Al-Biqa'iAl‑Fath · 48:1–5

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الفتح

Al-Fath

The Victory · Medinan · 29 ayahs

48:1Page 511

إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا ١

Indeed, We have given you, [O Muḥammad], a clear conquest1

(p-٢٧٣)سُورَةُ الفَتْحِ

مَقْصُودُها مَدْلُولُ اسْمِها الَّذِي يَعُمُّ فَتْحَ مَكَّةَ وما تَقَدَّمَهُ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وفَتْحِ خَيْبَرَ ونَحْوِهِما، وما وقَعَ تَصْدِيقُ الخَبَرِ بِهِ مِن غَلْبِ الرُّومِ عَلى أهْلِ فارِسَ وما تَفَرَّعَ مِن فَتْحِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ مِن إسْلامِ أهْلِ جَزِيرَةِ العَرَبِ وقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ وفُتُوحِ جَمِيعِ البِلادِ الَّذِي يَجْمَعُهُ كُلَّهُ إظْهارُ الدِّينِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وهَذا كُلُّهُ في غايَةِ الظُّهُورِ بِما نَطَقَ ابْتِداؤُها وأثْناؤُها في مَواضِعَ مِنها ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] الآيَةَ. وانْتِهاؤُها: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] أيْ: بِالفَتْحِ الأعْظَمِ وما دُونَهُ مِنَ الفُتُوحاتِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: ٢٩] كَما كانَ في أوَّلِها لِلرَّسُولِ ﷺ ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] كَذَلِكَ بِسائِرِ الفُتُوحاتِ وما حَوَتْ مِنَ الغَنائِمِ لِلثَّوابِ الجَزِيلِ عَلى ذَلِكَ في دارِ الجَزاءِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّ المُكَلَّفِينَ بِنِعْمَةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي اخْتَصَّ أهْلَ حِزْبِهِ لِإقامَةِ دِينِهِ الحَقِّ فَأظْهَرَهم عَلى سائِرِ العَبِيدِ.

* *

لَمّا كانَتْ تِلْكَ سُورَةَ الجِهادِ وكانَتْ هَذِهِ سُورَةَ الفَتْحِ بِشارَةً (p-٢٧٤)لِلْمُجاهِدِينَ مِن أهْلِ هَذا الدِّينُ بِالفَوْزِ والنَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى كُلِّ مَن كَفَرَ، وهَذا كَما سَيَأْتِي مِن إيلاءِ سُورَةِ النَّصْرِ لِسُورَةِ الكافِرُونَ، فَأخْبَرَتِ القِتالُ عَنِ الكافِرِينَ بِإبْطالِ الأعْمالِ والتَّدْمِيرِ وإهْلاكِهِمْ بِالقِتالِ، وإفْسادِ جَمِيعِ الأحْوالِ، وعَنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِالهِدايَةِ وإصْلاحِ البالِ، وخَتْمِها بِالتَّحْرِيضِ عَلى مُجاهَدَتِهِمْ بَعْدَ أنْ ضَمِنَ لِمَن نَصَرَهُ مِنهُمُ النَّصْرَ وتَثْبِيتَ الأقْدامِ، وهَدَّدَ مَن أعْرَضَ بِاسْتِبْدالِ غَيْرِهِ بِهِ، وإنَّ ذَلِكَ البَدَلَ لا يَتَوَلّى عَنِ العَدُوِّ ولا يَنْكُلُ عَنْهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُحَتِّمًا لِسُفُولِ الكُفْرِ وعُلُوِّ الإيمانِ، وذَلِكَ بِعَيْنِهِ هو الفَتْحُ المُبِينُ، [فافْتَتَحَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ النَّتِيجَةِ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا إعْلامًا بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ وأنَّهُ] مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُؤَكَّدَ لِابْتِهاجِ النُّفُوسِ الفاضِلَةِ بِهِ، وتَكْذِيبِ مَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ وهم أغْلَبُ النّاسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

﴿إنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تَثْبُتُ لَها الجِبالُ ﴿فَتَحْنا﴾ أيْ: أوْقَعْنا الفَتْحَ المُناسِبَ لِعَظَمَتِنا لِكُلِّ مُتَعَلِّقٍ بِإتْقانِ الأسْبابِ المُنْتِجَةِ لَهُ مِن غَيْرِ شَكٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي.

ولَمّا كانَتْ مَنفَعَةُ ذَلِكَ لَهُ ﷺ لِأنَّ إعْلاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ يَكُونُ بِهِ فَيُعْلِيهِ ويَمْتَلِئُ الأرْضُ مِن أمْنِهِ، فَلا يَعْمَلُ مِنهم أحَدٌ حَسَنَةً (p-٢٧٥)إلّا كانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِها ويَكُونُونَ عَلى قِصَرِ زَمَنِهِمْ ثُلْثَيْ أهْلِ الجَنَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شَرَفًا لَهُ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ، الَّتِي يَعْيا دُونَ أيْسَرِها الكُفّارُ، قالَ: ﴿لَكَ﴾ أيْ: بِصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ الَّتِي نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في شَأْنِهِ، يَصْحَبانِ في الرُّجُوعِ مِنهُ إلى المَدِينَةِ المُشَرَّفَةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوا كَلامَهم فَرَأوْا ما لا أعْدَلَ مِنهُ ولا أحْسَنَ، فاسْتَوْلى الإسْلامُ عَلى قُلُوبِهِمْ وتَمَكَّنَ مِنهم [فَأسْلَمَ مِنهُمْ] في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وكَذا كانَ مِنَ الفَتْحِ تَقْوِيَةُ أمْرِهِ ﷺ بِالتَّصْدِيقِ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن سُورَةٍ مِن غَلْبِهِمْ عَلى أهْلِ فارِسَ في رِوايَةِ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ في زَمَنِ الحُدَيْبِيَةَ، ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَتْحًا﴾ وزادَ في إعْظامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُبِينًا﴾ أيْ: لا لَبْسَ فِيهِ عَلى أحَدٍ، بَلْ يَعْلَمُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ بِهِ أنَّكَ ظاهِرٌ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ لِأنَّكَ كُنْتَ وحْدَكَ، وكانَ عِنْدَ أهْلِ الكُفْرِ أنَّكَ في أيْدِيهِمْ، وأنَّ أمْرَكَ لا يَعْدُو فَمَكَ، فَتَبِعَكَ ناسٌ ضُعَفاءُ فَعَذَّبُوهم وكانُوا مَعَهم في أسْوَأِ الأحْوالِ، وتَقَرَّرَ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ مَدَدًا طِوالًا ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أنْقَذَ اللَّهُ أتْباعَكَ مِنهم بِالهِجْرَةِ إلى النَّجاشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا، وإلى (p-٢٧٦)المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ ثانِيًا، وهم مُطْمَئِنُّونَ بِأنَّكَ أنْتَ - وأنْتَ رَأْسُهم - لا يَنْتَظِمُ لَهم بِدُونِكَ أمْرٌ، ولا يَحْصُلُ لِكَسْرِهِمْ ما لَمْ تَكُنْ مَعَهم جَبْرٌ، بِأنَّكَ في قَبْضَتِهِمْ لا خَلاصَ لَكَ أبَدًا مِنهم ولا انْفِكاكَ مِن بَلْدَتِهِمْ، فاسْتَخْرَجَكَ اللَّهُ مِن عِنْدِهِمْ بَعْدَ أنْ حَماكَ عَلى خِلافِ القِياسِ وأنْتَ بَيْنُهم مِن أنْ يَقْتُلُوكَ، مَعَ اجْتِهادِهِمْ في ذَلِكَ واسْتِفْراغِهِمْ قُواهم في أذاكَ، ثُمَّ بَذَلُوا جُهْدَهم في مَنعِكَ مِنَ الهِجْرَةِ فَما قَدَرُوا، ثُمَّ [فِي] رَدِّكَ فَما أطاقُوا ولا فازُوا ولا ظَفِرُوا.

بَلْ غُلِبُوا وقُهِرُوا، ثُمَّ أيَّدَكَ بِأنْصارٍ أبْرارٍ أخْيارٍ فَكُنْتُمْ عَلى قِلَّتِكم كاللُّيُوثِ الكَواسِرِ والبِحارِ الزَّواخِرِ، ما مِلْتُمْ عَلى جِهَةٍ إلّا غَمَرْتُمُوها، وفُزْتُمْ بِالنَّصَفِ مِن أرْبابِها قَتَلْتُمُوها أوْ أسَرْتُمُوها ولَمْ تَزالُوا تَزْدادُونَ وتَقْوَوْنَ، وهم يَنْقُصُونَ ويَضْعُفُونَ، حَتّى أتَيْتُمُوهم في بِلادِهِمُ الَّتِي هم قاطِعُونَ بِأنَّهم مُلُوكُها، يَتَعَذَّرُ عَلى غَيْرِهِمْ غَلَبُهم عَلَيْها بَلْ سُلُوكُها، فَما دافَعُوكم عَنْ دُخُولٍ عَلَيْهِمْ إلّا بِالرّاحِ، وسَألُوكم في وضْعِ الحَرْبِ لِلدَّعَةِ والإصْلاحِ، فَقَدْ ظَهَرَتْ أعْلامُ الفَتْحِ أتَمَّ ظُهُورٍ، وعَلِمَ أرْبابُ القُلُوبِ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ في امْتِطائِكُمُ الذُّرى وسُمُوِّكم إلى رُتَبِ المَعالِي (p-٢٧٧)وأيِّ أُمُورٍ، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ [عَنْ] مَجْمَعِ بْنِ جارِيَةَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «شَهِدْنا الحُدَيْبِيَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا انْصَرَفْنا مِنها إذا النّاسُ يَهُزُّونَ الأباعِرَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: ما بالُ النّاسِ؟ قالُوا: أُوحِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: فَخَرَجْنا نُوجِفُ، فَوَجَدْنا النَّبِيَّ ﷺ واقِفًا عَلى راحِلَتِهِ [عِنْدَ كُراعِ] الغَمِيمِ، فَلَمّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النّاسُ قَرَأ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أوَفَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «نَعَمْ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ»».

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ارْتِباطُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالَّتِي قَبْلَها واضِحٌ مِن جِهاتٍ - وقَدْ يَغْمُضُ بَعْضُها - مِنها أنَّ سُورَةَ القِتالِ لَمّا أُمِرُوا فِيها بِقِتالِ عَدُوِّهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] الآيَةَ. وأُشْعِرُوا بِالمَعُونَةِ عِنْدَ وُقُوعِ الصِّدْقِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] اسْتَدْعى ذَلِكَ تَشَوُّفَ النُّفُوسِ إلى حالَةِ العاقِبَةِ فَعَرَفُوا ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآياتِ. فَعَرَّفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِعَظِيمِ صُنْعِهِ لَهُ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِشارَةَ المُؤْمِنِينَ العامَّةَ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] - الآياتِ. والتَحَمَتْ إلى التَّعْرِيفِ بِحالِ مَن نَكَثَ مِن مُبايَعَتِهِ صَلّى اللَّهُ (p-٢٧٨)عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحُكْمِ المُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ، والحَضِّ عَلى الجِهادِ، وبَيانِ حالِ ذَوِي الأعْذارِ، وعَظِيمِ نِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ بَيْعَتِهِ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] وأثابَهُمُ الفَتْحَ وأخْذَ المَغانِمِ وبِشارَتَهم بِفَتْحِ مَكَّةَ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] إلى ما ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وذَكَّرَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ما تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ، ووَجْهٌ آخَرُ [و] هو أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ القِتالِ: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] كانَ هَذا إجْمالًا في عَظِيمِ ما مَنَحَهم وجَلِيلِ ما أعْطاهُمْ، فَتَضَمَّنَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ تَفْسِيرَ هَذا الإجْمالِ وبَسْطَهُ، وهَذا يَسْتَدْعِي مِن بَسْطِ الكَلامِ ما لَمْ تَعْتَمِدْهُ في هَذا التَّعْلِيقِ، وهو بَعْدُ مَفْهُومٌ مِمّا سَبَقَ مِنَ الإشاراتِ في الوَجْهِ الأوَّلِ، ووَجْهٌ آخَرُ مِمّا يَغْمُضُ وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] إشارَةٌ إلى مَن يَدْخُلُ في مِلَّةِ الإسْلامِ مِنَ الفُرْسِ وغَيْرِهِمْ عِنْدَ تَوَلِّي العَرَبِ، وقَدْ أشارَ أيْضًا إلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] الآياتِ. وأشارَ إلى ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذا»، وعَقَدَ السَّبّابَةَ بِالإبْهامِ، أشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٢٧٩)إلى تَوَلِّي العَرَبِ واسْتِيلاءِ غَيْرِهِمُ الواقِعِ في الآيَتَيْنِ، وإنَّما أشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: ”اليَوْمَ“ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وفُرِّغَ هَذا الأمْرُ إلى أيّامِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ، فَغَلَبَتِ الفُرْسُ والأكْرادُ وأهْلُ الصِّينِ وصِينِ الصِّينِ -وهُوَ ما يَلِي يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ- وكانَ فَتْحًا وعِزًّا وظُهُورًا لِكَلِمَةِ الإسْلامِ، وغَلَبَ هَؤُلاءِ في الخُطَطِ والتَّدْبِيرِ الإمارِيِّ وسادُوا غَيْرَهُمْ، ولِهَذا جَعَلَ ﷺ مَجِيئَهم فَتْحًا فَقالَ: «فُتِحَ اليَوْمَ». ولَوْ أرادَ غَيْرَ هَذا لَمْ يُعَبِّرْ بِ: ”فُتِحَ“، ألا تَرى قَوْلَ عَمَرَ لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في حَدِيثِ الفِتَنِ حِينَ قالَ لَهُ: ”إنَّ بَيْنَكَ وبَيْنَها بابًا مُغْلَقًا“ فَقالَ عُمَرُ: أيُفْتَحُ ذَلِكَ البابُ أمْ يُكْسَرُ؟ فَقالَ: بَلْ يُكْسَرُ. فَفَرْقٌ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وإنَّما أشارَ إلى قَتْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولِذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”فُتِحَ“ وقالَ: «"مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ» وأرادَ مِن نَحْوِهِمْ وجِهَتِهِمْ وأقالِيمِهِمْ؛ لِأنَّ الفُرْسَ ومَن أتى مَعَهم هم أهْلُ الجِهاتِ الَّتِي تَلِي الرَّدْمَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] (p-٢٨٠)إشارَةً إلى غَلَبَةِ مَن ذَكَرْنا وانْتِشارِهِمْ في الوِلاياتِ والخُطَطِ الدِّينِيَّةِ والمَناصِبِ العِلْمِيَّةِ. ولَمّا كانَ هَذا مِن قَبْلِ أنْ يُوَضَّحَ أمْرُهُ يُوهِمُ نَقْصًا وخَطَأً، بَيَّنَ أنَّهُ تَجْدِيدُ فَتْحٍ وإعْزازٌ مِنهُ تَعالى لِكَلِمَةِ الإسْلامِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآياتِ. ذَكَرَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في تَلْخِيصِ التَّلْخِيصِ عُلَماءَ المالِكِيَّةِ مُشِيرًا إلى تَفاوُتِ دَرَجاتِهِمْ ثُمَّ قالَ: وأمْضاهم في النَّظَرِ عَزِيمَةً وأقْواهم فِيهِ شَكِيمَةً أهْلُ خُراسانَ: العَجَمُ أنْسابًا وبُلْدانًا، العَرَبُ عَقائِدَ وإيمانًا، الَّذِينَ يُنْجَزُ فِيهِمْ وعْدُ الصّادِقِ المَصْدُوقِ، ومَلَّكَهُمُ اللَّهُ مَقالِيدَ التَّحْقِيقِ حِينَ أعْرَضَتِ العَرَبُ عَنِ العُلُومِ وتَوَلَّتْ عَنْها، وأقْبَلَتْ عَلى الدُّنْيا واسْتَوْثَقَتْ مِنها، «قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فَأشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى سَلْمانَ وقالَ: «لَوْ كانَ الإيمانُ في الثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ»». انْتَهى.

48:2Page 511

لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢

That Allāh may forgive for you what preceded of your sin [i.e., errors] and what will follow and complete His favor upon you and guide you to a straight path

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِالفَتْحِ عَقِبَ سُورَةِ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ بِشارَةً بِظُهُورِ أهْلِ هَذا الدِّينِ وإدْبارِ الكافِرِينَ - كَما سَيَأْتِي في إيلاءِ سُورَةِ النَّصْرِ بِسُورَةِ الكافِرِينَ - لِذَلِكَ عَلَّلَ [الفَتْحَ] بِالمَغْفِرَةِ وما بَعْدَها رَمْزًا إلى وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ - بِرُوحِي هو وأبِي وأُمِّي - وإيماءً إلى أنَّ المُرادَ مِن إخْراجِهِ إلى دارِ الفَناءِ إنَّما [هُوَ] إظْهارُ الدِّينِ (p-٢٨١)القَيِّمِ وإزْهاقُ الباطِلِ لِتَعْلُوَ دَرَجَتُهُ وتَعْظُمَ رِفْعَتُهُ، فَعِنْدَ حُصُولِ الفَتْحِ ثُمَّ المُرادُ كَما كانَتْ سُورَةُ [النَّصْرِ] الوالِيَةُ لِلْكافِرِينَ رامِزَةً إلى ذَلِكَ كَما هو مَشْهُورٌ ومَذْكُورٌ ومَسْطُورٌ، فالفَتْحُ الَّذِي هو أحَدُ العَلاماتِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ كَما في سُورَةِ النَّصْرِ عَلى جَمِيعِ المُناوِينَ، الَّذِي هو السَّبَبُ الأعْظَمُ في ظُهُورِ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ الَّذِي هو العَلامَةُ العُظْمى عَلى اقْتِرابِ أجَلِهِ - نَفْسِي فَداؤُهُ، وإنْسانُ عَيْنِي مِن كُلِّ سُوءٍ وِقاؤُهُ - فَقالَ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ مُشِيرًا بِالِانْتِقالِ مِن أُسْلُوبِ العَظَمَةِ بِالنُّونِ إلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ المُشِيرِ إلى غايَةِ الكِبْرِياءِ بِالإسْنادِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ إلى أنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ بِحَسْبِ إحاطَةِ هَذا الِاسْمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى: ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ أيِ: الَّذِي تَقَدَّمَ في القِتالِ أمْرُكَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُ وهو مِمّا يَنْتَقِلُ بِهِ مِن مَقامٍ كامِلٍ إلى مَقامٍ فَوْقَهُ أكْمَلَ مِنهُ، فَتَراهُ بِالنِّسْبَةِ إلى أكْمَلِيَّةِ المَقامِ الثّانِي ذَنْبًا، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وما تَأخَّرَ﴾ قالَ الرّازِيُّ: المَغْفِرَةُ المُعْتَبَرَةُ لَها دَرَجاتٌ كَما أنَّ الذُّنُوبَ لَها دَرَجاتٌ ”حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ“ انْتَهى.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لِتُشاهِدَ المَغْفِرَةَ بِالنَّقْلَةِ إلَيْنا بَعْدَ عِلْمِ اليَقِينِ بِعَيْنِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ يَتَوَفّاهُ ﷺ عَقِبَ الفَتْحِ ودُخُولِ جَمِيعِ العَرَبِ الَّذِينَ (p-٢٨٢)يَفْتَتِحُونَ جَمِيعَ البِلادِ ويَهْدِي [اللَّهُ] بِهِمْ سائِرَ العِبادِ في دِينِهِ، ويَئِسَ الشَّيْطانُ مِن أنْ يُعْبُدَ في جَزِيرَتِهِمْ إلّا بِالمُحَقَّراتِ لِوُجُودِ المَقْصُودِ مِنَ امْتِلاءِ الأكْوانِ بِحَسَناتِهِ ﷺ، وعُمُومِ ما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُهُ المَذْكُورُ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مِن حَمْدِهِ تَعالى بِكَمالِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ بِبُلُوغِ أتْباعِهِ إلى حَدٍّ لا يُحْصَرُونَ فِيهِ بَعْدُ، ولا يَقِفُ لَهم مَخْلُوقٌ عَلى حَدٍّ.

ولَمّا كانَ تَمامُ النِّعْمَةِ يَتَحَقَّقُ بِشَيْئَيْنِ: إظْهارِ الدِّينِ والتَّقِلَّةِ إلى مُرافَقَةِ النَّبِيِّينَ، قالَ تَعالى مُخْبِرًا بِالشَّيْئَيْنِ: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بِنَقْلِكَ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ إلى عالَمِ الغَيْبِ، ومِن عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ إلى عالَمِ الثَّباتِ والصَّلاحِ، الَّذِي هو أخَصُّ بِحَضْرَتِهِ وأوْلى بِرَحْمَتِهِ وإظْهارِ أصْحابِكَ مِن بَعْدِكَ عَلى جَمِيعِ أهْلِ المِلَلِ، ويَدْحَضُونَ شُبَهَ الشَّيْطانِ، ويَدْمَغُونَ كُلَّ كُفْرانٍ، ويَنْشُرُونَ راياتِ الإيمانِ في جَمِيعِ البُلْدانِ، بَعْدَ إذْلالِ أهْلِ العُدْوانِ، ومَحْوِ كُلِّ طُغْيانٍ.

ولَمّا كانَتْ هِدايَتُهم مِن هِدايَتِهِ، أضافَها سُبْحانَهُ إلَيْهِ إعْلامًا لَهُ أنَّها هِدايَةٌ تَلِيقُ بِجانِبِهِ الشَّرِيفِ سُرُورًا لَهُ فَقالَ: ﴿ويَهْدِيَكَ﴾ أيْ: بِهِدايَةِ جَمِيعِ قَوْمِكَ ﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: واضِحًا جَلِيلًا جَلِيًّا مُوَصِّلًا إلى (p-٢٨٣)المُرادُ مِن كِتابٍ لا عِوَجَ فِيهِ بِوَجْهٍ، هِدايَةً تَقْتَضِي لُزُومَهُ والثَّباتَ عَلَيْهِ

48:3Page 511

وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا ٣

And [that] Allāh may aid you with a mighty victory.

﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ بِنَصْرِهِمْ عَلى مُلُوكِ الأُمَمِ وجَلائِهِمْ لِسائِرِ الغُمَمِ، نَصْرًا يَلِيقُ إسْنادُهُ إلى اسْمِهِ المُحِيطِ بِسائِرِ العِظَمِ ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أيْ: يَغْلِبُ المَنصُورُ بِهِ كُلَّ مَن ناواهُ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ مَعَ دَوامِهِ فَلا ذُلَّ بَعْدَهُ لِأنَّ الأُمَّةَ الَّتِي تُنْصِفُ بِهِ لا يَظْهَرُ عَلَيْها أحَدٌ، والدِّينُ الَّذِي قَضاهُ لِأجْلِهِ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ.

48:4Page 511

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٤

It is He who sent down tranquility into the hearts of the believers that they would increase in faith along with their [present] faith. And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth, and ever is Allāh Knowing and Wise.

ولَمّا كانَ ﷺ قَدْ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِرُؤْياهُ أنَّهُ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ، وعَزَّ عَلى العُمْرَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةَ، وخَرَجَ ﷺ وخَرَجَ مَعَهُ خُلاصَةُ أصْحابِهِ ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، فَكانُوا مُوقِنِينَ أنَّهم يَعْتَمِرُونَ في وجْهِهِمْ ذَلِكَ، وقَرَّ [ذَلِكَ] في صُدُورِهِمْ وأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ، فَصارَ نَزْعُهُ مِنها أشُقَّ شَيْءٍ يَكُونُ، قَصَدَهُمُ المُشْرِكُونَ بَعْدَ أنْ بَرَكَتْ ناقَتُهُ وصالَحَهم ﷺ عَلى أنْ يَرْجِعَ عَنْهم في ذَلِكَ العامِ ويَعْتَمِرَ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ القابِلِ، وكانَ ذَلِكَ - بَلْ أدْنى مِنهُ - مُزَلْزِلًا لِلِاعْتِقادِ مُطْرِقًا لِشَيْطانِ الوَسْوَسَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ مِثْلُهُ في الإسْراءِ ولَمْ يَكُنْ ﷺ أخْبَرَ بِما يُوهِمُ في أمْرِهِ فارْتَدَّ ناسٌ كَثِيرٌ بِسَبَبِهِ، قالَ تَعالى دالًّا عَلى النَّصْرِ بِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ في هَذا المَحَلِّ الضَّنْكِ إظْهارًا لِتَمامِ قُدْرَتِهِ ولَطِيفِ حِكْمَتِهِ: (p-٢٨٤)﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي أنْـزَلَ﴾ في يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ ﴿السَّكِينَةَ﴾ أيِ: الثَّباتَ عَلى الدِّينِ ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ وهم أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ أنْ دَهَمَهم فِيها ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُزْعِجَ النُّفُوسَ ويُزِيغَ القُلُوبَ مِن صَدِّ الكُفّارِ ورُجُوعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم دُونَ مَقْصُودِهِمْ، فَلَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهم عَنِ الإيمانِ بَعْدَ أنْ ماجَ النّاسُ وزُلْزِلُوا حَتّى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ أنَّهُ الفارُوقُ ومَعَ وصْفِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ بِأنَّهُ قَرْنٌ مِن حَدِيدٍ - فَما الظَّنُّ بِغَيْرِهِ في فَلْقِ نَفْسِهِ وتَزَلْزُلِ قَلْبِهِ، وكانَ لِلصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ القَدَمِ الثّابِتِ والأصْلِ الرّاسِخِ ما عُلِمَ بِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لا يُسابَقُ، ثُمَّ ثَبَّتَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ، قالَ الرّازِيُّ: والسَّكِينَةُ: الثِّقَةُ بِوَعْدِ اللَّهِ، والصَّبْرُ عَلى حُكْمِ اللَّهِ، بَلِ السَّكِينَةُ هَهُنا مُعَيَّنٌ بِجَمْعٍ فَوْزًا وقُوَّةً ورُوحًا، يَسْكُنُ إلَيْهِ الخائِفُ ويَتَسَلّى بِهِ الحَزِينُ، وأثَرُ هَذِهِ السَّكِينَةِ الوَقارُ والخُشُوعُ وظُهُورُ الحَزْمِ في الأُمُورِ. انْتَهى. وكُلُّ مَن رَسَخَ في الإيمانِ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ نَصِيبٌ؛ جَناهُ دانٍ.

ولَمّا أخْبَرَ بِما [لا] يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَزْدادُوا﴾ أيْ: بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ حِينَ قالَ لَهُمْ: إنَّهم لا بُدَّ أنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ ويَطُوفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ، وحَلَّهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ بِتَذَكُّرِهِمْ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ: إنَّهم (p-٢٨٥)يَدْخُلُونَ العامَ ﴿إيمانًا﴾ بِهَذا التَّصْدِيقِ بِالغَيْبِ مِن [أنَّ] صُلْحَهم لِلْكُفّارِ ورُجُوعَهم مِن [غَيْرِ] بُلُوغِ قَصْدِهِمْ هو عَيْنُ الفَتْحِ لِتَرَتُّبِ الصُّلْحِ عَلَيْهِ وتَرَتُّبِ فُشُوِّ الإسْلامِ عَلى الصُّلْحِ كَما كَشَفَ عَنْهُ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَقِيسُوا عَلَيْهِ غَيْرَهُ مِنَ الأوامِرِ ﴿مَعَ إيمانِهِمْ﴾ الثّابِتِ مِن قَبْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ، قالَ القُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: بِطُلُوعِ أقْمارِ اليَقِينِ عَلى نُجُومِ عِلْمِ اليَقِينِ، ثُمَّ بِطُلُوعِ شَمْسِ [حَقِّ] اليَقِينِ عَلى بَدْرِ عَيْنِ اليَقِينِ.

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ شَقِيٌّ مِن أخْذِ الأُمُورِ بِالتَّدْرِيجِ شَيْئًا في القُدْرَةِ قالَ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ نَصْرُهم في هَذِهِ العُمْرَةِ بِالقُوَّةِ ثُمَّ يَكُونُ عَنْ قَرِيبٍ بِالفِعْلِ والحالِ أنَّهُ لَهُ وحْدَهُ ﴿جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: جَمِيعُها، ومِنها السَّكِينَةُ، يُدَبِّرُهم بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وعَجِيبِ تَدْبِيرِهِ، فَلَوْ شاءَ لَنَصَرَ المُؤْمِنِينَ الآنَ بِالفِعْلِ، ودَمَّرَ عَلى أعْدائِهِمْ بِجُنُودٍ مِن جُنُودِهِ أوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ، لَكِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ النَّصْرُ بِكُمْ، فَيُعْلُوا أمْرُكم ويَعْظُمُ أجْرُكُمْ، ويَظْهَرَ الصّادِقُ في نَصْرِهِ مِنَ الكاذِبِ، فَإنَّ الدّارَ دارُ البَلاءِ، وبِناءُ المُسَبِّباتِ عَلى الأسْبابِ عَلى وجْهِ الأغْلَبِ فِيهِ الحِكْمَةُ، لا القَهْرُ وظُهُورُ الكَلِمَةِ، فاسْمُهُ الباطِنُ هو الظّاهِرُ في هَذِهِ الدّارِ، فَلِذَلِكَ تَرى المُسَبِّباتِ مَسْتُوراتٍ بِأسْبابِها، فَلا يَعْلَمُ الحَقائِقَ إلّا البُصَراءُ ألا تَرى أنَّهُ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ فَتَلاها (p-٢٨٦)عَلَيْهِمْ قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ وفَتْحٌ هُوَ؟ قالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدُّونا عَنِ البَيْتِ وصَدُّوا هَدْيَنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««بِئْسَ الكَلامُ هَذا، بَلْ هو أعْظَمُ الفَتْحِ، أما رَضِيتُمْ أنْ تَطْرُقُوهم في بِلادِهِمْ فَيَدْفَعُوكم عَنْها بِالرّاحِ ويَسْألُوكُمُ التَّضَيُّرَ ويَرْغَبُونَ إلَيْكم في الأمانِ وقَدْ رَأوْا مِنكم ما كَرِهُوا وأظْفَرَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَدَّكم سالِمِينَ مَأْجُورِينَ، فَهو أعْظَمُ الفُتُوحِ، أنَسِيتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إذْ تَصْعَدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ وأنا أدْعُوكم في أُخْراكُمْ، أنَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزابِ إذْ جاؤُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ"،» فَقالَ المُسْلِمُونَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فَهو أعْظَمُ الفُتُوحِ. واللَّهِ يا نَبِيَّ اللَّهِ ما فَكَّرْنا فِيما فَكَّرْتَ فِيهِ، لَأنْتَ أعْلَمُ بِاللَّهِ وأمْرِهِ مِنّا. وأنْزَلَ اللَّهُ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الرُّؤْيا لِمَن أشْكَلَ عَلَيْهِمْ حالُها: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] الآيَةَ. فَهَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها كَما تَرى راجِعَةً إلى الخَفاءِ بِالتَّعَجُّبِ في أسْتارِ الأسْبابِ، فَلا يُبْصِرُها إلّا أرْبابُ التَّدْقِيقِ في النَّظَرِ في حِكْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.

ولَمّا كانَ مَبْنى ما مَضى كُلِّهِ عَلى القُدْرَةِ بِأُمُورٍ خَفِيَّةٍ يَظْهَرُ مِنها (p-٢٨٧)مِنَ الضَّعْفِ غَيْرُ ما كَشَفَ عَنْهُ الزَّمانُ مِنَ القُوَّةِ، وكانَ تَمامُ القُدْرَةِ مُتَوَقِّفًا عَلى شُمُولِ العِلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَلِيمًا﴾ بِالذَّواتِ والمَعانِي ﴿حَكِيمًا﴾ في إتْقانِ ما يَصْنَعُ، فَرَدَّهُ لَهم عَنْ هَذِهِ العُمْرَةِ بَعْدَ أنْ دَبَّرَ أمْرَ الصُّلْحِ لِيَأْمَنَ النّاسُ فَيُداخِلُ بَعْضُهم بَعْضًا لِما عَلِمَ مِن أنَّهُ لا يَسْمَعُ القُرْآنَ أحَدٌ لَهُ عَقْلٌ مُسْتَقِيمٌ ويَرى ما عَلَيْهِ أهْلُهُ مِن شِدَّةِ الِاسْتِمْساكِ بِهِ والبُغْضِ لِما كانُوا فِيهِ مِن مُتابَعَةِ الآباءِ إلّا بادَرَ إلى المُتابَعَةِ ودَخَلَ في الدِّينِ بِرَغْبَةٍ، وأدْخَلَ سُبْحانَهُ خُزاعَةَ في صُلْحِ النَّبِيِّ ﷺ وبَنِي بَكْرٍ وهم أعْداؤُهم في صُلْحِ قُرَيْشٍ لِيَبْغُوا عَلَيْهِمْ فَتُعِينُهم قُرَيْشٌ الصُّلْحَ بَعْدَ أنْ كَثُرَتْ جُنُودُ اللَّهِ وعَزَّ ناصِرُ الدِّينِ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ بِهِمْ مَكَّةَ المُشَرَّفَةَ، فَتُنْشَرُ أعْلامُ الدِّينِ، وتَخْفِقُ ألْوِيَةُ النَّصْرِ المُبِينِ، ويَدْخُلُ النّاسُ في الدِّينِ أفْواجًا، فَيَظْهَرُ دِينُ الإسْلامِ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ.

48:5Page 511

لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٥

[And] that He may admit the believing men and the believing women to gardens beneath which rivers flow to abide therein eternally and remove from them their misdeeds - and ever is that, in the sight of Allāh, a great attainment –

ولَمّا دَلَّ عَلى الفَتْحِ بِالنَّصْرِ وما مَعَهُ، وعَلَّلَ الدِّينَ بِالسَّكِينَةِ، عَلَّلَ عِلَّةَ الدَّلِيلِ وهي ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ [الفتح: ٤] وعَلَّلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ مَلِكُ الجُنُودِ مِن تَدْبِيرِهِمْ وتَدْبِيرِ الأكْوانِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى زِيادَةً في السَّكِينَةِ: ﴿لِيُدْخِلَ﴾ أيْ: بِما أوْقَعَ في السَّكِينَةِ ﴿المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الَّذِينَ جَبَلَهم جِبِلَّةَ خَيْرٍ بِجِهادِ بَعْضِهِمْ ودُخُولِ بَعْضِهِمْ في الدِّينِ بِجِهادِ (p-٢٨٨)المُجاهِدِينَ، ولَوْ سَلَّطَ عَلى الكُفّارِ جُنُودَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ فَأهْلَكُوهم أوْ دَمَّرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ لَفاتَ دُخُولُ أكْثَرِهِمُ الجَنَّةَ، وهم مَن آمَنَ مِنهم بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ لا يَصِلُ إلى عُقُولِكم مِن وصْفِها إلّا ما تَعْرِفُونَهُ بِعُقُولِكم وإنْ كانَ الأمْرُ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ ﴿تَجْرِي﴾ ودَلَّ وقَرَّبَ وبَعَّضَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَأيُّ مَوْضِعٍ أرَدْتَ أنْ تَجْرِيَ مِنهُ نَهْرًا قَدَرْتَ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الماءَ قَرِيبٌ مِن وجْهِ الأرْضِ مَعَ صَلابَتِها وحُسْنِها. ولَمّا كانَ الماءُ لا يَطِيبُ إلّا بِالقَرارِ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: لا إلى آخِرَ.

ولَمّا كانَ السّامِعُ لِهَذا رُبَّما ظَنَّ أنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ بِاسْتِحْقاقٍ، قالَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا سَبَبَ إلّا رَحْمَتُهُ: ﴿ويُكَفِّرَ﴾ أيْ: يَسْتُرُ سَتْرًا بَلِيغًا شامِلًا ﴿عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الَّتِي لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ دارِ القُدْسِ قَبْلَ تَكْفِيرِها، بِسَبَبِ ما كانُوا مُتَلَبِّسِينَ بِهِ مِنها مِنَ الكُفْرِ وغَيْرِهِ، فَكانَ ذَلِكَ التَّكْفِيرُ سَبَبًا لِدُخُولِهِمُ الجَنَّةَ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ مِنَ الإدْخالِ والتَّكْفِيرِ المُهَيِّئِ لَهُ، وقَدَّمَ الظَّرْفَ تَعْظِيمًا لَها فَقالَ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (p-٢٨٩)يَمْلَأُ جَمِيعَ الجِهاتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском