Al-Biqa'iAt‑Tahrim · 66:1–5

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

التحريم

At-Tahrim

The Prohibition · Medinan · 12 ayahs

66:1Page 560

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١

O Prophet, why do you prohibit [yourself from] what Allāh has made lawful for you, seeking the approval of your wives? And Allāh is Forgiving and Merciful.

(p-١٧٩)سُورَةُ التَّحْرِيمِ وتُسَمّى سُورَةُ النَّبِيِّ ﷺ

مَقْصُودُها الحَثُّ عَلى تَقْدِيرِ التَّدْبِيرِ في الأدَبِ مَعَ اللَّهِ ومَعَ رَسُولِهِ (ﷺ ومَعَ سائِرِ العِبادِ والنَّدْبِ إلى التَّخَلُّقِ بِالأدَبِ الشَّرْعِيِّ وحَسُنِ المُباشَرَةِ لا سِيَّما [ لِلنِّساءِ -] اقْتِداءً بِالنَّبِيِّ (ﷺ في حُسْنِ عِشْرَتِهِ وكِرِيمِ صُحْبَتِهِ وبَيانِ أنَّ الأبَ الشَّرْعِيَّ تارَةً يَكُونُ بِاللِّينِ والأناةِ، وأُخْرى بِالسَّوْطِ وما داناهُ ومَرَّةً بِالسَّيْفِ وما والاهُ، وكُلٌّ مِنَ اسْمَيْها التَّحْرِيمُ والنَّبِيُّ (ﷺ مُوَضِّحٌ لِذَلِكَ ( بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ عَلى الدَّوامِ ( الرَّحْمَنِ الَّذِي عَمَّ عِبادَهُ بِعَظِيمِ الإنْعامِ ( الرَّحِيمِ الَّذِي أتَمَّ خَواصَّهُ نِعْمَةِ الإسْلامِ.

* *

لَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ الطَّلاقَ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ وتَنَزَّلَ أمْرَهُ بَيْنَ الخافِقِينَ في تَدْبِيرِهِ، دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلُ هَذِهِ بِإعْلاءِ أُمُورِ الخَلْقِ بِأمْرٍ وقَعَ بَيْنَ خَيْرِ خَلْقِهِ وبَيْنَ نِسائِهِ اللّاتِي مِن خَيْرِ النِّساءِ واجْتَهَدَ كُلٌّ في إخْفاءِ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِنهُ فَأظْهَرُهُ سُبْحانَهُ عِتابًا لِأزْواجِ نَبِيِّهِ ﷺ في صُورَةِ عِقابِهِ لِأنَّهُ أبْلَغُ رِفْقًا بِهِ لِأنَّهُ يَكادُ مِن شَفَقَتِهِ أنْ يَبْخَعَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ (p-١٨٠)رَحْمَةً لِأُمَّتِهِ تارَةً لِطَلَبِ رِضاهم وأُخْرى رَغْبَةً في هُداهُمْ، لِأنَّهُ ﷺ بالِغٌ في تَهْذِيبِ أخْلاقِهِ مَعَ ما طَهَّرَهُ اللَّهُ بِهِ مِن نَزاهَتِها عَنْ كُلِّ دَنَسٍ حَتّى ضَيَّقَ [ عَلَيْها -] بِالِامْتِناعِ عَنْ بَعْضِ ما أُبِيحَ لَهُ حِفْظًا لِخاطِرِ الغَيْرِ، فَقالَ تَعالى مُنادِيًا لَهُ بِأداةِ البُعْدِ وهو أقْرَبُ أهْلِ الحَضْرَةِ مَعَ أنَّها مُعَدَّةٌ لِما يَكُونُ ذا خَطْبٍ جَلِيلٍ ومَعْنًى جَسِيمٍ جَلِيلٍ، وفِيها إيماءٌ إلى تَنْبِيهِ الغَيْرِ وإسْماعِهِ إرادَةً لِتَأْدِيبِهِ وتَزْكِيَتِهِ وتَهْذِيبِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ مُخاطَبَةً بِالوَصْفِ الَّذِي يَعْلَمُ بِالعِصْمَةِ ويُلائِمُهُ أشَدَّ المُلاءَمَةِ خُلُوُّ البالِ وسُرُورُ القَلْبِ وانْشِراحُ الصَّدْرِ لِأنَّهُ لِلتَّلَقِّي عَنِ اللَّهِ تَعالى فَيُحِثُّ كُلَّ سامِعٍ عَلى البُعْدِ عَنْ كُلِّ ما يُشَوِّشُ عَلَيْهِ ﷺ أدْنى تَشْوِيشٍ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ أيْ تَفْعَلُ [ فِعْلَ المُحَرَّمِ -] بِمَنعِ نَفْسِكَ الشَّرِيفَةِ ﴿ما أحَلَّ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿لَكَ﴾ بِالوَعْدِ لِبَعْضِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ بِالِامْتِناعِ مِن شُرْبِ العَسَلِ الَّذِي كانَ عِنْدَ حَفْصَةَ أوْ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والِامْتِناعُ مِن مُلامَسَةِ سُرِّيَّتِكَ مارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَتُضَيِّقُ عَلى نَفْسِكَ لِإحْسانِ العِشْرَةِ مَعَ نِسائِكَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أجْمَعِينَ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ أوْ زَيْنَبُ بِنْتَ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَلى اخْتِلافِ (p-١٨١)الرِّوايَتَيْنِ في ذَلِكَ في الصَّحِيحِ، وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ ﷺ كانَ إذا صَلّى الغَداةَ دَخَلَ عَلى نِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ امْرَأةً امْرَأةً، وكانَتْ قَدْ أُهْدِيَتْ لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَكَّةٌ مِنَ العَسَلِ، فَكانَتْ إذا دَخَلَ [ عَلَيْها فَسَلَّمَ -] حَبَسَتْهُ وسَقَتْهُ مِنها، وأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنْكَرَتِ احْتِباسَهُ عِنْدَها فَقالَتْ لِجُوَيْرِيَةٍ عِنْدَها حَبَشِيَّةٌ يُقالُ لَها خَصْرَةُ: إذا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى حَفْصَةَ فادْخُلِي عَلَيْها فانْظُرِي ماذا يَصْنَعُ فَأخْبَرْتَها الخَبَرَ فَوَصَّتْ صَواحِباتِها فَنَفَّرْنَهُ مَن شُرْبِهِ بِإخْبارِهِ بِأنَّهُ يُوجَدُ مِنهُ رِيحٌ كَرِيهَةٌ لِأنَّ نَحْلَةً جَرَسَتِ العُرْفُطَ، فَقالَ: لَنْ أعُودَ لَهُ،» ورَوى الطَّبَرِيُّ وابْنُ مَرْدُويَةَ «أنَّهُ ﷺ خَلا بِمارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أُمُّ ولَدِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في بَيْتِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها [ فَتَوَجَّعَتْ مِن ذَلِكَ حَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -] فَقالَ هي [ عَلَيَّ -] حَرامٌ ولا تَذْكُرِي [ ذَلِكَ -] لِأحَدٍ وأُبَشِّرُكَ عَلى ذَلِكَ بِشارَةً، وهي أنَّ أبا بَكْرٍ يَلِي هَذا الأمْرَ مِن بَعْدِي وأباكَ يَلِيهِ مِن بَعْدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، لا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أحَدًا، فَأخْبَرَتْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها»

ويُرْوى «أنَّ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ في يَوْمِها مِنَ النَّبِيِّ ﷺ: ”إنَّ بِي إلى أبِي حاجَةَ نَفَقَةٍ لَهُ عِنْدَهُ فائْذَنْ [ لِي -] أنْ (p-١٨٢)أزُورَهُ وآتِي بِها، فَأذِنَ لَها فَلَمّا خَرَجَتْ أرْسَلَ إلى جارِيَتَهُ مارِيَةَ القِبْطِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَوَقَعَ عَلَيْها فَأتَتْ حَفْصَةَ فَوَجَدَتِ البابَ مُغْلَقًا فَجَلَسَتْ عِنْدَهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووَجْهُهُ يَقْطُرُ عَرَقًا وحَفْصَةُ تَبْكِي فَقالَ لَها: ما يُبْكِيكِ؟ فَقالَتْ: إنَّما أذِنْتُ [ لِي -] مِن أجْلِ هَذا وقَعْتُ عَلَيْها في يَوْمِي وعَلى فِراشِي، أما رَأيْتَ [ لِي -] حُرْمَةً وحَقًّا ما كُنْتَ تَصْنَعُ هَذا بِامْرَأةٍ مِنهُنَّ، فَقالَ ﷺ: ألَيْسَ هي جارِيَتِي قَدْ أحَلَّها اللَّهُ لِي اسْكُتِي فَهي عَلَيَّ حَرامٌ ألْتَمِسُ بِذاكَ رِضاكَ فَلا تُخْبِرِي بِهَذا أحَدًا، فَلَمّا خَرَجَ أخْبَرَتْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَحَلَّفَتْهُ عَلى تَرْكِ مارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ“» ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَبْتَغِي﴾ [ أيْ -] تُرِيدُ إرادَةً عَظِيمَةً مِن مَكارِمِ أخْلاقِكَ وحُسْنِ صُحْبَتِكَ ﴿مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ أيِ الأحْوالِ والمَواضِعِ والأُمُورِ الَّتِي يَرْضَيْنَ بِها ومَن أوْلى بِأنْ تَبْتَغِينَ رِضاكَ وكَذا جَمِيعُ الخَلْقِ لِتَفْرَغَ لِما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لَكِنَّ ذَلِكَ لِلزَّوْجاتِ آكَدُ.

ولَمّا كانَ أعْلى ما يَقَعُ بِهِ المَنعُ مِنَ الأشْياءِ مِن جِهَةِ العِبادِ الإيمانُ، وكانَ تَعالى قَدْ جَعَلَ مِن رَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ لِإيمانِهِمْ كَفّارَةً قالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِرِضاهُنَّ والحالُ أنَّ اللَّهَ المَلِكَ الأعْلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-١٨٣)أيْ مَحّاءٌ سَتُورٌ لِما يَشُقُّ عَلى خُلَّصِ عِبادِهِ مُكْرِمٌ لَهُمْ، ثُمَّ عَلَّلَ أوْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ:

66:2Page 560

قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢

Allāh has already ordained for you [Muslims] the dissolution of your oaths.1 And Allāh is your protector, and He is the Knowing, the Wise.

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ﴾ أيْ قَدَّرَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وعَبَّرَ بِالفَرْضِ حَثًّا عَلى قَبُولِ الرُّخْصَةِ إشارَةً إلى [ أنَّ -] ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في الوَرَعِ ولا يُخِلُّ بِحُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ لِأنَّ أهْلَ الهِمَمِ العَوالِي لا يُحِبُّونَ النَّقْلَةَ مِن عَزِيمَةٍ إلى رُخْصَةٍ بَلْ مِن رُخْصَةٍ إلى عَزِيمَةٍ، أوْ عَزِيمَةٍ إلى مِثْلِها.

ولَمّا كانَ التَّخْفِيفُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ إنَّما هو كَرَمًا مِنهُ وتَعْظِيمًا لِهَذا النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ﴿لَكُمْ﴾ [ أيْ -] أيَّتُها الأُمَّةُ الَّتِي أنْتَ رَأْسُها، وعَبَّرَ بِمَصْدَرٍ حَلَّلَ المَزِيدَ مِثْلَ كَرَمِهِ وتُكْرِمُهُ إظْهارًا لِمَزِيدِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿تَحِلَّةَ﴾ أيْ تَحْلِلَةً ﴿أيْمانِكُمْ﴾ أيْ شَيْئًا يُحْلِلْكم مِمّا أوْثَقْتُمْ بِهِ أنْفُسَكم مِنها تارَةً بِالِاسْتِثْناءِ وتارَةً بِالكَفّارَةِ تَحْلِيلًا عَظِيمًا بِحَيْثُ يُعِيدُ الحالَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ اليَمِينِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ فَحَلَّلَ يَمِينَكَ واخْرُجْ مِن تَضْيِيقِكَ عَلى نَفْسِكَ واشْرَحْ مِن صَدْرِكَ لِتَتَلَقّى ما يَأْتِيكَ مِن أنْباءِ اللَّهُ تَعالى وأنْتَ [ مُتَفَرِّغٌ -] لَهُ بِطِيبِ النَّفْسِ وقُرَّةِ العَيْنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ ”أنْتِ عَلِيَّ حَرامٌ“ كاليَمِينِ إذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ طَلاقًا لِلزَّوْجَةِ ولا إعْتاقًا لِلْأُمَّةِ، وإذا كانَ اللَّهُ قَدْ فَرَضَ ذَلِكَ لِكافَّةِ الأُمَّةِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ فَرَأْسُهم أوْلى بِأنْ يَجْعَلَ لَهُ ذَلِكَ، قالَ مُقاتِلٌ: (p-١٨٤)فَأعْتَقَ ﷺ في هَذِهِ الواقِعَةِ رَقَبَةً، و[ قَدْ -] قِيلَ: إنَّ تَحْرِيمَهُ ﷺ هُنا كانَ بِيَمِينٍ حَلِفَها وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَن رَأى أنَّ ”أنْتِ عَلِيَّ حَرامٌ“ يَمِينٌ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المُخْتَصَّ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿مَوْلاكُمْ﴾ أيْ يَفْعَلُ مَعَكم فِعْلَ القَرِيبِ الصِّدِّيقِ ﴿العَلِيمُ﴾ [ أيِ -] البالِغِ العِلْمِ بِمَصالِحِكم وغَيْرِها إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ الَّذِي يَضَعُ كُلَّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ لَكم في أتْقَنِ مُحالِهِ بِحَيْثُ لا يَنْسَخُهُ هو ولا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أنْ يُغَيِّرَهُ ولا شَيْئًا مِنهُ، وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ ابْنُ الزُّبَيْرِ: خَفاءً بِشِدَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ السُّورَةِ بِسُورَةِ الطَّلاقِ لِاتِّحادِ مَرْماهُما وتَقارُبِ مَعْناهُما، وقَدْ ظَنَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَّقَ نِساءَهُ حِينَ اعْتَزَلَ في المُشْرَبَةِ حَتّى سَألَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ وتَخْيِيرُهُ ﷺ إيّاهُنَّ أثَرَ ذَلِكَ وبَعْدَ اعْتِزالِهِنَّ شَهْرًا كامِلًا وعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ [التحريم: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فَهَذِهِ السُّورَةُ وسُورَةُ الطَّلاقِ أقْرَبُ شَيْءٍ وأشْبَهُ بِسُورَةِ الأنْفالِ وبَراءَةَ لِتَقارُبِ المَعانِي والتِحامِ المَقاصِدِ - انْتَهى.

66:3Page 560

وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣

And [remember] when the Prophet confided to one of his wives a statement; and when she informed [another] of it and Allāh showed it to him, he made known part of it and ignored a part. And when he informed her about it, she said, "Who told you this?" He said, "I was informed by the Knowing, the Aware."

(p-١٨٥)ولَمّا كانَتِ العِدَّةِ فِيمَن رَأى حَبِيبَهُ قَدْ ضاقَ صَدْرُهُ أنْ يَسْعى أوَّلًا في شَرْحِ صَدْرِهِ وطِيبِ نَفْسِهِ ثُمَّ يَزِيدُهُ بَسْطًا بِأنْ يَقُولَ لِلْحاضِرِينَ: إنَّ حَبِيبَنا هَذا الكَرِيمَ عَلَيْنا اتَّفَقَ لَهُ كَذا، وقَدْ كَرِهْتُ [ هَذا -] وضَمَّنْتُ زَوالَهُ، وكانَ تَعالى قَدْ طَيَّبَ نَفْسَهُ ﷺ بِأوَّلِ السُّورَةِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ الأمْرَ الآخَرَ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِن حُسْنِ عِشْرَةِ نَبِيِّكم ﷺ لِنِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ وكَرِيمِ صُحْبَتِهِ وشَرِيفِ أخْلاقِهِ و[ جَمِيلِ -] أفْضالِهِ وجَلِيلِ حُلْمِهِ واذْكُرُوا ما خَفَّفَ اللَّهُ بِهِ عَنْكم في الأيْمانِ الَّتِي لا مَثْنَوِيَّةَ فِيها [ واذْكُرُوا فِيها -] اسْمَهُ المُقَدَّسَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى تَشْرِيفًا لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالمُعاتَبَةِ [ عَلَيْهِ -] وبِإظْهارِ ما هو حامِلٌ لَهُ مِن ثِقَلِ هَذا السِّرِّ عَلى أجْمَلِ وجْهٍ تَخْفِيفًا عَنْهُ وتَرْوِيحًا لَهُ: ﴿وإذْ﴾ أيْ [و-] اذْكُرُوا كَرِيمَ أخْلاقِهِ ﷺ وطاهِرَ شَمائِلِهِ في عِشْرَتِهِنَّ حِينَ ﴿أسَرَّ النَّبِيُّ﴾ أيِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَرْفَعَهُ اللَّهُ دائِمًا بِأنْ يَتَلَقّى مِن فَيّاضِ عِلْمِهِ ما يُخْبِرُ بِهِ النّاسَ فَإنَّهُ ما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى وأبْهَمَ الزَّوْجَةَ ولَمْ يُعَيِّنْها سُبْحانَهُ تَشْرِيفًا لَهُ ﷺ ولَها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ فَقالَ تَعالى: ﴿إلى بَعْضِ أزْواجِهِ﴾ وهي حَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ [ عَنْها، كَنّى -] عَنْها صِيانَةً لَهُنَّ لِأنَّ حُرْمَتَهُنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ مَن حُرْمَتِهِ ﷺ (p-١٨٦)﴿حَدِيثًا﴾ لَيْسَ هو مِن شَأْنِ الرِّسالَةِ ولَوْ كانَ مِن شَأْنِها لَهم بِهِ وأعْلَنَهُ ولَمْ يَخُصَّ بِهِ ولا أسَرَهُ وذَلِكَ هو تَحْرِيمُ مارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ووَعَدَهُ بِأنْ يَتْرُكَ العَسَلَ وبِشارَتُهُ بِوِلايَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ولَمْ يُبَيِّنِ الحَدِيثُ ويَفْصِلُهُ إكْرامًا لَهُ ﷺ وحِفْظًا لِسِرِّهِ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّ الإنْسانَ لا يُحِبُّ تَفْصِيلَ سِرِّهِ وإنْ كُنّا اطَّلَعْنا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَتَأسّى بِهِ فِيما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، فَإنَّ أحْوالَهُ ﷺ كُلَّها أحْكامٌ لَنا إلّا ما اخْتَصَّ بِهِ وأشارَ إلى قُرْبِ زَمَنِ إفْشائِهِ مِن زَمَنِ التَّحْدِيثِ بِالفاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأتْ﴾ أيْ أخْبَرَتْ إخْبارًا عَظِيمًا جَلِيلًا لِشَرَفِهِ في نَفْسِهِ ولِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وبالَغَتْ في ذَلِكَ وأخْبَرَتْ ﴿بِهِ﴾ كُلِّهِ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ في سِياقِ حِكايَةٍ لِأنَّهُ أسْتَرُ لِحَرَمِهِ ﷺ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَنَبَّأتْ [ بِهِ -] ولا قالَ: أساءَتْ بِالإنْباءِ بِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُفْهَمُ أنَّهُ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ أطْلَعَهُ المَلِكُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيِ الحَدِيثِ بِأنَّهُ قَدْ أفْشى مُناصَحَةً لَهُ في إعْلامِهِ بِما يَقَعُ في غَيْبَتِهِ لِيُحَذِّرَهُ إنْ كانَ شَرًّا ويُثِيبَ عَلَيْهِ إنْ كانَ خَيْرًا ﴿عَرَّفَ﴾ أيِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي أسَرَّ إلَيْها ﴿بَعْضَهُ﴾ وهو أمْرُ الخِلافَةِ عِتابًا لَها عَلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ أوْصاها أنْ لا تُظْهِرَهُ، والكَفُّ عَنْ بَعْضِ العَتَبِ أبْعَثُ عَلى حَياءِ (p-١٨٧)المَعْتُوبِ وأعْوَنُ عَلى تَوْبَتِهِ وعَدَمِ عَدَدِهِ إلى فِعْلِ مِثْلِهِ ﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ وهو أمْرُ السِّرِّيَّةِ والعَسَلِ تَكَرُّما مِنهُ أنْ يَسْتَقْصِيَ في العِتابِ وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ، قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكُبَراءِ وإنَّما عاتَبَ عَلى أمْرِ الخِلافَةِ خَوْفًا [ مِن -] أنْ يَنْتَشِرَ في النّاسِ ويُذِيعَ، فَرُبَّما أثارَ حَسَدًا مِن بَعْضِ المُنافِقِينَ وأوْرَثَ الحَسُودَ لِلصَّدِيقِ والفارُوقِ كَيْدًا أوْ جَرًّا إلى مَفْسَدَةٍ لا نَعْلَمُها، وخَفَّفَ الكِسائِيُّ: عَرَفَ أيْ أقَرَّ بِهِ والمَعْرِفَةُ سَبَبُ التَّعْرِيفِ والتَّعْرِيفُ عَنِ المَعْرِفَةِ فَإطْلاقُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ شائِعٌ وعَلاقَتُهُ ذَلِكَ وأشارَ إلى مُبادَرَتِهِ بِتَعْرِيفِها ذَلِكَ لِئَلّا يَنْتَشِرَ ما يَكْرَهُهُ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَبَّأها﴾ بِما فَعَلْتَ مِن إفْشاءِ ما عَرَّفَها مِنهُ عَلى وجْهٍ لَمْ يُغادِرْ مِن ذَلِكَ الَّذِي عَرَّفَها ﴿بِهِ﴾ شَيْئًا مِنهُ ولا مِن عَوارِضِهِ لِيَزْدادَ بَصِيرَةً، رُوِيَ أنَّها قالَتْ: قُلْتُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها سِرًّا وأنا أعْلَمُ أنَّها لا تَظْهَرُهُ، قالَهُ المَلْوِيُّ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ﴾ أيْ ظَنًّا مِنها أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أفْشَتْ عَلَيْها ﴿مَن أنْبَأكَ هَذا﴾ أيْ مُطْلَقُ إخْبارٍ، واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قالَ نَبَّأنِيَ﴾ وحَذَفَ المُتَعَلِّقَ اخْتِصارًا لِلَّفْظِ وتَكْثِيرًا لِلْمَعْنى بِالتَّعْمِيمِ إشارَةً إلى أنَّهُ أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما دارَ بَيْنَها وبَيْنَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِمّا عَرَّفَها بِهِ ومِن غَيْرِهِ عَلى أتَمِّ ما كانَ ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِالعِلْمِ ﴿الخَبِيرُ﴾ أيِ المُطَّلِعِ (p-١٨٨)عَلى الضَّمائِرِ والظَّواهِرِ فَهو أهْلٌ لِأنْ يُحَذِّرَ فَلا يَتَكَلَّمُ سِرًّا ولا جَهْرًا إلّا بِما يُرْضِيهِ.

66:4Page 560

إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤

If you two [wives] repent to Allāh, [it is best], for your hearts have deviated. But if you cooperate against him - then indeed Allāh is his protector, and Gabriel and the righteous of the believers and the angels, moreover, are [his] assistants.

ولَمّا عَرَفَ مِن هَذا أنَّ المُعاتِبَ المُنْبِئَةَ ومِن نَباتِهِ، وكانَ قَدْ يَكُونُ عَدَدًا أشارَ إلى أنَّهُ واحِدٌ فالمُعاتِبُ اثْنَتانِ، وكانَتا قَدِ اتَّسَعَتْ قُلُوبُهُما لِما يَأْتِي مِن قِبَلِ اللَّهِ مِنَ الرَّغائِبِ [ بِهَذا العِتابِ عَلى هَذا الأمْرِ الخَفِيِّ جِدًّا والكَرَمِ عَلَيْهِما فِيهِ بِعَدَمِ الِاسْتِقْصاءِ فَمالَتْ قُلُوبُهُما إلى المَعالِي وغاصَتْ عَلى جَلِيلِ المَعارِفِ فَصاغَتْ مِن جَواهِرِ ذَلِكَ دَقِيقَ المَعانِي، لَفَتَ إلَيْهِما الخِطابُ بِلَطِيفِ العِبادِ -] لِشَرِيفِ المَتابِ، فَقالَ تَشْرِيفًا آخَرَ لَهُ ﷺ بِالإقْبالِ عَلى نِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ بِالعِتابِ لِأجْلِهِ قِيامًا عَنْهُ بِما رُبَّما أزْعَجَهُ لَوْ باشَرَهُ حِفْظًا لِخاطِرِهِ الشَّرِيفِ مِمّا قَدْ يَغُرُّهُ ﴿إنْ تَتُوبا﴾ أيْ يا عائِشَةُ ويا حَفْصَةُ مِمّا صَنَعَتْهُ حَفْصَةُ بِالإفْشاءِ وعائِشَةُ بِالِاحْتِيالِ عَلى المَنعِ مِن شُرْبِ العَسَلِ والتَّحْلِيفِ عَلى مارِيَةَ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ فَجَلَّتْ قُدْرَتُهُ ولَطَفَ بِهِما لِأجْلِهِ ﷺ غايَةَ اللُّطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ أيْ مالَتْ وغاضَتْ بِما صاغَتْ ﴿قُلُوبُكُما﴾ وفي جَمْعِ القُلُوبِ جَمْعُ كَثْرَةٍ تَأْكِيدٍ لِما فَهِمْتُهُ مِن مَيْلِ القَلْبِ بِكَثْرَةِ المَعارِفِ بِما أفادَهُما إظْهارُ هَذا السِّرِّ والعِتابِ عَلَيْهِ مِنَ الحَياءِ، فَصارَتا جَدِيرَتَيْنِ بِالمُبادَرَةِ إلى التَّوْبَةِ مُتَأهِّلَتَيْنِ لِذَلِكَ غايَةَ التَّأهُّلِ.

ولَمّا أوْرَدَ ما صارَتا حَقِيقِيَّتَيْنِ بِهِ بِأداةِ الشَّكِّ إقامَةً لِلسّامِعِ بَيْنَ (p-١٨٩)الخَوْفِ والرَّجاءِ مِن ذَلِكَ وهو أعْلَمُ مِمّا يَكُونُ أكْمَلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ شَقِّ الخَوْفِ، فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّ المَلِكَ وأوْلِيائِهِ أنْصارٌ لَهُ ﴿وإنْ تَظاهَرا﴾ بِالتَّشْدِيدِ لِلْإدْغامِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ لِأنَّ النَّظَرَ هُنا إنَّ وقَعَ كانَ عَلى وجْهِ الخَفاءِ في أعْمالِ الحِيلَةِ في أمْرِ مارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها والعَسَلُ وما يَأْتِي مِن مِثْلِ ذَلِكَ ما يَبْعَثُ عَلَيْهِ الغَيْرَةُ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيِ النَّبِيِّ ﷺ المُنَبَّأُ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِما يَرْفَعُ قَدْرَهُ ويُعْلِي ذِكْرَهُ، وقِراءَةُ الكُوفِيِّينَ بِالتَّخْفِيفِ بِإسْقاطِ إحْدى التّاءَيْنِ إشارَةً إلى سُهُولَةِ أمْرِ هَذِهِ المُظاهَرَةِ وقِلَّةِ أذاها لَهُ ﷺ.

ولَمّا كانَ المَعْنى كَأنَّهُ لا يُبالِي بِمُظاهَرَةٍ كَما عَبَّرَ عَنْهُ بِعِلَّتِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا إعْلامًا بِأنَّ حالَ المُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِ حالُ المُنْكِرِ لِمَضْمُونِ الكَلامِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ ﴿هُوَ﴾ أيْ بِنَفْسِهِ الأقْدَسُ وحَضْرَةُ غَيْبِ غَيْبِهِ الَّتِي لا يَقُومُ لِما لَها مِنَ العَظَمَةِ شَيْءٌ ﴿مَوْلاهُ﴾ أيْ ناصِرُهُ والمُتَوَلِّي مَن أمَرَهُ ما يَتَوَلّاهُ القَرِيبُ الصِّدِّيقُ القادِرُ وكُلُّ مَن لَهُ وعْيُ يَعْلَمُ كِفايَتَهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ فَهو يَعْمَلُ أبْلَغَ ما يَعْمَلُهُ مَوْلى مَعَ مَن هو مُتَوَلٍّ لِأمْرِهِ وفي مُعاوَنَتِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ إظْهارٌ (p-١٩٠)لِشَرَفِهِ ومُراعاةٌ لِحِفْظِ خاطِرِهِ وشَرْحٌ لِصَدْرِهِ.

ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ لِمَبْنى هَذِهِ الدّارِ عَلى حِكْمَةِ الأسْبابِ مُؤَكَّلَةٌ بِها ناظِرَةٌ أتَمَّ نَظَرٍ إلَيْها، وكانَ نِساءُ النَّبِيِّ ﷺ لِكَثْرَةِ ما يُتْلى في بُيُوتِهِنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ في بُيُوتِهِنَّ ويُعْلِمُهُنَّ قَدْ صارَ عِنْدَهُنَّ بِذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ المَأْلُوفَةِ، وكانَ هو أعْظَمُ أنْصارِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ﴿وجِبْرِيلُ﴾ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ الَّتِي يُقِيمُها اللَّهُ سُبْحانَهُ.

ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى مُظاهَرَتِهِ ﷺ عَلى [ كُلِّ -] ما يُرِيدُهُ الإيمانُ فَكُلُّ ما كانَ الإنْسانُ فِيهِ أمْكَنُ [ كانَ -] لَهُ أشَدُّ مُظاهَرَةً وأعْوَنُ قالَ: ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في رُتْبَةِ الإيمانِ والصَّلاحِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ وأبَواهُما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أعْظَمُ مُرادٍ بِهَذا، وقَدْ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أمَرْتَنِي لَأضْرِبَنَّ عُنُقَها، والصّالِحُ وإنْ كانَ لَفْظُهُ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ الجَمْعُ المُسْتَغْرِقُ لِأنَّهُ لِلْجِنْسِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ مَعَ دَلالَةِ السِّياقِ إضافَتُهُ لِلْجَمْعِ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالإفْرادِ مَعَ أنَّ هَذا المُرادَ لِلْإشارَةِ إلى قِلَّةِ المُتَّصِفِ بِهَذا (p-١٩١)جِدًّا لِقِلَّةِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ وقِلَّةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ مِنَ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ فَهو قَلِيلٌ مِن قَلِيلٍ و[ قَدْ -] جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ جَمْعًا وأنَّهُ حُذِفَتْ واوُهُ في الرَّسْمِ عَلى خِلافِ القِياسِ وهي مَحْذُوفَةٌ في الوَصْلِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَظَنَّ لِذَلِكَ مُفْرَدًا ودَخَلَ في ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا.

ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ أعْطى المَلائِكَةَ مِنَ القُوى والتَّصَرُّفِ في الظَّواهِرِ والبَواطِنِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ، قالَ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ بَعْدَ تَعْظِيمِهِ بِما ذَكَرَ مِن رَئِيسِ الكَرُوبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ كُلُّهم ومِنهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو مَذْكُورٌ خُصُوصًا وعُمُومًا ثَلاثَ مَرّاتٍ إظْهارًا لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِ ومُوالاتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ. ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْمِيمَ في الزَّمانِ والمَكانِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ في الصّالِحِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والإنْسِ والجانِّ، قالَ مِن غَيْرِ جارٍّ مُعَظِّمًا لِنُصْرَةِ المَلائِكَةِ لِما لَهم مِنَ العَظَمَةِ في القُلُوبِ لِما تَقَرَّرَ لِمَن باشَرَ مِنهُمُ العَذابَ تارَةً بِالرَّجْفَةِ وأُخْرى بِالصَّعْقَةِ وتارَةً بِالخَسْفِ وأُخْرى بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ إذا تَصَوَّرَ الآدَمِيُّ المُقَيَّدُ بِالمَحْسُوساتِ اجْتِماعَهم عَلى ما لَهم مِنَ الأشْكالِ المُهَوِّلَةِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي [ تَقَدَّمَ -] ذِكْرُهُ وهو مُظاهَرَةُ اللَّهِ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ ﴿ظَهِيرٌ﴾ أخْبَرَ عَنِ الجَمْعِ بِاسْمِ الجِنْسِ (p-١٩٢)إشارَةً إلى أنَّهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ في المُظاهَرَةِ، فَخَوَّفَ بِهَذا كُلَّهُ لِأجْلِ المَتابِ لُطْفًا بِهِ ﷺ وإظْهارًا لِعَظَمَتِهِ وفي قِصَّةِ صاحِبِ ياسِينَ قالَ ﴿وما أنْـزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾ [يس: ٢٨] الآيَةُ، تَحْقِيرًا لِقَوْمِهِ وإهانَةً لَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ظَهِيرٌ“ خَبَرُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَبَرُ ما بَعْدَهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ أيْ كَذَلِكَ.

66:5Page 560

عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا ٥

Perhaps his Lord, if he divorced you [all], would substitute for him wives better than you - submitting [to Allāh], believing, devoutly obedient, repentant, worshipping, and traveling1 - [ones] previously married and virgins.

ولَمّا حَذَّرَ بِما تَقَدَّمَ، زادَ في التَّحْذِيرِ ما يَقْطَعُ القُلُوبَ لِأنَّ أشَدَّ ما عَلى المَرْأةِ أنْ تُطَلَّقَ ثُمَّ إذا طُلِّقَتْ أنْ تَسْتَبْدِلَ بِها ثُمَّ أنْ يَكُونَ البَدَلُ خَيْرًا مِنها فَقالَ مُبَيِّنًا لِأدْنى أنْواعِ المُظاهَرَةِ سائِقًا الأمْرَ مَساقَ الرَّجاءِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي العاقِلُ في الخَوْفِ [ تَجْوِيزُ -] احْتِمالِ الضَّرَرِ فَكَيْفَ إذا كانَ الأمْرُ حَتْمًا لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ”عَسى“ مِنَ اللَّهِ عَلى طَرِيقِ الكُبَراءِ لا سِيَّما المُلُوكُ في اكْتِفائِهِمْ بِالإشاراتِ والرُّمُوزِ فَمِن هَنا كانَتْ واجِبَةً لِأنَّهُ مَلِكُ المُلُوكِ وهو ذُو الكِبْرِياءِ في الحَقِيقَةِ لا غَيْرُهُ ﴿عَسى رَبُّهُ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْهِ بِجَمِيعِ أنْواعِ الإحْسانِ الَّتِي عَرَفْتُمُوها وما لَمْ تَعْرِفُوهُ جَدِيرٌ وحَقِيقٌ، ووَسَّطَ بَيْنِها وبَيْنَ خَبَرِها اهْتِمامًا وتَخْوِيفًا قَوْلُهُ: ﴿إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ أيْ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ عَلَيْهِ جُمِعَ أوْ بَعْضُكُنَّ (p-١٩٣)بِإيجادِ الطَّلاقِ لِمَن لَمْ يُطَلِّقْها وإدامَتُهُ مَن طَلَّقَها ﴿أنْ يُبْدِلَهُ﴾ مِنكُنَّ بِمُجَرَّدِ طَلاقِهِ لَكِنْ مِن غَيْرِ أنَّ تُحْوِجَهُ إلى التَّفْتِيشِ تَبْدِيلًا مُبالَغًا فِيهِ بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ، فَهي أبْلَغُ مِن قِراءَةِ الباقِينَ بِالتَّخْفِيفِ الدّالِّ عَلى مُطْلَقِ الإبْدالِ الصّالِحِ المُبالَغِ فِيهِ وغَيْرِهِ، ومِنَ التَّشْرِيفِ أيْضًا إضافَةُ الطَّلاقِ [ إلَيْهِ -] والإبْدالِ إلى اللَّهِ مَعَ [ التَّعْبِيرِ -] بِصِفَةِ الإحْسانِ وتَخْصِيصِ الإضافَةِ! بِضَمِيرِهِ.

ولَمّا كانَ الأوْجَعُ لَقَبَ الحُرَّةِ حُرَّةٌ مِثْلُها لا سِرِّيَّةَ قالَ: ﴿أزْواجًا﴾ ولَمّا كانَ عُلُوُّها عَلَيْها في الرُّتْبَةِ هو النِّهايَةُ في التَّأْسِيفِ قالَ: ﴿خَيْرًا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّها لِلتَّفْضِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُنَّ﴾ وهَذا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ وعامٌّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلا يَقْتَضِي وُجُودُ مَن هو خَيْرٌ مِنهُنَّ مُطْلَقًا وإنْ قِيلَ بِوُجُودِهِ في خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لِما جَرَّبَ مِن تَحامُلِها عَلى نَفْسِها في حَقِّهِ ﷺ وبُلُوغِها في حُبِّهِ والأدَبِ مَعَهُ ظاهِرًا وباطِنًا النِّهايَةُ القُصْوى ومَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها حَتّى كانَتْ مِنَ القانِتِينَ، وذَلِكَ في الآخِرَةِ، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ الشَّرْطِ بِالطَّلاقِ وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَقَعُ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ أنَّهُ لَوْ وقَعَ أبْدَلَهُ ﷺ مَن هو بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْإخْلاصِ (p-١٩٤)فِي طاعَتِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ ”قانِتاتٍ“ ولا شَكَّ أنَّ مَن لازَمَ طاعَتَهُ وقَيَّدَ الِاتِّصالَ بِهِ في الدّارَيْنِ كانَ خَيْرًا مَن غَيْرِهِ، وتَعْلِيقُ تَطْلِيقِ الكُلِّ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ طَلَّقَها ولَمْ يَزِدْها ذَلِكَ إلّا فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يُراجِعَها لِأنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ» - واللَّهُ المُوَفِّقُ. ولَمّا وعَدَ بِما ذَكَرَ، وكانَّ أوَّلَ مَنظُورٍ إلَيْهِ الظّاهِرُ، فَصَلَ ذَلِكَ الوَعْدَ وفَسَّرَ الخَيْرِيَّةَ بادِئًا بِقَوْلِهِ: ﴿مُسْلِماتٍ﴾ أيْ مُلْقِياتٍ لِجَمِيعِ قِيادِهِنَّ ظاهِرًا وباطِنًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ عَلى وجْهِ الخُضُوعِ.

ولَمّا كانَ المُشاهَدُ مِنَ الإسْلامِ إنَّما هو الظّاهِرُ قالَ: ﴿مُؤْمِناتٍ﴾ أيْ راسِخاتٍ في القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ بِتَصْدِيقِ الباطِنِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ نَوْعُ شَوْبٍ قالَ: ﴿قانِتاتٍ﴾ أيْ مُخْلِصاتٍ في ذَلِكَ لا شائِبَةَ في شَيْءٍ مِنهُ فَهُنَّ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن إدامَةِ الطّاعَةِ لَهُ مِنَ الذُّلِّ والِانْكِسارِ والمُبادَرَةِ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ ﷺ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَجْبُولًا عَلى النُّقْصانِ، وكانَ الإخْلاصُ يَدُلُّ صاحِبَهُ عَلى تَقْصِيرِهِ فَكانَ رُبَّما فَتَرَهُ ذَلِكَ، قالَ تَسْهِيلًا لِخِدْمَتِهِ وتَقْرِيبًا (p-١٩٥)لِدَوامِ طاعَتِهِ مُعَلِّمًا الأدَبَ لِمُحْتاجِهِ ﴿تائِباتٍ﴾ أيْ راجِعاتٍ مِنَ الهَفَواتِ أوِ الزَّلّاتِ سَرِيعًا إنْ وقَعَ مِنهُنَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. ولَمّا كانَ هَذا مُصَحِّحًا لِلْعِبادَةِ مُسَهِّلًا لِدَوامِها قالَ: ﴿عابِداتٍ﴾ أيْ مُدِيماتٍ لِلْعِبادَةِ بِسَبَبِ إدامَةِ تَجْدِيدِ التَّوْبَةِ. ولَمّا كانَ دَوامُ العِبادَةِ مُسَهَّلًا لِلْخُرُوجِ عَنِ الدُّنْيا قالَ: ﴿سائِحاتٍ﴾ [ أيْ -] مُتَّصِفاتٍ بِصِفاتِ المَلائِكَةِ مِنَ التَّخَلِّي عَنِ الدُّنْيا والِاسْتِغْراقِ في الآخِرَةِ بِما أدْناهُ الصِّيامُ ماضِياتٍ في ذَلِكَ غايَةَ المُضاءِ لِيَتِمَّ الِانْقِيادُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ، لِأنَّ مَن كانَ هَكَذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُرادٌ، فَكانَ تابِعًا لِرَبِّهِ [ في أمْرِهِ -] دائِمًا ويَصِيرُ لَطِيفَ الذّاتِ حُلْوَ الشَّمائِلِ، قالَ المَلْوِيُّ: والمَرْأةُ إذا كانَتْ كَثِيرَةَ الصِّيامِ قَلِيلَةَ الأكْلِ يَقِلُّ عَرَقُها ويَصْغُرُ كِرْشُها وتَلْطُفُ رائِحَتُها وتَخِفُّ حَرَكَتُها لِما يُرادُ مِنها - انْتَهى. وسَوْقُ هَذِهِ الأوْصافِ هَذا السِّياقُ في عِتابِ مَن هو مُتَّصِفٌ بِها مُعَرَّفٌ أنَّ المُرادَ مِنها التَّمامُ لا سِيَّما وهي لا يُوجَدُ [ وصْفٌ -] مِنها عَلى سَبِيلِ الرُّسُوخِ إلّا كانَ مُسْتَلْزِمًا لِسائِرِها، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ في تَعْدادِها إلى العَطْفِ بِالواوِ. والتَّجْرِيدُ عَنْهُ أقْعَدُ في الدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ اجْتِماعِها كُلِّها.

ولَمّا أكْمَلَ الصِّفاتِ الدِّينِيَّةَ النّافِعَةَ في أمْرِ العِشْرَةِ ولَمْ يَبْقَ إلّا الصِّفاتُ (p-١٩٦)الكَوْنِيَّةُ وكانَ التَّنْوِيعُ إلى عارِفَةٍ بِالعِشْرَةِ وباقِيَةٍ عَلى أصْلِ الفِطْرَةِ، ألَذُّ وأشْهى إلى النَّفْسِ، قالَ مُقْسِمًا لِلنِّساءِ المُتَّصِفاتِ بِالصِّفاتِ السِّتِّ عاطِفًا ثانِي الوَصْفَيْنِ بِالواوِ لِلتَّضادِّ ﴿ثَيِّباتٍ﴾ قَدَّمَهُنَّ لِأنَّهُنَّ أخْبَرُ بِالعَشَرَةِ الَّتِي هَذا سِياقُها ﴿وأبْكارًا﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском