Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الأحزاب
Al-Ahzab
The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs
33:1Page 418
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١
O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
(p-٢٧٣)سُورَةُ الأحْزابِ
مَقْصُودُها الحَثُّ عَلى الصِّدْقِ في الإخْلاصِ في التَّوَجُّهِ إلى الخالِقِ مِن [غَيْرِ] مُراعاةٍ بِوَجْهٍ ما لِلْخَلائِقِ، لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِما يُصْلِحُهُمْ، حَكِيمٌ فِيما يَفْعَلُهُ فَهو يُعْلِي مَن يَشاءُ وإنْ كانَ ضَعِيفًا، ويُرْدِي مَن يُرِيدُ وإنْ كانَ قَوِيًّا، فَلا يَهْتَمَّنَّ الماضِي لِأمْرِهِ بِرَجاءٍ لِأحَدٍ مِنهم في بِرِّهِ ولا خَوْفٍ مِنهُ في عَظِيمِ شَرِّهِ وخِفِيِّ مَكْرِهِ، واسْمُها واضِحٌ في ذَلِكَ بِتَأمُّلِ القِصَّةِ الَّتِي أشارَ إلَيْها ودَلَّ عَلَيْها بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي مَهْما أرادَ كانَ الرَّحْمَن الَّذِي سَرَتْ رَحْمَتُهُ خِلالَ الوُجُودِ، فَشَمَلَتْ كُلَّ مَوْجُودٍ، بِالكَرَمِ والجُودِ الرَّحِيم لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ بِالعَطْفِ إلَيْهِ.
لَمّا خُتِمَتِ الَّتِي قَبْلَها بِالإعْراضِ عَنِ الكافِرِينَ، وانْتِظارِ ما يَحْكُمُ بِهِ فِيهِمْ رَبُّ العالَمِينَ، بَعْدَ تَحْقِيقِ أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ مِن عِنْدِ المُدَبِّرِ لِهَذا الخَلْقِ كُلِّهِ، والنَّهْيِ عَنِ الشَّكِّ في لِقائِهِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِالأمْرِ بِأساسِ ذَلِكَ، والنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ المُخالِفِينَ مُجاهِرِينَ كانُوا أوْ مُتَساتِرِينَ، والأمْرُ بِاتِّباعِ الوَحْيِ الَّذِي أعْظَمُهُ الكِتابُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإعْراضَ إنَّما يَكُونُ (p-٢٧٤)طاعَةً لِلَّهِ مَعَ مُراعاةِ تَقْواهُ فَقالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ عَبَّرَ بِأداةِ التَّوَسُّطِ إيماءً إلى أنَّ وقْتَ نُزُولِ السُّورَةِ - وهو آخِرُ سَنَةِ خَمْسٍ، غَبَّ وقْعَةِ الأحْزابِ - أوْسَطَ مُدَّةِ ما بَعْدَ الهِجْرَةِ إلاحَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أمَدِ كَمالِ النُّصْرَةِ الَّتِي اقْتَضاها وصْفُ النُّبُوَّةِ الدّالُّ عَلى الرَّفْعَةِ إلّا القَلِيلُ وعَبَّرَ بِهِ لِاقْتِضاءِ مَقْصُودِ السُّورَةِ مَقامَ النُّبُوَّةِ الَّذِي هو بَيْنَ الرَّبِّ وعَبْدِهِ في تَقْرِيبِهِ وإعْلائِهِ إلى جَنابِهِ إذا قُرِئَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وإنْ قُرِئَ بِهِ كانَ اللَّحْظُ إلى إنْبائِهِ بِالخَفِيِّ وتَفْصِيلِهِ لِلْجَلِيِّ، وقالَ الحِرالِيُّ في كِتابٍ لَهُ في أُصُولِ الدِّينِ: حَقِيقَةُ النُّبُوَّةِ وُرُودُ غَيْبٍ ظاهِرٍ أيْ مِنَ الحَقِّ بِالوَحْيِ لِخاصٍّ مِنَ الخَلْقِ، خَفِيَ عَنِ العامَّةِ مِنهُمْ، ثُمَّ قَدْ يَخْتَصُّ مَقْصِدُ ذَلِكَ الوارِدِ المُقِيمِ لِذَلِكَ الواحِدِ بِذاتِهِ، فَيَكُونُ نَبِيًّا غَيْرَ رَسُولٍ، وقَدْ يَرِدُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَمامِ أمْرِهِ في ذاتِهِ مَوارِدَ إقامَةِ غَيْرِهِ فَيَصِيرُ رَسُولًا. والرُّتْبَةُ الأُولى كَثِيرَةُ الوُقُوعِ في الخَلْقِ، وهي النُّبُوَّةُ، والثّانِيَةُ قَلِيلَةُ الوُقُوعِ، فالرُّسُلُ مِعْشارُ مِعْشارِ الأنْبِياءِ، ولِلنُّبُوَّةِ اشْتِقاقانِ: أحَدُهُما [مِنَ] النَّبَأِ وهو الخَبَرُ، وذَلِكَ لِمَنِ اصْطُفِيَ مِنَ البَشَرِ لِرُتْبَةِ السَّماعِ والإنْباءِ فَنُبِّئَ ونَبَّأ غَيْرَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حَقِيقَةُ ما نُبِّئَ بِهِ ولا ما نَبَّأ (p-٢٧٥)فَيَكُونُ حامِلَ عِلْمٍ، والِاشْتِقاقُ الثّانِي مِنَ النُّبُوَّةِ وهي الِارْتِفاعُ والعُلُوُّ، وذَلِكَ لِمَن أعْلى عَنْ رُتْبَةِ النَّبَأِ إلى رُتْبَةِ العِلْمِ. فَكانَ مُطَّلِعًا عَلى عِلْمِ ما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ الغَيْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ وكَمالِهِ، فَمَن عَلا عَنِ الحَظِّ المُتَنَزِّلِ العَقْلِيِّ إلى رُتْبَةِ سَماعٍ، كانَ نَبِيئًا بِالهَمْزِ، ومَن عَلا عَنْ ذَلِكَ إلى رُتْبَةِ عِلْمٍ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ كانَ نَبِيًّا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلًا في عِلْمِ الأسْماءِ نَبِيٌّ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي ما وراءَهُ نَبِيءٌ بِهَمْزٍ، [وكَذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما أُرِيَ مِنَ المَلَكُوتِ نَبِيٌّ غَيْرَ مَهْمُوزٍ وفِيما وراءَهُ نَبِيءٌ بِهَمْزٍ]. انْتَهى. ولَمْ يُنادِهِ سُبْحانَهُ بِاسْمِهِ تَشْرِيفًا لِقَدْرِهِ، وإعْلاءً لِمَحَلِّهِ، وحَيْثُ سَمّاهُ بِاسْمِهِ في الأخْبارِ فَلِلتَّشْرِيفِ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهي تَعْيِينُهُ وتَخْصِيصُهُ إزالَةً لِلَّبْسِ عَنْهُ، وقَطْعًا لِشُبَهِ التَّعَنُّتِ.
ولَمّا ناداهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ المُقْتَضِي لِلِانْبِساطِ، أمَرَهُ بِالخَوْفِ فَقالَ: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ زِدْ مِنَ التَّقْوى يا أعْلى الخَلائِقِ بِمِقْدارِ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ لِذِي الجَلالِ كُلِّهِ والإكْرامِ، لِئَلّا تَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ سِواهُ، فَإنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُرْهَبَ لِما لَهُ مِن خِلالِ الجَلالِ، والعَظَمَةِ والكَمالِ.
ولَمّا وجَّهَ إلَيْهِ الأمْرَ بِخَشْيَةِ الوَلِيِّ الوَدُودِ، أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنِ الِالتِفاتِ (p-٢٧٦)نَحْوَ العَدُوِّ والحَسُودِ. فَقالَ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيِ المُمانِعِينَ ﴿والمُنافِقِينَ﴾ أيِ المُصانِعَيْنِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْكَ الخالِقُ فِيهِ بِأمْرٍ وإنْ لاحَ لائِحُ خَوْفٍ أوْ بَرَقَ بارِقُ رَجاءٍ، ولا سِيَّما سُؤالُنا في شَيْءٍ مِمّا يَقْتَرِحُونَهُ رَجاءَ إيمانِهِمْ مِثْلَ أنْ تُعَيِّنَ لَهم وقْتَ السّاعَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيها الفَتْحُ، فَإنَّهم إنَّما يَطْلُبُونَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً، قالَ أبُو حَيّانَ: وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَ يُحِبُّ إسْلامَ اليَهُودِ، فَتابَعَهُ ناسٌ مِنهم عَلى النِّفاقِ، وكانَ يُلِينُ لَهم جانِبَهُ، وكانُوا يُظْهِرُونَ النَّصائِحَ مِن طُرُقِ المُخادَعَةِ، فَنَزَلَتْ تَحْذِيرًا لَهُ مِنهُمْ،» وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ - انْتَهى ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ والنَّهْيَ بِما يُزِيلُ الهُمُومَ ويُوجِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِما واللُّزُومَ، فَقالَ مُلَوِّحًا إلى أنْ لَهم أغْوارًا في مَكْرِهِمْ رُبَّما خَفِيَتْ عَلَيْهِ ﷺ، وأكَّدَ تَرْغِيبًا في الإقْبالِ عَلى مَعْلُولِهِ بِغايَةِ الِاهْتِمامِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِعَظِيمِ كَمالِهِ وعِزِّ جَلالِهِ ﴿كانَ﴾ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَلِيمًا﴾ شامِلَ العِلْمِ ﴿حَكِيمًا﴾ بالِغَ الحِكْمَةِ فَهو لَمْ يَأْمُرْكَ بِأمْرٍ إلّا وقَدْ عَلِمَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وأحْكَمَ إصْلاحَ الحالِ فِيهِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: افْتَتَحَها سُبْحانَهُ بِأمْرِ (p-٢٧٧)نَبِيِّهِ بِاتِّقائِهِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّغْوِ إلى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، واتِّباعِهِ ما يُوحِي إلَيْهِ، تَنْزِيهًا لِقَدْرِهِ عَنْ مِحْنَةِ مَن سَبَقَ لَهُ الِامْتِحانُ مِمَّنْ قَدَّمَ ذِكْرَهُ في سُورَةِ السَّجْدَةِ، وأمْرًا لَهُ بِالتَّسْلِيمِ لِخالِقِهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] ولَمّا تَحَصَّلَ مِنَ السُّورَتَيْنِ مِنَ الإشارَةِ إلى السَّوابِقِ ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] كانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِتَأْنِيسِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وصالِحِي أتْباعِهِ، ولِهَذا أعْقَبَ سُورَةَ السَّجْدَةِ بِهَذِهِ السُّورَةِ المُضَمَّنَةِ مِنَ التَّأْنِيسِ والبِشارَةِ ما يَجْرِي عَلى المَعْهُودِ مِن لُطْفِهِ تَعالى وسَعَةِ رَحْمَتِهِ، فافْتَتَحَ سُبْحانَهُ السُّورَةَ بِخِطابِ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَّقْوى، وإعْلامِهِ بِما [قَدْ] أعْطاهُ قَبْلُ مِن سُلُوكِ سَبِيلِ النَّجاةِ وإنْ ورَدَ عَلى طَرِيقَةِ الأمْرِ لِيُشْعِرَهُ بِاسْتِقامَةِ سَبِيلِهِ، وإيضاحِ دَلِيلِهِ، وخاطَبَهُ بِلَفْظِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ أمْرٌ عَقِبَ تَخْوِيفٍ وإنْذارٍ وإنْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ نَزَّهَ اللَّهَ قَدْرَهُ عَلى أنْ يَكُونَ مِنهُ خِلافُ التَّقْوى، وعَصَمَهُ مِن كُلِّ ما يُنافِرُ نَزاهَةَ حالِهِ وعَلَيِّ مَنصِبِهِ، ولَكِنْ طَرِيقَةُ خَطابِهِ تَعالى لِلْعِبادِ أنَّهُ تَعالى مَتى جُرِّدَ ذِكْرُهم لِلْمَدْحِ مِن غَيْرِ أمْرٍ ولا نَهْيٍ (p-٢٧٨)فَهُوَ مَوْضِعُ ذِكْرِهِمْ بِالأخَصِّ الأمْدَحِ عَنْ مَحْمُودِ صِفاتِهِمْ، ومِنهُ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] الآياتُ، فَذُكِرَ ﷺ بِاسْمِ الرِّسالَةِ، ومَهْما كانَ الأمْرُ والنَّهْيُ، عَدَلَ في الغالِبِ إلى الأعَمِّ، ومِنهُ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التحريم: ٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقَدْ تَبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا، وأنَّ ما ورَدَ عَلى خِلافِ هَذا القانُونِ فَلِسَبَبٍ خاصٍّ اسْتَدْعى العُدُولَ عَنِ المُطَّرِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] فَوَجْهُ هَذا أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] مَوْقَعُهُ شَدِيدٌ، فَعُودِلَ بِذِكْرِهِ ﷺ بِاسْمِ الرِّسالَةِ لِضَرْبٍ مِنَ التَّلَطُّفِ، فَهو مِن بابِ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وفِيهِ بَعْضُ غُمُوضٍ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ ”بَلِّغْ“ طابَقَ هَذا ذِكْرَهُ بِالرِّسالَةِ، فَإنَّ المُبَلِّغَ رَسُولٌ، والرَّسُولُ مُبَلِّغٌ، ولا يَلْزَمُ النَّبِيَّ أنْ يُبَلِّغَ إلّا أنْ يُرْسَلَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] فَأمْرُهُ وإنْ كانَ نَهْيًا أوْضَحُ مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّهُ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَأْنِيسٌ وأمْرٌ بِالصَّبْرِ والرِّفْقِ بِنَفْسِهِ، فَبابُهُ (p-٢٧٩)راجِعٌ إلى ما يَرِدُ مَدْحًا مُجَرَّدًا عَنِ الطَّلَبِ، وعَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ يَخْرُجُ [ما ورَدَ مِن هَذا. ولَمّا افْتُتِحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِما حاصِلُهُ ما قَدَّمْناهُ] مِن إعْلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الأمْرِ بِعَلِيِّ حالِهِ ومَزِيَّةِ قَدْرِهِ، ناسَبَ ذَلِكَ ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن بابِ التَّنْزِيهِ في مَواضِعَ مِنها إعْلامُهُ تَعالى بِأنَّ أزْواجَ نَبِيِّهِ ﷺ أُمَّهاتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَنُزِّهْنَ عَنْ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ مَزِيَّةً لَهُنَّ وتَخْصِيصًا وإجْلالًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ [الأحزاب: ٢٢] - الآيَةُ، فَنَزَّهَهم عَنْ تَطَرُّقِ سُوءٍ أوْ دُخُولِ ارْتِيابٍ عَلى مَصُونِ مُعْتَقَداتِهِمْ وجَلِيلِ إيمانِهِمْ ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] والآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب: ٢٣] - الآيَةُ، ومِنها ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢] فَنَزَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ وبَيَّنَ شَرَفَهُنَّ عَلى مَن عَداهُنَّ، ومِنها تَنْزِيهُ أهْلِ البَيْتِ وتَكْرِمَتُهم ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الآيَةُ، ومِنها الأمْرُ بِالحِجابِ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] فَنَزَّهَ المُؤْمِناتِ عَنْ حالَةِ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّبَرُّجِ وعَدَمِ الحِجابِ، وصانَهُنَّ عَنِ التَّبَذُّلِ والِامْتِهانِ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا (p-٢٨٠)كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ [الأحزاب: ٦٩] فَوَصّاهم جَلَّ وتَعالى ونَزَّهَهم بِما نَهاهم عَنْهُ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِمَنِ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَ والغَضَبَ في سُوءِ أدَبِهِمْ وعَظِيمِ مُرْتَكَبِهِمْ، إلى ما تَضَمَّنَتِ السُّورَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِالبِشارَةِ العامَّةِ واللُّطْفِ الشّامِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] - إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] - إلى قَوْلِهِ: ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] - إلى قَوْلِهِ: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] وقَوْلِهِ تَعالى مُثْنِيًا عَلى المُؤْمِنِينَ بِوَفائِهِمْ وصِدْقِهِمْ ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] [وقَوْلِهِ] سُبْحانَهُ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وفي (p-٢٨١)هَذِهِ الآياتِ مِن تَأْنِيسِ المُؤْمِنِينَ وبِشارَتِهِمْ وتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِمْ ما يَكْسِرُ سَوْرَةَ الخَوْفِ الحاصِلِ مِن سُورَتَيْ لُقْمانَ والسَّجْدَةِ ويَسْكُنُ رَوْعُهم تَأْنِيسًا لا رَفْعًا ومِن هَذا القَبِيلِ أيْضًا ما تَضَمَّنَتِ السُّورَةُ مِن تَعْدادِ نِعَمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وتَحْسِينِ خَلاصِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٩] - إلى قَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] وخَتَمَ السُّورَةَ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ والمَغْفِرَةِ أوْضَحَ شاهِدٍ لِما تَمَهَّدَ مِن دَلِيلِ قَصْدِها وبَيانِها عَلى ما وضَّحَ الحَمْدُ لِلَّهِ ولَمّا كانَ حاصِلُها رَحْمَةً ولُطْفًا ونِعْمَةً، لا يَقْدِرُ عَظِيمَ قَدْرِها، ويَنْقَطِعُ العالَمُ دُونَ الوَفاءِ بِشُكْرِها، أعْقَبَ بِما يَنْبَغِي مِنَ الحَمْدِ يَعْنِي أوَّلَ سَبَأٍ. انْتَهى.
33:2Page 418
وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢
And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا لِمُخالَفَةِ كُلِّ ما يَدْعُو إلَيْهِ كافِرٌ. وكانَ [الكافِرُ] رُبَّما دَعا إلى شَيْءٍ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِكَ.
ولَمّا اشْتَدَّتِ العِنايَةُ هُنا بِالوَحْيِ، وكانَ المُوحِي مَعْلُومًا مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿ما يُوحى﴾ أيْ يُلْقى إلْقاءً خَفِيًّا كَما يَفْعَلُ المُحِبُّ مَعَ حَبِيبِهِ ﴿إلَيْكَ﴾ وأتى مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِظاهِرٍ يَدُلُّ عَلى الإحْسانِ (p-٢٨٢)فِي التَّرْبِيَةِ لِيَقْوى عَلى امْتِثالِ ما أمَرَتْ بِهِ الآيَةُ السّالِفَةُ فَقالَ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِصَلاحِ جَمِيعِ أمْرِكَ، فَمَهْما أمَرَكَ بِهِ فافْعَلْهُ لِرَبِّكَ لا لَهُمْ، ومَهْما نَهاكَ عَنْهُ فَكَذَلِكَ، سَواءٌ كانَ إقْبالًا عَلَيْهِمْ أوْ إعْراضًا عَنْهم أوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا أمَرَهُ بِاتِّباعِ الوَحْيِ، رَغْبَةً فِيهِ بِالتَّعْلِيلِ بِأوْضَحَ مِنَ التَّعْلِيلِ الأوَّلِ في أنَّ مَكْرَهم خَفِيٌّ، فَقالَ مُذَكِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ بِجَمِيعِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى زِيادَةً في التَّقْوِيَةِ عَلى الِامْتِثالِ، مُؤَكِّدًا لِلتَّرْغِيبِ كَما تَقَدَّمَ، وإشارَةً إلى أنَّهُ مِمّا يَسْتَبْعِدُهُ بَعْضُ المُخاطَبِينَ في قِراءَةِ الخِطابِ [لِغَيْرِ أبِي عَمْرٍو:] ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ [أيْ] بِعَظَمَتِهِ وكَمالِهِ ﴿كانَ﴾ دائِمًا ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيِ الفَرِيقانِ مِنَ المَكايِدِ وإنَّ دَقَّ ﴿خَبِيرًا﴾ فَلا تَهْتَمَّ بِشَأْنِهِمْ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافِيكَهُ وإنْ تَعاظَمَ، وعَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِالغَيْبِ يَكُونُ هَذا التَّعْلِيلُ حَثًّا عَلى الإخْلاصِ، وتَحْقِيقًا لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإصْلاحِ وإنْ أعْيى الخَلاصُ، ونَفْيًا لِما قَدْ يَعْتَرِي النُّفُوسَ مِنَ الزِّلْزالِ، في أوْقاتِ الِاخْتِلالِ.
33:3Page 418
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣
And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1
(p-٢٨٣)ولَمّا كانَ الآدَمِيُّ مَوْضِعَ الحاجَةِ إلى تَعْظِيمِ التَّرْجِيَةِ قالَ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ أيْ دَعِ الِاعْتِمادَ عَلى التَّدْبِيرِ في أُمُورِكَ واعْتَمِدْ فِيها ﴿عَلى اللَّهِ﴾ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً، ولِتَكْرِيرِ هَذا الِاسْمِ [الأعْظَمِ] الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ في هَذا المَقامِ شَأْنٌ لا يَخْفى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ يَكْفِيكَ في جَمِيعِ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ عَلى الإطْلاقِ ﴿وكِيلا﴾ أيْ إنَّهُ لا أكَفى مِنهُ لِكُلِّ مَن وكَّلَهُ في أمْرِهِ، فَلا تَلْتَفِتْ في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ إلى شَيْءٍ [غَيْرِهِ] لِأنَّهُ لَيْسَ لَكَ قَلْبانِ تُصَرِّفُ كُلًّا مِنهُما [إلى واحِدٍ.
33:4Page 418
مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤
Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.
ولَمّا كانَ النّازِعُ إلى جِهَتَيْنِ] والمُعالِجُ لِأمْرَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ كَأنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِقَلْبَيْنِ، أكَّدَ أمْرَ الإخْلاصِ في جَعْلِ الهَمِّ هَمًّا واحِدًا فِيما يَكُونُ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وفي المُظاهَرَةِ والتَّبَنِّي وكُلِّ ما شابَهَها بِضَرْبِ المَثَلِ بِالقَلْبَيْنِ - كَما قالَ الزُّهْرِيُّ، فَقالَ مُعَلِّلًا لِما قَبْلَهُ بِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ الآدَمِيَّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ مَوْضِعٌ لِخَفاءِ الأُمُورِ عَلَيْهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، والعَظَمَةُ الباهِرَةُ، ولَيْسَ الجَعْلُ إلّا لَهُ ولا أمْرَ لِغَيْرِهِ ﴿لِرَجُلٍ﴾ أيْ لِأحَدٍ مِن بَنِي آدَمَ الَّذِينَ هم أشْرَفُ الخَلائِقِ مِن نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ، وعَبَّرَ بِالرَّجُلِ لِأنَّهُ أقْوى جِسْمًا وفَهْمًا فَيُفْهِمُ غَيْرَهُ مِن بابِ الأوْلى؛ وأشارَ إلى التَّأْكِيدِ (p-٢٨٤)بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَلْبَيْنِ﴾ وأكَّدَ الحَقِيقَةَ وقَرَّرَها، وجَلّاها وصَوَّرَها لِما قَدْ يَظُنُّ الإنْسانُ مِن أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى صَرْفِ النَّفْسِ إلى الأُمُورِ المُتَخالِفَةِ كَما يَفْعَلُ المُنافِقُ، بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ أيْ حَتّى يَتَمَكَّنَ مِن أنْ يَنْزِعَ بِكُلِّ قَلْبٍ إلى جِهَةٍ غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي نَزَعَ إلَيْها القَلْبُ الآخَرُ لِأنَّ ذَلِكَ مُودٍ إلى خَرابِ البَدَنِ لِأنَّ القَلْبَ مُدَبِّرُهُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، واسْتِقْلالُ كُلٍّ بِالتَّدْبِيرِ يُؤَدِّي إلى الفَسادِ كَما مَضى في دَلِيلِ التَّمانُعِ سَواءٌ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: القَلْبُ كالمِرْآةِ مَهْما حُوذِيَ بِهِ جانِبُ القُدْسِ أعْرَضَ عَنْ جانِبِ الحِسِّ، ومَهْما حُوذِيَ بِهِ جانِبُ الحِسِّ أعْرَضَ عَنْ جانِبِ القُدْسِ، فَلا يَجْتَمِعُ الإقْبالُ عَلى اللَّهِ وعَلى ما سِواهُ. انْتَهى. وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ تَمْهِيدٌ لِأنَّ التَّوَزُّعَ والشِّرْكَ لا خَيْرَ فِيهِ، وأنَّ مُدَبِّرَ المُلْكِ واحِدٌ كَما أنَّ البَدَنَ قَلْبٌ واحِدٌ، فَلا التِفافَ إلى غَيْرِهِ، وأنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِالتَّشَهِّي وجَعْلِ الجاعِلِينَ، وإنَّما هو بِجَعْلِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ العالِمُ بِالأُمُورِ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ المُظاهَرَةِ والتَّبَنِّي نازِعًا إلى جِهَتَيْنِ مُتَنافِيَتَيْنِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعُدُّونَ الظِّهارَ طَلاقًا مُؤَبَّدًا لا رَجْعَةَ فِيهِ - كَما نَقَلَهُ ابْنُ المُلَقِّنِ في عُمْدَةِ المِنهاجِ عَنْ صاحِبِ الحاوِي، وكانَ المُخاطَبُونَ قَدْ أعْلاهُمُ الوَعْظُ السّابِقُ إلى التَّأهُّلِ لِلْخِطابِ، لَفَتَ سُبْحانَهُ القَوْلَ إلَيْهِ عَلى قِراءَةِ الغَيْبِ [فِي ”يَعْلَمُونَ“ لِأبِي عَمْرٍو] فَقالَ: ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ﴾ (p-٢٨٥)أيْ بِما أباحَ لَكم مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ مِن جِهَةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ ثُمَّ أشارَ إلى الجِهَةِ الأُخْرى بِقَوْلِهِ: ﴿اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ﴾ أيْ [كَما] يَقُولُ الإنْسانُ لِلْواحِدَةِ مِنهُنَّ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ بِما حَرُمَ عَلَيْكم مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ حَتّى تَجْعَلُوا ذَلِكَ عَلى التَّأْبِيدِ وتُرَتِّبُوا عَلى ذَلِكَ أحْكامَ الأُمَّهاتِ كُلَّها، لِأنَّهُ لا يَكُونُ لِرَجُلٍ أمانٌ، ولَوْ جَعَلَ ذَلِكَ لَضاقَ الأمْرُ، واتَّسَعَ الخَرْقُ، وامْتَنَعَ الرَّتْقُ ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ﴾ بِما جَعَلَ لَهم مِنَ النِّسْبَةِ والِانْتِسابِ إلى غَيْرِكم ﴿أبْناءَكُمْ﴾ بِما جَعَلْتُمْ لَهم مِنَ الِانْتِسابِ إلَيْكم لِيَحِلَّ لَهم إرْثُكُمْ، وتَحْرُمَ عَلَيْكم حَلائِلُهم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الأبْناءِ، ولا يَكُونُ لِابْنٍ أبَوانِ، ولَوْ جُعِلَ ذَلِكَ لَضاعَتِ الأنْسابُ، وعَمَّ الِارْتِيابُ، وانْقَلَبَ كَثِيرٌ مِنَ الحَقائِقِ أيَّ انْقِلابٍ، فانْفَتَحَ بِذَلِكَ مِنَ الفَسادِ أبْوابٌ أيُّ أبْوابٍ، فَلَيْسَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ الكَلْبِيُّ الَّذِي تَبَنَّيْتَهُ ابْنًا لَكَ أيُّها النَّبِيُّ بِتَبَنِّيكَ لَهُ جَزاءً [لَهُ] بِاخْتِيارِهِ لَكَ عَلى أبِيهِ وأهْلِهِ، وهَذا تَوْطِئَةٌ لِما يَأْتِي مِن قِصَّةِ زَواجِ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مُطَلَّقَةِ زَيْدٍ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ (p-٢٨٦)ﷺ [فَإنَّهُ ﷺ] لَمّا تَزَوَّجَها قالَ المُنافِقُونَ كَما حَكاهُ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ وهو يَنْهى النّاسَ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وبَيَّنَ أنَّ التَّبَنِّيَ إنَّما هو مَجازٌ، وأنَّ المُحَرَّمَ إنَّما هو زَوْجَةُ الِابْنِ الحَقِيقِيِّ [و] ما أُلْحِقَ بِهِ مِنَ الرَّضاعِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ تَبْنّى زَيْدًا لِقِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ في السِّيرَةِ، رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
لَمّا أبْطَلَ [هَذا] سُبْحانَهُ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَمّا مَضى مِن عَمَلِهِمْ فِيهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ القَوْلُ البَعِيدُ عَنِ الحَقِيقَةِ، وأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ أيْ لا حَقِيقَةَ لَهُ وراءَ القَوْلِ وتَحْرِيكِ الفَمِ [مِن غَيْرِ مُطابَقَةِ قُلُوبِكُمْ،] فَإنَّ كُلَّ مَن يَقُولُ ذَلِكَ لا يَعْتَقِدُهُ، [لِأنَّ مَن كانَ لَهُ فَمٌ كانَ مُحْتاجًا، ومَن كانَ مُحْتاجًا كانَ مُعَرَّضًا لِلنَّقائِصِ كانَ مُعَرَّضًا لِلْأوْهامِ، ومَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الأوْهامُ كانَ في كَلامِهِ الباطِلُ] ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ [ولَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ] ﴿يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيِ الكامِلَ (p-٢٨٧)فِي حَقِّيَّتِهِ، الثّابِتُ الَّذِي يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، فَلا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى نَقْضِهِ فَإنْ أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ فَهو كَما قالَ، لَيْسَ بَيْنَ الخَبَرِ والواقِعِ مِن ذَلِكَ المُخْبَرِ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ المُخالَفَةِ، وإنْ أتى بِقِياسِ فَرْعٍ عَلى أصْلٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ إبْداءَ فَرْقٍ، [فَإنَّ أقْوالَهُ سُبْحانَهُ سابِقَةٌ عَلى الواقِعِ لِأنَّها مُصَدَّرَةٌ فِيها بِكَوْنٍ، فَإذا قالَ قَوْلًا وُجِدَ مَضْمُونُهُ مُطابِقًا لِذَلِكَ القَوْلِ، فَإذا طَبَّقْتَ بَيْنَهُما كانا سَواءً، فَكانَ ذَلِكَ المَضْمُونُ ثابِتًا كَما كانَ ذَلِكَ الواقِعُ ثابِتًا، فَكانَ حَقًّا، هَكَذا أقْوالُهُ عَلى الدَّوامِ، لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ سُبْحانَهُ عَنِ النَّقائِصِ فَلا جارِحَةَ ثَمَّ لِيَكُونَ بَيْنَها وبَيْنَ مُعَدِّ القَوْلِ مُخالَفَةٌ مِن فَمٍ أوْ غَيْرِهِ وعَنْ كُلِّ ما يَقْتَضِي حاجَةً، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الفَمَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى نَفْيِهِ ثانِيًا والحَقَّ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ الباطِلِ أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى النَّقْصِ في حَقِّنا، وعَلى الكَمالِ في حَقِّهِ، ودَلَّ عَلى التَّنْزِيهِ بِالإشارَةِ لِيُبَيِّنَ فَهْمَ الفُهَماءِ وعِلْمَ العُلَماءِ] ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ مِن حَيْثُ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴿يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيِ الكامِلَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُوصِلَ إلى المَطْلُوبِ إنْ ضَلَّ أحَدٌ في فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَلا تُعَوِّلُوا عَلى سَواءٍ ولا تَلْتَفِتُوا أصْلًا إلى غَيْرِهِ.
33:5Page 418
ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥
Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما تَقُولُ؟ اهْدِنا إلى سَبِيلِ الحَقِّ في ذَلِكَ، أرْشِدْ إلى أمْرِ التَّبَنِّي إشارَةً إلى أنَّهُ هو المَقْصُودُ في هَذِهِ السُّورَةِ لِما يَأْتِي بَعْدُ مِن آثارِهِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوهُمْ﴾ أيِ الأدْعِياءَ (p-٢٨٨)﴿لآبائِهِمْ﴾ أيْ إنْ عَلِمُوا ولَدًا قالُوا: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ هَذا الدُّعاءُ ﴿أقْسَطُ﴾ أيْ أقْرَبُ إلى العَدْلِ مِنَ التَّبَنِّي وإنْ كانَ إنَّما هو لِمَزِيدِ الشَّفَقَةِ عَلى المُتَبَنّى والإحْسانِ إلَيْهِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ في مُلْكِهِ إلّا ما هو أقْرَبُ إلى الكَمالِ، وفي هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى ما مَضى بَعْضُ التَّنْفِيسِ عَنْهُمْ، وإشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ التَّغْلِيظَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَجْمُوعِ القَوْلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.
ولَمّا كانُوا قَدْ يَكُونُونَ مَجْهُولِينَ، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ لِجَهْلٍ أصْلِيٍّ أوْ طارِئٍ ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ إنْ كانُوا دَخَلُوا في دِينِكم ﴿ومَوالِيكُمْ﴾ أيْ أرِقّاؤُكم مَعَ بَقاءِ الرِّقِّ أوْ مَعَ العِتْقِ عَلى كِلْتا الحالَتَيْنِ، ولِذا قالُوا: سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ. ولَمّا نَزَلَ هَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ وهو يَعْلَمُ فالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرامٌ» - أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وأبِي بَكَرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
ولَمّا كانَتْ عادَتُهُمُ الخَوْفَ مِمّا سَبَقَ مِن أحْوالِهِمْ عَلى النَّهْيِ لِشِدَّةِ ورَعِهِمْ، أخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ عَنْهم ذَلِكَ لِكَوْنِهِ خَطَأً، وساقَهُ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ ما بَعْدَ النَّهْيِ [أيْضًا] فَقالَ: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ (p-٢٨٩)إثْمٌ ومَيْلٌ واعْوِجاجٌ، وعَبَّرَ بِالظَّرْفِ لِيُعِيدَ أنَّ الخَطَأ لا إثْمَ فِيهِ بِوَجْهٍ، ولَوْ عَبَّرَ بِالباءِ لِظُنَّ أنَّ فِيهِ إثْمًا، ولَكِنَّهُ عَفا عَنْهُ فَقالَ: ﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ مِنَ الدُّعاءِ بِالبُنُوَّةِ والمُظاهَرَةِ أوْ في شَيْءٍ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ بَعْدَهُ، ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ ما﴾ أيِ الإثْمُ فِيما ﴿تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ عَلى زَوالِ الحَرَجِ أيْضًا فِيما وقَعَ بَعْدَ النَّهْيِ عَلى سَبِيلِ النِّسْيانِ أوْ سَبْقِ اللِّسانِ، ودَلَّ تَأْنِيثُ الفِعْلِ عَلى أنَّهُ لا يَعْتَمِدُهُ بَعْدَ البَيانِ الشّافِي إلّا قَلْبٌ فِيهِ رَخاوَةُ الأُنُوثَةِ، ودَلَّ جَمْعُ الكَثْرَةِ عَلى عُمُومِ الإثْمِ إنْ لَمْ يَنْهَ المُتَعَمِّدَ.
ولَمّا كانَ هَذا الكَرَمُ خاصًّا بِما تَقَدَّمَهُ، عَمَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيْ لِكَوْنِهِ لا أعْظَمَ مِنهُ ولا أكْرَمَ مِنهُ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ مِن صِفَتِهِ السِّتْرُ البَلِيغُ عَلى المُذْنِبِ النّائِبِ، والهِدايَةُ العَظْمِيَّةُ لِلضّالِّ الآئِبِ، والإكْرامُ بِإيتاءِ الرَّغائِبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences