Al-Biqa'iAl‑Hadid · 57:1–8

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الحديد

Al-Hadid

The Iron · Medinan · 29 ayahs

57:1Page 537

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١

Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.

(p-٢٥٠)سُورَةُ الحَدِيدِ

مَقْصُودُها بَيانُ عُمُومِ الرِّسالَةِ لِعُمُومِ الإلَهِيَّةِ بِالبَعْثِ [إلى] الأزْواجِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في السُّورَتَيْنِ الماضِيَتَيْنِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ تَحْقِيقًا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُخْتَصٌّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ تَحْقِيقًا لِتَنَزُّهِهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ المَبْدُوءِ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ المَخْتُومِ بِهِ ما قَبْلَها الرّادِّ لِقَوْلِهِمْ: ”أئِنّا لَمَجْمُوعُونَ أوَ آباؤُنا الأوَّلُونَ“ المُقْتَضِي لِجِهادِ مَن يَحْتاجُ إلى الجِهادِ مِمَّنْ عَصى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ رَدًّا لَهم عَنِ النَّقائِصِ الجِسْمانِيَّةِ وإعْلاءً إلى الكَلِماتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي دَعا إلَيْها الكِتابُ حَذَرًا مِن سَواءِ الحِسابِ يَوْمَ التَّجَلِّي لِلْفَصْلِ بَيْنَ العِبادِ [بِالعَدْلِ] لِيَدْخُلَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم في الدِّينِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ويَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ: لَيْسَ أحَدٌ أفْضَلَ مِنهُ، فَضِيلَةَ هَذا الرَّسُولِ ﷺ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُمُومِ رِسالَتِهِ وشُمُولِ خِلافَتِهِ، وانْتِشارِ دَعْوَتِهِ وكَثْرَةِ أُمَّتِهِ تَحْقِيقًا لِأنَّهُ لا حَدَّ لِفائِضِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ لِتَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي هي آخِرُ النِّصْفِ الأوَّلِ والَّتِي بَعْدَها الَّتِي هي أوَّلُ النِّصْفِ الثّانِي مِن حَيْثُ العَدَدُ غايَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي هي أوَّلُهُ عِنْدَ الِالتِفاتِ والرَّدِّ كَما كانَتِ السُّورَةُ الَّتِي غايَةُ النِّصْفِ الأوَّلِ (p-٢٥١)فِي المِقْدارِ وهي الإسْراءُ، وكَذا السُّورَةُ الَّتِي هي أوَّلُ النِّصْفِ الثّانِي وهي الكَهْفُ كاشِفَتَيْنِ لِمَقْصِدِ الأُولى فِيما دَعَتْ إلَيْهِ مِنَ الهِدايَةِ وشَدَّتْ إلَيْهِ مِنَ الإنْذارِ، عَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها الحَدِيدُ بِتَأمُّلِ آياتِهِ وتَدَبُّرِ سِرِّ ما ذُكِرَ فِيهِ وغاياتِهِ، أسْنَدَ صاحِبُ الفِرْدَوْسِ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«لا تَحْتَجِمُوا يَوْمَ الثُّلاثاءِ فَإنَّ سُورَةَ الحَدِيدِ أُنْزِلَتْ يَوْمَ الثُّلاثاءِ“» .. (بِسْمِ اللَّهِ) الَّذِي أحاطَتْ إلاهِيَّتُهُ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي وسِعَهم جُودُهُ في جَمِيعِ الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ (الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ مِن بَيْنِهِمْ بِما لَهُ مِنَ الِاخْتِيارِ في كَمالِ الِاقْتِدارِ أهْلَ وِلايَتِهِ بِما يُرْضِيهِ مِنَ العِباداتِ.

* *

ولَمّا خُتِمَتِ الواقِعَةُ بِالأمْرِ بِتَنْزِيهِهِ عَمّا أنْكَرَهُ الكَفَرَةُ مِنَ البَعْثِ، جاءَتْ هَذِهِ لِتَقْرِيرِ ذَلِكَ التَّنْزِيهِ [و]تَبْيِينِهِ بِالدَّلِيلِ والبُرْهانِ والسَّيْفِ والسِّنانِ فَقالَ تَعالى كالتَّعْلِيلِ لِآخِرِ الواقِعَةِ: ﴿سَبَّحَ﴾ أيْ: أوْقِعِ التَّسْبِيحَ بِدَلالَةِ الجِبِلَّةِ تَعْظِيمًا لَهُ سُبْحانَهُ وإقْرارًا بِرُبُوبِيَّتِهِ وإذْعانًا لِطاعَتِهِ، وقَصَرَهُ وهو مُتَعَدٍّ لِيَدُلَّ عَلى العُمُومِ بِقَصْرِهِ، وعَلى الإخْلاصِ بِتَعْدِيَتِهِ بِاللّامِ وجَعَلَهُ ماضِيًا هُنا وفي الحَشْرِ والصَّفِّ ومُضارِعًا في الجُمُعَةِ والتَّغابُنِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مِمّا أُسْنِدَ إلَيْهِ التَّسْبِيحُ هو مِن شَأْنِهِ وهِجِّيراهُ ودَيْدَنِهِ وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنَ الماضِي والمُضارِعِ بِما افْتَتَحَ بِهِ لِما يَأْتِي [فِي] أوَّلِ الجُمُعَةِ، والإتْيانُ بِالمَصْدَرِ أوَّلَ الإسْراءِ أبْلَغُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ إطْلاقُهُ (p-٢٥٢)عَلى اسْتِحْقاقِ التَّسْبِيحِ [مِن كُلِّ شَيْءٍ] وفي كُلِّ حالٍ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ أيِ الأجْرامُ العالِيَةُ والَّذِي فِيها وهي الأرْضُ ومَن فِيها وكُلُّ سَماءٍ ومَن فِيها، وما بَيْنَهُما لِأنَّها كُلَّها في العَرْشِ الَّذِي هو أعْلى الخَلْقِ.

ولَمّا كانَ الكَلامُ آخِرَ الواقِعَةِ مَعَ أهْلِ الخُصُوصِ بَلْ هو أخَصُّ أهْلِ الخُصُوصِ، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَأْكِيدٍ فَحَذَفَ ما جُعِلا لِلْخافِقَيْنِ كَشَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ نَظَرَهُ لَهُما نَظَرُ عُلُوٍّ نَظَرًا واحِدًا لِما أخْبَرَ بِهِ عَنْهُما مِنَ التَّنْزِيهِ فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ أيْ وما فِيها وكَذا [نَفْسُ] الأراضِي كَما تَقَدَّمَ، فَشَمِلَ، ذَلِكَ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ لِأنَّهُ إذا سَبَّحَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَتَسْبِيحُ العَرْشِ بِطَرِيقِ الأوْلى وتَنْزِيهُ هَذِهِ الأشْياءِ بِما فِيها مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُلِمُّ بِجَنابِهِ شائِبَةُ نَقْصٍ، وأنَّ كُلَّ شَيْءٍ واقِفٌ عَلى البابِ يُشاهِدُ الطَّلَبَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: التَّسْبِيحُ: التَّقْدِيسُ والتَّنْزِيهُ، ويَكُونُ بِمَعْنى سِباحَةِ الأسْرارِ في بِحارِ الإجْلالِ، فَيَظْفَرُونَ بِجَواهِرِ التَّوْحِيدِ، ويَنْظِمُونَها في عِقْدِ الإيمانِ، ويُرَصِّعُونَها في أطْواقِ الوَصْلَةِ.

ولَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ، دَلَّ عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِشَيْءٍ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ، وأنَّ لَهُ كُلَّ كَمالٍ، فَهو المُسْتَحِقُّ لِلتَّسْبِيحِ والحَمْدِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ صَنَعَهُ.

وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ العاصِمِيُّ في بُرْهانِهِ: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ (p-٢٥٣)[سُبْحانَهُ] وتَعالى: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧] وفِيهِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِمَن قُرِّعَ بِهِ ما لا خَفاءَ بِهِ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] الآياتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] فَعُزِّرُوا ووُبِّخُوا عَلى سُوءِ جَهْلِهِمْ وقُبْحِ ضَلالِهِمْ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] واسْتَمَرَّ تَوْبِيخُهم إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧] فَلَمّا أشارَتْ هَذِهِ الآياتُ إلى قَبائِحِ مُرْتَكَباتِهِمْ، أعْقَبَ تَعالى [ذَلِكَ] تَنْزِيهَهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ سُوءِ ما انْتَحَلُوهُ وضَلالَهم فِيما جَهِلُوهُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [الواقعة: ٩٦] أيْ نَزِّهْهُ عَنْ عَظِيمِ ضَلالِهِمْ وسُوءِ اجْتِرائِهِمْ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ، فَهي سُنَّةُ العالَمِ بِأسْرِهِمْ،

﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ [التغابن: ١] [فَبَيَّنَ تَعالى انْفِرادَهُ بِصِفَةِ الجَلالِ ونُعُوتِ الكَمالِ، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالمُلْكِ والحَمْدِ] وأنَّهُ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٦] فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ إرْغامَ مَن أُشِيرَ إلى حالِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن سُورَةِ الواقِعَةِ وقَطْعَ ضَلالِهِمْ والتَّعْرِيفَ بِما جَهِلُوهُ مِن صِفاتِهِ العُلى وأسْمائِهِ الحُسْنى جَلَّ وتَعالى، وافْتُتِحَتْ آيُ السُّورَتَيْنِ واتَّصَلَتْ مَعانِيها ثُمَّ صَرَفَ الخِطابَ إلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] واسْتَمَرَّتِ الآيُ عَلى خِطابِهِمْ إلى آخِرِ السُّورَةِ - انْتَهى.

57:2Page 537

لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢

His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.

(p-٢٥٤)ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ، دَلَّ عَلى وجْهٍ مُصَرَّحٍ بِما أفْهَمَهُ الأوَّلُ مِن تَسْبِيحِ السَّماواتِ والأرْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ومُلْكُ ما فِيهِما وما بَيْنَهُما ظاهِرًا وباطِنًا، فالمُلْكُ الظّاهِرُ ما هو الآنَ مَوْجُودٌ في الدُّنْيا مِن أرْضٍ مَدْحِيَّةٍ وسَماءٍ مَبْنِيَّةٍ وكَواكِبَ مُضِيَّةٍ وأفْلاكٍ عَلِيَّةٍ ورِياحٍ مَحْسُوسَةٍ وسَحابٍ مَرْئِيَّةٍ - وما تَفَصَّلَ إلى ذَلِكَ مِن خَلْقٍ وأمْرٍ، والمُلْكُ الباطِنُ [الغائِبُ] عَنّا، وأعْظَمُهُ المُضافُ إلى الآخَرِ وهو المَلَكُوتُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: المُلْكُ مُبالَغَةٌ مِنَ المِلْكِ يَعْنِي بِدَلالَةِ الضَّمَّةِ، قالَ، والمِلْكُ بِالكَسْرِ أيِ القُدْرَةُ عَلى الإبْداعِ فَلا مالِكَ إلّا اللَّهَ، وإذا قِيلَ لِغَيْرِهِ: مالِكٌ، فَعَلى المَجازِ بِالأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ في الشَّرِيعَةِ عَلى مِلْكِ النّاسِ أيْ بِتَصْحِيحِهِ أوْ إفْسادِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ما بَيْنَهُما ثانِيًا، وذَكَرَ الخافِقَيْنِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِ ذَلِكَ أوَّلًا لِيَكُونَ التَّسْبِيحُ والمُلْكُ شامِلًا لِلْكُلِّ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ، وكانَ رُبَّما عانَدَ مُعانِدٌ، دَلَّ عَلَيْهِ بِما لا مَطْمَعَ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَقالَ مُقَدِّمًا الإحْياءَ لِأنَّهُ كَذَلِكَ في الخارِجِ ولِأنَّ زَمَنَ الحَياةِ أكْثَرُ لِأنَّ البَعْثَ حَياةٌ دائِمَةٌ لا مَوْتَ بَعْدَها: ﴿يُحْيِي﴾ أيْ لَهُ صِفَةُ الإحْياءِ فَيُحْيِي ما يَشاءُ مِنَ الخَلْقِ بِأنْ يُوجِدَهُ عَلى صِفَةِ الإحْياءِ كَيْفَ شاءَ في أطْوارٍ يَتَقَلَّبُها كَيْفَ شاءَ وكَيْفَ يَشاءُ ومِمّا يَشاءُ (p-٢٥٥)﴿ويُمِيتُ﴾ أيْ لَهُ هاتانِ الصِّفَتانِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ والتَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، فَهو قادِرٌ عَلى البَعْثِ بِدَلِيلِ ما ثَبَتَ لَهُ مِن صِفَةِ الإحْياءِ. ولَمّا كانَ هَذا شامِلًا لِلْقُدْرَةِ عَلى التَّجْدِيدِ والإعادَةِ، عَمَّ الحُكْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ وغَيْرِهِما مِن كُلِّ مُمْكِنٍ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ القُدْرَةِ إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ.

57:3Page 537

هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣

He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.

ولَمّا أخْبَرَ بِتَمامِ القُدْرَةِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الأوَّلُ﴾ أيْ بِالأزَلِيَّةِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَلا أوَّلَ لَهُ، والقَدِيمُ الَّذِي مِنهُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ ولَيْسَ وُجُودُهُ مِن شَيْءٍ لِأنَّ كُلَّ ما نُشاهِدُهُ مُتَأثِّرٌ لِأنَّهُ حَقِيرٌ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ غَيْرِ مُتَأثِّرٍ ﴿والآخِرُ﴾ بِالأبَدِيَّةِ، الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في سِلْسِلَةِ التَّرَقِّي وهو بَعْدَ فَناءِ كُلِّ شَيْءٍ ولَوْ بِالنَّظَرِ إلى ما لَهُ مِن ذاتِهِ فَلا آخِرَ لَهُ لِأنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ [نَعْتُ] العَدَمِ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ ما تَغَيَّرَ بِنَوْعٍ مِنَ التَّغْيِيرِ جازَ إعْدامُهُ، وما جازَ إعْدامُهُ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْدِمٍ يَكُونُ بَعْدَهُ ولا يُمْكِنُ إعْدامُهُ.

ولَمّا كانَ السَّبْقُ يَقْتَضِي البُطُونَ، والتَّأخُّرُ يُوجِبُ الظُّهُورَ، وكانا أمْرَيْنِ مُتَضادَّيْنِ لا يَكادُ الإنْسانُ يَسْتَقِلُّ بِتَعَلُّقِهِما في شَيْءٍ واحِدٍ، نَبَّهَ عَلى اجْتِماعِهِما فِيهِ، فَقالَ مُشِيرًا بِالواوِ إلى تَمامِ الِاتِّصافِ وتَحَقُّقِهِ: ﴿والظّاهِرُ﴾ أيْ بِالأحَدِيَّةِ لِلْعَقْلِ بِأدِلَّتِهِ الظّاهِرَةِ في المَصْنُوعاتِ بِما لَهُ مِنَ الأفْعالِ ظُهُورًا لا يَجْهَلُهُ عاقِلٌ، وهو الغالِبُ في رِفْعَتِهِ وعُلُوِّهِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ (p-٢٥٦)﴿والباطِنُ﴾ بِالصَّمَدِيَّةِ وعَنِ انْطِباعِ الحَواسِّ وارْتِسامِ الخَيالِ وتَصَوُّرِ الفَهْمِ والفِكْرِ وبِتَمامِ العِلْمِ والحِكْمَةِ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ في ذاتِهِ بِكَثْرَةِ التَّعالِي والحُجُبِ بُطُونًا[ لا] يَكْتَنِهُهُ شَيْءٌ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: الأوَّلُ بِلا ابْتِداءٍ، الآخِرُ بِلا انْتِهاءٍ. الظّاهِرُ بِلا خَفاءٍ، [الباطِنُ] بِنَعْتِ العُلا وعِزِّ الكِبْرِياءِ - انْتَهى، والعَطْفُ لِلدَّلالَةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ عَلى الإحاطَةِ التّامَّةِ لِأنَّها لَمّا كانَتْ مُتَضادَّةً كانَتْ بِحَيْثُ لَوْ أُعْرِيَتْ عَنِ الواوِ لَرُبَّما ظُنَّ أنَّ وُجُودَها لا عَلى سَبِيلِ التَّمَكُّنِ، فَلا تَكُونُ مُحِيطَةً بَلْ مُقَيَّدَةً بِحَيْثِيَّةٍ مَثَلًا،فَجاءَتِ الواوُ دَلالَةً عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ وإحاطَتِهِ وأنَّهُ واقِعٌ بِكُلِّ اعْتِبارٍ لَيْسَ واحِدٌ مِنَ الأوْصافِ مُكَمِّلًا لِشَيْءٍ آخَرَ ولا شارِحًا لِمَعْناهُ، فَهو أوَّلٌ عَلى الإطْلاقِ وآخِرٌ كَذَلِكَ، وظاهِرٌ حَتّى في حالِ بُطُونِهِ وباطِنٌ كَذَلِكَ، وهَذا عَلى الأصْلِ فَإنَّ صِفاتِهِ تَعالى مُحِيطَةٌ فَلا إشْكالَ، إنَّما الإشْكالُ عِنْدَ الخُلُوِّ مِنَ العَطْفِ فَهو الأغْلَبُ في إيرادِها كَما آخِرُ الحَشْرِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مُرادُ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: [إنَّ] الواوَ الأُولى مَعْناها الدَّلالَةُ عَلى الجامِعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ، أيْ جَمْعًا هو في غايَةِ المَكِنَةِ، والثّالِثَةَ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الظُّهُورِ والخَفاءِ، وأمّا الوُسْطى فَعَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ومَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ، فَهو المُسْتَمِرُّ الوُجُودِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ مَن ظَهَرَ لِشَيْءٍ بَطَنَ عَنْ غَيْرِهِ، ومَن بَطَنَ لِشَيْءٍ غابَ (p-٢٥٧)عَنْهُ عِلْمُهُ، وكانَ سُبْحانَهُ في ظُهُورِهِ عَلى ذَلِكَ بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وفي بُطُونِهِ بِحَيْثُ لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ، فَقَدْ جَمَعَتِ الأوْصافُ إحاطَةَ العِلْمِ والقُدْرَةِ، أعْلَمَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ لِكَوْنِ الأشْياءِ عِنْدَهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ،،[و]البُطُونُ والظُّهُورُ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَلا باطِنَ مِنَ الخَلْقِ عِنْدَهُ بَلْ هو في غايَةِ الظُّهُورِ لَدَيْهِ لِأنَّهُ الَّذِي أوَجَدَهُمْ، وهَذا مَعْنى ما قالَ البَغْوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: سَألَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَعْبًا عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: مَعْناها أنَّ عِلْمَهُ بِالأوَّلِ كَعِلْمِهِ بِالآخِرِ، وعِلْمَهُ بِالظّاهِرِ كَعِلْمِهِ بِالباطِنِ - انْتَهى.

لِأنَّ العِلْمَ يَسْتَلْزِمُ القُدْرَةَ عَلى حَسَبِهِ.

57:4Page 538

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤

It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.

ولَمّا كانَ الصّانِعُ لِلشَّيْءِ عالِمًا بِهِ، دَلَّ عَلى عِلْمِهِ وما تَقَدَّمَ مِن وصْفِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ وجَمَعَها لِعِلْمِ العَرَبِ بِتَعَدُّدِها ﴿والأرْضَ﴾ أيِ الجِنْسَ الشّامِلَ لِلْكُلِّ، أفْرَدَها لِعَدَمِ تَوَصُّلِهِمْ إلى العِلْمِ بِتَعَدُّدِها ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ سَنًّا لِلتَّأنِّي وتَقْرِيرًا لِلْأيّامِ الَّتِي أوْتَرَها سابِعُها الَّذِي خَلَقَ فِيهِ الإنْسانَ الَّذِي دَلَّ خَلْقُهُ بِاسْمِهِ الجُمْعَة عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ وبِأنَّهُ السّابِعُ عَلى أنَّهُ نِهايَةُ المَخْلُوقاتِ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ تَمَكُّنُ المَلِكِ مِن سَرِيرِ المُلْكِ كِنايَةً عَنِ انْفِرادِهِ بِالتَّدْبِيرِ (p-٢٥٨)وإحاطَةِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ، وكانَ ذَلِكَ هو رُوحُ المُلْكِ، دَلَّ عَلَيْهِ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَتِهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ أيْ أوْجَدَ السَّواءَ وهو العَدْلُ إيجادَ مَن هو شَدِيدُ العِنايَةِ ﴿عَلى العَرْشِ﴾ المُحِيطِ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ بِالتَّدْبِيرِ المُحْكَمِ لِلْعَرْشِ وما دُونَهُ ومَن دُونَهُ لِيَتَصَوَّرَ لِلْعِبادِ أنَّ العَرْشَ مَنشَأُ التَّدْبِيرِ، ومَظْهَرُ التَّقْدِيرِ، كَما يُقالُ في مُلُوكِنا: جَلَسَ فُلانٌ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، بِمَعْنى أنَّهُ انْفَرَدَ بِالتَّدْبِيرِ، وقَدْ لا يَكُونُ هُناكَ سَرِيرٌ فَضْلًا عَنْ جُلُوسٍ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِالِاسْتِواءِ الِانْفِرادَ بِالتَّدْبِيرِ، وكانَ التَّدْبِيرُ لا يَصِحُّ إلّا بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، كَشَفَهُ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى أنَّ عِلْمَهُ بِالخَفايا كَعِلْمِهِ بِالجَلايا: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ﴾ أيْ يَدْخُلُ دُخُولًا يَغِيبُ بِهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ مِن أجْزاءِ الأمْواتِ وغَيْرِها [وإنْ] كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِنَ العَرْشِ، فَإنَّ الأماكِنَ كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ في القُرْبِ والبُعْدِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ كَذَلِكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى ما أوْدَعَ في الخافِقَيْنِ مِنَ القُوى فَصارَ بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ مِنهُما ذَلِكَ بِخَلْقِهِ تَجَدُّدَ اسْتِمْرارٍ إلى حِينِ خَرابِهِما.

ولَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ فِيما قَدْ يُتَوَهَّمُ بُعْدُهُ لِبُعْدِهِ عَنِ العَرْشِ بِسُفُولِهِ تَنْبِيهًا عَلى التَّنَزُّهِ عَنِ التَّحَيُّزِ فَكانَ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ، أتْبَعَهُ قَسِيمَهُ وهو جِهَةُ العُلُوِّ تَعْمِيمًا لِلْعَمَلِ بِسائِرِ الخَلْقِ فَقالَ: ﴿وما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ ولَمْ يَجْمَعْ (p-٢٥٩)لِأنَّ المَقْصُودَ حاصِلٌ بِالواحِدَةِ مَعَ إفْهامِ التَّعْبِيرِ بِها الجِنْسَ السّافِلَ لِلْكُلِّ، وذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ والأمْطارِ والحَرِّ والبَرْدِ وغَيْرِهِما مِنَ الأعْيانِ والمَنافِعِ الَّتِي يُوجِدُها سُبْحانَهُ مِن مَقادِيرِ أعْمارِ بَنِي آدَمَ وأرْزاقِهِمْ وغَيْرِها مِن جَمِيعِ شُؤُونِهِمْ ﴿وما يَعْرُجُ﴾ أيْ يَصْعَدُ ويَرْتَقِي ويَغِيبُ ﴿فِيها﴾ كالأبْخِرَةِ والأنْوارِ والكَواكِبِ والأعْمالِ وغَيْرِها.

ولَمّا كانَ مَن يَتَّسِعُ مُلْكُهُ يَغِيبُ عَنْهُ عِلْمُ بَعْضِهِ لِبُعْدِهِ عَنْهُ، عَرَّفَ أنَّهُ لا مَسافَةَ أصْلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ أيْ أيُّها الثَّقَلانِ المُحْتاجانِ إلى التَّهْذِيبِ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ المُسَبَّبَيْنِ عَنِ القُرْبِ ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ فَهو عالِمٌ بِجَمِيعِ أُمُورِكم وقادِرٌ عَلَيْكم تَعالِيًا عَنِ اتِّصالٍ بِالعِلْمِ ومُماسَّةٍ، أوِ انْفِصالٍ عَنْهُ بِغَيْبَةٍ أوْ مَسافَةٍ، قالَ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في كِتابِهِ الفُرْقانُ بَيْنَ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ وأوْلِياءِ الشَّيْطانِ: لَفْظُ [”مَعَ“]لا يَقْتَضِي في لُغَةِ العَرَبِ أنْ يَكُونَ أحَدُ الشَّيْئَيْنِ مُخْتَلِطًا بِالآخَرِ لِقَوْلِهِ

﴿اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] ولَفْظُ ”مَعَ“ جاءَتْ في القُرْآنِ عامَّةً وخاصَّةً، فالعامَّةُ ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةُ، فافْتَتَحَ الكَلامَ بِالعِلْمِ واخْتَتَمَهُ بِالعِلْمِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والضَّحّاكُ (p-٢٦٠)وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هو مَعَهم بِعِلْمِهِ، وأمّا المَعِيَّةُ الخاصَّةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وقالَ: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهو مَعَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ دُونَ فِرْعَوْنَ، ومَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصاحِبِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ أبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِ مِن أعْدائِهِ، ومَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ دُونَ الظّالِمِينَ المُعْتَدِينَ، فَلَوْ كانَ مَعْنى المَعِيَّةِ أنَّهُ بِذاتِهِ في كُلِّ مَكانٍ تَناقَضَ الخَبَرُ الخاصُّ والخَبَرُ العامُّ، بَلِ المَعْنى أنَّهُ مَعَ هَؤُلاءِ بِنَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ دُونَ أُولَئِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أيْ هو إلَهٌ في السَّماءِ وإلَهٌ في الأرْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] كَما فَسَّرَهُ أئِمَّةُ العِلْمِ كَأحْمَدَ وغَيْرِهِ أنَّهُ المَعْبُودُ في السَّماواتِ والأرْضِ.

ولَمّا كانَتِ الأعْمالُ مِنها ظاهِرٌ وباطِنٌ، عَبَّرَ في أمْرِها بِاسْمِ الذّاتِ دَلالَةً عَلى شُمُولِها بِالعِلْمِ والقَدْرِ وتَنْبِيهًا عَلى عَظَمَةِ الإحاطَةِ بِها وبِكُلِّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وقَدَّمَ الجارَّ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ والتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ الإحاطَةِ كَما مَضى (p-٢٦١)التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ [غَيْرَ مَرَّةٍ] وتَمْثِيلُهُ بِنَحْوِ: أعْرِفُ فُلانًا ولا أعْرِفُ غَيْرَهُ؛ فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِجَلائِلِهِ ودَقائِقِهِ.

57:5Page 538

لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥

His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.

ولَمّا كانَ صانِعُ الشَّيْءِ قَدْ لا يَكُونُ مَلِكًا، وكانَ المَلِكُ لا يَكْمُلُ مُلْكُهُ إلّا بِعِلْمِ جَمِيعِ ما يَكُونُ في مَمْلَكَتِهِ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وكانَ إنْكارُهم لِلْبَعْثِ إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ مَلِكًا، أكَّدَ ذَلِكَ بِتَكْرِيرِ الإخْبارِ بِهِ فَقالَ: ﴿لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾ وجَمَعَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ ﴿والأرْضِ﴾ أفْرَدَ لِخَفاءِ تَعَدُّدِها عَلَيْهِمْ مَعَ إرادَةِ الجِنْسِ، ودَلَّ عَلى دَوامِ مُلْكِهِ وإحاطَتِهِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمِنَ اللَّهِ المَبْدَأُ، مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِئَلّا يُظَنَّ الخُصُوصُ بِأُمُورِ ما تَقَدَّمَ: ﴿وإلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ وحْدَهُ ﴿تُرْجَعُ﴾ بِكُلِّ اعْتِبارٍ عَلى غايَةِ السُّهُولَةِ ﴿الأُمُورُ﴾ أيْ كُلُّها حِسًّا بِالبَعْثِ ومَعْنًى بِالإبْداءِ والإفْناءِ، ودَلَّ عَلى هَذا الإبْداءِ والإفْناءِ بِأبْدَعِ الأُمُورِ وأرْوَقِها فَقالَ:

57:6Page 538

يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦

He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.

﴿يُولِجُ﴾ أيْ يُدْخِلُ ويُغَيِّبُ بِالنَّقْصِ والمَحْوِ ﴿اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ فَإذا قَدْ قَصُرَ بَعْدَ طُولِهِ، وقَدِ انْمَحى بَعْدَ تَشَخُّصِهِ وحُلُولِهِ، فَمَلَأ الضِّياءُ الأقْطارَ بَعْدَ ذَلِكَ الظَّلامِ ﴿ويُولِجُ النَّهارَ﴾ الَّذِي عَمَّ الكَوْنَ ضِياؤُهُ وأنارَهُ لَأْلاؤُهُ ﴿فِي اللَّيْلِ﴾ الَّذِي قَدْ كانَ غابَ في عِلْمِهِ، فَإذا الظَّلامُ قَدْ طَبَّقَ الآفاقَ، والطُّولُ، الَّذِي (p-٢٦٢)[كانَ] لَهُ قَدْ صارَ نَقْصًا.

ولَمّا كانَ في هَذا إظْهارُ أخْفى الأشْياءِ حَتّى يَصِيرَ في غايَةِ الجَلاءِ، أتْبَعَهُ عِلْمَ ما هو عِنْدَ النّاسِ أخْفى ما يَكُونُ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ ما يَصْحَبُها فَتُخْفِيهِ فَلا يَخْرُجُ مِنها الهَمَزاتُ عَلى مَدى الأيّامِ عَلى كَثْرَةِ اخْتِلافِها وتَغَيُّرِها وإنْ خَفِيَتْ عَلى أصْحابِها.

57:7Page 538

ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧

Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.

ولَمّا قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى تَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ شائِبَةِ كُلِّ نَقْصٍ، وإحاطَتِهِ بِكُلِّ صِفَةِ كَمالٍ، المُقْتَضِي لِثُبُوتِ أنَّ المُلْكَ لَهُ، المُوجِبِ قَطْعًا لِتَفَرُّدِهِ بِعُمُومِ الإلَهِيَّةِ، المُقْتَضِي لِإرْسالِ مَن يُرِيدُهُ إلى جَمِيعِ مَن في مُلْكِهِ، وخَتَمَ بِالعِلْمِ بِالضَّمائِرِ الَّتِي أجَلُّها الإيمانُ، قالَ آمِرًا بِالإذْعانِ لَهُ ولِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿آمِنُوا﴾ أيْ أيُّها الثَّقَلانِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ﴿ورَسُولِهِ﴾ الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ. ولَمّا كانَ الإيمانُ أساسًا، والإنْفاقُ وجْهًا ظاهِرًا ورَأْسًا، قالَ جامِعًا بَيْنَ الأساسِ الحامِلِ الخَفِيِّ والوَجْهِ الظّاهِرِ الكامِلِ البَهِيِّ: ﴿وأنْفِقُوا﴾ أيْ في إظْهارِ دِينِهِ: ورَغَّبَهم في ذَلِكَ بِطَلَبِ اليَسِيرِ مِمّا أعْطاهُمُ [اللَّهُ] وزَهَّدَهم مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا جَعَلَكُمْ﴾ أيْ بِقُدْرَتِهِ ﴿مُسْتَخْلَفِينَ﴾ أيْ مَطْلُوبًا مَوْجُودًا خِلافَتُكم ﴿فِيهِ﴾ وهو لَهُ دُونَكم بِما يُرْضِي مَنِ اسْتَخْلَفَكم في تَمْهِيدِ سَبِيلِهِ فَطِيبُوا بِها نَفْسًا لِأنَّها لَيْسَتْ في الحَقِيقَةِ لَكم وإنَّما أنْتُمْ خُزّانٌ، وخافُوا مِن عَزْلِكم مِنَ الخِلافَةِ بِانْتِزاعِها مِن أيْدِيكم بِتَوْلِيَةِ غَيْرِكم أمْرَها، إمّا في حَياتِكُمْ، وإمّا (p-٢٦٣)بَعْدَ مَماتِكُمْ، كَما فَعَلَ بِغَيْرِكم حِينَ أوْصَلَ إلَيْكم ما وصَلَ مِن أمْوالِهِمْ، فَلَيْسَ لَكم مِنها إلّا ما أكَلْتُمْ فَأفْنَيْتُمْ أوْ لَبِسْتُمْ فَأبْلَيْتُمْ أوْ تَصَدَّقْتُمْ فَأبْقَيْتُمْ - وفي رِوايَةٍ: فَأمْضَيْتُمْ، ولْيَهُنِ الإنْفاقُ مِنها عَلَيْكم كَما يَهُونُ عَلى الإنْسانِ النَّفَقَةُ مِن مالِ غَيْرِهِ إذا كانَ أُذِنَ لَهُ فِيهِ.

ولَمّا أمَرَ بِالإنْفاقِ ووَصَفَهُ بِما سَهَّلَهُ، سَبَّبَ عَنْهُ ما يُرَغِّبُ فِيهِ فَقالَ مُبالِغًا في تَأْكِيدِ الوَعْدِ لِما في ارْتِكابِهِ مِنَ العُسْرِ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وبِناءِ [الحُكْمِ] عَلى الضَّمِيرِ بِالوَصْفِ بِالكَبِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وبَيَّنَ أنَّ هَذا خاصٌّ بِهِمْ لِضِيقِ الحالِ في زَمانِهِمْ فَقالَ: ﴿مِنكم وأنْفَقُوا﴾ أيْ مِن أمْوالِهِمْ في الوُجُوهِ الَّتِي نَدَبَ إلَيْها عَلى وجْهِ الإصْلاحِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالإنْفاقِ ﴿لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ لا تَبْلُغُ عُقُولُكم حَقِيقَةَ كِبَرِهِ فاغْتَنِمُوا الإنْفاقَ في أيّامِ اسْتِخْلافِكم قَبْلَ عَزْلِكم وإتْلافِكم.

57:8Page 538

وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨

And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?

ولَمّا رَغَّبَ في الإنْفاقِ والإيمانِ، وكانَ الإيمانُ مُقْتَضًى بِالإنْفاقِ، عَجِبَ مِمَّنْ لا يُبادِرُ إلى الحاصِلِ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، فَقالَ مُفَصِّلًا لِما أجْمَلَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِيهِما، بادِئًا بِأبْيَنِ كُلِّ خَيْرٍ، مُنَفِّسًا عَنْهم بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الِاسْتِقْبالِ بِالبِشارَةِ بِالعَفْوِ عَنِ الماضِي مُرَهِّبًا مُوَبِّخًا لِمَن لا يُبادِرُ إلى مَضْمُونِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَما لَكم لا تُبادِرُونَ إلى ذَلِكَ: ﴿وما﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ ﴿لَكُمْ﴾ مِنَ الأعْذارِ أوْ غَيْرِها في أنَّكُمْ، أوْ حالَ كَوْنِكم ﴿لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ الإيمانَ - أيْ تَجْدِيدًا (p-٢٦٤)مُسْتَمِرًّا - بِالمَلِكِ الأعْلى أيِ الَّذِي لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ والأمْرُ كُلُّهُ بَعْدَ سَماعِكم لِهَذا الكَلامِ: لِأنَّ ”لا“ لا تَدْخُلُ عَلى مُضارِعٍ إلّا وهو بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ولَوْ عَبَّرَ بِعِبارَةٍ تَدُلُّ عَلى الحالِ لَرُبَّما تَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ فَقالَ: فَأْتِ ما طَلَبَ مِنّا، والَّذِي بَعْدَ هَذا مِنَ الحالِ الَّتِي هي في مَعْنى العِلَّةِ دالَّةٌ عَلى هَذا، وهي قَوْلُهُ: ﴿والرَّسُولُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ الَّذِي لَهُ الرِّسالَةُ العامَّةُ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ صَباحًا ومَساءً عَلى ما لَهُ مِن مُقْتَضَياتِ القَبُولِ مِنهُ مِن حُسْنِ السَّمْتِ وجَلالَةِ القَدْرِ وإظْهارِ الخَوارِقِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ تُجَدِّدُوا الإيمانَ ﴿بِرَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ تَرْبِيَتَكم بِأنْ جَعَلَكم مِن أُمَّةِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ وشَرَّفَكم بِهِ ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ أيْ وقَعَ أخْذُهُ [فَصارَ] في غايَةِ [القَباحَةِ] تَرْكُ ما وقَعَ التَّوَثُّقُ بِسَبَبِهِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ والتَّمْكِينِ مِنَ النَّظَرِ بِإبْداعِ العُقُولِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُنْضَمٌّ إلى أخْذِ الذُّرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإشْهادِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ وإشْهادِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وبَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو لِيَكُونَ المَعْنى أيَّ أخْذٍ كانَ لِأنَّ الغَدْرَ عِنْدَ الكُرَماءِ شَدِيدٌ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مُعَيَّنٍ لا سِيَّما العَرَبُ فَكَيْفَ إذا كانَ الآخِذُ المَلِكَ الأعْظَمَ القادِرَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ العالِمَ بِكُلِّ شَيْءٍ، ورَسُولُهُ الَّذِي تَعْظِيمُهُ مِن تَعْظِيمِهِ، كَما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ولا يَخْفى الإعْرابُ، والحاصِلُ أنَّهم نَقَضُوا المِيثاقَ في الإيمانِ، فَلَمْ يُؤاخِذْهم (p-٢٦٥)حَتّى أرْسَلَ الرُّسُلَ.

ولَمّا حَثَّهم عَلى تَجْدِيدِ الإيمانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ بِالتَّعَجُّبِ مِن تَرْكِ ذَلِكَ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ يَدَّعِي العَراقَةَ في الخَيْرِ، هَيَّجَهم وألْهَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ جِبِلَّةً ووَصْفًا ثابِتًا ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في وصْفِ الإيمانِ، وهو الكَوْنُ عَلى نُورِ الفِطْرَةِ الأُولى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском