Al-Biqa'iAl‑Ahzab · 33:6–12

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:6–12

33:6Page 418

ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦

The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.

ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنِ التَّبَنِّي، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلاهُ لِما اخْتارَهُ عَلى أبِيهِ وأُمِّهِ، عَلَّلَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ فِيهِ بِالخُصُوصِ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى أنَّ الأمْرَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ: ﴿النَّبِيُّ﴾ أيِ الَّذِي يُنْبِئُهُ اللَّهُ بِدَقائِقِ الأحْوالِ في بَدائِعِ الأقْوالِ، ويَرْفَعُهُ دائِمًا في مَراقِي الكَمالِ، ولا يُرِيدُ أنْ يَشْغَلَهُ بِوَلَدٍ ولا مالٍ ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، فَغَيْرُهم أوْلى في كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ (p-٢٩٠)والدُّنْيا لِما حازَهُ مِنَ الحَضْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَضْلًا عَنْ آبائِهِمْ في نُفُوذِ حُكْمِهِ فِيهِمْ ووُجُوبِ طاعَتِهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لا يَدْعُوهم إلّا إلى العَقْلِ والحِكْمَةِ، ولا يَأْمُرُهم إلّا بِما يُنْجِيهِمْ، وأنْفُسُهم إنَّما تَدْعُوهم إلى الهَوى والفِتْنَةِ فَتَأْمُرُهم بِما يُرْدِيهِمْ، فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ تَصَرُّفَ الآباءِ بَلِ المُلُوكِ [بَلْ] أعْظَمَ بِهَذا السَّبَبِ الرَّبّانِيِّ، فَأيُّ حاجَةٍ لَهُ إلى السَّبَبِ الجُسْمانِيِّ ﴿وأزْواجُهُ﴾ أيِ اللّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ لِما لَهُنَّ مِن حُرْمَتِهِ ﴿أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الرِّجالِ خاصَّةً دُونَ النِّساءِ، لِأنَّهُ لا مَحْذُورَ مِن جِهَةِ النِّساءِ، وذَلِكَ في الحُرْمَةِ والإكْرامِ، والتَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ، وتَحْرِيمُ النِّكاحِ دُونَ جَوازِ الخَلْوَةِ والنَّظَرِ وغَيْرِهِما مِنَ الأحْكامِ، والتَّعْظِيمِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الأُمَّهاتِ في ذَلِكَ أصْلًا، فَلا يَحِلُّ انْتِهاكُ حُرْمَتِهِنَّ بِوَجْهٍ ولا الدُّنُوُّ مِن جَنابِهِنَّ بِنَوْعِ نَقْصٍ، لِأنَّ حَقَّ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أُمَّتِهِ أعْظَمُ مِن حَقِّ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، وهو حَيٌّ في قَبْرِهِ وهَذا أمْرٌ جَعَلَهُ اللَّهُ وهو إذا جَعَلَ شَيْئًا كانَ، لِأنَّ الأمْرَ أمْرُهُ والخَلْقَ [خَلْقُهُ،] وهو العالِمُ بِما يُصْلِحُهم وما يُفْسِدُهم ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (p-٢٩١)عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْتَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَياعًا فَلْيَأْتِنِي وأنا مَوْلاهُ» .

ولَمّا رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، ونَهى عَنِ التَّشَتُّتِ والتَّشَعُّبِ، وكانَ مِن ذَلِكَ أمْرُ التَّبَنِّي، وكانَ مِنَ المُتَفَرِّعِ عَلَيْهِ المِيراثُ بِما كانَ قَدِيمًا مِنَ الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ والأُخُوَّةِ الَّتِي قَرَّرَها النَّبِيُّ ﷺ لَمّا كانَ الأمْرُ مُحْتاجًا إلَيْها، وكانَ ذَلِكَ قَدْ نُسِخَ بِالآيَةِ الَّتِي في آخِرِ الأنْفالِ، وهي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ تَرْتِيبًا ونُزُولًا، وكانَ ما ذَكَرَ هُنا فَرْدًا داخِلًا في عُمُومِ العِبارَةِ في تِلْكَ الآيَةِ، أعادَها هُنا تَأْكِيدًا وتَنْصِيصًا عَلى هَذا الفَرْدِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ مَعَ ما فِيها مِن تَفْصِيلٍ وزِيادَةٍ فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ أيِ القَراباتِ بِأنْواعِ النِّسَبِ مِنَ النُّبُوَّةِ وغَيْرِها ﴿بَعْضُهم أوْلى﴾ بِحَقِّ القَرابَةِ ﴿بِبَعْضٍ﴾ في جَمِيعِ المَنافِعِ العامَّةِ لِلدَّعْوَةِ والإرْثِ والنُّصْرَةِ والصِّلَةِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ قَضاءِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وحُكْمُهُ كَما تَقَدَّمَ في كِتابِكم هَذا، وكَما أشارَ (p-٢٩٢)إلَيْهِ الحَدِيثُ الماضِي آنِفًا.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم أوْلى بِسَبَبِ القَرابَةِ، بَيَّنَ المُفَصَّلَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿مِن﴾ أيْ هم أوْلى بِسَبَبِ القَرابَةِ مِن ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ الأنْصارِ مِن [غَيْرِ] قَرابَةٍ مُرَجِّحَةٍ ﴿والمُهاجِرِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِ قَرابَةٍ كَذَلِكَ، ولَمّا كانَ المَعْنى: أوْلى في كُلِّ نَفْعٍ، اسْتَثْنى مِنهُ عَلى القاعِدَةِ الِاسْتِثْناءَ مِن أعَمِّ العامِّ قَوْلَهُ، لافِتًا النَّظْمَ إلى أُسْلُوبِ الخِطابِ لِيَأْخُذَ المُخاطَبُونَ مِنهُ أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِالرُّسُوخِ في الإيمانِ الَّذِي مَضى ما دَلَّ عَلَيْهِ في آيَةِ الأوْلَوِيَّةِ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ، فَيُحِثُّهم ذَلِكَ عَلى فِعْلِ المَعْرُوفِ: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا﴾ [أيْ] حالَ كَوْنِكم مُوَصِّلِينَ ومُسْنِدِينَ ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ بِالرِّقِّ أوِ التَّبَنِّي أوِ الحِلْفِ في الصِّحَّةِ مُطْلَقًا وفي المَرَضِ مِنَ الثُّلْثِ تَنْجِيرًا أوْ وصِيَّةً ﴿مَعْرُوفًا﴾ تَنْفَعُونَهم بِهِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ ذَلِكَ الوَلِيُّ مُسْتَحِقًا لِذَلِكَ، ولا يَكُونُ ذُو الرَّحِمِ أوْلى مِنهُ، بَلْ لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ.

ولَمّا أخْبَرَ أنَّ هَذا الحُكْمَ في كِتابِ اللَّهِ، أعادَ التَّنْبِيهَ عَلى ذَلِكَ تَأْكِيدًا قَلْعًا لِهَذا الحُكْمِ الَّذِي تَقَرَّرَ في الأذْهانِ بِتَقْرِيرِهِ سُبْحانَهُ فِيما مَضى فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿كانَ ذَلِكَ﴾ [أيْ] الحَكَمُ العَظِيمُ ﴿فِي الكِتابِ﴾ (p-٢٩٣)أيِ القُرْآنِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ ﴿مَسْطُورًا﴾ بِعِبارَةٍ تَعُمُّهُ، قالَ الأصْبَهانِيُّ: وقِيلَ: في التَّوْراةِ، لِأنَّ في التَّوْراةِ: إذا نَزَلَ رَجُلٌ بِقَوْمٍ مِن أهْلِ دِينِهِ فَعَلَيْهِمْ أنْ يُكْرِمُوهُ ويُواسُوهُ، ومِيراثُهُ لِذَوِي قَرابَتِهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ وصْفَ الإيمانِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا ووَصَفَ الهِجْرَةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ النُّصْرَةِ أوَّلًا.

33:7Page 419

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧

And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant

ولَمّا كانَ نَقْضُ العَوائِدِ وتَغْيِيرُ المَأْلُوفاتِ مِمّا يَشُقُّ كَثِيرًا عَلى النُّفُوسِ، ويُفَرِّقُ المُجْتَمِعِينَ، ويَقْطَعُ بَيْنَ المُتَواصِلِينَ، ويُباعِدُ بَيْنَ المُتَقارِبِينَ، قالَ مُذَكِّرًا لَهُ ﷺ بِما أُخِذَ عَلى مَن قَبِلَهُ مِن نَسْخِ أدْيانِهِمْ بِدِينِهِ، وتَغْيِيرِ مَأْلُوفاتِهِمْ بِإلْفِهِ، ومِن نَصِيحَةِ قَوْمِهِمْ بِإبْلاغِهِمْ كُلَّ ما أُرْسِلُوا بِهِ، صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِأنَّهُ أدْعى إلى قَبُولِ الأوامِرِ: ﴿وإذْ﴾ فَعُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: - اذْكُرْ ذَلِكَ - أيْ ما سَطَّرْناهُ [لَكَ] قَبْلَ هَذا في كِتابِكَ، واذْكُرْ إذْ ﴿أخَذْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وفي تَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وفي اتِّباعِكَ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ في قَوْلِنا ﴿لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وقَوْلِهِمْ: أقْرَرْنا.

ولَمّا ذَكَّرَهُ ما أُخِذَ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ مِنَ العَهْدِ في تَغْيِيرِ مَأْلُوفاتِهِمْ إلى ما يَأْمُرُهم سُبْحانَهُ بِهِ مِن إبْلاغِ ما يُوحى إلَيْهِمْ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، (p-٢٩٤)ذَكَّرَهُ ما أخَذَ عَلَيْهِ مِنَ العَهْدِ في التَّبْلِيغِ فَقالَ: ﴿ومِنكَ﴾ أيْ في قَوْلِنا في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٢] وفي المائِدَةِ ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَلا تَهْتَمَّ بِمُراعاةِ عَدُوٍّ ولا خَلِيلٍ حَقِيرٍ ولا جَلِيلٍ، ولَمّا أتَمَّ المُرادَ إجْمالًا وعُمُومًا، وخَصَّهُ ﷺ مِن ذَلِكَ العُمُومِ مُبْتَدِئًا بِهِ بَيانًا لِتَشْرِيفِهِ ولِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى واتِّباعِ الوَحْيِ لِأجْلِ التَّبَنِّي وغَيْرِهِ، أتْبَعَهُ بَقِيَّةَ أُولِي العَزْمِ الَّذِينَ هم أصْحابُ الكُتُبِ ومَشاهِيرُ أرْبابِ الشَّرائِعِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لِلْمَقامِ، لِأنَّ مَن عَلِمَ لَهُ شِرْكًا في أمْرٍ اجْتَهَدَ في سَبْقِهِ فِيهِ ورَتَّبَهم عَلى تَرْتِيبِهِمْ في الزَّمانِ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ المُفاضَلَةَ بَيْنَهُمْ، بَلِ التَّأْسِيَةَ بِالمُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ فَقالَ: ﴿ومِن نُوحٍ﴾ أوَّلِ الرُّسُلِ إلى المُخالِفِينَ ﴿وإبْراهِيمَ﴾ أبِي الأنْبِياءِ ﴿ومُوسى﴾ أوَّلِ أصْحابِ الكُتُبِ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ خِتامِهِمْ، نَسَبَهُ إلى أُمِّهِ مُناداةً عَلى مَن ضَلَّ فِيهِ بِالتَّوْبِيخِ والتَّسْجِيلِ بِالفَضِيحَةِ؛ ثُمَّ زادَ في تَأْكِيدِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ تَعْظِيمًا لِلْمُوثَقِ فِيهِ، وإشارَةً إلى مَشَقَّتِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا بِإعادَةِ العامِلِ ومَظْهَرِ العَظَمَةِ لِصُعُوبَةِ الرُّجُوعِ عَنِ المَألُوفِ: ﴿وأخَذْنا مِنهُمْ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا في ذَلِكَ ﴿مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ اسْتِعارَةً مِن وصْفِ الأجْرامِ العِظامِ (p-٢٩٥)كِنايَةً عَنْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ قَطْعُهُ لِمَن أرادَ الوَصْلَةَ بِنا.

33:8Page 419

لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨

That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.

ولَمّا كانَ الأخْذُ عَلى النَّبِيِّينَ في ذَلِكَ أخْذًا عَلى أُمَمِهِمْ، وكانَ الكُفْرُ مُعَذَّبًا عَلَيْهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ، والطّاعَةُ مُثابًا عَلَيْها بِشَرْطِ الإخْلاصِ عَلَّلَهُ، مُعَبِّرًا بِما هو مَقْصُودُ السُّورَةِ فَقالَ مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ الغَيْبَةِ لِتَعْظِيمِ الهَيْبَةِ لِأنَّ الخِطابَ إذا طالَ اسْتَأْنَسَ المُخاطَبُ: ﴿لِيَسْألَ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿الصّادِقِينَ﴾ أيْ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ هَلْ هو لِلَّهِ خالِصًا أوْ لا، تَشْرِيفًا لَهم وإهانَةً وتَبْكِيتًا لِلْكاذِبِينَ، ويَسْألُ الكافِرِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ ما الَّذِي حَمَلَهم عَلَيْهِ، والحالُ أنَّهُ أعَّدَ لِلصّادِقِينَ ثَوابًا عَظِيمًا ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ أيِ السّاتِرِينَ لِإشْراقِ أنْوارِ المِيثاقِ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ فالآيَةُ مِن مَحاسِنِ رِياضِ الِاحْتِباكِ، وإنَّما صَرَّحَ بِسُؤالِ الصّادِقِ بِشارَةً لَهُ بِتَشْرِيفِهِ في ذَلِكَ المَوْقِفِ العَظِيمِ، وطَوى سُؤالَ الكُفّارِ إشارَةً إلى اسْتِهانَتِهِمْ بِفَضِيحَةِ الكَذِبِ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤] ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] وذَكَرَ ما هو أنَكى لَهم.

33:9Page 419

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩

O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.

ولَمّا أكَّدَ سُبْحانَهُ وُجُوبَ الصَّدْعِ بِكُلِّ أمْرِهِ وإنْ عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ وزادَتْ حُرْقَتُهُ مِن غَيْرِ رُكُونٍ إلى مُؤالِفٍ مُوافِقٍ، ولا اهْتِمامٍ بِمُخالِفٍ (p-٢٩٦)مُشاقِقٍ، اعْتِمادًا عَلى تَدْبِيرِهِ، وعَظِيمِ أمْرِهِ في تَقْدِيرِهِ، ذَكَّرَهم بِدَلِيلٍ شُهُودِيٍّ هو أعْظَمُ وقائِعِهِمْ في حُرُوبِهِمْ، وأشَدُّ ما دَهَمَتْهم مِن كُرُوبِهِمْ، فَقالَ مُعْلِمًا أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ بِما مَضى [مِن] الأوامِرِ الأُمَّةُ - وإنَّما وجَّهَ الأمْرَ إلى الإمامِ لِيَكُونَ أدْعى لَهم إلى الِامْتِثالِ فَإنَّ الأمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ تَكْوِينِيٌّ بِمَنزِلَةِ ما يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَهُ ”كُنْ“ فَحَقِيقَةُ الإرادَةِ لا الأمْرُ، والأمْرُ لِلَّذِينِ آمَنُوا تَكْفِيلِيٌّ. وقَدْ يُرادُ [مِنهُمْ] ما يُؤْمَرُونَ بِهِ وقَدْ لا يُرادُ، ولِلنّاسِ احْتِجاجِيٌّ أيْ تُقامُ بِهِ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، ومِنَ المُحَقِّقِ أنَّ بَعْضَهم يُرادُ مِنهُ خِلافُ المَأْمُورِ بِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ، عَبَّرَ بِهِ لِيَعُمَّ المُنافِقِينَ ﴿اذْكُرُوا﴾ ورَغَّبَهم في الشُّكْرِ بِذِكْرِ الإحْسانِ والتَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ عَبَّرَ بِها لِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ والمُرادُ إنْعامُ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ لِتَشْكُرُوهُ عَلَيْها بِالنُّفُوذِ لِأمْرِهِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى خِلافِ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ، فَإنَّ اللَّهَ كافِيكم كُلَّ ما تَخافُونَ ثُمَّ ذَكَرَ لَهم وقْتَ تِلْكَ النِّعْمَةِ زِيادَةً في تَصْوِيرِها لِيَذْكُرَ لَهم ما كانَ فِيهِ مِنها فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿جاءَتْكُمْ﴾ [أيْ] في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ (p-٢٩٧)حِينَ اجْتَمَعَتْ عَلَيْكُمُ الأحْزابُ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ ضَرَبَهُ حِينَ سَمِعَ بِهِمْ بِمَشُورَةِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى جانِبَيْ سَلْعٍ مِن شَمالِيِّهِ، وخَطَّهُ وقَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةِ رِجالٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وكانُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، فَكانَ الخَنْدَقُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ ذِراعٍ ﴿جُنُودٌ﴾ وهُمُ الأحْزابُ مِن قُرَيْشٍ ومَنِ انْضَمَّ إلَيْهِ مِنَ الأحابِيشِ في أرْبَعَةِ آلافٍ يَقُودُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، ومَنِ انْضَمَّ مِن قَبائِلِ العَرَبِ مِن بَنِي سَلِيمٍ يَقُودُهم أبُو الأعْوَرِ، ومِن بَنِي عامِرٍ يَقُودُهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، ومِن غَطَفانَ يَقُودُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، ومِن بَنِي أسَدٍ يَقُودُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، ومِن أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ اليَهُودِ ومِن بَنِي النَّضِيرِ ورُؤُسائِهِمْ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وابْنا أبِي الحُقَيْقِ، وهُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا الأحْزابَ بِسَبَبِ إجْلاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَبَنِي النَّضِيرِ مِنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، وأفْسَدُوا أيْضًا بَنِي قُرَيْظَةَ، وكانُوا بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وسَيِّدُهم كَعْبُ بْنُ أسَدٍ، فَكانَ الجَمِيعُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وكانُوا واثِقِينَ في زَعْمِهِمْ بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ وقَدْ بَقِيَ لِلْإسْلامِ باقِيَةٌ، ولا يَكُونُ لِأحَدٍ مِن أهْلِهِ [مِنهُمْ] واقِيَةٌ.

ولَمّا كانَ مَجِيءُ الجُنُودِ مُرْهِبًا، سَبَّبَ عَنْهُ عُودَهُ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا﴾ أيْ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنّا لَمّا رَأيْنا عَجْزَكم عَنْ مُقابَلَتِهِمْ ومُقاوَمَتِهِمْ في مُقاتَلَتِهِمْ ألْهَمْناكم عَمَلَ الخَنْدَقِ لِيَمْنَعَهم مِن سُهُولَةِ الوُصُولِ (p-٢٩٨)إلَيْكُمْ، ثُمَّ لَمّا طالَ مُقامُهم أرْسَلَنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿رِيحًا﴾ وهي رِيحُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم.

وأكْفَأتْ قُدُورَهم وجِفانَهُمْ، وسَفَّتِ التُّرابَ في وُجُوهِهِمْ، ورَمَتْهم بِالحِجارَةِ وهَدَّتْ خِيامَهُمْ، وأوْهَنَتْ بِبَرْدِها عِظامَهُمْ، وأجالَتْ خَيْلَهم ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً وقَلْبِيَّةً، مِنها مِنَ البَشَرِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الغَطَفانِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ، «فَأتى النَّبِيَّ ﷺ وقالَ: إنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أحَدٌ بِإسْلامِي، فَمُرْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ بِأمْرِكَ! فَقالَ: ”إنَّما أنْتَ فِينا رَجُلٌ واحِدٌ والحَرْبُ خُدْعَةٌ، فَخَذِّلْ عَنّا مَهْما اسْتَطَعْتَ“ فَأخْلَفَ بَيْنَ اليَهُودِ وبَيْنَ العَرَبِ بِأنْ قالَ لِلْيَهُودِ وكانُوا أصْحابَهُ: إنَّ هَؤُلاءِ - يَعْنِي العَرَبَ - إنْ رَأوْا فُرْصَةً انْتَهَزُوها وإلّا انْشَمَرُوا إلى بِلادِهِمْ راجِعِينَ. ولَيْسَ حالُكم كَحالِهِمْ، البَلَدُ بَلَدُكم وبِهِ أمْوالُكم ونِساؤُكم وأبْناؤُكُمْ، فَلا تُقاتِلُوا مَعَهم حَتّى تَأْخُذُوا مِنهم رَهْنًا مِن أشْرافِهِمْ لِيَكُونُوا عِنْدَكم حَتّى تُناجِزُوا الرَّجُلَ، فَإنَّهُ لَيْسَ لَكم بَعْدُ طاقَةٌ إذا انْفَرَدَ بِكُمْ، فَقالُوا: أشَرْتَ بِالرَّأْيِ، فَقالَ: فاكْتُمُوا عَنِّي، وقالَ لِقُرَيْشٍ: قَدْ عَلِمْتُمْ صُحْبَتِي لَكم وفِراقِي لِمُحَمَّدٍ، وقَدْ سَمِعْتُ أمْرًا ما أظُنُّ أنَّكم تَتَّهِمُونَنِي فِيهِ، فَقالُوا: ما أنْتَ عِنْدَنا بِمُتَّهَمٍ، قالَ: فاكْتُمُوا عَنِّي، قالُوا: نَفْعَلُ، قالَ: إنَّ اليَهُودَ (p-٢٩٩)قَدْ نَدِمُوا عَلى نَقْضِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ مُحَمَّدٍ وأرْسَلُوا إلَيْهِ: إنّا قَدْ نَدِمْنا فَهَلْ يَنْفَعُنا [عِنْدَكَ] أنْ نَأْخُذَ لَكَ مِنَ القَوْمِ جَماعَةً مِن أشْرافِهِمْ تَضْرِبُ أعْناقَهُمْ، ونَكُونُ مَعَكَ عَلى بَقِيَّتِهِمْ، حَتّى تَفْرُغَ [مِنهُمْ] لِتَكُفَّ عَنّا. وتُعِيدَ لَنا الأمانَ، قالَ: نَعَمْ، فَإنْ أرْسَلُوا إلَيْكم فَلا تَدْفَعُوا إلَيْهِمْ رَجُلًا واحِدًا، ثُمَّ أتى غَطَفانَ فَقالَ: إنَّكم أصْلِي وعَشِيرَتِي وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، قالُوا: صَدَقْتَ، ثُمَّ قالَ لَهم مِثْلَ ما قالَ لِقُرَيْشٍ واسْتَكْتَمَهُمْ، فَأرْسَلَتْ إلَيْهِمْ قُرَيْظَةُ يَطْلُبُونَ مِنهم رَهْنًا فَقالُوا: صَدَقَ نُعَيْمٌ، وأبَوْا أنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِمْ أحَدًا، فَقالَتْ قُرَيْظَةُ: صَدَقَ نُعَيْمٌ، فَتَخاذَلُوا واخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ، فانْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُمْ، وبَرُدَتْ حِدَّتُهُمْ،» ومِنها مِنَ المَلائِكَةِ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن أرادَ اللَّهُ مِنهم - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ، فَكَبَّرُوا في نَواحِي عَسْكَرِهِمْ، وزَلْزَلُوا [بِهِمْ،] وبَثُّوا الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَماجَتْ خُيُولُهُمْ، واضْمَحَلَّ قالُهم وقِيلُهُمْ، فَكانَ في ذَلِكَ رَحِيلُهُمْ، بَعْدَ نَحْوِ أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ بِضْعٍ وعِشْرِينَ - عَلى ما قِيلَ.

ولَمّا أجْمَلَ سُبْحانَهُ القِصَّةَ عَلى طُولِها في بَعْضِ هَذِهِ الآيَةِ، فَصَّلَها فَقالَ [ذاكِرًا الِاسْمَ الأعْظَمَ إشارَةً إلى أنَّ ما وقَعَ فِيها كانَ مُعْتَنًى بِهِ (p-٣٠٠)اعْتِناءً مِن بَذْلِ جَمِيعِ الجُهْدِ وإنْ كانَ الكُلُّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ يَسِيرًا:] ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ والجَمالِ ”بِما يَعْمَلُونَ“ أيِ الأحْزابِ مِنَ التَّحَزُّبِ والتَّجَمُّعِ والتَّألُّبِ والمَكْرِ والقَصْدِ السَّيِّئِ - عَلى قِراءَةِ البَصْرِيِّ، وأنْتُمْ أيُّها المُسْلِمُونَ مَن حَفَرَ الخَنْدَقَ وغَيْرَهُ مِنَ الصِّدْقِ في الإيمانِ [وغَيْرِهِ] عَلى قِراءَةِ الباقِينَ ﴿بَصِيرًا﴾ بالِغُ الإبْصارِ والعِلْمِ، فَدَبَّرَ في هَذِهِ الحَرْبِ ما كانَ المُسْلِمُونَ بِهِ الأعْلَيْنَ ولَمْ يَنْفَعْ أهْلَ الشِّرْكِ قَوَّتُهُمْ، ولا أغْنَتْ عَنْهم كَثْرَتُهُمْ، ولا ضَرَّ المُؤْمِنِينَ قِلَّتُهُمْ، وجَعَلْنا ذَلِكَ سَبَبًا لِإغْنائِهِمْ بِأمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ ونِسائِهِمْ وأبْنائِهِمْ وشِفاءً لِأدَوائِهِمْ بِإراقَةِ دِمائِهِمْ - كَما سَيَأْتِي؛

33:10Page 419

إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠

[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.

ثُمَّ ذَكَّرَهُمُ الشِّدَّةَ الَّتِي حَصَلَتْ بِتَمالُئِهِمْ فَقالَ مُبْدِلًا مِن ﴿إذْ﴾ الأُولى: ﴿إذْ جاءُوكُمْ﴾ أيِ الجُنُودُ المَذْكُورُونَ بادِئًا بِالأقْرَبِ إلَيْهِمْ، لِأنَّ الأقْرَبَ أبْصَرُ بِالعَوْرَةِ وأخْبَرَ بِالمَضَرَّةِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لَمْ يُطَبِّقُوا ما عَلا وما سَفَلَ، أدْخَلَ أداةَ التَّبْعِيضِ فَقالَ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ وأسَدَ وغَطَفانَ مِن ناحِيَةِ مَصَبِّ السُّيُولِ مِنَ المَشْرِقِ، وأضافَ الفَوْقَ إلى ضَمِيرِهِمْ لِأنَّ العِيالَ كانُوا في الآكامِ، وهي بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَيْنَ مَن في الخَنْدَقِ، فَصارُوا (p-٣٠١)فَوْقَ العِيالِ والرِّجالِ.

ولَمّا كانَ المُرادُ الفَوْقِيَّةَ مِن جِهَةِ عُلُوِّ الأرْضِ، أوْضَحَها بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: أسْفَلِكُمْ، وأفادَ ذَلِكَ أيْضًا مَن في أسْفَلِ إنَّما أحاطُوا بِبَعْضِ جِهَةِ الرِّجالِ [فَقَطْ،] ولَمْ يَقُلْ ”ومِن تَحْتِكُمْ“ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ فَوْقَ الرُّؤُوسِ وتَحْتَ الأرْجُلِ، ولَمْ يَقُلْ في الأوَّلِ ”مِن أعْلى مِنكُمْ“ لِئَلّا يَكُونَ فِيهِ وصْفٌ لِلْكَفَرَةِ بِالعُلُوِّ، وأسْفَلُ الأرْضِ المَدِينَةُ مِن ناحِيَةِ المَغْرِبِ يَعْنِي قُرَيْشًا، ومَن لافَّها مِن كِنانَةَ فَإنَّ طَرِيقَهم مِن تِلْكَ الجِهَةِ.

ولَمّا ذَكَّرَهم بِالمَجِيءِ الَّذِي هو سَبَبُ الخَوْفِ، ذَكَّرَهم بِالخَوْفِ بِذِكْرِ ظَرْفِهِ أيْضًا مُفَخِّمًا لِأمْرِهِ بِالعَطْفِ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرُوا حِينَ، وأنَّثَ الفِعْلَ وما عَطَفَ عَلَيْهِ لِأنَّ التَّذْكِيرَ الَّذِي يَدُورُ مَعْناهُ عَلى القُوَّةِ والعُلُوِّ والصَّلابَةِ يُنافِي الزَّيْغَ فَقالَ: ﴿زاغَتِ الأبْصارُ﴾ أيْ مالَتْ عَنْ سَدادِ القَصْدِ فِعْلَ الوالِهِ الجَزِعِ بِما حَصَلَ مِنَ الغَفْلَةِ النّاشِئَةِ عَنِ الدَّهْشَةِ الحاصِلَةِ مِنَ الرُّعْبِ، وقَطَعَ ذَلِكَ عَنِ الإضافَةِ إلى كافِ الخِطابِ إبْقاءً عَلَيْهِمْ وتَعْلِيمًا لِلْأدَبِ في المُخاطَبَةِ، وكَذا ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ﴾ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ والخَفَقانِ، ويَجُوزُ - وهو الأقْرَبُ - أنْ يَكُونَ ذَلِكَ (p-٣٠٢)حَقِيقَةً بِجَذْبِ الطِّحالِ والرِّئَةِ لَها عِنْدَ ذَلِكَ بِانْتِفاخِهِما إلى أعْلى الصَّدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ مُنْخَرُهُ أيْ رِئَتُهُ ﴿الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ، ومِن هَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِيما رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «شَرُّ ما في الإنْسانِ جُبْنٌ خالِعٌ» أيْ يَخْلَعُ القَلْبَ مِن مَكانِهِ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ عَمَّهم أوْ كادَ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ حالَةً عَرَضَتْ، ثُمَّ كانَ مِن أمْرِها أنَّها إمّا زالَتْ وثَبَتَتْ إلى انْقِضاءِ الأمْرِ، عَبَّرَ عَنْها بِالماضِي لِذَلِكَ وتَحْقِيقًا لَها ولَمّا نَشَأ عَنْها تَقَلًُّبُ القُلُوبِ وتَجَدُّدُ ذَهابِ الأفْكارِ كُلَّ مَذْهَبٍ، عَبَّرَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى دَوامِ التَّجَدُّدِ فَقالَ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَلا يُلِمُّ نَقْصٌ ما بِساحَةِ عَظَمَتِهِ، ولا يَدْنُو شَيْءٌ مِن شَيْنٍ إلى جَنابٍ عِزَّتِهِ ﴿الظُّنُونا﴾ أيَّ أنْواعِ الظَّنِّ إمّا بِالنِّسْبَةِ [إلى الأشْخاصِ فَواضِحٌ، وذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ الإيمانِ وضَعْفِهِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ إلى] الشَّخْصِ الواحِدِ فَحَسَبَ تَغَيُّرِ الأحْوالِ، فَتارَةً يُظَنُّ الهَلاكُ لِلضَّعْفِ، وتارَةً النَّجاةُ لِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ويَظُنُّ المُنافِقُونَ ومَن قارَبَهم مِن ضُعَفاءِ القُلُوبِ ما حَكى [اللَّهُ] عَنْهُمْ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: [و] يُرْوى أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: بَلَغَتِ [القُلُوبُ] الحَناجِرَ، فَهَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُ؟ (p-٣٠٣)فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:

«اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا» وزِيادَةُ الألِفِ في قِراءَةِ مَن أثْبَتَها في الحالَيْنِ وهُمُ المُدَنِيّانِ وابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ إشارَةً إلى اتِّساعِ هَذِهِ الأفْكارِ، وتَشَعُّبِ تِلْكَ الخَواطِرِ، وعِنْدَ مَن أثْبَتَها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ إشارَةً إلى اخْتِلافِ الحالِ تارَةً بِالقُوَّةِ وتارَةً بِالضَّعْفِ.

33:11Page 419

هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١

There the believers were tested and shaken with a severe shaking.

ولَمّا كانَتِ الشِّدَّةُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هي لِلثّابِتِ لِأنَّهُ ما عِنْدَهُ إلّا الهَلاكُ أوِ النُّصْرَةُ، وأمّا المُنافِقُ فَيُلْقِي السَّلَمَ ويَدْخُلُ دارَهُ الذُّلُّ بِالمُوافَقَةِ عَلى جَمِيعِ ما يُرادُ مِنهُ، تَرْجَمَ حالَ المُؤْمِنِينَ قاصِرًا الخِطابَ عَلى الرَّأْسِ لِئَلّا يَدْخُلَ في مَضْمُونِ الخَبَرِ إعْلامًا بِأنَّ مَنصِبَهُ الشَّرِيفَ أجَلُّ مِن أنْ يُبْتَلى فَقالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في [ذَلِكَ] الوَقْتِ العَظِيمِ البَعِيدِ الرُّتْبَةِ ﴿ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ خُولِطَ الرّاسِخُونَ في الإيمانِ بِما شَأْنُهُ أنْ يُحِيلَ ما خالَطَهُ ويُمِيلَهُ، وبَناهُ لِلْمَجْهُولِ لَمّا كانَ المَقْصُودُ إنَّما هو مَعْرِفَةُ المُخْلِصِ مِن غَيْرِهِ، مَعَ العِلْمٍ بِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هو الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، ولَمْ يُؤَكِّدِ الِابْتِلاءَ بِالشِّدَّةِ لِدَلالَةِ الِافْتِعالِ عَلَيْها، وصُرِفَ الكَلامُ عَنِ الخِطابِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن فَوائِدِهِ، وعَبَّرَ بِالوَصْفِ لِيَخُصَّ الرّاسِخِينَ فَقالَ: ﴿وزُلْزِلُوا﴾ أيْ حُرِّكُوا ودُفِعُوا وأُقْلِقُوا وأُزْعِجُوا بِما يَرَوْنَ مِنَ الأهْوالِ بِتَظافُرِ الأعْداءِ مَعَ الكَثْرَةِ، وتَطايُرِ الأراجِيفِ ﴿زِلْزالا شَدِيدًا﴾ فَثَبَتُوا (p-٣٠٤)بِتَثْبِيتِ اللَّهِ لَهم عَلى عَهْدِهِمْ.

33:12Page 419

وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢

And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"

ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ الحالَ المُزَلْزِلَ لَهم كانَ في غايَةِ الهَوْلِ، أشارَ إلى أنَّهم لَمْ يُزَلْزِلْهم بِأنْ حَكى أقْوالَ المُزَلْزِلِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ أقْوالَهم وسَيَذْكُرُها بَعْدُ لِيَكُونَ الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِالثَّباتِ مَعَ عَظِيمِ الزِّلْزالِ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ إشارَةً وعِبارَةً، فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ وأشارَ إلى تَكْرِيرِهِمْ لِدَلِيلِ النِّفاقِ بِالمُضارِعِ فَقالَ: ﴿يَقُولُ﴾ أيْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ﴿المُنافِقُونَ﴾ أيِ الرّاسِخُونَ في النِّفاقِ، لِأنَّ قُلُوبَهم مَرِيضَةٌ مَلْأى مَرْضًا ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ مِن أمْراضِ الِاعْتِقادِ بِحَيْثُ أضْعَّفَها في الِاعْتِقادِ والثَّباتِ في مَواطِنِ اللِّقاءِ وفي كُلِّ مَعْنًى جَلِيلٍ، فَهم بِحَيْثُ لَمْ يَصِلُوا إلى الجَزْمِ بِالنِّفاقِ ولا الإخْلاصِ في الإيمانِ، بَلْ هم عَلى حَرْفٍ فَعِنْدَهم نَوْعُ النِّفاقِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ النِّفاقِ أوَّلًا دالٌّ عَلَيْهِ ثانِيًا، وذِكْرُ المَرَضَ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلَيْهِ أوَّلًا، [وهَذا الَّذِي قُلْتُهُ في القُلُوبِ مُوافِقٌ لِما ذَكَرَهُ الإمامُ السَّهَرْوَرْدِيُّ في البابِ السّادِسِ والخَمْسِينَ مِن عَوارِفِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «القُلُوبُ أرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أجْرَدُ فِيهِ سِراجٌ يَزْهُو، فَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ، وقَلْبٌ أسْوَدُ مَنكُوسٌ، فَذَلِكَ قَلْبُ الكافِرِ، وقَلْبٌ مَرْبُوطٌ عَلى غِلافٍ، فَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ، وقَلْبٌ مُصْفَحٌ فِيهِ إيمانٌ ونِفاقٌ، فَمَثَلُ الإيمانِ فِيهِ كَمَثَلِ البَقْلَةِ يَمُدُّها الماءُ (p-٣٠٥)الطَّيِّبُ، ومَثَلُ النِّفاقِ فِيهِ كَمَثَلِ القُرْحَةِ يَمُدُّها القَيْحُ والصَّدِيدُ، فَأيُّ المَدَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ حُكِمَ لَهُ بِها» ورَوى هَذا الحَدِيثَ الغَزالِيُّ في أواخِرِ كِتابِ قَواعِدِ العَقائِدِ مِنَ الإحْياءِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وقالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدَّيْنِ العِراقِيُّ: أخْرَجَهُ أحْمَدُ.]

ولَمّا كانَ المُكَذِّبُ لَهم بِتَصْدِيقِ وعْدِ اللَّهِ - ولِلَّهِ الحَمْدُ - كَثِيرًا، أكَّدُوا قَوْلَهم وذَكَرُوا الِاسْمَ [الأعْظَمَ] وأضافُوا الرَّسُولَ إلَيْهِ فَقالُوا: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ﴾ الَّذِي ذَكَرَ [لَنا] أنَّهُ مُحِيطُ الجَلالِ والجَمالِ ﴿ورَسُولُهُ﴾ أيِ الَّذِي قالَ مَن قالَ مِن قَوْمِنا: إنَّهُ رَسُولٌ، اسْتِهْزاءً مِنهُمْ، وإقامَةً لِلدَّلِيلِ في زَعْمِهِمْ لِهَذا البَلاءِ عَلى بُطْلانِ تِلْكَ الدَّعْوى ﴿إلا غُرُورًا﴾ أيْ باطِلًا اسْتَدْرَجَنا بِهِ إلى الِانْسِلاخِ عَمّا كُنّا عَلَيْهِ مِن دِينِ آبائِنا وإلى الثَّباتِ عَلى ما صِرْنا إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ الِانْسِلاخِ بِما وعَدَنا بِهِ مِن ظُهُورِ [هَذا الدِّينِ عَلى] الدِّينِ كُلِّهِ، والتَّمْكِينِ في البِلادِ حَتّى في حَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ قالَ: إنَّهُ أبْصَرَ بِما بَرَقَ لَهُ في ضَرْبِهِ لِصَخْرَةِ سَلْمانَ مَدِينَةَ صَنْعاءَ مِنَ اليَمَنِ وقُصُورَ كِسْرى بِالحَيْرَةِ مِن أرْضِ فارِسَ، وقُصُورَ الشّامِ مِن أرْضِ الرُّومِ، وإنَّ تابِعَيْهِ سَيَظْهَرُونَ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ في جَمِيعِ ذَلِكَ حَتّى في لُبْسِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ ابْنِ (p-٣٠٦)جَعْشَمٍ سِوارى كِسْرى بْنِ هُرْمُزَ كَما هو مَذْكُورٌ مُسْتَوْفًى في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ، وكَذَبُوا في شَكِّهِمْ.

فَفازَ المُصَدِّقُونَ، وخابَ الَّذِينَ هم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском