Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
هود
Hud
Hud · Meccan · 123 ayahs
11:1–2Page 221
الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١
Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Aware2
أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ ٢
[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"
(p-٢٢٤)سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِالإحْكامِ والتَّفْصِيلِ في حالَتَيِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ المُقْتَضِي ذَلِكَ لِمُنَزِّلِهِ سُبْحانَهُ وضَعَ كُلِّ شَيْءٍ في أتَمِّ مَحالِّهِ وإنْفاذِهِ مَهْما أُرِيدَ المُوجِبُ لِلْقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنْسَبُ ما فِيها لِهَذا المَقْصِدِ ما ذُكِرَ في سِياقِ قِصَّةٍ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أحْكامِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ بِالعاجِلِ والآجِلِ والتَّصْرِيحِ بِالجَزْمِ بِالمُعالَجَةِ بِالمُبادَرَةِ النّاظِرِ إلى أعْظَمِ مَداراتِ السُّورَةِ ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] والعِنايَةِ بِكُلِّ دابَّةٍ والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ المُقْتَضِي لِلْعِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ اللّازِمِ مِنهُ التَّفَرُّدُ بِالمُلْكِ. [وسَيَأْتِي في الأحْقافِ وجْهُ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنهُما بِاسْمِهِما].
”بِسْمِ اللَّهِ“ أيِ الَّذِي لَهُ تَمامُ العِلْمِ وكَمالُ الحِكْمَةِ وجَمِيعُ القُدْرَةِ ”الرَّحْمَنِ“ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ بِعُمُومِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ ”الرَّحِيمِ“ لِأهْلِ وِلايَتِهِ بِالحِفْظِ في سُلُوكِ سَبِيلِهِ ﴿الر﴾ .
لَمّا خُتِمَتِ السُّورَةُ الَّتِي قَبْلَها - كَما تَرى - بِالحَثِّ عَلى اتِّباعِ الكِتابِ ولُزُومِهِ والصَّبْرِ عَلى ما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن مَرائِرِ الضَّيْرِ المُؤَدِّيَةِ إلى مَفاوِزِ الخَيْرِ اعْتِمادًا عَلى المُتَّصِفِ بِالجَلالِ والكِبْرِياءِ والكَمالِ. ابْتُدِئَتْ هَذِهِ بِوَصْفِهِ بِما يُرَغِّبُ فِيهِ، فَقالَ بَعْدَ الإشارَةِ إلى إعادَةِ القَرْعِ بِالتَّحَدِّي عَلى ما سَلَفَ (p-٢٢٥)فِي البَقَرَةَ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جامِعٌ لِكُلٍّ خَيْرِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ بَيانًا لِأنَّ إحْكامَهُ أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ [عَلى أيْسَرِ وجْهٍ عَنْهُ سُبْحانَهُ] وأُتْقِنَ إتْقانًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ﴿آياتُهُ﴾ أيْ: أُتْقِنَتْ إتْقانًا لا نَقْصَ مَعَهُ فَلا يَنْقُصُها الَّذِي أنْزَلَها بِنَسْخِها كُلِّها بِكِتابٍ آخَرَ ولا غَيْرِهِ، ولا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ نَقْصَ شَيْءٍ مِنها ولا الطَّعْنَ في شَيْءٍ مِن بَلاغَتِها أوْ فَصاحَتِها بِشَيْءٍ يُقْبَلُ، والمُرادُ بِ: ﴿مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في آلِ عِمْرانَ عَدَمُ التَّشابُهِ.
ولَمّا كانَ لِلتَّفْصِيلِ رُتْبَةٌ هي في غايَةِ العَظَمَةِ، أُتِيَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: وبَعْدَ هَذِهِ الرُّتْبَةِ العالِيَةِ الَّتِي لَمْ يُشارِكْهُ في مَجْمُوعِها كِتابٌ جُعِلَتْ لَهُ رُتْبَةٌ أعْلى مِنها جِدًّا بِحَيْثُ لَمْ يُشارِكْهُ في شَيْءٍ مِنها كِتابٌ؛ وذَلِكَ أنَّهُ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ: جُعِلَتْ لَها - مَعَ كَوْنِها مُفَصَّلَةً إلى حَلالٍ وحَرامٍ وقَصَصٍ وأمْثالٍ - فَواصِلَ ونِهاياتٍ تَكُونُ بِها مُفارِقَةً لِما بَعْدَها و[ما] قَبْلَها، يُفْهَمُ مِنها عُلُومٌ جَمَّةٌ ومَعارِفُ مُهِمَّةٌ وإشاراتٌ إلى أحْوالٍ عالِيَةٍ، ومَوارِدَ عَذْبَةٍ صافِيَةٍ، ومَقاماتٍ مِن كُلِّ عِلَّةٍ شافِيَةٍ، كَما تُفَصَّلُ القَلائِدُ بِالفَرائِدِ، وهَذا التَّفْصِيلُ لَمْ يُشارِكْهُ في شَيْءٍ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، بَلْ هي مُدْمَجَةٌ إدْماجًا لا فَواصِلَ لَها كَما يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن طالَعَها، ويَكْفِي في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ما سُقْتُهُ مِنها في تَضاعِيفِ هَذا الكِتابِ، (p-٢٢٦)وما أنْسَبَ خِتامَ هَذِهِ الآيَةِ لِلْإحْكامِ والتَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ﴾ أيْ: نَزَلَتْ آياتُهُ مُحْكَمَةً مُفَصَّلَةً حالَ كَوْنِها مُبْتَدِئَةً مِن حَضْرَةٍ هي أغْرَبُ الحَضَراتِ الكائِنَةِ مِن إلَهٍ ﴿حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ مُنْتَهِيَةً إلَيْكَ وأنْتَ أعْلى النّاسِ في كُلِّ وصْفٍ فَلِذَلِكَ لا يُلْحَقُ إحْكامُها ولا تَفْصِيلُها، أرْسَلْناكَ بِهِ قائِلًا: ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلا اللَّهَ﴾ أيِ الإلَهَ الأعْظَمَ.
ولَمّا كانَ هَذا مُعْظَمَ ما أُرْسِلَ بِهِ ﷺ ومَدارَهُ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ أرْسَلَهُ سُبْحانَهُ مُؤَكِّدًا لَهُ [لِأجْلِ إنْكارِهِمْ] فَقالَ: ﴿إنَّنِي﴾ ولَمّا كانَ إرْسالُهُ ﷺ لِأجْلِ رَحْمَةِ العالَمِينَ، قَدَّمَ ضَمِيرَهم فَقالَ: ﴿لَكم مِنهُ﴾ أيْ: خاصَّةً، ثُمَّ أجْمَلَ القُرْآنَ كُلَّهُ في وصْفَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: [مُقَدِّمًا ما هو أنْسَبُ لِخِتامِ الَّتِي قَبْلَها بِالصَّبْرِ]: ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [كامِلٌ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ غايَةَ الكَمالِ]، وهَذا التَّقْدِيرُ يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى أوَّلَ الَّتِي قَبْلَها: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢] مَعَ إيضاحِهِ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي﴾ [هود: ٢٥] عَطَفْناهُ عَلَيْهِ، وإظْهارُهُ لِفائِدَةِ عَطْفِهِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ويُرَجِّحُ أنَّ ”لا“ ناهِيَةٌ جازِمَةٌ لِ: ”تَعْبُدُوا“ عَطْفُ ”أنِ اسْتَغْفِرُوا“ عَلَيْهِ، فَقَدْ ظَهَرَ مِن (p-٢٢٧)تَلْوِيحِ هَذا وتَصْرِيحِهِ وتَصْرِيحِ ما [فِي] بَقِيَّةِ السُّورَةِ أنَّ مَقْصُودَها وصْفُ الكِتابِ بِالإحْكامِ والتَّفْصِيلِ بِما يُعْجِزُ الخَلْقَ؛ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ مَن هو شامِلُ العِلْمِ كامِلُ القُدْرَةِ؛ فَهو بالِغُ الحِكْمَةِ يُعِيدُ الخَلْقَ لِلْجَزاءِ كَما بَدَأهم لِلْعَمَلِ فَوَجَبَ إفْرادُهُ بِالعِبادَةِ وأنْ يُمْتَثَلَ جَمِيعُ أمْرِهِ، ولا يُتْرَكَ شَيْءٌ مِنهُ رَجاءَ إقْبالِ أحَدٍ ولا خَوْفَ إدْبارِهِ، ولا يُخْشى غَيْرُهُ. ولا يُرْكَنُ إلى سِواهُ، عَلى ذَلِكَ مَضى جَمِيعُ النَّبِيِّينَ ودَرَجَ سائِرُ المُرْسَلِينَ ﷺ أجْمَعِينَ.
11:3Page 221
وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ ٣
And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor [i.e., reward]. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَشْمَلُ الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ [هود: ٢] مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ اطْلُبُوا مَعَ الإخْلاصِ في العِبادَةِ أنْ يَغْفِرَ لَكُمُ المُحْسِنُ إلَيْكم ما فَرَّطْتُمْ فِيهِ؛ وأشارَ بِأداةِ التَّراخِي إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ التَّوْبَةِ، وأنْ لا سَبِيلَ إلى طَلَبِ الغُفْرانِ إلّا بِها فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا بِالظّاهِرِ والباطِنِ رُجُوعًا لا رَجْعَةَ فِيهِ [وإنْ كانَ المُرادُ بِها الدَّوامَ فَجَلِيلُ رُتْبَتِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ] ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ [أيْ يَمُدُّ في تَلْذِيذِكم بِالعَيْشِ مَدًّا، مِن مَتَعَ النَّهارُ: ارْتَفَعَ، والضُّحى: بَلَغَ غايَتَهُ، وأمْتَعَهُ اللَّهُ بِكَذا: أبْقاهُ وأنْشَأهُ إلى أنْ يَبْلُغَ شَبابَهُ]؛ و[لَمّا]، كانَ التَّمْتِيعُ - وهو المَتاعُ البالِغُ فِيهِ حَتّى لا يَكُونَ فِيهِ كَدَرٌ - لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ المَصْدَرُ ﴿مَتاعًا﴾ وأنَّهُ وضَعَ مَوْضِعَ ”تَمْتِيعًا“، هَذا المَصْدَرَ (p-٢٢٨)ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَسَنًا﴾ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ أنْهى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الدّارِ، ولَقَدْ كانَ ما أُوتِيَهُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الظَّفَرِ بِالإهْداءِ وسَعَةِ الدُّنْيا ورَغَدِ العَيْشِ كَذَلِكَ ﴿إلى﴾ أيْ: مُمْتَدًّا إلى ﴿أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: في عِلْمِهِ إمّا بِالمَوْتِ لِكُلِّ واحِدٍ أوْ بِانْقِضاءِ ما ضَرَبَهُ مِنَ الأجَلِ لِلنِّعْمَةِ الَّتِي أشارَ إلَيْها ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ أيْ: عَمَلٍ فاضِلٍ ﴿فَضْلَهُ﴾ أيْ: جَزاءَ ما قَصَدَ بِعَمَلِهِ عَلى وجْهِ التَّفْضِيلِ مِنهُ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ لا يَجِبُ لِأحَدٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ التَّفْضِيلِ: الحَسَنَةُ بِعَشَرَةِ أمْثالِها؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وهَلَكَ مَن غَلَبَتْ آحادُهُ عَشَراتِهِ.
ولَمّا انْقَضى التَّبْشِيرُ مَجْزُومًا بِهِ، أتْبَعَهُ التَّحْذِيرَ مُخَوِّفًا مِنهُ لُطْفًا بِالعِبادِ واسْتِعْطافًا لَهم فَقالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم ضِدَّ ما طَبَعَها اللَّهُ عَلَيْهِ مِن سَلامَةِ الفِطْرَةِ وسُهُولَةِ الِانْقِيادِ مِنَ الإعْراضِ ولَوْ أدْنى دَرَجاتِهِ بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: والعاقِلُ مِن أبْعَدِ عَنِ المَخاوِفِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ أيْ: لِكِبَرِ ما فِيهِ مِنَ العَذابِ مِمَّنْ قَدَرَ عَلى إثْباتِكُمْ، وخَصَّ اسْمُ الرَّبِّ تَذْكِيرًا بِما لَهُ مِنَ النِّعَمِ في الإيجادِ والإنْشاءِ والتَّرْبِيَةِ؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِغْفارُ - وهو طَلَبُ الغُفْرانِ - مَطْلُوبًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لا يُعْتَبَرُ إلّا إذا قُرِنَ بِالتَّوْبَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ (p-٢٢٩)بِ: ”ثُمَّ“ إشارَةً إلى عَظِيمِ رُتْبَتِها وعَلى مَنزِلَتِها وإنْ كانَ المُرادُ بِها الدَّوامَ عَلَيْها فَجَلِيلُ رُتْبَتِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ العَمَلِ بِالفَضْلِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّكْلِيفُ إلّا بِما في الوُسْعِ مَعَ أنَّهُ مِن مَعالِي الأخْلاقِ، لِأنَّ الفَضْلَ في الأصْلِ ما فَضَلَ عَنِ الإنْسانِ وتُعانِيهِ مِن كَرِيمِ الشَّمائِلِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو في الذُّرْوَةِ مِنَ الإحْكامِ؛ لِأنَّهُ مَنَعَ الفِعْلَ مِنَ الفَسادِ؛ والحَكِيمُ مِنَ الحِكْمَةِ وهي العِلْمُ بِما يَجْمَعُ عَلَيْهِ مِمّا يَمْنَعُ الفِعْلَ مِنَ الفَسادِ والنَّقْضِ، وبِها يُمَيَّزُ الحَسَنُ مِنَ القَبِيحِ والفاسِدِ مِنَ الصَّحِيحِ، وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ سَبَبُ السِّعَةِ ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] وأنَّ الإعْراضَ سَبَبُ الضِّيقِ، كَما قالَ ﷺ: ««إنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ»».
﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ إشارَةً إلى ثَوابِ الآخِرَةِ، فالتَّوْبَةُ سَبَبُ طِيبِ العَيْشِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في كِتابِهِ في مُناسَبَةِ هَذِهِ السُّورَةِ لِلَّتِي قَبْلَها: ولَمّا كانَتْ سُورَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَضَمَّنَتْ - مِن آيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ لِلْفِطَرِ ومِنَ العِظاتِ والتَّخْوِيفِ والتَّهْدِيدِ والتَّرْهِيبِ (p-٢٣٠)والتَّرْغِيبِ وتَقْرِيعِ المُشْرِكِينَ والجاحِدِينَ والقَطْعِ بِهِمْ والإعْلامِ بِالجَرَيانِ عَلى حُكْمِ السَّوابِقِ ووُجُوبِ التَّفْوِيضِ والتَّسْلِيمِ - ما لَمْ تَشْمَلْ عَلى مِثْلِهِ سُورَةٌ لِتَكَرُّرِ هَذِهِ الأغْراضِ فِيها، وسَبَبُ تَكَرُّرِ ذَلِكَ فِيها - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّها أُعْقِبَتْ بِها السَّبْعُ الطِّوالُ، وقَدْ مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ بِها وقْعُ اسْتِيفاءِ بَيانِ حالِ المُتَنَكِّبِينَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ، ثُمَّ اسْتَوْفَتْ سُورَةُ الأنْعامِ ما وقَعَتِ الإحالَةُ عَلَيْهِ مِن أحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ كَما تَقَدَّمَ وبَسَطَتْ ما أُجْمِلَ مِن أمْرِهِمْ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِخِطابِ المُسْتَجِيبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحَذَّرُوا وأنْذَرُوا، وكَشَفَ عَنْ حالِ مَن تَلَبَّسَ بِهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ، وتَمَّ المَقْصُودُ مِن هَذا في سُورَتَيِ الأنْفالِ وبَراءَةَ، ثُمَّ عادَ الخِطابُ إلى طَرِيقَةِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والتَّحْذِيرِ مِن عَذابِهِ بَعْدَ بَسْطِ ما تَقَدَّمَ، فَكانَ مَظِنَّةَ تَأْكِيدِ التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ لِإتْيانِ ذَلِكَ بَعْدَ بَسْطِ حالٍ وإيضاحِ أدِلَّةٍ، فَلِهَذا كانَتْ سُورَةُ يُونُسَ مُضَمَّنَةً مِن هَذا ما لَمْ يُضَمَّنْ غَيْرُها، ألا تَرى افْتِتاحَها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣] الآياتِ. ومُناسِبَةُ هَذا الِافْتِتاحِ دُعاءُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ثُمَّ قَدْ نُبِّهُوا هُنا كَما نُبِّهُوا هُناكَ فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] ثُمَّ تَأكَّدَتِ المَواعِظُ والزَّواجِرُ والإشاراتُ إلى أحْوالِ المُكَذِّبِينَ والمُعانِدِينَ، (p-٢٣١)فَمِنَ التَّنْبِيهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ﴾ [يونس: ٥] ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] - إلى غَيْرِ هَذا، وعَلى هَذا السَّنَنِ تَكَرَّرَتِ العِظاتُ والأغْراضُ المُشارُ إلَيْها في هَذِهِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] فَحَصَلَ مِن سُورَةِ الأعْرافِ والأنْفالِ وبَراءَةَ ويُونُسَ تَفْصِيلُ ما كانَ أُجْمِلَ فِيما تَقَدَّمَها كَما حَصَلَ مِمّا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ أحْوالِ السّالِكِينَ والمُتَنَكِّبِينَ، فَلَمّا تَقَرَّرَ هَذا كُلُّهُ أتْبَعَ المَجْمُوعَ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] وتَأمَّلْ مُناسَبَةَ الإتْيانِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ وهُما ”الحَكِيمُ الخَبِيرُ“ ثُمَّ تَأمَّلْ تَلاؤُمَ صَدْرِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] وقَدْ كانَ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] فَأتْبَعَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] بِقَوْلِهِ في صَدْرِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] فَكَأنَّهُ في مَعْرِضِ بَيانِ الحَقِّ والمَوْعِظَةِ، وإذا كانَتْ مُحْكَمَةً مُفَصَّلَةً فَحُقَّ لَها أنْ تَكُونَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وحُقَّ تَوْبِيخُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] والعَجَبُ في عَمَهِهِمْ مَعَ \ إحْكامِهِ وتَفْصِيلِهِ ولَكِنَّ (p-٢٣٢)﴿الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] وتَأمَّلْ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] فَكُلُّ الكِتابِ حَقٌّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى، وإنَّما الإشارَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِما أرادَ إلى ما تَقَرَّرَ الإيماءُ إلَيْهِ مِن كَمالِ بَيانِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ومُلْتَزَماتِ مُتَّبِعِيهِ أخْذًا وتَرْكًا، وذِكْرِ أحْوالِ المُتَنَكِّبِينَ عَلى شَتّى طُرُقِهِمْ، واخْتِلافِ أهْوائِهِمْ وغاياتِهِمْ وشَرُّهم إبْلِيسُ؛ فَإنَّهُ مُتَّبِعُهم والقائِلُ لِجَمِيعِهِمْ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقَدْ بُسِطَ مَن أمْرِهِ وقِصَّتِهِ في البَقَرَةِ والأعْرافِ ما يَسَّرَ عَلى المُؤْمِنِينَ الحَذَرَ مِنهُ وعَرَّفَهم بِهِ، وذُكِرَ اليَهُودُ والنَّصارى والمُشْرِكُونَ والصّابِئُونَ والمُنافِقُونَ وغَيْرُهُمْ، وفَصَّلَ مُرْتَكَبَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم كَما اسْتَوْعَبَ ذِكْرَ أهْلِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وفَصَّلَ أحْوالَهُمُ ابْتِداءً وانْتِهاءً والتِزامًا وتَرْكًا ما أوْضَحَ طَرِيقَهُمْ، وعَيَّنَ حِزْبَهم وفَرِيقَهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٠] وذَكَرَ أحْوالَ الأُمَمِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ وأخْذَ كُلٍّ مِنَ الأُمَمِ بِذَنْبِهِ مُفَصَّلًا، وذَكَرَ ابْتِداءَ الخَلْقِ في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحالَ المَلائِكَةِ في التَّسْلِيمِ والإذْعانِ وذَكَرَ فَرِيقَ الجِنَّ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ وأمْرَ الآخِرَةِ وانْتِهاءَ حالِ الخَلائِقِ واسْتِقْرارَهُمُ الأُخْرَوِيَّ وتَكْرِيرَ دُعاءِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ تَعالى طَمَعًا فِيهِ ورَحْمَةً وإعْلامَ الخَلْقِ بِما هو عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وما يَجِبُ (p-٢٣٣)لَهُ مِنَ الصِّفاتِ العُلى والأسْماءِ الحُسْنى، ونَبَّهَ العِبادَ عَلى الِاعْتِبارِ وعَلِمُوا طُرُقَ الِاسْتِدْلالِ ورَغِبُوا ورَهِبُوا وبَشَّرُوا وأنْذَرُوا وأعْلَمُوا بِافْتِقارِ المَخْلُوقاتِ بِجُمْلَتِها إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما هو المُتَفَرِّدُ بِخَلْقِهِمْ إلى ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِمّا يَعْجِزُ الخَلائِقُ عَنْ حَصْرِهِ والإحاطَةِ بِهِ ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] فَلَمّا تَقَدَّمَ هَذا كُلُّهُ في السَّبْعِ الطِّوالِ وما تَلاها أعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] ثُمَّ أتْبَعَ هَذا بِالإيماءِ إلى فُصُولٍ ثَلاثَةٍ عَلَيْها مَدارُ آيِ الكُتُبِ، وهي فَصْلُ الإلَهِيَّةِ، وفَصْلُ الرِّسالَةِ، وفَصْلُ التَّكالِيفِ، أمّا الأوَّلُ فَأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وأمّا فَصْلُ الرِّسالَةِ فَأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢] وأمّا فَصْلُ التَّكالِيفِ فَأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ وهَذِهِ الفُصُولُ الثَّلاثَةُ هي الَّتِي تَدُورُ عَلَيْها آيُ القُرْآنِ وعَلَيْها مَدارُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، فَلَمّا حَصَلَ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِيما تَقَدَّمَ ولَمْ يَبْقَ وجْهُ شُبْهَةٍ لِلْمُعانِدِ ولا تَعَلُّقَ لِلْجاحِدِ واتَّضَحَ الحَقُّ وبانَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠] إشارَةً إلى كَمالِ المَقْصُودِ وبَيانِ المَطْلُوبِ واسْتِيفاءِ التَّعْرِيفِ بِوُضُوحِ الطَّرِيقِ وقَدْ وضَحَ مِن هَذا تِلاءُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ لِما تَقَدَّمَها، ومِمّا يَشْهَدُ لِهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وقَوْلُهُ تَعالى]: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢] (p-٢٣٤)فَقَدْ وضَحَ طَرِيقُكَ وفازَ بِالفَلاحِ حِزْبُكَ وفَرِيقُكَ ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] فَقَدْ عَرَفْتُمْ سَبِيلَهم ومَصِيرَهم فَقَدْ بانَ طَرِيقُ الحَقِّ، وكَيْفَ يَنْكِبُ مَن جَزَمَ سُلُوكَهُ مِنَ الخَلْقِ! ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠] عَقِبَ ما ذَكَرَ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] فَتَأمَّلْ [ذَلِكَ] واللَّهُ المُسْتَعانُ - انْتَهى.
11:4Page 221
إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤
To Allāh is your return, and He is over all things competent."
ولَمّا خُوِّفَ المُنْذَرُونَ بِاليَوْمِ الكَبِيرِ كانُوا كَأنَّهم قالُوا: ما هَذا اليَوْمُ؟ فَكانَ الجَوابُ: يَوْمَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، ولَمّا كانُوا رُبَّما حَمَلُوا الرُّجُوعَ عَلى مُجَرَّدِ المَوْتِ والصَّيْرُورَةِ تُرابًا، نَبَّهَهم عَلى أنَّهُ بِغَيْرِ المَعْنى الَّذِي يَتَوَهَّمُهُ بَلْ بِمَعْنى إعادَتِهِمْ كَما كانُوا فَقالَ: ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا وحْدَهُ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: [رُجُوعُكم ووَقْتُهُ ومَكانُهُ لِأجْلِ الحِسابِ] لا إلى التُّرابِ ولا غَيْرِهِ، [وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ومِنهُ بَدْؤُكم لِأخْذِ الزّادِ لِلْمَعادِ]، وجَعَلَ فاصِلَةَ الآيَةِ \ حَكَمًا عَلى المُرادِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مُمْكِنٍ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ: بالِغُ القُدْرَةِ لِأنَّهم يُقِرُّونَ بِقُدْرَتِهِ عَلى أشْياءَ هي أعْظَمُ مِنَ الإعادَةِ، [فَهُوَ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ كَما قَدَرَ عَلى البُداءَةِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ المَرْجِعَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى المَبْدَأِ ثانِيًا، وتَمامَ القُدْرَةِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى تَمامِ العِلْمِ أوَّلًا؛ لِأنَّهُما مُتَلازِمانِ].
11:5Page 221
أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٥
Unquestionably, they [i.e., the disbelievers] turn away their breasts to hide themselves from him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, He [i.e., Allāh] knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّخْوِيفِ والإطْماعِ ما هو مَظِنَّةٌ لِإقْبالِهِمْ ورَهَبِهِمْ (p-٢٣٥)عَلى التَّوَلِّي بِخُصُوصِهِ، فَكانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: هَلْ أقْبَلُوا؟ فَقِيلَ: لا [قالَ] مُبَيِّنًا أنَّ التَّوَلِّيَ باطِنًا كالتَّوالِي ظاهِرًا؛ لِأنَّ الباطِنَ هو العُمْدَةُ، مُؤَكِّدًا لِأنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ أنْ يُصَدَّقَ، والتَّأْكِيدُ أقْعَدُ في تَبْكِيتِهِمْ: ﴿ألا إنَّهُمْ﴾ أيِ الكُفّارَ المُعانِدِينَ ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ أيْ: يَطْوُونَها ويَنْحَرِفُونَ عَنِ الحَقِّ عَلى غِلٍّ مِن غَيْرِ إقْبالٍ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ أقْبَلَ عَلَيْهِ بِصَدْرِهِ ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يُوجِدُوا إخْفاءَ سِرِّهِمْ عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِن أمْرِهِ. فَإنْ كانَ مُرادُهم بِالثَّنْيِ الِاسْتِتارَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فالأمْرُ في عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ واضِحٌ، وإنْ كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فالِاسْتِخْفاءُ مِنهُ اسْتِخْفاءٌ مِمَّنْ أرْسَلَهُ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُغْنٍ عَنْهُمْ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّهم وعَلَنَهم في أخْفى أحْوالِهِمْ عِنْدَهُمْ، وهو حِينٌ اسْتِغْشائِهِمْ ثِيابَهُمْ، فَيُغَطُّونَ الوُجُوهَ الَّتِي تَسْتَقِرُّ عَنْ بَعْضِ ما في القُلُوبِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ فَقالَ: ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ غِشْيانَها أيْ تَغْطِيَتَها لِرُؤُوسِهِمْ، لِاسْتِخْفاءِ كَراهِيَةٍ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ وأخْبارِ رَسُولِهِ ﷺ ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ إسْرارَهُ في أيِّ وقْتٍ كانَ ومِن أيِّ نَوْعٍ كانَ مِن غَيْرِ بُطْءٍ لِتَدَبُّرٍ أوْ تَأمُّلٍ، [ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ عِلْمِ السِّرِّ والعَلَنِ مُلازَمَةٌ لِاخْتِصاصِ العَلَنِ بِما يَكُونُ لِغَيْبَةٍ أوِ اخْتِلافٍ بِأصْواتٍ ولَفْظٍ أوِ اخْتِلافِ لُغَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ قالَ تَصْرِيحًا]: ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ إعْلانَهُ لا تَفاوُتَ في (p-٢٣٦)عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارٍ وإعْلانٍ، فَلا وجْهَ لِاسْتِخْفائِهِمْ نِفاقًا، فَإنَّ سُوقَ نِفاقِهِمْ غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ. ثُمَّ عَلَّلَهُ بِما هو أدَقُّ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ مَعَ شُمُولِهِ لِلنَّوْعَيْنِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ العِلْمِ جِدًّا ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِضَمائِرِ قُلُوبِهِمْ الَّتِي في دَواخِلِ صُدُورِهِمْ الَّتِي يَثْنُونَها مِن قَبْلِ أنْ يَقَعَ لَهم إضْمارُها، بَلْ مِن قَبْلِ أنْ يَخْلُقَهُمْ؛ وأصْلُ الثَّنْيِ العَطْفُ، ومِنهُ الِاثْنانِ - لِعَطْفِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والثَّناءُ - لِعَطْفِ المَناقِبِ في المَدْحِ. ولِهَذا لِما قالَ العَبْدُ في الفاتِحَةِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] بَعْدَ الحَمْدِ قالَ اللَّهُ تَعالى: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي - كَما في حَدِيثِ: ««قَسَّمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»» والِاسْتِثْناءُ - لِعَطْفِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ بِالِاسْتِخْراجِ مِنهُ؛ والِاسْتِخْفاءُ: طَلَبُ خَفاءِ الشَّيْءِ.
11:6Page 222
۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٦
And there is no creature on earth but that upon Allāh is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage.1 All is in a clear register.
ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى شُمُولِ العِلْمِ والقُدْرَةِ مَعًا فَقالَ: (p-٢٣٧)﴿وما﴾ وأغْرَقَ في العُمُومِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ ودَلَّ عَلى أنَّ الِانْتِفاعَ بِالأمْوالِ مَخْصُوصٌ بِأهْلِ العالَمِ السُّفْلِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ ﴿إلا عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ وحْدَهُ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿رِزْقُها﴾ أيْ: قُوتُها وما تَنْتَفِعُ وتَعِيشُ بِهِ بِمُقْتَضى ما أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ، [تَحْقِيقًا لِوُصُولِهِ وحَمْلًا عَلى التَّوَكُّلِ فِيهِ]، لِأنَّ الإفْضالَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما لا تَعِيشُ إلّا بِهِ ولا يُلائِمُها إلّا هو مُدَّةَ حَيّاتِها أدَقُّ مِمّا مَضى في العِلْمِ مَعَ تَضَمُّنِهِ لِتَمامِ القُدْرَةِ، والآيَةُ مَعَ ذَلِكَ ناظِرَةٌ إلى تَرْغِيبِ آيَةِ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هود: ٣] فالمُرادُ: أخْلِصُوا العِبادَةَ لَهُ ولا تَفْتُرُوا عَنْ عِبادَتِهِ لِلِاشْتِغالِ بِالرِّزْقِ فَإنَّهُ ضَمِنَهُ لَكم وهو عالِمٌ بِكُلِّ نَفْسٍ فَلا تَخْشَوْا مِن أنَّهُ يَنْسى أحَدًا.
وقالَ: ”وفي الأرْضِ“ لِيَعُمَّ ما يَمْشِي عَلى وجْهِها وما في أطْباقِها مِنَ الدِّيدانِ ونَحْوِها مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا هُوَ، لَقَدْ شاهَدْتُ داخِلَ حَصاةٍ مِن شاطِئِ بَحْرِ قُبْرُسَ شَدِيدَةِ الصَّلابَةِ كَأنَّها العَقِيقُ الأبْيَضُ دُودَةً عِنْدَها ما تَأْكُلُ، وأخْبَرَنِي الفاضِلُ عِزُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ التَّكْرُورِيُّ الكُتُبِيُّ أنَّهُ شاهَدَ غَيْرَ مَرَّةٍ في دَواخِلِ حِجارَةٍ تُقْطَعُ مِن جَبَلِ مِصْرَ الدُّودَ عِنْدَهُ ما يَأْكُلُ مِنَ الحَشِيشِ الأخْضَرِ وما يَشْرَبُ مِنَ الماءِ؛ ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها﴾ أيْ: مَكانَها الَّذِي تَسْتَقِرُّ فِيهِ ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾ أيْ: مَوْضِعَها الَّذِي تُودَعُ فِيهِ قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مِن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ أوْ بَعْدَهُ \ مِن قَبْرٍ أوْ فَلاةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَلى ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن تَفاصِيلِ (p-٢٣٨)السَّكَناتِ والحَرَكاتِ ما كانَ مِنها وما يَكُونُ مِن كُلِّ ذَلِكَ مِمّا يُحَيِّرُ الفِكْرَ ويُدْهِشُ الألْبابَ، ثُمَّ جَعَلَ فاصِلَةَ الآيَةِ ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ عِنْدَ الحَقِّ وهُوَ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما يَعْلَمُهُ العَبْدُ يَقْدِرُ عَلى كِتابَتِهِ ولا كُلُّ ما يَكْتُبُهُ يَكُونُ مُبَيَّنًا بِحَيْثُ إنَّهُ كُلَّما أرادَ الكَشْفَ مِنهُ وجَدَ ما يُرِيدُهُ، وإذا وجَدَهُ كانَ مُفْهِمًا لَهُ؛ والدّابَّةُ: الحَيُّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الدَّبِيبُ؛ والمُسْتَقَرُّ: المَوْضِعُ الَّذِي يَقِرُّ فِيهِ الشَّيْءُ، وهو قَرارُهُ ومَكانُهُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ؛ والمُسْتَوْدَعُ: المَعْنى المَجْعُولُ في قَرارِهِ كالوَلَدِ الَّذِي يَكُونُ في البَطْنِ والنُّطْفَةِ الَّتِي في الظَّهْرِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ ما ذُكِرَ حُكْمًا مِنها ما لِلْمَلائِكَةِ فِيهِ مِنَ العِبْرَةِ عِنْدَ المُقابَلَةِ بِما يَكُونُ مِنَ الأُمُورِ المَكْتُوبَةِ قَبْلَ وُجُودِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences