفْهِمُ سُفُولَ ما سِواهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أدْنى رُتْبَةً مِن رُتَبِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿أوْلِياءَ﴾ أيْ: يَطْمَعُونَ في أنْ يَفْعَلُوا مَعَهم ما يَفْعَلُهُ القَرِيبُ مِنَ النَّفْعِ والذَّبِّ والدَّفْعِ ﴿ولَهُمْ﴾ مَعَ عَذابِهِ بِخَيْبَةِ الأمْرِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يَدْعُ جِهَةً مِن جِهاتِهِمْ ولا زَمانًا مِن أزْمانِهِمْ ولا عُضْوًا مِن أعْضائِهِمْ إلّا مَلَأهُ.

45:11Page 499

هَٰذَا هُدٗىۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٌ ١١

This [Qur’ān] is guidance. And those who have disbelieved in the verses of their Lord will have a painful punishment of foul nature.

ولَمّا أخْبَرَ عَمّا لِمَن أعْرَضَ عَنِ الآياتِ بِما [هُوَ] أجَلُّ مَوْعِظَةٍ وأرْدَعُ زاجِرٍ عَنِ الضَّلالِ، قالَ مُشِيرًا إلى ما افْتَتَحَ بِهِ الكَلامَ مِنَ المَتْلُوِّ الَّذِي هَذا مِنهُ: ﴿هَذا﴾ أيِ: التَّنْزِيلُ المَتْلُوُّ عَلَيْكم ﴿هُدًى﴾ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا بالِغٌ [فِي] الهِدايَةِ كامِلٌ فِيها، فالَّذِينَ اهْتَدَوْا بِآياتِ رَبِّهِمْ [لِأنَّهُمْ] لَمْ يَغْتَرُّوا بِالحاضِرِ لِكَوْنِهِ زائِلًا فاسْتَعْمَلُوا عُقُولَهم فَآمَنُوا (p-٧٤)بِهِ لَهم نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّتْهم عَلَيْهِمْ مَرائِي عُقُولِهِمْ بِهِ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ عَلى أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِن جُمَلِهِ، بَلْ كُلُّ كَلِمَةٍ مِن كَلِماتِهِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: وهَذِهِ التَّغْطِيَةُ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِالعَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ فَضَلُّوا عَنِ السَّبِيلِ لِتَفْرِيطِهِمْ في النَّظَرِ لِغُرُورِهِمْ بِالحاضِرِ الفانِي ﴿لَهم عَذابٌ﴾ كائِنٌ ﴿مِن رِجْزٍ﴾ [أيْ عِقابٍ] قَذِرٍ شَدِيدٍ جِدًّا عَظِيمِ القَلْقَلَةِ والِاضْطِرابِ مُتَتابِعِ الحَرَكاتِ، قالَ القَزّازُ: الرِّجْزُ والرِّجْسُ واحِدٌ ﴿ألِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغِ الإيلامِ، الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الهُدى أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الضَّلالِ ثانِيًا، والكُفْرَ والعَذابَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ السَّبَبَ المُسْعِدَ تَرْغِيبًا فِيهِ، والمُشْقِي تَرْهِيبًا مِنهُ.

45:12Page 499

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢

It is Allāh who subjected to you the sea so that ships may sail upon it by His command and that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى صِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ، ذَكَرَ بَعْضَ آثارِها وما (p-٧٥)فِيها مِن آياتِهِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا دالًّا عَلى عَظَمَتِها بِالِاسْمِ الأعْظَمِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْلى المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا كانَ آخِرُ الآياتِ الَّتِي قَدَّمَها الرِّياحَ، ذَكَرَ ما يَتَصَرَّفُ بِتَسْيِيرِها فَقالَ: ﴿الَّذِي سَخَّرَ﴾ أيْ: وحْدَهُ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنكم في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لَكُمُ﴾ أيُّها النّاسُ بَرَبُّكم وفاجِرُكم ﴿البَحْرَ﴾ بِما جَعَلَ فِيهِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ مِنَ القابِلِيَّةِ لِلسَّيْرِ فِيهِ بِالرِّقَّةِ واللُّيُونَةِ والِاسْتِواءِ مَعَ الرِّيحِ المُوافِقَةِ وأنَّهُ يَطْفُو عَلَيْهِ ما كانَ مِنَ الخَشَبِ مَعَ ما عَلِمَ مِن صَنْعَتِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي تَمَّ بِهِ المُرادُ ﴿لِتَجْرِيَ الفُلْكُ﴾ أيِ السُّفُنُ ﴿فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ ولَوْ كانَتْ مُوقَرَةً بِأثْقالِ الحَدِيدِ الَّذِي يَغُوصُ فِيهِ أخَفُّ شَيْءٍ مِنهُ كالإبْرَةِ وما دُونَها.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِتَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ فَتَعْلَمُوا أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ خاصَّةً لِتُؤْمِنُوا بِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَبْتَغُوا﴾ أيْ: تَطْلُبُوا بِشَهْوَةٍ نَفْسٍ واجْتِهادٍ بِما تَحْمِلُونَ فِيهِ مِنَ البَضائِعِ وتَتَوَصَّلُونَ إلَيْهِ مِنَ الأماكِنِ والمَقاصِدِ (p-٧٦)بِالصَّيْدِ والغَوْصِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا [مِنهُ] سِواهُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِتَظْهَرَ عَلَيْكم آثارُ نِعْمَتِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: ولِتَكُونُوا بِحَيْثُ يَرْجُو مِنكم مَن يَنْظُرُ حالَكم ذَلِكَ الشُّكْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْكم بِهِ لِيَزِيدَكم مِن فَضْلِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

45:13Page 499

وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١٣

And He has subjected to you whatever is in the heavens and whatever is on the earth - all from Him. Indeed in that are signs for a people who give thought.

ولَمّا ذَكَرَ آيَةَ البَحْرِ لِعَظَمَتِها، عَمَّ بِمَنافِعِ الخافِقَيْنِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ ما خَلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ، عَلى عِظَمِهِ إلّا لَنا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأمْرَ عَظِيمٌ فَقالَ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ولَوْ شاءَ لَمَنَعَهُ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ بِإنْزالِهِ إلَيْكم مُنَبِّهًا عَلى أنَّها بِحَيْثُ لا يُمْكِنُكُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ، وأكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ لِأنَّ السِّياقَ لِلدَّلالَةِ عَلى عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ الدّالَّتَيْنِ عَلى تَوَحُّدِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ الَّذِي هم لَهُ مُنْكِرُونَ كَما دَلَّتا عَلى تَوَحُّدِهِ بِالإيجادِ والسِّيادَةِ وهم مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ، وأفْعالُهم أفْعالُ مَن يُنْكِرُهُ، فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ وأوْصَلَكم إلَيْهِ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَكم كَما في السَّماءِ لا وُصُولَ لَكم إلَيْهِ، وأكَّدَ ما دَلَّ عَلى ما مَضى مِنَ العُمُومِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن أعْيانِ تِلْكَ الأشْياءِ ومِن تَسْخِيرِها ﴿مِنهُ﴾ لا صُنْعَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ في شَيْءٍ مِنهُ في ذَلِكَ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: قالَ أبُو يَعْقُوبَ النَّهْرُ جُورِيُّ: سَخَّرَ لَكَ الكُلَّ لِئَلّا يُسَخِّرَكَ مِنها شَيْءٌ، (p-٧٧)وتَكُونُ مُسَخَّرًا لِمَن سَخَّرَ لَكَ الكُلَّ وهو اللَّهُ تَعالى، فَإنَّهُ يَقْبُحُ بِالمَخْدُومِ أنْ يَخْدِمَ خادِمَهُ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: ما مِن شَيْءٍ مِنَ الأعْيانِ الظّاهِرَةِ إلّا و[مِن] وجْهٍ لِلْإنْسانِ بِهِ انْتِفاعٌ، فَمِن أنْ يَسْتَسْخِرَكَ ما هو مُسَخَّرٌ لَكَ.

ولَمّا صَحَّ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ الخَلْقِ لا مِنَ الذَّواتِ ولا مِنَ المَعانِي، حَسُنَ جِدًّا قَوْلُهُ، مُؤَكِّدًا لِأنَّ عَمَلَهم يُخالِفُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرِ العَظِيمِ وهو تَسْخِيرُهُ لَنا كُلَّ شَيْءٍ في الكَوْنِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: دَلالاتٍ واضِحاتٍ عَلى أنَّهم في الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ في ضَلالٍ مُبِينٍ بَعْدَ تَسْخِيرِهِ لَنا ما لَنا مِنَ الأعْضاءِ والقُوى عَلى هَذا الوَجْهِ البَدِيعِ مَعَ أنَّ مِن هَذا المُسَخَّرِ لَنا ما هو أقْوى مِنّا ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ: ناسٍ فِيهِمْ أهْلِيَّةٌ لِلْقِيامِ بِما يُجْعَلُ إلَيْهِمْ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ أنَّهُ المُتَوَحِّدُ بِاسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ فَلا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском