Al-Biqa'iAl‑Anfal · 8:1–6

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الأنفال

Al-Anfal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

8:1Page 177

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١

They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.

(p-٢١٤)سُورَةُ الأنْفالِ

وتُسَمّى الجِهادَ (بِسْمِ اللَّهِ) أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الحَوْلِ والقُوَّةِ والطَّوْلِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي أحاطَ دائِرَةَ العَقْلِ بِشُمُوسِ الأدِلَّةِ مِن كُلِّ مَنقُولٍ (الرَّحِيمِ) الَّذِي مَنَّ عَلى مَن شاءَ مِنَ الأتْباعِ؛ ومَقْصِدُ هَذِهِ السُّورَةِ تَبَرُّؤُ العِبادِ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وحَثُّهم عَلى التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ المُثْمِرِ لِاجْتِماعِ الكَلِمَةِ المُثْمِرِ لِنَصْرِ الدِّينِ وإذْلالِ المُفْسِدِينَ المُنْتِجِ لِكُلِّ خَيْرٍ، والجامِعِ لِذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالسُّوَرِ الماضِيَةِ وُجُوبُ اتِّباعِ أمْرِ الإلَهِ والِاجْتِماعُ عَلَيْهِ لِما ثَبَتَ مِن تَفَرُّدِهِ واقْتِدارِهِ، كانَ مَقْصُودُ هَذِهِ إيجابَ اتِّباعِ الدّاعِي إلَيْهِ بِغايَةِ الإذْعانِ والتَّسْلِيمِ والرِّضى والتَّبَرُّؤِ مِن كُلِّ حَوْلٍ وقُوَّةٍ إلى مَن أنْعَمَ بِذَلِكَ ولَوْ شاءَ سَلَبَهُ وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا قِصَّةُ الأنْفالِ الَّتِي اخْتَلَفُوا في أمْرِها وتَنازَعُوا قَسْمَها فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنها وكَفَّ عَنْهم حُظُوظَ الأنْفُسِ وألْزَمَهُمُ الإخْباتَ والتَّواضُعَ، وأعْطاها نَبِيَّهُ (ﷺ) لِأنَّهُ الَّذِي هَزَمَهم بِما رَمى مِنَ الحَصَباتِ الَّتِي خَرَقَ اللَّهُ فِيها العادَةَ بِأنْ بَثَّها في أعْيُنِ جَمِيعِهِمْ وبِما أرْسَلَ مِن جُنُودِهِ، فَكَأنَّ الأمْرَ لَهُ وحْدَهُ، يَمْنَحُهُ مَن يَشاءُ، ثُمَّ لَمّا صارَ لَهُ النَّبِيُّ (ﷺ)، (p-٢١٥)رَدَّهُ فِيهِمْ مِنَّةً مِنهُ عَلَيْهِمْ وإحْسانًا إلَيْهِمْ، واسْمُها الجِهادُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الكُفّارَ دائِمًا أضْعافُ المُسْلِمِينَ، وما جاهَدَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الإسْلامِ قَطُّ إلّا أكْثَرَ مِنهُمْ، وتَجِبُ مُصابَرَةُ الضَّعْفِ، فَلَوْ كانَ النَّظَرُ إلى غَيْرِ قُوَّتِهِ سُبْحانَهُ ما أُطِيقَ ذَلِكَ، ولِهَذِهِ المَقاصِدِ سُنَّتْ قِراءَتُها في الجِهادِ لِتَنْشِيطِ المُؤْمِنِينَ لِلْجِلادِ، وإنْ كَثُرَتْ مِنَ الأعادِي الجُمُوعُ والأعْدادُ، وتَوالَتْ إلَيْهِمْ زُمَرُ الأمْدادِ مِن سائِرِ العِبادِ، كَما ذَكَرَهُ الحافِظُ أبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمانُ بْنُ مُوسى بْنِ سالِمٍ الكَلاعِيُّ المَغْرِبِيُّ في فُتُوحِ البِلادِ مِن كِتابِهِ: الِاكْتِفاءُ في سِيرَةِ المُصْطَفى وأصْحابِهِ الثَّلاثَةِ الخُلَفاءِ، وكَذا شَيْخُهُ الخَطِيبُ أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَيْشٍ في كِتابِهِ الَّذِي جَمَعَهُ في الفُتُوحِ، قالا في وقْعَةِ اليَرْمُوكِ مِن فُتُوحِ الشّامِ عَنْ حَدِيثِ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ وهَذا لَفْظُ ابْنِ سالِمٍ: قالَ: وكانَ القارِئُ يَوْمَ ذاكَ المِقْدادَ، قالُوا: ومِنَ السُّنَّةِ الَّتِي سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) بَعْدَ بَدْرٍ أنْ نَقْرَأ سُورَةَ الجِهادِ عِنْدَ اللِّقاءِ، وهي سُورَةُ الأنْفالِ، ولَمْ يَزَلِ النّاسُ بَعْدُ عَلى ذَلِكَ؛ قالا في وقْعَةِ القادِسِيَّةِ مِن فُتُوحِ فارِسَ واللَّفْظُ لِابْنِ سالِمٍ أيْضًا قالُوا: ولَمّا صَلّى سَعْدٌ - يَعْنِي ابْنَ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الظُّهْرَ أمَرَ غُلامًا كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ألْزَمُهُ إيّاهُ وكانَ مِنَ القُرّاءِ يَقْرَأُ سُورَةَ الجِهادِ، وكانَ المُسْلِمُونَ كُلُّهم إذْ ذاكَ يَتَعَلَّمُونَها فَقَرَأها عَلى الكَتِيبَةِ الَّتِي تَلِيهِ، وقُرِئَتْ في كُلِّ كَتِيبَةٍ، فَهَشَّتْ قُلُوبُ النّاسِ وعَرَفُوا السِّكِّينَةَ مَعَ قِراءَتِها، قالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ: وكانَتْ قِراءَتُها سُنَّةً يَقْرَأُها رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) عِنْدَ الزُّخْرُفِ ويَسْتَقْرِئُها، فَعَمِلَ (p-٢١٦)النّاسُ بِذَلِكَ. انْتَهى.

ومُناسَبَتُها لِلْأعْرافِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى - كَما تَقَدَّمَ - قِصَصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعَ أُمَمِهِمْ في تِلْكَ، ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ قِصَّةَ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ قَوْمِهِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُ لَمّا أطْنَبَ سُبْحانَهُ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ تَفْضِيلَهُ عَلى الجَمِيعِ، فَأتى بِقِصَّةِ المُخاطَبِ بِهَذا القُرْآنِ في سُورَتَيْنِ كامِلَتَيْنِ، الأنْفالِ في أوَّلِ أمْرِهِ وأثْنائِهِ، وبَراءَةَ في خِتامِ أمْرِهِ وانْتِهائِهِ، وفَرَّقَ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا في سُوءِ العَذابِ، وكانُوا يَعْلَمُونَ عَنِ أسْلافِهِمْ أنَّ اللَّهَ سَيَذْكُرُهم ويُنْجِيهِمْ مِن أيْدِي القِبْطِ، فَلَمّا أتاهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيَّنَ لَهُمُ الآياتِ الَّتِي أمَرَهُ اللَّهُ بِها لَمْ يَشُكُّوا في أنَّهُ المَوْعُودُ بِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لَهُمْ، وإتْيانِهِ نَفْعٌ لَهم عاجِلٌ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الآجِلِ، فَأطْبَقُوا عَلى اتِّباعِهِ، وكانُوا أكْثَرَ مِن سِتِّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كانُوا يُخالِفُونَ عَلَيْهِ في كُلِّ قَلِيلٍ، ولا يَجِدُونَ قُلُوبًا يُواجِهُونَ بِها القِبْطَ في الإباءِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِهِمْ، وأمّا مُحَمَّدٌ (ﷺ) فَأتى قَوْمَهُ ولا حِسَّ عِنْدِهِمْ مِن نُبُوَّةٍ ولا عِلْمَ لَهم بِها، ولَمْ يَكُونُوا تَحْتَ ذُلِّ أحَدٍ، بَلْ كانُوا مُلُوكَ العَرَبِ، فَعِنْدَهم أنَّهُ جاءَ يَسْلُبُهم عِزَّهم ويُصَيِّرُهم لَهُ تَبَعًا فَخالَفُوا أشَدَّ المُخالَفَةِ ولَمْ يَدَعُوا كَيْدًا حَتّى باشَرُوهُ في رَدِّهِ عَمّا جاءَ بِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَزَلْ يُؤَيِّدُهُ حَتّى دَخَلَ النّاسُ هم وغَيْرُهم في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وأظْهَرَ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ كَما وعَدَهُ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أيَّدَ أمْرَهُ مِن بَعْدِهِ ولَمْ يَزَلْ أتْباعُهُ ظاهِرِينَ ولا يَزالُونَ إلى يَوْمِ الدِّينِ، (p-٢١٧)فَبَيْنَ القِصَّتَيْنِ فُرْقانٌ لِأُولِي الإبْصارِ والإتْقانِ، وأمّا مُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ تِلْكَ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ آخِرَ الأعْرافِ آخِرُ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُخْتَتَمَةِ بِقِصَّةِ بِلْعامَ وأنَّ ما بَعْدَ ذَلِكَ إنَّما هو تَتِمّاتٌ لِما تَقَدَّمَ لا بُدَّ مِنها وتَتِمّاتٌ لِلتَّتِمّاتِ حَتّى كانَ آخِرُ ذَلِكَ مَدْحَ مَن أهَّلَهم لِعِنْدِيَّتِهِ سُبْحانَهُ بِالإذْعانِ وتَمامِ الخُضُوعِ، فَلَمّا أُضِيفُوا إلى تِلْكَ الحَضْرَةِ العالِيَةِ، اقْتَضى ذَلِكَ سُؤالًا عَنْ حالِ الَّذِينَ عِنْدَ المُخاطَبِ (ﷺ) فَأُجِيبَ

* *

بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ أيِ: الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ هُمُ الَّذِينَ هَزَمُوا الكُفّارَ في الحَقِيقَةِ كَما عَلِمْتُمْ ذَلِكَ - وسَيَأْتِي بَيانُهُ، فَهُمُ المُسْتَحِقُّونَ لِلْأنْفالِ ولَيْسَ لَهم إلَيْها التِفاتٌ، وإنَّما هَمُّهُمُ العِبادَةُ، والَّذِينَ عِنْدَكَ إنَّما جَعَلْتُهم آلَةً ظاهِرَةً ومَعَ ذَلِكَ فَهم يَسْألُونَ ﴿عَنِ الأنْفالِ﴾ الَّتِي تَوَلَّيْتُهم إيّاها بِأيْدِي جُنُودِي سُؤالَ مُنازَعَةٍ يَنْبَغِي الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ مِنها - كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ آخِرَ الأعْرافِ - لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى افْتِراقِ الكَلِمَةِ والضَّعْفِ عَنْ مُقاوَمَةِ الأعْداءِ، وهو جَمْعُ نَفَلٍ - بِالتَّحْرِيكِ، وهو ما يُعْطاهُ الغازِي زِيادَةً عَلى سَهْمِهِ، والمُرادُ بِها هُنا الغَنِيمَةُ، وهي المالُ المَأْخُوذُ مِن أهْلِ الحَرْبِ قَهْرًا، سُمِّيَتْ هُنا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ أصْلَها في اللُّغَةِ الزِّيادَةُ، وقَدْ فُضِّلَ المُسْلِمُونَ بِها عَلى سائِرِ الأُمَمِ.

ولَمّا كانَ السُّؤالُ عَنْ حُكْمِها، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُفْعَلُ؟ فَقالَ (p-٢١٨)دالًّا عَلى أنَّهم سَألُوا عَنْ مَصْرِفِها وحُكْمِها - لِيُطابِقَ الجَوابُ السُّؤالَ: ﴿قُلِ﴾ أيْ: لَهم في جَوابِ سُؤالِهِمْ: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَيْسَ النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِهِ لِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿والرَّسُولِ﴾ أيِ: الَّذِي كانَ جازِمًا بِأمْرِ اللَّهِ مُسَلِّمًا لِقَضائِهِ ماضِيًا فِيما أرْسَلَهُ بِهِ غَيْرَ مُتَخَوِّفٍ مِن مُخالَطَةِ الرَّدى بِمُواقَعَةِ العِدى؛ قالَ أبُو حَيّانَ: ولا خِلافَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَنائِمِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا نَسْخَ، إنَّما أخْبَرَ أنَّ الغَنائِمَ لِلَّهِ مِن حَيْثُ إنَّها مِلْكُهُ ورِزْقُهُ، ولِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ هو مُبَيِّنٌ لِحُكْمِ اللَّهِ والصّادِعُ فِيها بِأمْرِهِ لِيَقَعَ التَّسْلِيمُ مِنَ النّاسِ، وحُكْمُ القِسْمَةِ نازِلٌ خِلالَ ذَلِكَ. انْتَهى.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا شَيْءَ لَهم فِيها إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِتَوَقُّفِهِمْ إلى بُرُوزِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، وكانَتِ التَّقْوى مُوجِبَةً لِلْوُقُوفِ خَوْفًا حَتّى يَأْتِيَ الدَّلِيلُ الَّذِي يُجْسَرُ عَلى المَشْيِ وراءَهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: خافُوا خَوْفًا عَظِيمًا في جَمِيعِ أحْوالِكم مِنَ الَّذِي لا عَظَمَةَ لِغَيْرِهِ ولا أمْرَ لِسِواهُ، فَلا تَطْلُبُوا شَيْئًا بِغَيْرِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا تَتَخاصَمُوا؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي رَحِمَكم بِإرْسالِ رَسُولٍ لِنَجاتِكم وإنْزالِ كِتابٍ لِعِصْمَتِكم غَيْرُ مُهْمِلٍ ما يُصْلِحُكُمْ، فَهو يُعْطِيكم ما سَبَقَ في عِلْمِهِ الحُكْمُ بِأنَّهُ (p-٢١٩)لَكُمْ، ويَمْنَعُكم ما لَيْسَ لَكم.

﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أيِ: الحالَ الَّتِي هي صاحِبَةُ افْتِراقِكم واجْتِماعِكُمْ، فَإنَّ أغْلَبَ أمْرِها البَيِّنُ الَّذِي هو القَطِيعَةُ، وقَدْ أشْرَفَتْ عَلى الفَسادِ بِطَلَبِ كُلِّ فَرِيقٍ الأثَرَةَ عَلى صاحِبِهِ فَأقْبِلُوا عَلى رِعايَتِها بِالتَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ الآمِرَيْنِ بِالإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا لِيُقَسِّمَها بَيْنَكم عَلى سَواءٍ، القَوِيُّ والضَّعِيفُ سَواءٌ، فَإنَّكم إنَّما تُرْزَقُونَ وتُنْصَرُونَ بِضُعَفائِكُمْ، لِتَجْتَمِعَ كَلِمَتُكم فَيَشْتَدَّ أمْرُكم ويَقْوى أزْرُكم فَتَقْدِرُوا عَلى إقامَةِ الدِّينِ وقَمْعِ المُفْسِدِينَ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿ورَسُولَهُ﴾ أيِ: الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ في كُلِّ ما يَأْمُرانِكم بِهِ مِن تَنْفِيلٍ لِمَن يَراهُ وإنْفاذِ شَرْطٍ ووَفاءِ عَهْدٍ لِمَن عاهَدَهُ.

ولَمّا أمَرَ ونَهى هَيَّجَ وألْهَبَ فَقالَ مُبَيِّنًا كَوْنَ الإيمانِ مُسْتَلْزِمًا لِلطّاعَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: صادِقِينَ في دَعْوى الإيمانِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَن يَدَّعِي شَيْئًا يَكُونُ صادِقًا في دَعْواهُ حَتّى يُحَصِّلَ البَيانَ بِالِامْتِحانِ، ولِذَلِكَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا غايَةَ التَّأْكِيدِ لِأنَّ التَّخَلُّصَ مِنَ الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَسِرٌ.

8:2Page 177

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢

The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ: الرّاسِخُونَ في وصْفِ الإيمانِ ﴿الَّذِينَ﴾ أيْ: يُقِيمُونَ الدَّلِيلَ عَلى دَعْوى الإيمانِ بِتَصْدِيقِ أفْعالِهِمْ لِأقْوالِهِمْ فَيَكُونُونَ ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ مُجَرَّدَ ذِكْرٍ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ١] ﴿وجِلَتْ﴾ أيْ: خافَتْ خَوْفًا عَظِيمًا يَتَخَلَّلُ صَمِيمَ عِظامِهِمْ ويَجُولُ في سائِرِ مَعانِيهِمْ وأجْسامِهِمْ ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: (p-٢٢٠)بِمُجَرَّدِ ذِكْرِهِ اسْتِعْظامًا لَهُ ﴿وإذا تُلِيَتْ﴾ أيْ: قُرِئَتْ عَلى سَبِيلِ المُوالاةِ والِاتِّصالِ مِن أيِّ تالٍ كانَ ﴿عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ أيْ: كَما يَأْتِي في إقامَةِ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ الَّذِي ورَدَ ذِكْرُهُ فِيهِ ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: بِإيمانِهِمْ بِها وبِما حَصَلَ لَهم مِن نُورِ القَلْبِ وطُمَأْنِينَةِ اليَقِينِ بِسَبَبِها؛ فَإنَّها هي الدّالَّةُ عَلى اللَّهِ بِما تُبَيِّنُ مِن عَظِيمِ أفْعالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ وجَمالِهِ، وتَظاهُرُ الأدِلَّةِ أقْوى لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، وكَمالُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما يُعْرَفُ بِواسِطَةِ آثارِ حِكْمَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ، وذَلِكَ بِحَرٍّ لا ساحِلَ لَهُ، ولَمّا كانَتِ المَراتِبُ لا نِهايَةَ لَها، كانَتْ مَراتِبُ التَّجَلِّي والمَعْرِفَةِ لا نِهايَةَ لَها، فالزِّيادَةُ في أشْخاصِ التَّصْدِيقِ ﴿وعَلى﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم عَلى ﴿رَبِّهِمْ﴾ أيِ: الدّائِمِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ وحْدَهُ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ إسْنادَ أُمُورِهِمْ إلَيْهِ مَهْما وسْوَسَ لَهُمُ الشَّيْطانُ بِالفَقْرِ أوْ غَيْرِهِ لِيَكْفِيَهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، فَإنَّ خَزائِنَهُ واسِعَةٌ، ويَدُهُ سَحّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، كَما أنَّهم لَمّا تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ في القِتالِ نَصَرَهم وقَدْ كانُوا في غايَةِ الخَوْفِ مِنَ الخِذْلانِ، وكانَ حالُهم جَدِيرًا بِذَلِكَ لِقَلَقِهِمْ وخَوْفِهِمْ وقَتْلِهِمْ وضَعْفِهِمْ.

8:3Page 177

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

ولَمّا وصَفَهم بِالإيمانِ الحامِلِ عَلى الطّاعَةِ والتَّوَكُّلِ الجامِعِ لَهُمُ الدّافِعِ لِلْمانِعِ مِنها، مُنْتَقِلًا مِن عَمَلِ الباطِنِ إلى عَمَلِ الظّاهِرِ مُبَيِّنًا أنَّ هِمَّتَهم إنَّما هي العِبادَةُ والمَكارِمُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أيْ: لا يَفْتُرُونَ عَنْ تَجْدِيدِ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَتْ صِلَةً بَيْنَ الخَلْقِ والخالِقِ، أتْبَعَها الوَصْلَةَ بَيْنَ (p-٢٢١)الخَلائِقِ فَقالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا وهو لَنا دُونَهم ﴿يُنْفِقُونَ﴾ ولَوْ كانُوا مُقِلِّينَ اعْتِمادًا عَلى ما عِنْدَنا فالإنْفاقُ وإهانَةُ الدُّنْيا هِمَّتُهُمْ، لا الحِرْصُ عَلَيْها، فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ كالَّذِينِ عِنْدَ رَبِّكَ في التَّحَلِّي بِالعِبادَةِ والتَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا إعْراضًا وزَهادَةً، وهو تَذْكِيرٌ بِوَصْفِ المُتَّقِينَ المَذْكُورِ أوَّلَ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]

8:4Page 177

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

ولَمّا حَقَّقُوا إيمانَهم بِأفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ والأمْوالِ، فاسْتَوْفَوْا بِذَلِكَ جَمِيعَ شُعَبِ الدِّينِ، عَظَّمَ سُبْحانَهُ شَأْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: العالُو الهِمَمِ ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وأكَّدَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾

ولَمّا كانَتْ صِفاتُهُمُ الخَمْسُ المَذْكُورَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى الأخْلاقِ والأعْمالِ لَها تَأْثِيراتٌ في تَصْفِيَةِ القُلُوبِ وتَنْوِيرِها بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، وكُلَّما كانَ المُؤَثِّرُ أقْوى كانَتِ التَّأْثِيراتُ أعْلى، فَلَمّا كانَتْ هي دَرَجاتٍ كانَ جَزاؤُها كَذَلِكَ، فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ تَعالى في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: فَما جَزاؤُهم عَلى ذَلِكَ؟ ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ ولَمّا كَثَّرَها بِجَمْعِ السَّلامَةِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الِامْتِنانِ، عَظَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِتَسْلِيمِهِمْ لِأمْرِهِ.

ولَمّا كانَ قَدَرُ اللَّهِ عَظِيمًا، وكانَ الإنْسانُ عَنْ بُلُوغِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ ضَعِيفًا حَقِيرًا، وكانَ بِأدْنى شَيْءٍ مِن أعْمالِهِ يَسْتَفِزُّهُ الإعْجابُ، أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّهُ لا يَسَعُهُ إلّا العَفْوُ ولَوْ بَذَلَ فَوْقَ الجُهْدِ فَقالَ: (p-٢٢٢)﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: لِذُنُوبِهِمْ إنْ رَجَعُوا عَنِ المُنازَعَةِ في الأنْفالِ وغَيْرِها،

﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: لا ضِيقَ فِيهِ ولا كَدَرَ بِوَجْهٍ ما مِن مُنازَعَةٍ ولا غَيْرِها، فَهو يُغْنِيهِمْ عَنْ هَذِهِ الأنْفالِ، ويَمْلَأُ أيْدِيَهم مِنَ الأمْوالِ مِن غَنائِمِ فارِسَ والرُّومِ وغَيْرِ ذَلِكَ، هَذا في الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: لَمّا تَقَدَّمَتْ ثَلاثُ صِفاتٍ قَلْبِيَّةٍ وهي الوَجَلُ وزِيادَةُ الإيمانِ والتَّوَكُّلُ - وبَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، تَرَتَّبَ عَلَيْها ثَلاثَةُ أشْياءَ، فَقُوبِلَتِ الأعْمالُ القَلْبِيَّةُ بِالدَّرَجاتِ والبَدَنِيَّةُ بِالغُفْرانِ، وقُوبِلَتِ المالِيَّةُ بِالرِّزْقِ الكَرِيمِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المُقابَلَةِ مِن بَدِيعِ عِلْمِ البَدِيعِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ الإيمانُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الِاعْتِقادُ والإقْرارُ والعَمَلُ جَوَّزَ أنْ يُقالَ: مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِأنَّ اسْتِيفاءَ الأعْمالِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وإنْ كانَ الِاعْتِقادُ والإقْرارُ يَقِينًا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الإيمانُ الِاعْتِقادُ والإقْرارُ فَقَطْ، فَلَمْ يُجَوِّزِ الِاسْتِثْناءَ، فالخِلافُ لَفْظِيٌّ، هَذا إذا كانَ الِاسْتِثْناءُ لِلشَّكِّ، وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ كانَ لِكَسْرِ النَّفْسِ عَنِ التَّمَدُّحِ، ولِلشَّهادَةِ بِالجَنَّةِ الَّتِي هي لِلْمُؤْمِنِ، ولِلْحُكْمِ عَلى حالَةِ المَوْتِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لا تُنافِي الجَزْمَ، فَهي بِمُجَرَّدِ التَّبَرُّكِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ذَكَرَ ذَلِكَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ.

8:5Page 177

كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥

[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

ولَمّا كانَ تَرْكُ الدُّنْيا شَدِيدًا عَلى النَّفْسِ، وتَرْكُ النِّزاعِ بَعْدَ الِانْتِسابِ فِيهِ أشَدَّ، شَرَعَ يَذْكُرُ لَهم ما كانُوا لَهُ كارِهِينَ فَفَعَلَهُ بِهِمْ (p-٢٢٣)وأمَرَهم بِهِ لِعِلْمِهِ بِالعَواقِبِ فَحَمِدُوا أثَرَهُ، لِيَكُونَ أدْعى لِتَسْلِيمِهِمْ لِأمْرِهِ وازْدِجارِهِمْ بِزَجْرِهِ، فَشَبَّهَ حالَ كَراهَتِهِمْ لِتَرْكِ مُرادِهِمْ في الأنْفالِ بِحالِ كَراهَتِهِمْ لِخُرُوجِهِمْ مَعَهُ ثُمَّ بِحالِ كَراهَتِهِمْ لِلِقاءِ الجَيْشِ دُونَ العِيرِ، ثُمَّ إنَّهم رَأوْا أحْسَنَ العاقِبَةِ في كِلا الأمْرَيْنِ فَقالَ: ﴿كَما﴾ أيْ: حالُهم في كَراهِيَةِ تَسْلِيمِ الأنْفالِ - مَعَ كَوْنِ التَّسْلِيمِ هو الحَقُّ والأوْلى لَهم - كَما كانَتْ حالُهم إذْ: ﴿أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالإرْشادِ إلى جَمِيعِ مَقاصِدِ الخَيْرِ ﴿مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الفَيْصَلِ الفارِقِ بَيْنَ الثّابِتِ والمُزَلْزِلِ ﴿وإنَّ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ ﴿فَرِيقًا﴾ عَبَّرَ بِهِ لِأنَّ آراءَهم كانَتْ تَؤُولُ إلى الفِرْقَةِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ ﴿لَكارِهُونَ﴾

8:6Page 177

يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلَ كَراهَتِهِمْ فَقالَ: ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ أيْ: يُكَرِّرُونَ ذَلِكَ إرادَةَ أنْ يَفْتِلُوكَ عَنِ اللِّقاءِ لِلْجَيْشِ إلى الرُّجُوعِ عَنْهُ.

ولَمّا كانَ الجَيْشُ أمْرًا قَدْ حَتَّمَهُ اللَّهُ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ مَعَ أنَّهُ يُرْضِيهِ، قالَ: ﴿فِي الحَقِّ﴾ أيِ: الَّذِي هو إيثارُ الجِهادِ ﴿بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ أيْ: وضَحَ وُضُوحًا عَظِيمًا سَهْلًا مِن غَيْرِ كُلْفَةِ نَظَرٍ بِقَرائِنِ الأحْوالِ بِفَواتِ العِيرِ وتَيْسِيرِ أمْرِ النَّفِيرِ وبِإعْلامِ الرَّسُولِ ﷺ لَهم تارَةً صَرِيحًا وتارَةً تَلْوِيحًا كَقَوْلِهِ: «”واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ، هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ وذَلِكَ مَصْرَعُ فُلانٍ“».

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ حَكَمَ بِاللِّقاءِ والنُّصْرَةِ تَأْيِيدًا لِوَلِيِّهِ وإعْلاءً لِكَلِمَتِهِ مَعَ شِدَّةِ كَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ، شَبَّهَ سَوْقَهُ لَهم إلى مُرادِهِ. (p-٢٢٤)فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَكْرُوهَ إلَيْهِمُ السَّوْقُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ﴾ أيْ: يَسُوقُهم سائِقٌ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى مُمانَعَتِهِ ﴿إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ لِأنَّها كانَتْ أوَّلَ غَزْوَةٍ غَزاها النَّبِيُّ ﷺ وكانَ فِيها لِقاءٌ، وكانُوا غَيْرَ مُتَأهِّبِينَ لِلْقِتالِ غايَةَ التَّأهُّبِ، إنَّما خَرَجُوا لِلِقاءِ العِيرِ، هَذا مَعَ أنَّهم عَدَدٌ يَسِيرٌ، وعَدَدُ أهْلِ النَّفِيرِ كَثِيرٌ، وكانُوا في غايَةِ الهَيْبَةِ لِلِقائِهِمْ والرُّعْبِ مِن قِتالِهِمْ، وكُلُّ هَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِأنَّهُ لَمْ يَنْصُرْهم إلّا اللَّهُ بِلا صُنْعٍ مِنهُمْ، بَلْ كانُوا في يَدِ قُدْرَتِهِ كالآلَةِ في يَدِ أحَدِهِمْ، لِيُنْتِجَ ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم أنْ يُنازِعُوا في الأنْفالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском