Al-Biqa'iAl‑Mulk · 67:1–5

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الملك

Al-Mulk

The Sovereignty · Meccan · 30 ayahs

67:1Page 562

تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١

Blessed is He in whose hand is dominion, and He is over all things competent -

سُورَةُ المُلْكِ

وتُسَمّى تَبارَكَ والمانِعَةَ والواقِيَةَ والمُنْجِيَةَ، قالَ الوَلِيُّ المَلْوِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّها لِكَثْرَةِ عُلُومِها، وقالَ: «”ودِدْتُ لَوْ كانَتْ في صَدْرِ كُلِّ مُسْلِمٍ“».

مَقْصُودُها الخُضُوعُ لِلَّهِ لِاتِّصافِهِ بِكَمالِ المُلْكِ الدّالِّ عَلَيْهِ [ تَمامَ القُدْرَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ -] قَطْعًا أحْكامُ المُكَوِّناتِ الدّالِّ عَلَيْهِ تَمامُ العِلْمِ الدّالِّ عَلَيْهِ أحْكامُ المَصْنُوعاتِ عِلْمُ ما في الصُّدُورِ لِيَنْتُجَ ذَلِكَ العِلْمُ بِتَحَتُّمِ البَعْثِ لِدَيْنُونَةِ العِبادِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الصَّلاحِ والعِنادِ كَما هي عادَةُ المُلُوكِ في دَيْنُونَةِ رَعاياهم لِتُكْمِلَ الحِكْمَةَ وتَتِمَّ النِّعْمَةُ وتَظْهَرَ سُورَةُ المُلْكِ، واسْمُها المُلْكُ واضِحٌ في ذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ مَحَلُّ الخُضُوعِ مِن كَلِّ (p-٢١٦)مَن يَرى المُلْكَ وكَذا تَبارَكَ لِأنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ لَهُ تَمامُ الثَّباتِ والبَقاءِ، وكانَ لَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ كَمالُ الخُضُوعِ والِاتِّقاءِ، وكَذا اسْمُها المانِعَةُ والواقِيَةُ والمُنْجِيَةُ لِأنَّ الخُضُوعَ حامِلٌ عَلى لُزُومِ طَرِيقِ السَّعادَةِ، ومَن لَزِمَها نَجا مِمّا يَخافُ ومُنِعَ مَن كُلِّ هَوْلٍ ووُقِيَ كُلَّ مَخْلُوقٍ، وتَرُدُّ السُّؤالَ عَمَّنْ لازَمَ عَلَيْها وهَذا مِن أهَمِّ الأُمُورِ ( بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي خَضَعَتْ لِكَمالِ عَظَمَتِهِ المُلُوكُ ( الرَّحْمَنِ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ وتِبْيانِ مَحَلِّ السُّلُوكِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ الهِدايَةَ وزَوالَ الشُّكُوكِ.

* *

لَمّا خَتَمَتْ تِلْكَ بِأنَّ مَن أعْرَضَ عَنْهُ سُبْحانَهُ أهْلَكَتْهُ ولَمْ يُغْنِ عَنْهُ أحَدٌ، ومَن أقْبَلَ عَلَيْهِ رَفَعَهُ واسْتَخْلَصَهُ ولَمْ يَضُرَّهُ أحَدٌ، وخَتَمَ بِأنَّهُ قَوّى مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ حَتّى كانَتْ في دَرَجَةِ الكَمْلَةِ ورَزَقَها الرُّسُوخَ في الإخْلاصِ، وكانَ مِثْلُ هَذا لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِهِ إلّا مَن لا كُفُوءَ لَهُ، وكانَ مَن لا كُفُوءَ لَهُ أهْلًا لِأنْ يُخْلِصُ لَهُ الأعْمالَ ولا يَلْتَفِتَ إلى سِواهُ بِحالٍ، لِأنَّهُ المَلِكُ الَّذِي يَمْلِكُ المُلْكَ قالَ مُثِيرًا لِلْهِمَمِ إلى (p-٢١٧)الِاسْتِبْصارِ المُثِيرِ لِلْإرادَةِ إلى رِياضَةٍ تُثْمِرُ جَمِيعَ أبْوابِ السَّعادَةِ: ﴿تَبارَكَ﴾ أيْ تَكَبَّرَ وتَقَدَّسَ وتَعالى [ وتَعاظَمَ -] وثَبَتَ ثَباتًا لا مِثْلَ لَهُ مَعَ اليُمْنِ والبَرَكَةِ وتَواتُرِ الإحْسانِ والعُلى.

ولَمّا كانَ مَن لَهُ المُلْكُ قَدْ لا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِن إبْقائِهِ في يَدِهِ أوْ إعْطاءِ ما يُرِيدُ مِنهُ لِغَيْرِهِ ونَزْعِهِ مِنهُ مَتى أرادَ قالَ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ﴾ أيْ بِقُدْرَتِهِ وتَصَرُّفِهِ لا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ ﴿المُلْكُ﴾ أيْ أمْرٍ ظاهِرَ العالَمَ فَإلَيْهِ كُلُّ تَدْبِيرٍ لَهُ وتَدْبِيرٍ فِيهِ وبِقُدْرَتِهِ إظْهارُ ما يُرِيدُ، لا مانِعَ لَهُ مِن شَيْءٍ ولا كُفُوءَ لَهُ بِوَجْهٍ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والقَهْرِ، وذِكْرُ اليَدِ إنَّما هو تَصْوِيرٌ لِلْإحاطَةِ ولِتَمامِ القُدْرَةِ لِأنَّها [ مَحَلُّها -] مَعَ التَّنَزُّهِ عَنِ الجارِحَةِ وعَنْ كُلِّ ما يَفْهَمُ حاجَةً أوْ شَبَهًا بِالخَلْقِ.

وقالَ [ الإمامُ -] أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: وُرُودُ ما افْتَتَحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ التَّنْزِيهِ وصِفاتِ التَّعالِي إنَّما يَكُونُ عَقِيبَ تَفْصِيلٍ وإيرادِ عَجائِبَ مِن صُنْعِهِ سُبْحانَهُ كَوُرُودِ قَوْلِهِ تَعالى ”فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ“ عَقِيبَ تَفْصِيلِ التَّقَلُّبِ الإنْسانِيِّ مِن لَدُنْ خَلْقِهِ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ إلى إنْشائِهِ خَلْقًا آخَرَ وكَذا كُلُّ ما ورَدَ مِن هَذا ما لَمْ يَرِدْ أثْناءَ أيٍّ قَدْ جُرِّدَتْ لِلتَّنْزِيهِ والإعْلامِ بِصِفاتِ التَّعالِي [و -] الجَلالِ.

(p-٢١٨)ولَمّا كانَ قَدْ أوْقَعَ في آخِرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ ما فِيهِ أعْظَمَ عِبْرَةٍ لِمَن تَذَكَّرَ، وأعْلى آيَةٍ لِمَنِ اسْتَبْصَرَ، مِن ذِكْرِ امْرَأتَيْنِ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنَ قَدْ بَعَثَهُما اللَّهُ [ تَعالى رَحْمَةً لِعِبادِهِ -] واجْتَهَدا في دُعاءِ الخَلْقِ، فَحَرَّمَ الِاسْتِنارَةَ بِنُورِهِما والعِياذُ بِهُداهُما مَن لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن جِنْسِهِما أقْرَبُ إلَيْهِما مِنهُ ولا أكْثَرَ مُشاهَدَةً لِما مَدّا بِهِ مِنَ الآياتِ وعَظِيمِ المُعْجِزاتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ثُمَّ أعْقَبَتْ هَذِهِ العِظَةُ بِما جَعَلَ في طَرَفٍ مِنها ونَقِيضٍ مِن حالِها، وهو ذِكْرُ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ الَّتِي لَمْ يَغُرَّها مُرْتَكَبُ صاحِبِها وعَظِيمُ جُرْأتِهِ مَعَ شِدَّةِ الوَصْلَةِ واسْتِمْرارِ الأُلْفَةِ لِما سَبَقَ لَها في العِلْمِ القَدِيمِ مِنَ السَّعادَةِ وعَظِيمِ الرَّحْمَةِ فَقالَتْ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] وحَصَلَ في هاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ تَقْدِيمُ سَبَبِ رَحْمَةٍ حَرَّمَ التَّمَسُّكَ بِهِ أوْلى النّاسِ في ظاهِرِ الأمْرِ وتَقْدِيمُ سَبَبِ امْتِحانٍ عَصَمَ مِنهُ أقْرَبَ النّاسِ إلى التَّوَرُّطِ [ فِيهِ-]، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِقِصَّةٍ عَرِيَتْ عَنْ مِثْلِ هَذَيْنِ [ السَّبَبَيْنِ -] وانْفَصَلَتْ في مُقَدِّماتِها عَنْ تَيْنِكَ القِصَّتَيْنِ، وهو ذِكْرُ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ لِيَعْلَمَ العاقِلُ حَيْثُ يَضَعُ الأسْبابَ، وأنَّ القُلُوبَ بِيَدِ العَزِيزِ الوَهّابِ، أعْقَبَ تَعالى ذَلِكَ.

بِقَوْلِهِ الحَقِّ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ (p-٢١٩)قَدِيرٌ﴾ وإذا كانَ المَلِكُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِيَدِهِ المُلْكُ فَهو الَّذِي يُؤْتِي المُلْكَ والفَضْلَ مَن يَشاءُ ويَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشاءُ ويَعِزُّ مَن يَشاءُ ويُذِلُّ مَن يَشاءُ كَما صَرَّحَتْ بِهِ الآيَةُ الأُخْرى في آلِ عِمْرانَ، فَقَدِ اتَّضَحَ اتِّصالُ سُورَةِ المُلْكِ بِما قَبْلَها ثُمَّ بُنِيَتْ سُورَةُ المُلْكِ عَلى التَّنْبِيهِ والِاعْتِبارِ بِبَسْطِ الدَّلائِلِ ونَصْبِ البَراهِينِ حَسْبَما يُبْسِطُهُ التَّفْسِيرُ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ المُتَصَرِّفُ في المُلْكِ قَدْ لا يَكُونُ قُدْرَتُهُ تامَّةً ولا عامَّةً قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ لَهُ عَظَمَةٌ تَسْتَوْلِي عَلى القُلُوبِ وسِياسَةٌ تَعُمُّ كُلَّ جَلْبِ نَفْعٍ ودَفْعِ ضَرَرٍ لِأنَّهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ يُمَكِّنُ مَن يَشاؤُهُ مِنَ المُلْكِ وغَيْرِهِ مِن باطِنِهِ وهو المَلَكُوتُ وغَيْرِهِ مِمّا وُجِدَ وما لَمْ يُوجَدْ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ تامُّ القُدْرَةِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

67:2Page 562

ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ ٢

[He] who created death and life to test you [as to] which of you is best in deed - and He is the Exalted in Might, the Forgiving -

﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ قَدَّرَ وأوْجَدَ.

ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِن إيقاعِ المُؤْلِمِ أدْعى إلى الخُضُوعِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى المُلْكِ مَعَ أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ العَدَمُ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿المَوْتَ﴾ أيْ هَذا الجِنْسَ وهو زَوالُ الحَياةِ عَنِ الحَيِّ الَّذِي هو في غايَةِ الِاقْتِدارِ عَلى التَّقَلُّبِ بِجَعْلِهِ جَمادًا كَأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَرَكَةً أصْلًا. أوَّلُ ما يَفْعَلُ في تِلْكَ الدّارِ بَعْدَ اسْتِقْرارِ كُلِّ فَرِيقٍ في دارِهِ وأنْ يَعْدَمَ هَذا الجِنْسَ فَيُذْبَحُ بَعْدَ أنْ يُصَوَّرَ في صُورَةِ كَبْشٍ ﴿والحَياةَ﴾ أيْ هَذا (p-٢٢٠)الجِنْسُ وهو المَعْنى الَّذِي يُقَدَّرُ الجَمادُ بِهِ عَلى التَّقَلُّبِ بِنَفْسِهِ وبِالإرادَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَوْتُ خَلَقَهُ اللَّهُ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ ولا يَجِدُ رِيحَهُ إلّا ماتَ، والحَياةُ عَلى صُورَةِ فَرَسٍ بِلِقاءٍ وهي الَّتِي كانَ جِبْرِيلُ والأنْبِياءُ يَرْكَبُونَها فَلا يَجِدُ رِيحَها شَيْءٌ إلّا حَيِيَ، وهي الَّتِي أخَذَ السّامِرِيُّ قَبْضَةً مِن أثَرِها وألْقاهُ عَلى الحُلِيِّ الَّذِي ألْقاهُ بَنُو إسْرائِيلَ ونَوى أنْ يَكُونَ عِجْلًا [ فَصارَ عِجْلًا-] .

ولَمّا ذَكَرَ الدّالَّ عَلى القُدْرَةِ أتْبَعُهُ غايَتَهُ، وهو الحُكْمُ الَّذِي هو خاصَّةُ المُلُوكِ فَقالَ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أيْ يُعامِلُكم وهو أعْلَمُ بِكم مِن أنْفُسِكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ لِإظْهارِ ما عِنْدَكم مِنَ العَمَلِ بِالِاخْتِيارِ ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ مِن جِهَةِ العَمَلِ أيْ عَمَلُهُ أحْسَنُ مِن عَمَلِ غَيْرِهِ، وعِبارَةُ القُرْآنِ في إسْنادِ الحَسَنِ إلى الإنْسانِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن كانَ عَمَلُهُ أحْسَنَ كانَ هو أحْسَنُ ولَوْ أنَّهُ أبْشَعُ النّاسِ مَنظَرًا، ومَن كانَ عَمَلُهُ أسْوَأ كانَ بِخِلافِ ذَلِكَ، والحُسْنُ إنَّما يُدْرَكُ بِالشَّرْعِ، فَما حَسَّنَهُ الشَّرْعُ فَهو الحَسَنُ وما قَبَّحَهُ فَهو القَبِيحُ، وكانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِلْقِيامِ بِالطّاعَةِ لِأنَّ مَن تَفَكَّرَ في حالِهِ عَلِمَ أنَّهُ مُبايِنٌ لِبَقِيَّةِ الحَيَواناتِ بِعُقْلَةٍ ولِلنَّباتاتِ بِحَياتِهِ، ولِلْجَماداتِ بِنُمُوِّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ بِدَلِيلِ مَوْتِهِ، فَما كانَ لَهُ ذَلِكَ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ، لَهُ الحَياةُ مِن ذاتِهِ، فَيَجْتَهِدُ في رِضاهُ بِاتِّباعِ رُسُلِهِ إنْ كانَ عاقِلًا، (p-٢٢١)فَيَشْكُرُهُ إذا أنْعَمَ، ويَصْبِرُ إنِ امْتَحَنَ وانْتَقَمَ، ويَخْدُمُهُ بِما أمَرَ ويَنْزَجِرُ عَمّا عَنْهُ زَجَرَهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى وُجُودِ المُقْتَضِي لِلسَّعادَةِ وانْتِفاءِ المانِعِ مِنها ووُجُودِ المُقْتَضِي إعْدادٌ وإرْشادٌ، فالإعْدادُ إعانَتُهُ سُبْحانَهُ لِلْعَبْدِ بِإعْدادِهِ لِقَبُولِ السَّعادَةِ كالحَدّادِ يَلِينُ الحَدِيدُ بِالنّارِ لِيَقْبَلَ أنْ يَكُونَ سِكِّينًا، والإرْشادُ أخْذُهُ بِالنّاصِيَةِ إلى ما أعَدَّ لَهُ كالضَّرْبِ بِالسِّكِّينِ وإصْلاحِها لِلْقَطْعِ بِها، وانْتِفاءُ المانِعِ هو المَوْقِفُ عَنْ ذَلِكَ وهو دَفْعُ المُشَوِّشاتِ والمُفْسِداتِ كَتَثَلُّمِ السِّكِّينِ وهو يَجْرِي السَّبَبُ وسَبَبُ السَّبَبِ، وهو ما اشْتَمَلَ [ عَلَيْهِ -] قَوْلُهُ ﷺ

«اللَّهُمَّ أعْنِي ولا تُعِنْ عَلَيَّ» الحَدِيثُ، فَذَكَرَهُ لِتَمامِ القُدْرَةِ والعِزَّةِ مَعَ ذِكْرِ الأحْسَنِ دالٌّ عَلى تَوْفِيقِهِ بِما ذَكَرَ، ومَن تَأمَّلَ الآيَةَ عَرَفَ أنَّهُ ما خَلَقَ لا لِيَتَمَيَّزَ جَوْهَرُهُ مِن صِدْقِ غَيْرِهِ أوْ صِدْقِهِ مِن جَوْهَرِ غَيْرِهِ، و[ أنَّ -] الدُّنْيا مَزْرُوعَةٌ، وأنَّ الآخِرَةَ مُحْصِدَةٌ، فَيَصِيرُ مِن نَفْسِهِ عَلى بَصِيرَةٍ، وثارَتْ إرادَتُهُ لِما خَلَقَ لَهُ تارَةً بِالنَّظَرِ إلى جَمالِ رَبِّهِ مِن حُسْنٍ وإحْسانٍ، وأُخْرى إلى جَلالِهِ مِن قُدْرَةٍ وإمْكانٍ، وتارَةً بِالنَّظَرِ لِنَفْسِهِ بِالشَّفَقَةِ عَلَيْها مِن خِزْيِ الحِرْمانِ، فَيَجْتَهِدُ في رِضا رَبِّهِ وصَلاحِ نَفْسِهِ خَوْفًا مِن عاقِبَةِ هَذِهِ البَلْوى.

(p-٢٢٢)ولَمّا كانَ لا يَغْفُلُ الِابْتِلاءُ مِنّا إلّا جاهِلٌ بِالعَواقِبِ وعاجِزٌ عَنْ رَدِّ المُسِيءِ عَنْ إساءَتِهِ وجَعْلِهِ مُحْسِنًا مِن أوَّلِ نَشْأتِهِ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ عَنْ مَنِيعِ جَنابِهِ بَعْدَ أنْ نَفاهُ بِلَطِيفِ تَدْبِيرِهِ وعَظِيمِ أمْرِهِ في [ خَلْقِ -] المَوْتِ والحَياةِ، ومُزِيلًا بِوَصْفِ العِزَّةِ لِما قَدْ يَقُولُهُ مَن يَكُونُ قَوِيَّ الهِمَّةِ: أنا لا أحْتاجُ إلى تَعَبٍ كَبِيرٍ في الوُصُولِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَلْ أصِلُ إلَيْهِ أيْ وقْتَ [ شِئْتَ -] بِأيْسَرِ سَعْيٍ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ [ أيِ -] الَّذِي يَصْعُبُ الوُصُولُ إلَيْهِ جِدًّا، مِنَ العِزازِ وهو المَكانُ الوَعِرُ [و -] الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَلَوْ أرادَ جَعْلَ الكُلَّ مُحْسِنِينَ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وهو تامُّ القُدْرَةِ فَيَلْزَمُ تَمامَ العِلْمِ والوَحْدانِيَّةِ ووُجُوبَ الوُجُودِ أزَلًا وأبَدًا.

ولَمّا كانَ العَزِيزُ مِنّا يُهْلِكُ كُلَّ مَن خالَفَهُ إذا عَلِمَ مُخالَفَتَهُ، قالَ مُبَيِّنًا إمْهالَهُ لِلْعُصاةِ مُرَغِّبًا لِلْمُسِيءِ في التَّوْبَةِ، بَعْدَ تَرْهِيبِهِ مِنَ الإصْرارِ عَلى الحَوْبَةِ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَزْدَرِئًا لِنَفْسِهِ قائِلًا: إنَّ مِثْلِي لا يَصْلُحُ لِلْخِدْمَةِ لِما لِي مِنَ الذُّنُوبِ القاطِعَةِ وأيْنَ التُّرابُ مِن [ رَبِّ -] الأرْبابِ ﴿الغَفُورُ﴾ أيْ [ أنَّهُ -] مَعَ ذَلِكَ يَفْعَلُ في مَحْوِ الذُّنُوبِ عَيَنًا وأثَرًا فِعْلُ المُبالِغِ في ذَلِكَ ويَتَلَقّى مَن أقْبَلَ إلَيْهِ أحْسَنَ تَلَقٍّ كَما (p-٢٢٣)قالَ تَعالى في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» .

67:3Page 562

ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ ٣

[And] who created seven heavens in layers.1 You do not see in the creation of the Most Merciful any inconsistency. So return [your] vision [to the sky]; do you see any breaks?

ولَمّا أثْبَتَ لَهُ سُبْحانَهُ صِفَتَيِ العِزِّ والغُفْرِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى كَمالِ تَفَرُّدِهِ بَعْدَ آياتِ الأنْفُسِ بِآياتِ الآفاقِ إرْشادًا إلى مَعالِي الأخْلاقِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ أبْدَعَ [ عَلى -] هَذا التَّقْدِيرِ مِن غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ حالَ كَوْنِها ﴿طِباقًا﴾ جَمْعُ طَبَقٍ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها كَأنَّها لِشِدَّةِ مُطابَقَتِها لِلْأُخْرى طالِبَةٌ مُطابَقَتَها بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنها مُطابِقًا لِجُزْءٍ مِنَ الأُخْرى، ولا يَكُونُ جُزْءٌ مِنها خارِجًا عَنْ ذَلِكَ وهي لا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا بِأنْ تَكُونَ الأرْضُ كُرَةً والسَّماءُ الدُّنْيا مُحِيطَةً بِها إحاطَةَ قِشْرِ البَيْضَةِ بِالبَيْضَةِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ والثّانِيَةُ مُحِيطَةً بِالدُّنْيا وهَكَذا إلى أنْ يَكُونَ العَرْشُ مُحِيطًا بِالكُلِّ، والكُرْسِيُّ الَّذِي هو أقْرَبُها إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في فَلاةٍ، فَما ظَنُكَ بِما تَحْتَهُ، وكُلٌّ سَمّاهُ في الَّتِي فَوْقَها بِهَذِهِ النِّسْبَةِ، وقَدْ قَرَّرَ أهْلُ الهَيْئَةِ أنَّها كَذَلِكَ، ولَيْسَ في الشَّرْعِ ما يُخالِفُهُ بَلْ ظَواهِرُهُ تُوافِقُهُ ولا سِيَّما التَّشْبِيهُ بِالحَلْقَةِ [ المُلْقاةِ -] في فَلاةٍ كَما مَضى بَسْطُ ذَلِكَ في ذَلِكَ سُورَةُ السَّجْدَةِ، وأحاطَ سُبْحانَهُ بِالأرْضِ مَنافِعُها مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، وجَعَلَ المَرْكَزَ بِحَيْثُ يَجْذِبُ إلَيْهِ الأسْفَلَ فَكَيْفَما مَشى الحَيَوانُ في جَوانِبِها اقْتَضى المَرْكَزُ أنْ تَكُونَ رِجْلاهُ إلى الأرْضِ ورَأْسُهُ إلى السَّماءِ لِتُكُونَ السَّماءُ في رَأْيِهِ دائِمًا أعْلى، والأرْضُ أسْفَلُ في أيِّ جانِبٍ كانَ (p-٢٢٤)هُوَ عَلَيْها، فَسُبْحانَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن تَفَكَّرَ في هَذِهِ العَظَمَةِ مَعَ ما لَطَفَ بِنا فِيما هَيَّأهُ فِيها لَنا مِنَ المَنافِعِ، آثَرَهُ سُبْحانَهُ بِالحُبِّ وأفْرَدَهُ عَنْ كُلٍّ ضِدٍّ، فانْقَطَعَ بِاللَّجاءِ إلَيْهِ ولَمْ يُعَوِّلْ إلّا عَلَيْهِ في كُلِّ دَفْعٍ ونَفْعٍ، وسارَعَ في مَراضِيهِ ومَحابِّهِ في كُلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ.

ولَمّا كانَ [ ذَلِكَ -] في حَدِّ ذاتِهِ خارِجًا عَنْ طَوْقِ المَخْلُوقِ، وكانَ سُمْكُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، و[ لِما -] بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ كَذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الفُرُوجِ والعُمَدِ والأطْنابِ، فَكانَ ذَلِكَ النِّهايَةُ في الخُرُوجِ عَنِ العادَةِ في حَدِّ ذاتِهِ ولِأنَّهُ قِيلَ: إنَّ القُبَّةَ إذا بُنِيَتْ بِلا فُرُوجٍ ولا شَيْءَ يَدْخُلُ الهَواءَ مِنهُ تَفْسُدُ وتَسْقُطُ، دَلَّ عَلى عِزَّتِهِ بِعَظِيمِ صُنْعِهِ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ واصِفًا لَها: ﴿ما تَرى فِي﴾ وكانَ الأصْلُ: خَلْقِها، ولَكِنَّهُ دَلَّ عَلى عِزَّتِهِ وعُمُومِ عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ لَها ولِغَيْرِها ولَوْلا رَحْمَتُهُ وعُمُومُ عَظَمَتِهِ الَّتِي اقْتَضَتْ إكْرامَهُ لِخَلْقِهِ بَعْدَ غُفْرانِهِ لِما لَهم مِنَ النَّقائِصِ ما أحْسَنَ إلَيْهِمْ [ بِها -] في اتِّساعِها وزِينَتِها وما فِيها مِنَ المَنافِعِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: (p-٢٢٥)﴿مِن تَفاوُتٍ﴾ بَيْنَ صَغِيرِ ذَلِكَ الخَلْقِ وكَبِيرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الخالِقِ في إيجادِهِ لَهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، إنَّما قَوْلُهُ [ لَهُ -] إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الذُّرَةِ مَثَلًا والغَرْسِ ولا بِالنِّسْبَةِ إلى الخالِقِ مِن عَجْزِ صَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ عَنْ إيجادِ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا جَلِيلًا كانَ أوْ حَقِيرًا، ولا تَرى تَفاوُتًا في الخَلْقِ بِأنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُ فائِتًا لِلْآخَرِ بِالمُخالَفَةِ والِاضْطِرابِ والتَّناقُضِ في الخِلْقَةِ غَيْرِ مُناسِبٍ لَهُ بِأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ أوْ مُنافِرًا لَهُ في مُقْتَضى الحِكْمَةِ، وآثارِ الإحْسانِ في الصَّنْعَةِ، والنُّزُولِ عَنِ الإتْقانِ والِاتِّساقِ، والخُرُوجِ عَنِ الإحْكامِ والِاتِّفاقِ، والدَّلالَةِ لِلْخالِقِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ولِلْمَخْلُوقِ عَلى الحُدُوثِ بِنَوْعٍ مِن ضَعْفِ البِنْيَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ [ كُلُّ -] واحِدٍ كالطّالِبِ لِأنْ يُخالِفَ الآخَرَ، أوْ تَعْمَدَ لِأنْ يُفَوِّتَ الآخَرَ ويُخالِفُهُ - عَلى قِراءَةِ حَذْفِ الألِفِ والتَّشْدِيدِ بِحَيْثُ يَكُونُ التَّفاضُلُ في المُزْدَوَجاتِ وعَدَمِ المُساواةِ كَأنَّهُ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ وبِالقَصْدِ الأوَّلِ، بَلْ لا تُوجَدُ المُخالَفَةُ إلّا نادِرًا بِحَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ المُشاكَلَةَ هي المَقْصُودُ بِالذّاتِ وبِالقَصْدِ الأوَّلِ، فَإذا وقَعَ في شَيْءٍ مِنهُ مُخالَفَةٌ كانَ عَلى وجْهِ النُّدُورِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ، وإنَّما أُرِيدَ بِهِ الدَّلالَةُ عَلى الِاخْتِيارِ وأنَّ الفاعِلَ هو القادِرُ المُخْتارُ لا الطَّبِيعَةُ، قالَ الرّازِيُّ: كَأنَّ التَّفاوُتُ الشَّيْءَ (p-٢٢٦)المُخْتَلِفَ لِأعْلى النِّظامِ، وقالَ البَغَوِيُّ: مِنَ اعْوِجاجٍ واخْتِلافٍ وتَناقُضٍ، وقالَ غَيْرُهُ: [ عَدَمُ -] التَّناسُبِ كَأنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ يَفُوتُ بَعْضًا ولا يُلائِمُهُ، وهو مِنَ الفَوْتِ وهو أنْ يَفُوتَ بَعْضُها بَعْضًا لِقِلَّةِ اسْتِوائِها، وقالَ أبُو حَيّانَ: والتَّفاوُتُ تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي يَجِبُ لَهُ زِيادَةٌ أوْ نُقْصانٌ - انْتَهى.

يَظْهَرُ ذَلِكَ بِأنَّ أغْلَبَ الخَلْقِ أجْوَفُ، والأجْوَفُ يَعْمَلُ مَبْسُوطًا ثُمَّ يَضُمُّ ويُوصِلُ أحَدَ جانِبَيْهِ بِالآخَرِ فَيَكُونُ ثَمَّ نَوْعُ فِطْرٍ يَعْرِفُهُ أهْلُ الحَذْقِ وإنِ اجْتَهَدَ صانِعُهُ في إخْفائِهِ وإنْ كانَ فِيهِ أشْياءٌ مُتَقابِلَةٌ كانَ فِيها تَفاوُتٌ ولَوْ قَلَّ وإنِ اجْتَهَدَ الصّانِعُ في المُساواةِ، وخَلْقُ اللَّهِ لا تَفاوُتَ فِيهِ بِوَجْهٍ، فالسَّماواتُ كُرَيَّةٌ ولا تَرى في جانِبٍ مِنها شِقًا ولا فَطْرًا ظاهِرًا ولا خَفِيًّا، والحَيَوانُ أجْوَفُ ولا تَرى في شَيْءٍ مِن جَسَدِهِ فَصْمًا يَكُونُ الضَّمُّ والتَّجْوِيفُ وقَعَ بِهِ وكُلُّ مِن مُتَقابَلَيْهِ مُساوٍ لِلْآخَرِ كالعَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ والمِنخَرَيْنِ والسّاقَيْنِ ونَحْوِها مِمّا يَقْصِدُ فِيهِ التَّساوِيَ لا تَفاوُتَ فِيهِ أصْلًا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ شَرْحُهُ، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ، فَسُبْحانَ مَن لا تَتَناهى قُدْرَتُهُ فَلا تَتَناهى مَقْدُوراتُهُ، ولا تُحْصى بِوَجْهِ مَعْلُوماتِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ هَيِّنٌ، والأمْرُ في ذَلِكَ واضِحٌ بَيِّنٌ، هَذا مَعَ الِاتِّساعِ الَّذِي لا يُدْرَكُ مِقْدارُهُ بِأكْثَرِ (p-٢٢٧)مِن [ أنَّ -] كُلَّ سَماءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الَّتِي فَوْقَها كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في فَلاةٍ إلى أنْ يُوصَلَ إلى الكُرْسِيِّ ثُمَّ العَرْشِ العَظِيمِ، ومَن سَرَّ كَوْنَها كَذَلِكَ حُصُولُ النَّفْعِ بِكُلِّ ما فِيها مِن كَواكِبَ مُرَطَّبَةٍ أوْ مُيَبَّسَةٍ أوْ مُنَوَّرَةٍ واتِّصالاتٍ مُمْطِرَةٍ ومُثَبَّتَةٍ يَجْرِي كُلُّ ذَلِكَ مِنها عَلى تَرْتِيبٍ مُطَّرِدٍ، ونِظامٍ غَيْرِ مُنْخَرِمٍ مُقَدَّرٍ جَرْيُهُ بِالقِسْطِ مُرَتَّبٍ عَلى مَنافِعِ الوُجُودِ ومَصالِحِ الكائِناتِ كُلُّها مَكْفُوفَةٌ عَلى هَواءٍ لَطِيفٍ بِتَدْبِيرٍ شَرِيفٍ: لا يَتَعَدّى شَيْءٌ مِنها طَوْرَهُ ولا يَتَخَطّى حَدَّهُ، ولا يَرْسُبُ فِيها تَحْتَهُ مِنَ الهَواءِ فَيَهْوِي، ولا يَرْتَفِعُ عَنْ مَحِلِّهِ بِمِقْدارِ ذَرَّةٍ فَيَطْفُو، قَدْ أحاطَ بِكُلِّها الأمْرَ، وضَبَطَها صاغِرَةَ القَهْرِ.

ولَمّا كانَ العِلْمُ النّاشِئُ عَنِ الحُسْنِ أجْلَّ العُلُومِ، دَلَّ عَلى بَدِيعِ ما ذَكَرَهُ بِمُشاهَدَةِ الحِسِّ لَهُ كَذَلِكَ، فَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُنَبِّهًا بِالرَّجْعِ الَّذِي هو تَكْرِيرُ الرُّجُوعِ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُشاهِدُ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِن حِينِ يَعْقِلُ إلى أنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّكْلِيفِ المُقْتَضِيَ لِلْمُخاطَبَةِ بِهَذا الكَلامِ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ أيْ بَعْدِ تَرْدِيدِكَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، ودَلَّ بِتَوْجِيهِ الخِطابُ نَحْوَ أكْمَلِ الخَلْقِ ﷺ في السَّمْعِ والبَصَرِ والبَصِيرَةِ وكُلُّ مَعْنًى إلى أنَّ ذَلِكَ لا شُبْهَةَ فِيهِ.

(p-٢٢٨)ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِالبَحْثِ عَنْهُ، نَبَّهَ عَلى أنَّ هَذا [ مِمّا -] اشْتَدَّتْ عِنايَةُ الأوَّلِينَ بِهِ فَقالَ: ﴿هَلْ تَرى﴾ أيْ في شَيْءٍ مِنها.

ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ مُفِيدًا لِلنَّفْيِ، أعْرَقُ [ في النَّفْيِ -] بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فُطُورٍ﴾ أيْ خَلَلٍ بِشُقُوقٍ وصُدُوعٍ أوْ غَيْرِها لِتُغايِرَ ما [ هي -] عَلَيْهِ وأخْبَرَتْ بِهِ مِن تَناسُبِها واسْتِجْماعِها واسْتِقامَتِها ما يَحِقُّ لَها مِمّا يَدُلُّ عَلى عِزَّةِ ما فِيها وبَلِيغِ غُفْرانِهِ، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى إحاطَةِ كُلٍّ مِنها بِما دُونَهُ فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَها فُرُوجٌ لَفاتَتِ المَنافِعُ الَّتِي رُتِّبَتْ لَها النُّجُومُ المُفَرَّقَةُ في طَبَقاتِها أوْ بَعْضِها أوْ كَمالِها، فالهَواءُ وجَمِيعُ المَنافِعِ مُنْحَبِسَةٌ فِيها مَحُوطَةٌ [ بِها -] مُضْطَرِبَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ فِيها عَلى حَسَبِ التَّدْبِيرِ والحَيَوانِ في الهَواءِ كالسَّمَكِ في الماءِ، أوِ انْحَبَسَ الهَواءُ عَنْهُ لَماتَ كَما أنَّهُ لَوِ انْكَشَفَ الماءُ عَنِ السَّمَكِ لَماتَ.

67:4Page 562

ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ ٤

Then return [your] vision twice again.1 [Your] vision will return to you humbled while it is fatigued.

ولَمّا كانَ في سِياقِ المُجازاةِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ والطّالِحَةِ الَّتِي دَلَّ عَدَمُ الِانْتِصافِ مِنَ الظّالِمِينَ في هَذِهِ الدّارِ عَلى أنَّها تَكُونُ بَعْدَ البَعْثِ (p-٢٢٩)وكانَتِ العِزَّةُ مُقْتَضِيَةً لِذَلِكَ، وكانَ خَلْقُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِهَذا الوُجُودِ عَلى هَذا النِّظامِ مُثْبَتًا لَها، وكانَتْ أعْمالُهم أعْمالَ المُنْكَرِ لَها، ولا سِيَّما تَصْرِيحُهم بِأنَّهُ لا بَعْثَ، دَلَّ عَلى عَظَمَةِ عِزَّتِهِ بِما أبْدَعَهُ مِن هَذا السَّقْفِ الرَّفِيعِ البَدِيعِ، ثُمَّ بِجَعْلُهُ مَحْفُوظًا هَذا الحِفْظَ المَنِيعَ، عَلى تَعاقُبِ الأحْقابِ وتَكَرُّرِ السِّنِينَ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّراخِي دالًّا عَلى جَلالِهِ بِإدامَةِ التَّكْرِيرِ طُولَ الزَّمانِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ﴾ وأكَّدَ ما أفْهَمَتْهُ الآيَةُ مِن طَلَبِ التَّكْرِيرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ - هَذا مَدْلُولُها لُغَةً، وبِالنَّظَرِ إلى السِّياقِ عُلِمَ أنَّ المَرَدَّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لا تَزالُ تُكَرِّرُ ذَلِكَ لِارْتِيادِ الخَلَلِ لا إلى نِهايَةٍ، كَما أنَّ ”لَبَّيْكَ“ مُرادٌ بِهِ إجابَةٌ إلى غَيْرِ غايَةٍ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ﴾ أيْ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ بَلْ غَلَبَةٌ وإعْياءٌ وانْكِسارٌ ﴿البَصَرُ خاسِئًا﴾ أيْ صاغِرًا مَطْرُودًا [ ذَلِيلًا -] بَعِيدًا عَنْ إصابَةِ المَطْلُوبِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿حَسِيرٌ﴾ أيْ كَلَيْلٍ تَعِبَ مَعِي مِن طُولِ المُعاوَدَةِ وتَدْقِيقِ النَّظَرِ وبُعْدِ المَسْرَحِ، وإذا كانَ هَذا الحالُ في بَعْضِ المَصْنُوعِ فَكَيْفَ يَطْلُبُ العِلْمَ بِالصّانِعِ في كَمالِهِ مِن جَلالِهِ وجَمالِهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتَفَوَّهُ بِالحُلُولِ أوِ الِاتِّحادِ حَسْبُهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ.

67:5Page 562

وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلۡنَٰهَا رُجُومٗا لِّلشَّيَٰطِينِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ٥

And We have certainly beautified the nearest heaven with lamps [i.e., stars] and have made [from] them what is thrown at the devils1 and have prepared for them the punishment of the Blaze.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ بَدِيعِ هَذا الخَلْقِ، ونَبَّهَ عَلى بَعْضِ (p-٢٣٠)دَقائِقِهِ وأمَرَ بِالإبْصارِ وتَكْرِيرِهِ، وكانَ السّامِعُ أوَّلَ ما يُصَوِّبُ نَظَرَهُ إلى السَّماءِ لِشَرَفِها وغَرِيبِ صُنْعِها وبَدِيعِ وضْعِها ومَنِيعِ رَفْعِها، فَكانَ بِحَيْثُ يَتَوَقَّعُ الإخْبارَ عَنْ هَذِهِ الزِّينَةِ الَّتِي رُصِّعَتْ بِها، قالَ في جَوابِ [ مِن -] تُوقِعُهُ مُؤَكِّدًا بِالقَسَمِ إعْلامًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَبْعُدَ العاقِلُ عَنْ إنْكارِ شَيْءٍ مِمّا يُنْسَبُ إلى صاحِبِ هَذا الخَلْقِ مِنَ الكَمالِ، [ عاطِفًا -] عَلى ما تَقْدِيرُهُ: لَقَدْ كَفى هَذا القَدْرَ في الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ مُبْدِعِ هَذا الصُّنْعِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ: ﴿ولَقَدْ﴾ واسْتَجْلَبَ الشُّكْرَ بِجَلْبِ المَسارِّ فَقالَ ناظِرًا إلى مَقامِ العَظَمَةِ صَرْفًا لِلْعُقُولِ عَمّا اقْتَضاهُ ”الرَّحْمَنُ“ مِن عُمُومِ الرَّحْمَةِ تَذْكِيرًا بِما في الآيَةِ الماضِيَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى ما في الزِّينَةِ بِالنُّجُومِ مِن مَزْجِها بِالرُّجُومِ الَّذِي هو عَذابُ ”الجِنِّ المُتَمَرِّدِينَ الطّاغِينَ“: ﴿زَيَّنّا﴾ دَلالَةً أُخْرى تَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ بَعْدَ تِلْكَ الدَّلالَةِ الأُولى ﴿السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيْ أدْنى السَّماواتِ إلى الأرْضِ وهي الَّتِي تَشْهَدُ وأنْتُمْ دائِمًا تُشاهِدُونَها وهي سَقْفُ الدّارِ الَّتِي اجْتَمَعْتُمْ فِيها في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿بِمَصابِيحَ﴾ أيْ نُجُومٍ مُتَّقِدَةٍ عَظِيمَةٍ جِدًّا، كَثْرَتُها تَفُوتُ الحَصْرَ، ظاهِرَةٌ سائِرَةٌ مُضِيئَةٌ زاهِرَةٌ. وهي الكَواكِبُ الَّتِي تُنَوِّرُ الأرْضَ بِاللَّيْلِ إنارَةَ السَّرْجِ الَّتِي تُزَيِّنُونَ بِها سُقُوفَ دُورِكُمْ، فَتُفِيدُ شُعْبَةً مِن ضَوْءِ الصَّباحِ، والتَّزْيِينُ بِها لا يَمْنَعُ أنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً فِيها فَوْقَها [ مِنَ السَّماواتِ -] وهي تَتَراءى لَنا بِحَسَبِ الشُّفُوفِ (p-٢٣١)بِما لِلْجِرامِ السَّماوِيَّةِ مِنَ الصَّفاءِ، ولِتِلْكَ المَصابِيحِ مِن شِدَّةِ الإضاءَةِ.

ولَمّا أخْبَرَ - جَلَّتْ قُدْرَتُهُ - بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ فِيها مُنَبِّهًا عَلى ما فِيها مِن جَلْبِ المَسارِ بِتِلْكَ الأنْوارِ والهِدايَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا الَّتِي لَوْلا هي لَما انْتَفَعَ أحَدٌ في لَيْلٍ انْتِفاعًا تامًّا، أخْبَرَ بِما فِيها مَعَ الزِّينَةِ مِن دَفْعِ المَضارِّ بِعِبارَةٍ عامَّةٍ وإنْ كانَ المُرادُ البَعْضَ الأغْلَبَ فَإنَّ ما لِلرُّجُومِ مِنها غَيْرَ ما لِلِاهْتِداءِ والرُّسُومِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْناها﴾ أيِ النُّجُومَ مِن حَيْثُ [ هي -] بِعَظَمَتِنا مَعَ كَوْنِها زِينَةً وأعْلامًا لِلْهِدايَةِ ﴿رُجُومًا﴾ جَمْعُ رُجْمٍ وهو مَصْدَرٌ واسْمٌ لِما يُرْجَمُ بِهِ ﴿لِلشَّياطِينِ﴾ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الطَّرْدَ والبُعْدَ والحَرْقَ مِنَ الجِنِّ لِما لَهم مِنَ الِاحْتِراقِ، وذَلِكَ بَيانًا لِعَظَمَتِنا وحِراسَةً لِلسَّماءِ الدُّنْيا الَّتِي هي مَحَلُّ تَنَزُّلِ أمْرِنا بِالقَضاءِ والقَدْرِ، وإنْزالِ هَذا الذِّكْرِ الحَكِيمِ لِئَلّا يُفْسِدُوا بِاسْتِراقِ السَّمْعِ مِنها عَلى النّاسِ دِينَهُمُ الحَقَّ، ويُلَبِّسُوا عَلَيْهِمْ أمْرَهم بِخَلْطِ الحَقِّ الَّذِي خَتَمْنا بِهِ الأدْيانَ بِالباطِلِ، فَيُخْرِجُوهم - لِأنَّهم أعْداؤُهم - مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ [ كَما -] كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مَعَ ما فِيها بِما خَلَقَ سُبْحانَهُ في أمْزِجَتِها مِن تَرْطِيبٍ وتَجْفِيفٍ وحَرٍّ وبَرْدٍ واعْتِدالٍ يَنْشَأُ عَنْهُ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ وقَهْرُها بِهِ مِن شُرُوقٍ وغُرُوبٍ وحَرَكَةٍ وسُكُونٍ يُعْرَفُ بِها ما إلَيْهِ المَآلُ، مِمّا أخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الزَّوالِ، مَعَ ما يَدُلُّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ والعَشِيِّ (p-٢٣٢)والإبْكارِ وأشْياءِ يَكِلُّ عَنْها الوَصْفُ في ذَواتِها وعَنْ إحْصاءِ مَنافِعِها حَتّى لَوْ عُدِمَ شَيْءٌ مِمّا في السَّماواتِ مِمّا دَبَّرَهُ الحَكِيمُ لِصَلاحِ هَذا العالَمِ يَهْلَكُ كُلُّ حَيَوانٍ ونَباتٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ، والشِّهابُ المَرْجُومُ بِهِ مُنْفَصِلٌ مِن نارِ الكَواكِبِ وهو قارٌّ في فَلَكِهِ عَلى حالَةٍ كَقَبَسِ النّارِ يُؤْخَذُ مِنها وهي باقِيَةٌ عَلى حالِها لا نَقُصُّ، وذَلِكَ مُسَوِّغٌ لِتَسْمِيَتِها بِالرُّجُومِ، فَمَن لَحِقَهُ الشِّهابُ مِنهم قَتَلَهُ أوْ ضَعْضَعَ أمْرَهُ وخَبَلَهُ، ويَحْتَمِلُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ظُنُونًا لِشَياطِينِ الإنْسِ وهُمُ المُنَجِّمُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِها رَجْمًا بِالغَيْبِ في أشْياءَ هي مِن عَظِيمِ الِابْتِلاءِ لِيَتَبَيَّنَ المُوقِنَ مِنَ المُزَلْزِلِ والعالِمَ مِنَ الجاهِلِ؛ وفي البُخارِيِّ: قالَ قَتادَةُ: ”خُلِقَتِ النُّجُومُ لِثَلاثٍ: زِينَةٌ لِلسَّماءِ، ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وعَلاماتٌ يُهْتَدى بِها، فَمَن تَأوَّلَ فِيها غَيْرَ ذَلِكَ أخْطَأ وأضاعَ نَصِيبَهُ وتَكَلَّفَ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ“ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ورَجَمْناهم بِها بِالفِعْلِ عِنْدَ اسْتِراقِهِمْ لِلسَّمْعِ إبْعادًا لَهم عَنْ مَسْكَنِ المُكَرَّمِينَ ومَحَلِّ النَّزاهَةِ والأُنْسِ ومَهْبِطِ القَضاءِ والتَّقْدِيرِ، ونَكالًا لِغَيْرِهِمْ مِن أمْثالِهِمْ عَذابًا لَهم في الدُّنْيا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَرْهِيبًا مِن جَلالِهِ بَعْدَ ما رَغِبَ في عَظِيمِ جَمالِهِ: ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ هَيَّأْنا في الآخِرَةِ مَعَ هَذا (p-٢٣٣)الَّذِي في الدُّنْيا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَهُمْ﴾ أيِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أيِ [ النّارِ -] الَّتِي هي في غايَةِ الِاتِّقادِ، فَفي الآيَةِ بِشارَةُ أهْلِ السَّمْعِ والبَصَرِ والعَقْلِ وفِيها مِنَ التَّنْبِيهِ ما لا يَخْفى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском