Al-Biqa'iAl‑Bayyinah · 98:1–8

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

البينة

Al-Bayyinah

The Clear Proof · Medinan · 8 ayahs

98:1Page 598

لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ ١

Those who disbelieved among the People of the Scripture and the polytheists were not to be parted [from misbelief]1 until there came to them clear evidence –

(p-١٨٥)سُورَةُ لَمْ يَكُنْ وتُسَمّى القِيامَةُ والمُنْفَكِّينَ

مَقْصُودُها الإعْلامُ بِأنَّ هَذا الكِتابَ القَيِّمَ مِن عُلُوِّ مِقْدارِهِ وجَلِيلِ آثارِهِ أنَّهُ كَما أنَّهُ لِقَوْمِ نُورٌ وهُدًى فَهو لِآخَرِينَ وقَّرَ وعَمى، فَيَقُودُ إلى الجَنَّةِ دارِ الأبْرارِ، ويَسُوقُ إلّا النّارِ دارِ الأشْقِياءِ الفُجّارِ، وعَلى ذَلِكَ [دَلَّ] كُلُّ مِنَ أسْمائِها ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ ”والمُنْفَكِّينَ“ بِتَأمُّلِ الآيَةِ في انْقِسامِ النّاسِ إلى أهْلِ الشَّقاوَةِ وأهْلِ السَّعادَةِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ العُلُوُّ المُطْلَقُ فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ إيجادِهِ وبَيانِهِ جَمِيعَ عِبادِهِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أهْلَ وِدادِهِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ المُتَكَلِّفَةِ بِإنْجاءِ العامِلِ بِها وإسْعادِهِ.

* *

لَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ اللَّيْلَةَ الشَّرِيفَةَ الَّتِي صانَها بِنَوْعِ خَفاءٍ في تَنَزُّلِ مَن يَتَنَزَّلُ فِيها وفي تَعْيِينِها لا تَزالُ قائِمَةً عَلى ما لَها مِن تِلْكَ الصِّفَةِ حَتّى يَأْتِيَ الفَجْرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ غايَةَ البَيانِ، أخْبَرَ أنَّ أهْلَ الأدْيانِ سَواءٌ كانَ لَها أصْلٌ مِنَ الحَقِّ أمْ لا لَمْ يَصِحَّ في العادَةِ الجارِيَةِ عَلى حِكْمَةِ الأسْبابِ في دارِ الأسْبابِ أنْ يَتَحَوَّلُوا عَمّا هم فِيهِ إلّا بِسَبَبٍ عَظِيمٍ (p-١٨٦)يَكُونُ بَيانُهُ أعَظُمَ مِن بَيانِ الفَجْرِ، وهو القُرْآنُ المَذْكُورُ في القَدَرِ والرَّسُولُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ أيْ في مُطْلَقِ الزَّمانِ الماضِي والحالِ والِاسْتِقْبالِ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ والطَّبْعِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن أنَّهم يُبَدِّلُونَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ أوِ الإيمانِ بِكُفْرٍ أوْ بِدْعَةٍ ثُمَّ لا يُثْبِتُونَ عَلَيْهِ [لِأنَّ] ذَلِكَ لَيْسَ في جِبِلّاتِهِمْ، وإنَّما هو خاطِرٌ عارِضٌ كَما هو مَحْكِيٌّ عَنْ سِيرَتِهِمْ مِن بَعْدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام [لَمّا كانَتْ تَسُوسُهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ] كَما دَلَّ عَلى بَعْضِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١] وكَذا المُشْرِكُونَ كانُوا يُبَدِّلُونَ دِينَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام ولا يَنْفَصِلُونَ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وتارَةً يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وتارَةَ المَلائِكَةِ، وأُخْرى الجِنُّ، ولَمْ يَكُونُوا يُثْبِتُونَ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ ثَباتًا كُلِّيًّا مِثْلَ ثَباتِهِمْ عَلى الإسْلامِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ ونِسْيانِهِمْ أُمُورَ الجاهِلِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى نَسُوا المَيْسِرَ، فَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن أوْلادِهِمْ يَعْرِفُ كَيْفِيَّتَهُ وكَذا السّائِبَةُ وما مَعَها وغَيْرُها ذَلِكَ مِن خُرافاتِهِمْ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَواءٌ كانُوا عَرِيقِينَ في الكُفْرِ أمْ لا.

ولَمّا كانَ العالَمُ أوْلى بِاتِّباعِ الحَقِّ وأشَدَّ جُرْمًا عِنْدَ فِعْلٍ ما يَقْتَضِي اللَّوْمَ، بَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ كانَ أصْلَ دِينِهِمْ حَقًّا، فَألْحَدُوا فِيهِ بِالتَّبْدِيلِ والتَّحْرِيفِ والِاعْوِجاجِ (p-١٨٧)فِي صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ نَسَخَهُ اللَّهُ تَعالى بِما شَرَعَ مِن مُخالَفَتِهِ في الفُرُوعِ ومُوافَقَتِهِ في الأُصُولِ فَكَذَّبُوا ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ والنّارِ والشَّمْسِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمَّنْ هم عَرِيقُونَ في دِينٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ في الحَقِّ بِأنْ [لَمْ] يَكُنْ لَهم كِتابٌ ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أيْ مُنْفَصِلِينَ زائِلِينَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِهِمُ انْفِكاكًا يُزِيلُهم عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهم بِهِ عَلَقَةٌ، ويُثْبِتُونَ عَلى ذَلِكَ الِانْفِكاكَ، وأصْلُ الفَكِّ الفَتْحُ والِانْفِصالُ لَمّا كانَ مُلْتَحِمًا، مِن فَكِّ الكِتابِ والخَتْمِ والعَظْمِ - إذا زايَلَ ما كانَ مُلْتَصِقًا ومُتَّصِلًا بِهِ، أوْ عَمّا في أنْفُسِهِمْ مَن ظَنَّ اتِّباعَ الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ المُبَشَّرُ بِهِ بِما كانَ أهْلُ الكِتابِ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ والمُشْرِكُونَ يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴿لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] فَيَصِيرُوا بِذَلِكَ أحْزابًا وفِرَقًا ﴿حَتّى﴾ أيْ [إلى] أنْ ﴿تَأْتِيَهُمُ﴾ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِتُجَدِّدِ البَيانِ في كُلِّ وقْتٍ بِتَجَدُّدِ الرِّسالَةِ والتِّلاوَةِ ﴿البَيِّنَةُ﴾ أيِ الآيَةُ الَّتِي هي في البَيانِ كالفَجْرِ المُنِيرِ الَّذِي لا يَزْدادُ بِالتَّمادِي إلّا ظُهُورًا وضِياءً ونُورًا، وذَلِكَ هو الرَّسُولُ وما مَعَهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي أعْظَمُها الكِتابُ سَواءٌ كانَ التَّوْراةَ أوِ الإنْجِيلَ أوِ الزَّبُورَ (p-١٨٨)أوِ الفَرْقانَ، ولِذَلِكَ أبْدَلَ مِنها قَوْلَهُ:

98:2Page 598

رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ ٢

A Messenger from Allāh, reciting purified1 scriptures

﴿رَسُولٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ جِدًّا، وزادَ عَظَمَتَهُ بِقَوْلِهِ واصِفًا [لَهُ]: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [أيِ] الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿يَتْلُو﴾ أيْ يَقْرَأُ قِراءَةً مُتَواتِرَةً ذَلِكَ الرَّسُولُ بَعْدَ تَعْلِيمِنا لَهُ ﴿صُحُفًا﴾ جَمْعُ صَحِيفَةٍ وهي القِرْطاسُ والمُرادُ ما فِيها، عَبَّرَ بِها عَنْهُ لِشِدَّةِ المُواصَلَةِ ﴿مُطَهَّرَةً﴾ أيْ هي في غايَةِ الطَّهارَةِ والنَّظافَةِ والنَّزاهَةِ مِن كُلِّ قَذَرٍ بِما جَعَلْنا لَها مِنَ البُعْدِ مِنَ الأدْناسِ بِأنَّ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِالأوْثانِ وغَيْرِها مَن كُلِّ زَيْغٍ لا يَأْتِيها مِن بَيْنِ يَدَيْها ولا مِن خَلْفِها وأنَّها لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ، وقِراءَتُهُ وإنْ كانَ أُمِّيًّا لِمِثْلِ ما فِيها قِراءَةٌ لَها.

98:3Page 598

فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ ٣

Within which are correct writings [i.e., rulings and laws].

ولَمّا عَظَّمَهُ بِأنْ وصَفَ صُحُفَهُ الَّتِي [هِيَ] مَحَلُّ المَكْتُوبِ بِالطَّهارَةِ، بَيْنَ سَبَبِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فِيها﴾ أيْ تِلْكَ الصُّحُفُ ﴿كُتُبٌ﴾ جَمْعُ كِتابٍ أيْ عُلُومٍ هي لِنَفاسَتِها حَقِيقَةٌ بِأنْ تُكْتَبَ ﴿قَيِّمَةٌ﴾ أيْ هي في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ لِنُطْقِها بِالحَقِّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ لَيْسَ فِيها شِرْكٌ ولا عِوَجٌ بِنَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ، فَإذا أتَتْهم هَذِهِ البَيِّنَةُ انْفَكُّوا [و] انْفِكاكُهم أنَّهم كانُوا مُجْتَمِعِينَ قَبْلَ هَذا، أهْلُ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِما عِنْدَهم مِنَ البَشائِرِ الصَّرِيحَةِ بِهِ، والمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَئِنْ جاءَنا نَذِيرٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ (p-١٨٩)نَعْرِفُ الحَقَّ لِأهْلِهِ ولا نَدْفَعُهُ بِوَجْهٍ، فَلَمّا جاءَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِما لا شُبْهَةَ فِيهِ تَفَرَّقُوا، فَبَعْضُهم آمَنَ وبَعْضُهم كَفَرَ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هي مِن كَمالِ ما تَقَدَّمَها لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقِراءَةِ كِتابِهِ الَّذِي [بِهِ] اتَّضَحَتْ سَبِيلُهُ وقامَتْ حُجَّتُهُ، [و] أتْبَعَ ذَلِكَ بِالتَّعْرِيفِ بِلَيْلَةِ إنْزالِهِ وتَعْظِيمِها بِتَعْظِيمِ ما أُهِّلَتْ لَهُ مِمّا أنْزَلَ فِيها، أتْبَعَ ذَلِكَ بِتَعْرِيفِهِ ﷺ بِأنَّ هَذا الكِتابَ هو الَّذِي كانَتِ اليَهُودُ تَسْتَفْتِحُ بِهِ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ وتُعَظِّمُ أمْرَهُ وأمْرَ الآتِي بِهِ، حَتّى إذا حَصَلَ ذَلِكَ مُشاهَدًا لَهم كانُوا هم أوَّلُ كافِرٍ بِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] - إلى قَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وفي التَّعْرِيفِ بِهَذا تَأْكِيدُ ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مِمّا يُثْمِرُ الخَوْفَ ويَنْهَجُ بِإذْنِ اللَّهِ التَّسْلِيمِ والتَّبَرُّؤِ مِنَ ادِّعاءِ حَوْلٍ أوْ قُوَّةٍ، فَإنَّ هَؤُلاءِ قَدْ كانُوا قِدَمَ إلَيْهِمْ في أمْرِ الكِتابِ والآتِي بِهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقَدْ كانُوا إلَيْهِمْ في أمْرِ الكِتابِ والآتِي بِهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقَدْ كانُوا يُؤَمِّلُونَ الِانْتِصارَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أعْدائِهِمْ ويَسْتَفْتِحُونَ بِكِتابِهِ، فَرَحِمَ اللَّهُ مَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنهُ كَأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأنْظارِهِما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، وحَرَّمَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَدْ كانُوا (p-١٩٠)عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ وجَعَلَهم بِكُفْرِهِمْ شَرَّ البَرِيَّةِ، ورَضِيَ عَنِ الآخَرِينَ ورَضُوا عَنْهُ، وأسْكَنَهم في جِوارِهِ ومَنَحَهُمُ الفَوْزَ الأكْبَرَ والحَياةَ الأبَدِيَّةَ وإنْ كانُوا قَبْلَ بَعْثِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى جَهالَةٍ وعَمًى، فَلَمْ يَضُرُّهم إذا قَدْ سَبَقَ لَهم في الأزَلِ ”أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ“ انْتَهى.

98:4Page 598

وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ ٤

Nor did those who were given the Scripture become divided1 until after there had come to them clear evidence.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإذا أتَتْهُمُ انْفَكُّوا، فَلَقَدْ تَفَرَّقَ المُشْرِكُونَ بَعْدَ إتْيانِكَ وأتَتِ البَيِّنَةُ العُظْمى إلَيْهِمْ إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، والضّالُّ إلى مُجاهِرٍ ومُساتِرٍ، وكَذا أهْلُ الكِتابِ، ثُمَّ [ما] اجْتَمَعَ العَرَبُ عَلى الهُدى إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، عَطَفَ عَلى هَذا الَّذِي أفْهَمَهُ السِّياقُ قَوْلَهُ مُعْلِمًا بِزِيادَةِ القُبْحِ في وُقُوعِ الذَّنْبِ مِنَ العالَمِ بِإفْرادِهِمْ بِالتَّصْرِيحِ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ أيِ الآنَ وفِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ تَفَرُّقًا عَظِيمًا ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانُوا في حالٍ هي ألْيَقُ بِالإعْراضِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإطْباقِ عَلى الضَّلالِ أوِ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ المُنْتَظَرِ في مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَذا كانَ فِعْلُهم في عِيسى ﷺ مِن قَبْلُ، فاسْتَمَرَّ بَعْضُهم عَلى الضَّلالِ وبالَغَ في نَقْضِ العَهْدِ والعِنادِ، ووَفى بَعْضٍ بِالوَعْدِ فاهْتَدى، وكانَ تَفَرُّقُهم لَمْ يَعُدْ تَفَرُّقًا إلّا زَمَنًا يَسِيرًا، ثُمَّ اجْتَمَعُوا فَلَمْ يُؤْمَن مِنهم مَن يَعُدُّ (p-١٩١)خِلافَتَهُ لِباقِيهِمْ تَفَرُّقًا لِكَوْنِهِ قَلِيلًا مِن كَثِيرٍ، فَلِذَلِكَ أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿إلا مِن بَعْدِ﴾ وكانَ ذَلِكَ الزَّمَنُ اليَسِيرُ هو بِإسْلامِ مَن أسْلَمَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا قَدْ أطْبَقُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ مِن تَنَوَّخَ وغَسّانَ وعامِلَةَ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ وعَبْدِ القَيْسِ ونَحْوِهِمْ وكَذا مَن كانَ تَهَوَّدَ مِن قَبائِلِ اليَمَنِ وأسْلَمَ، ثُمَّ أطْبَقَ اليَهُودَ والنَّصارى عَلى الضَّلالِ فَلَمْ يُسْلِمْ مِنهُ إلى مَن لا يَعُدْ لِقِلَّتِهِ مُفَرِّقًا لَهم ﴿ما﴾ أيِ الزَّمَنُ الَّذِي ﴿جاءَتْهُمُ﴾ فِيهِ أوْ مَجِيءُ ﴿البَيِّنَةُ﴾ فَكانَ حالُهم كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقَدْ كانَ مَجِيءُ البَيِّنَةِ يَقْتَضِي اجْتِماعَهم عَلى الحَقِّ، لا تُفَرِّقُهم فِيهِ، وكَأنَّهُ أشارَ إلى المُشْرِكِينَ بِالعاطِفِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِهِمْ لِأنَّهم كانُوا عَكْسَ أهْلِ الكِتابِ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلّا زَمَنًا يَسِيرًا في أوَّلِ الأمْرِ، فَكانَ الضّالُّ مِنهم أكْثَرَ، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلى الهُدى لِما لَهم مِن قَوِيمِ الطَّبْعِ ومُعْتَدِلِ المِزاجِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى غايَةِ العِوَجِ لِأهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم كانُوا لِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ أوْلى مِنَ المُشْرِكِينَ بِالِاجْتِماعِ عَلى الهُدى، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ وُقُوعَ اللَّدَدِ والعِنادِ مِنَ العالَمِ أكْثَرَ، وحُصُولُهُ الآفَةَ لَهم مِن قُوَّةِ ما لِطِباعِهِمْ مِن كَدَرِ النَّقْصِ بِتَرْبِيَتِهِ وتَنْمِيَتِهِ (p-١٩٢)بِالمَعاصِي مِن أكْلِ السُّحْتِ مِنَ الرِّبا وغَيْرِهِ مِنَ الكَبائِرِ والتَّسْوِيفِ بِالتَّوْبَةِ، فَألِفَتْ ذَلِكَ أبْدانُهم فَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهم حَتّى تَراكُمَ ظَلامُها، وتَكاثَفَ رَيْنُها وغَمامُها، فَلَمّا دَعَوْا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن نُورٍ تَكُونُ لَهم بِهِ قابِلِيَّةُ الِانْقِيادِ لِلدُّعاءِ.

98:5Page 598

وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ ٥

And they were not commanded except to worship Allāh, [being] sincere to Him in religion, inclining to truth, and to establish prayer and to give zakāh. And that is the correct religion.

ولَمّا كانَ حالُ مَن ضَلَّ عَلى عِلْمٍ أشْنَعَ، زادَ في فَضِيحَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ما. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بُرُوزَ الأمْرِ المُطاعِ، لا تَعْيِينَ الآمِرِ، قالَ بَعْدَ وصْفِ الصُّحُفِ بِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّها قِيمَةٌ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿أُمِرُوا﴾ أيْ وقَعَ أمْرُهم بِما أمَرُوا بِهِ مِمَّنْ إذا أطْلَقَ الأمْرَ لَمْ يَسْتَحِقَّ أنْ يَنْصَرِفَ إلّا إلَيْهِ، في تِلْكَ الكُتُبِ الَّتِي وجَبَ ثُبُوتُ اتِّباعِها وأذْعَنُوا [لَهُ] ﴿إلا لِيَعْبُدُوا﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا ﴿اللَّهَ﴾ أيِ الإلَهُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ بِأنْ يُوجِدُوا عِبادَتَهُ ويُجَدِّدُوها في كُلِّ وقْتٍ، والعِبادَةُ امْتِثالُ أمْرِ اللَّهِ تَعالى كَما أمَرَ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ مِن أجْلِ أنَّهُ آمِرٌ، مَعَ المُبادَرَةِ بِغايَةِ الحُبِّ والخُضُوعِ والتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ مَعَ الِاقْتِصادِ لِئَلّا يَمَلَّ الإنْسانُ فَيُخِلَّ أوْ يَحْصُلَ لَهُ الإعْجابُ فَتَفْسَدَ عِبادَتُهُ، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُخْلِصِينَ﴾ أيْ ثابِتًا غايَةَ الثَّباتِ إخْلاصُهم ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ بِحَيْثُ لا يَكُونُ فِيهِ شَوْبُ شَيْءٍ مِمّا يُكَدِّرُهُ مِن شِرْكٍ جَلِيٍّ ولا خَفِيٍّ بِأنْ (p-١٩٣)يَكُونَ الِامْتِثالُ لِكَوْنِهِ أمَرَ لِرِضاهُ لا لِشَيْءٍ مِن نَفْعٍ ولا دَفْعٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى الصَّوابِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ العامِلِينَ يَكُونُ مُخْلِصًا، ويَكُونُ بِناؤُهُ بِغَيْرِ أساسٍ صالِحٍ، فَلا يَنْفَعُهُ بَلْ يَكُونُ وبالًا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ ضَيَّعَ الأصْلَ كالرُّهْبانِ وكَذا كَثِيرٌ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ وِلايَةَ شَخْصٍ وهو لا يَعْرِفُ أنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ الوَلِيِّ والعَدُوِّ والمُكْرِمِ والمُسْتَدْرِجِ، وحَقِيقَةُ الإخْلاصِ بِأنَّهُ إفْرادُ الحَقِّ في الطّاعَةِ بِالقَصْدِ مَعَ نِسْيانِ الخُلُقِ في الأعْمالِ والتَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِالتَّوَقِّي مِن مُلاحَظَتِهِمْ مَعَ التَّنَقِّي عَنْ مُطالَعَةِ النَّفْسِ بِرُؤْيَةِ العَبْدِ نَفْسِهِ عَبْدًا مَأْمُورًا لا يُرِيدُ ثَوابًا، جاعِلًا كُلَّ شَيْءٍ وسِيلَةً إلى اللَّهِ، وعَلامَتُهُ عَدَمُ رُؤْيَةِ العَمَلِ، ويُعْرَفُ ذَلِكَ بِالخَوْفِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى طَلَبِ الثَّوابِ، وبِالحَياءِ مِنهُ لِكَوْنِهِ يَرى أنَّهُ ما قامَ بِحَقِّ السَّيِّدِ عَلى ما يَنْبَغِي كَما قالَ تَعالى: ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] قالَ القُشَيْرِيُّ: [ويُقالُ]: الإخْلاصُ تَصْفِيَةُ العَمَلِ مِنَ الخَلَلِ، وقالَ الرّازِيُّ: الإخْلاصُ النِّيَّةُ الصّافِيَةُ لِأنَّ [النِّيَّةَ] دائِمَةٌ، والعَمَلُ يَنْقَطِعُ، والعَمَلُ يَحْتاجُ إلى النِّيَّةِ، والنِّيَّةُ لا تَحْتاجُ إلى العَمَلِ، ولِأجْلِ ما أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ مِنَ التَّمَكُّنِ والثَّباتِ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حُنَفاءَ﴾ أيْ في غايَةِ المَيْلِ (p-١٩٤)مَعَ الدَّلِيلِ إلى القَوْمِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ عِنْدَهُمُ اعْوِجاجٌ أصْلًا، بَلْ مَهْما حَصَلَ أدْنى زَيْغٍ عَرَضُوهُ عَلى الدَّلِيلِ فَمالُوا مَعَهُ بِما لَهم مِنَ الحَنَفِ فَقادَهم إلى الصَّلاحِ فَصارُوا في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ، وتِلْكَ هي العِبادَةُ الإحْسانِيَّةُ، وأصْلُ الحَنَفِ في اللُّغَةِ: المَيْلُ، قالَ المَلْوِيُّ: وخَصَّهُ العُرْفُ بِالمَيْلِ إلى الخَيْرِ، ولِذا سُمِّيَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ [لِمَيْلٍ] في رِجْلَيْهِ إلى داخِلٍ مِن جِهَةِ القُدّامِ إلى الوَراءِ، وسَمُّوا المَيْلَ إلى الشَّرِّ إلْحادًا، فالحَنِيفُ المُطْلَقُ الَّذِي يَكُونُ مُتَبَرِّئًا عَنْ أُصُولِ المِلَلِ الخَمْسِ: اليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ والمَجُوسِ والمُشْرِكِينَ، وعَنْ فُرُوعِها مِن جَمِيعِ النَّحْلِ إلى الِاعْتِقاداتِ الحَقَّةِ، وعَنْ تَوابِعِها مِنَ الخَطايا والسَّيِّئاتِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ وهو مَقامٌ التُّقى، [و]، عَنِ المَكْرُوهاتِ إلى المُسْتَحَبّاتِ وهو المَقامُ الأوَّلُ مِنَ الوَرَعِ، وعَنِ الفُضُولِ شَفَقَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ وهو ما لا يَعْنِي إلى الَّذِي يَعْنِي، وهو المَقامُ [الثّانِي مِنَ الوَرَعِ، وعَمّا يَجُرُّ إلى الفُضُولِ وهُوَ] مَقامُ الزُّهْدِ، فالآيَةُ جامِعَةٌ لِمَقامَيِ الإخْلاصِ النّاظِرِ أحَدُهُما إلى الحَقِّ، والثّانِي إلى الخَلْقِ، فالإخْلاصُ لِمَقامِ المُشْتَغِلِ بِالمُصَفّى لَهُ لِأنَّهُ إفْرادُ الحَقِّ بِالقَصْدِ في الطّاعَةِ، والخَوْفِ لِمَقامِ المُشْتَغِلِ بِالمُصَفّى مِنهُ لِأنَّهُ المَيْلُ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقاتِ إلى اللَّهِ تَعالى وإلى ما يُرْضِيهِ.

(p-١٩٥)ولَمّا ذَكَرَ أصْلَ الدِّينِ، أتْبَعَهُ الفُرُوعَ، فَبَدَأ بِأعْظَمِها الَّذِي هو مُجَمَّعُ الدِّينِ ومَوْضِعُ التَّجَرُّدِ عَنِ العَوائِقِ فَقالَ: ﴿ويُقِيمُوا﴾ أيْ يُعَدِّلُوا مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ ما، بِجَمِيعِ الشَّرائِطِ والأرْكانِ والحُدُودِ ﴿الصَّلاةَ﴾ لِتَصِيرَ بِذَلِكَ أهْلًا لِأنْ تَقُومَ بِنَفْسِها، وهي التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.

ولَمّا ذَكَرَ صِلَةَ الخالِقِ، أتْبَعَها وصِلَةَ الخَلائِقِ فَقالَ: ﴿ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ [أيْ] بِأنْ يَحْضُرُوها لِمُسْتَحِقِّيها شَفَقَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ إعانَةً عَلى الدِّينِ، ولَكِنَّهم حَرَّفُوا ذَلِكَ وبَدَّلُوهُ بِطِباعِهِمُ المُعْوَجَّةِ، وتَدْخُلُ الزَّكاةُ عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ في كُلِّ ما رَزَقَ اللَّهُ مِن عَقْلٍ وسَمْعٍ وبَصَرٍ ولِسانٍ ويَدٍ ورِجْلٍ ووَجاهَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ - كَما هو واضِحٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣]

ولَمّا كانَ هَذا دِينًا حَسَنًا [بَيِّنًا] فَضَّلُوا عَنْهُ عَلى [ما] عِنْدَهم مِنَ الأدِلَّةِ، زادَ في تَوْبِيخِهِمْ بِمَدْحِهِ فَقالَ: ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ والحالُ أنَّ هَذا المَوْصُوفَ مِنَ العِبادَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ الَّذِي هو في غايَةِ العُلُوِّ والخَيْرِ ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيِ المِلَّةُ أوِ النُّفُوسُ أوِ الكُتُبُ الَّتِي لا عِوَجَ فِيها، وهو عَلى الأوَّلِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: هو جَمْعُ قَيِّمٍ، والقَيِّمُ والقائِمُ واحِدٌ، والمَعْنى دِينُ القائِمِينَ لِلَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ، ودَلَّ عَلى ما قَدَّرَتْهُ في أمْرِ المُشْرِكِينَ بِذِكْرِهِمْ في نَتِيجَةِ ما (p-١٩٦)مَضى في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ:

98:6Page 598

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِيَّةِ ٦

Indeed, they who disbelieved among the People of the Scripture and the polytheists will be in the fire of Hell, abiding eternally therein. Those are the worst of creatures.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ وقَعَ مِنهُمُ السَّتْرُ لِمُرائِي عُقُولِهِمْ بَعْدَ صَرْفِها لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فَضَلُّوا واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَرِيقِينَ فِيهِ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الشِّرْكِ، ودَلَّ بِالإتْيانِ بِالوَصْفِ هُنا والفِعْلِ في أُولَئِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى أنَّ المُشْرِكَ يَرْجِعُ عَنْ شِرْكِهِ ويُؤْمِنُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَرِيقًا في الشِّرْكِ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ مَتى تَلَبَّسَ أحَدٌ مِنهم بِكُفْرٍ لا يَرْجِعُ عَنْهُ وإنْ كانَ تَلَبُّسُهُ بِهِ عَلى أضْعَفِ الوُجُوهِ، وكَذا كُلُّ مَن يُنْسَبُ إلى عِلْمٍ ولا سِيَّما إنْ كانَ بَلِيدًا مَتّى عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ عَنْها، فَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَهم في قَوْلِهِ: ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ أيِ النّارُ الَّتِي تَلْقاهم بِالتَّجَهُّمِ والعَبُوسَةِ تَكُونُ عَذابًا لِأجْسامِهِمْ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ في الحالِ لِسَعْيِهِمْ في مُوجِباتِها، واشْتِراكِ الفَرِيقَيْنِ في جِنْسِ العَذابِ لا يُوجِبُ التَّساوِي في النَّوْعِ بَلْ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اشْتِدادِ الكُفْرِ وخِفَّتِهِ.

ولَمّا كانَ مُعْظَمُ السِّياقِ لِلْعِبادَةِ والتَّرْغِيبِ فِيها مِنَ القِراءَةِ والسُّجُودِ والِانْفِكاكِ عَنِ الكُفْرِ، لَمْ يَذْكُرِ التَّأْبِيدَ بِلَفْظِهِ، بَلِ اكْتَفى بِما دَلَّ عَلَيْهِ وقالَ في نَتِيجَةِ ما مَضى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً بِما لِضَمائِرِهِمْ مِنَ الخُبْثِ ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيِ الخَلِيقَةِ الَّذِينَ أهْمَلُوا (p-١٩٧)إصْلاحَ أنْفُسِهِمْ، وفَرَّطُوا في حَوائِجِهِمْ ومَآرِبِهِمْ، وهَذا نارٌ لِأرْواحِهِمْ حِينَ يُنادى عَلَيْهِمْ بِهِ.

98:7Page 598

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ ٧

Indeed, they who have believed and done righteous deeds - those are the best of creatures.

ولَمّا ذَكَرَ الأعْداءَ وبَدَأ بِهِمْ، لِأنَّ السِّياقَ لِذَمِّ مَن جَمَّدَ مِنَ المَأْلُوفِ وتَرَكَ المَعْرُوفَ، أتْبَعَهُ الأوْلِياءَ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما لِلْكُفّارِ مِنَ الإنْكارِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ مِنَ الخَلْقِ كُلِّهِمُ المَلائِكَةُ وغَيْرُهم ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ [هَذا] النَّوْعُ، ولَمّا كانَ نَعِيمُ القَلْبِ أعْظَمُ، قَدَّمَهُ عَلى نَعِيمِ البَدَنِ إبْلاغًا في مَدْحِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُوُّ الدَّرَجاتِ ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾

98:8Page 599

جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ ٨

Their reward with their Lord will be gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allāh being pleased with them and they with Him. That is for whoever has feared his Lord.

ولَمّا خَصَّصَهم بِالخَيْرِيَّةِ، ذَكَّرَ ثَوابَهُمْ، فَقالَ ذاكِرًا جَنَّةَ أبْدانِهِمْ مُعَظِّمًا لَهم بِالتَّعْبِيرِ عَنْ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِلَفْظِ الجَزاءِ المُؤَذِّنِ بِأنَّهُ مُقابَلَةُ ما وُصِفُوا بِهِ: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ عَلى طاعاتِهِمْ، وعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلَيْهِمُ المُرَبِّي لَهم وأيِ المُحْسِنُ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أيْ إقامَةٍ لا تَحُولُ عَنْها ﴿تَجْرِي﴾ أيْ جَرْيًا دائِمًا لا انْقِطاعَ لَهُ. ولَمّا كانَ عُمُومُ الماءِ مانِعًا مِن تَمامِ اللَّذَّةِ، قَرُبَ وبَعْضُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ تَحْتَ أرْضِها وغُرَفِها وأشْجارِها ﴿الأنْهارُ﴾

ولَمّا كانَتِ اللَّذَّةُ لا تَكْمُلُ إلّا بِالدَّوامِ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ ولَمّا كانَ النَّظَرُ إلى التَّرْغِيبِ في هَذا السِّياقِ أتَمَّ حَثًّا عَلى اتِّباعِ الدَّلِيلِ (p-١٩٨)المَعْرُوفِ، والمُفارَقَةُ لِلْحالِ المَأْلُوفِ، أكَّدَ مَعْنى الخُلُودِ تَعْظِيمًا لِجَزائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾

ولَمّا كانَ هَذا [كُلُّهُ] ثَمَرَةَ الرِّضا، وكانَ التَّصْرِيحُ بِهِ أقَرَّ لِلْعَيْنِ لِأنَّهُ جَنَّةُ الرُّوحِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُعَلِّلًا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن نُعُوتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ بِما كانَ سَبَقَ لَهم مِنَ العِنايَةِ والتَّوْفِيقِ. ولَمّا كانَ الرِّضا إذا كانَ مِنَ الجانِبَيْنِ، كانَ أتَمَّ وأعْلى لَهم قالَ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم أُمْنِيَةٌ إلّا أعْطاهُمُوها مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ في جَمِيعِ ذَلِكَ، لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ ولا يُقَدِّرُهُ أحَدٌ حَقَّ قَدْرِهِ، فَلَوْ أخَذَ الخَلْقَ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ أهْلَكَهُمْ، وأعْظَمَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن مُتابَعَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِكُلِّ خَيْرٍ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما ادَّعى أنَّهُ لِناسٍ مَخْصُوصِينَ في زَمانٍ مَخْصُوصٍ، قالَ مُعَمِّمًا لَهُ ومُنَبِّهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي كانَ سَبَبَ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ جَزائِهِمْ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي الَّذِي جَوَّزُوا بِهِ ﴿لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أيْ خافَ المُحْسِنُ إلَيْهِ خَوْفًا يَلِيقُ بِهِ، فَلَمْ يَرْكَنْ إلى التَّسْوِيفِ والتَّكاسُلِ، ولَمْ يَطْبَعْ نَفْسَهُ بِالشَّرِّ بِالجَرْيِ مَعَ الهَوى في التَّطَعُّمِ بِالمُحَرَّماتِ بَلْ كانَ مِمَّنْ (p-١٩٩)يَطْلُبُ مَعالِي الأخْلاقِ فَيَسْتَفْتِي قَلْبَهُ فِيما يُرْضِي رَبَّهُ، فَكانَ تَواتُرُ إحْسانِهِ يَزِيدُهُ خَوْفًا فَيَزِيدُهُ شُكْرًا، فَإنَّ الخَشْيَةَ مَلاكُ الأمْرِ، والباعِثُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، وهي لِلْعارِفِينَ، قالَ المَلْوِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ الإنْسانَ إذا اسْتَشْعَرَ عِقابًا يَأْتِيهِ أوْ خُسْرًا، لَحِقَتْهُ حالَةٌ يُقالُ لَها الخَوْفُ وهي انْخِلاعُ القَلْبِ عَنْ طُمَأْنِينَةِ الأمْنِ وقَلَقِهِ واضْطِرابِهِ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ، فَإنِ اشْتَدَّ سُمِّيَ وجَلًا لِجَوَلانِهِ في نَفْسِهِ، فَإذا اشْتَدَّ سُمِّيَ رَهَبًا لِأدائِهِ إلى الهَرَبِ، وهي حالَةُ المُؤْمِنِينَ الفارِّينَ إلى اللَّهِ ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ الحُبُّ لِاسْتِغْراقٍ في شُهُودِ الجَمالِيّاتِ لِحَقَتْهُ حالَةٌ تُسَمّى مَهابَةً إذْ لا يَنْفَكُّ عَنْ خَوْفِ إبْعادٍ أوْ صَدِّ لِغَفْلَةٍ أوْ ذِلَّةٍ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ التَّعْظِيمُ لِاسْتِغْراقٍ في شُهُودٍ الجَلالِيّاتِ صارَ في الإجْلالِ، ووَراءَ هَذِهِ الخَشْيَةِ

﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَمَن خافَ رَبَّهُ هَذا الخَوْفَ انْفَكَّ مِن جَمِيعِ ما عِنْدَهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ يَقْدَحْ في البَيِّنَةِ ولا تُوقَفْ فِيها، وما فارَقَ الخَوْفُ قَلْبًا إلّا خَرَّبَ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يَقْدَحَ في كُلِّ ما أدّى إلى العِمارَةِ، وقَدْ رَجَعَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها بِذَلِكَ، وبِتَصْنِيفِ النّاسِ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ انْفَكَّ عَنْ هَوى نَفْسِهِ فَأنْجاها، وصِنْفٌ اسْتَمَرَّ في أسْرِها فَأرْداها، وقَدْ ذَكَرَتْ في ”مَصاعِدَ النَّظَرِ لِلْإشْرافِ عَلى مَقاصِدِ السُّوَرِ“ سِرُّ تَخْصِيصِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقِراءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ بِخُصُوصِها، وحاصِلُهُ (p-٢٠٠)أنَّ سَبَبَ تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ أنَّهُ وجَدَ اثْنَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قَدْ خالَفاهُ في القِراءَةِ فَرَفَعَهُما إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأمَرَهُما فَعَرَضا عَلَيْهِ فَحَسُنَ لَهُما، قالَ: فَسَقَطَ في نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ أشَدَّ مِمّا [كانَ] في الجاهِلِيَّةِ، فَضَرَبَ ﷺ في صَدْرِي فَفِضْتُ عَرَقًا، وكَأنَّما أنْظُرُ إلى اللَّهِ فَرْقًا، ثُمَّ قَصَّ عَلَيَّ خَبَرَ التَّخْفِيفِ بِالسَّبْعَةِ الأحْرُفِ، وكانَتِ السُّورَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها الخِلافُ النَّحْلُ وفِيها أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رَسُولَهُ ﷺ يَوْمَ البَعْثِ شَهِيدًا، وأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ الكِتابُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً، وأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ رُوحُ القُدُسِ بِالحَقِّ لِيَثْبُتَ الَّذِينَ آمَنُوا، وأنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا في السَّبْتِ، وسُورَةُ ”لَمْ يَكُنْ“ عَلى قِصَرِها حاوِيَةٌ إجْمالًا لِكُلِّ ما في النَّحْلِ عَلى طُولِها بِزِيادَةٍ، وفِيها التَّحْذِيرُ مِنَ الشَّكِّ بَعْدَ البَيانِ، وتَقْبِيحُ حالِ مَن فَعَلَ ذَلِكَ، وأنَّ حالَهُ يَكُونُ كَحالِ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ في العِنادِ، فَيَكُونُ شَرَّ البَرِيَّةِ، فَقَرَأها النَّبِيُّ ﷺ [عَلَيْهِ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَذْكِيرًا لَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ وأخْصَرَ لِيَكُونَ أسْرَعَ لَهُ تَصَوُّرًا فَيَكُونُ أرْسَخَ في النَّفْسِ وأثْبَتَ في القَلْبِ وأعْشَقَ لِلطَّبْعِ، فاخْتَصَّهُ اللَّهُ بِالتَّثْبِيتِ وأرادَ لَهُ الثَّباتَ، فَكانَ مِنَ المُرِيدِينَ المُرادِينَ لِما وصَلَ إلَيْهِ قَلْبُهُ بِبَرَكَةِ ضَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ لِصَدْرِهِ مِن كَشْفِهِ الحُجُبَ ونَفْيِ الشَّياطِينِ والنَّظَرِ إلى سَبَحاتِ القُدْسِ (p-٢٠١)وشُهُودُ تِلْكَ الحَضْرَةِ الشَّمّاءِ، وصَيْرُورَتُهُ إلى أنْ يَكُونَ أصْفى الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مُراقَبَةً لِتِلاوَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِما يَتَذَكَّرُ مِنَ الأمْرِ الشَّرِيفِ بِتَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ، فَيَصِيرُ كُلَّما قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ الجامِعَةَ غائِبًا عَنْ تِلاوَةِ نَفْسِهِ مُصْغِيًا بِأُذُنَيْ قَلْبِهِ إلى رُوحِ النُّبُوَّةِ يَتْلُو عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيَدُومُ لَهُ حالُ الشُّهُودِ الَّذِي وصَلَ إلَيْهِ بِسِرِّ تِلْكَ الضَّرْبَةِ.

ولِثُبُوتِهِ في هَذا المَقامِ قالَ ﷺ: «أقْرَؤُكم أُبَيُّ» رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو صَحِيحٌ، ورَواهُ بَعْضُهم مُرْسَلًا، ومِمّا فِيهِ ولَمْ أذْكُرْهُ في المَصاعِدِ سَنَةَ التَّواضُعِ حَتّى لا يَمْنَعَ أحَدًا ما يَراهُ مِن عُلُوِّهِ مِنَ القِراءَةِ عَلى مَن هو دُونَهُ فَإنَّهُ ما مَنَعَ أكْثَرَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الإسْلامِ إلّا رُؤْيَةُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ بِكُتُبِ اللَّهِ وسُنَنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَهْلُ العَرَبِ بِذَلِكَ، فَنَظَرُوا إلى ما كانَ ولَمْ يَنْظُرُوا إلى الحالَةِ الرّاهِنَةِ الآنَ، فَحَلَقَ الحَسَدُ أدْيانَهم وسَلَبَهم إيمانَهُمْ، وصارُوا أشْقى النّاسِ - كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ - نَسْألُ اللَّهَ العَفْوَ والعافِيَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ - آمِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском