Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
التكاثر
At-Takathur
The Rivalry in world increase · Meccan · 8 ayahs
(p-٢٢٥)سُورَةُ التَّكاثُرِ
مَقْصُودُها التَّصْرِيحُ بِما أشارَتْ إلَيْهِ العادِياتُ مِن أنَّ سَبَبَ الهَلاكِ يَوْمَ الجَمْعِ -الَّذِي صُورَتُهُ القارِعَةُ- الجَمْعُ لِلْمالِ، والإخْلادُ إلى دارِ الزَّوالِ، واسْمُها واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ بِالإنْعامِ، [بِالبَيانِ -] بَعْدَ الِاتِّهامِ، والإيجادِ بَعْدَ الإعْدامِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أهْلَ وِدِّهِ بِدَوامِ نِعْمَتِهِمْ بِالإتْمامِ.
* *
لَمّا أثْبَتَ في القارِعَةِ أمْرَ السّاعَةِ، وقَسَّمَ النّاسَ فِيها إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ، وخَتَمَ بِالشَّقِيِّ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِعِلَّةِ الشَّقاوَةِ ومَبْدَأِ الحَشْرِ لِيَنْزَجِرَ السّامِعُ عَنْ هَذا السَّبَبِ لِيَكُونَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، فَقالَ ما حاصِلُهُ: انْقَسَمْتُمْ فَكانَ قِسْمٌ مِنكم هالِكًا لِأنَّهُ ﴿ألْهاكُمُ﴾ أيْ أغْفَلَكم إلّا النّادِرَ مِنكم غَفْلَةً عَظِيمَةً عَنِ المَوْتِ الَّذِي هو وحْدَهُ كافٍ في البَعْثِ عَلى الزُّهْدِ فَكَيْفَ بِما بَعْدَهُ﴿التَّكاثُرُ﴾ وهو المُباهاةُ والمُفاخَرَةُ بِكَثْرَةِ الأعْراضِ الفانِيَةِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا: المالِ والجاهِ والبَنِينَ ونَحْوِها مِمّا هو شاغِلٌ عَنِ اللَّهِ، فَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِصَرْفِ الهِمَّةِ كُلِّها إلى الجَمْعِ، فَصَرَفَكم ذَلِكَ إلى اللَّهْوِ، فَأغْفَلَكم (p-٢٢٦)عَمّا أمامَكم مِنَ الآخِرَةِ والدِّينِ الحَقِّ وعَنْ ذِكْرِ رَبِّكم وعَنْ كُلِّ ما يُنْجِيكم مِن سُخْطِهِ، أوْ عَنِ المُنافَسَةِ في الأعْمالِ المُوصِلَةِ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ بِكَثْرَةِ الطّاعاتِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِأنَّكم لا تُسَلِّمُونَ بِما غَلَبَ عَلَيْكم مِنَ الجَهْلِ الَّذِي سَبَبُهُ شَهْوَةُ النَّفْسِ وحُبُّ الرّاحَةِ فَخَفَّتْ مَوازِينُكُمْ، وحَذَفَ هَذا الشَّيْءَ المَلْهُوَّ عَنْهُ لِتَعْظِيمِهِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ غَيْرُهُ مِمّا يُؤْسِفُ عَلى اللَّهْوِ عَنْهُ.
ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، ويَعْتَقِدُونَ [دَوامَ -] الإقامَةَ في القُبُورِ، عَبَّرَ بِالزِّيارَةِ إشارَةً إلى أنَّ البَعْثَ لا بُدَّ مِنهُ ولا مِرْيَةَ فِيهِ، وأنَّ اللُّبْثَ في البَرْزَخِ وإنْ طالَ فَإنَّما هو كَلُبْثِ الزّائِرِ عِنْدَ مُزَوِّرِهِ في جَنْبِ الإقامَةِ بَعْدَ البَعْثِ في دارِ النَّعِيمِ أوْ غارِ الجَحِيمِ، وأنَّ الإقامَةَ [فِيهِ] مَحْبُوبَةٌ لِلْعِلْمِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الأهْوالِ والشَّدائِدِ والأوْجالِ، فَقالَ: ﴿حَتّى﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ مُباهاتُكم ومُفاخَرَتُكم إلى أنْ ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ بِالمَوْتِ والدَّفْنِ، فَكُنْتُمْ فِيها عُرْضَةً لِلْبَعْثِ لا تَتَمَكَّنُونَ مِن عَمَلِ ما يُنْجِيكم لِأنَّ دارَ العَمَلِ فاتَتْ كَما أنَّ الزّائِرَ لَيْسَ بِصَدَدِ العِلْمِ عِنْدَ المَزُورِ، لا يَمْكُثُونَ بِها إلّا رَيْثَما يَتَكَمَّلُ المَجْمُوعُونَ بِالمَوْتِ كَما أنَّ الزّائِرَ مُعَرَّضٌ لِلرُّجُوعِ (p-٢٢٧)إلى دارِهِ وحَلِّ قَرارِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكم وازِعٌ عَنِ الإقْبالِ عَلى الدُّنْيا إلّا المَوْتُ لَكانَ كافِيًا فَكَيْفَ والأمْرُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ؟ فَإنَّ المَوْتَ مُقَدِّمَةٌ مِن مُقَدِّماتِ العَرْضِ، قالَ أبُو حَيّانَ: سَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ الآيَةَ فَقالَ: بَعْثُ القَوْمِ لِلْقِيامَةِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ، ورَوى ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ قَرَأها ثُمَّ قالَ: ما [أرى] المَقابِرَ إلّا زِيارَةً، ولا بُدَّ لِمَن زارَ أنْ يَرْجِعَ إلى بَيْتِهِ، إمّا إلى الجَنَّةِ أوْ إلى النّارِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ القارِعَةِ وعَظِيمُ أهْوالِها، أعْقَبَ بِذِكْرِ ما شَغَلَ وصَدَّ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لَها وألْهى عَنْ ذِكْرِها، وهو التَّكاثُرُ بِالعَدَدِ والقَراباتِ والأهْلِينَ فَقالَ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] وهو في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ وقَدْ أعْقَبَ بِما يَعْضُدُ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] ثُمَّ قالَ: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] وحَذْفُ جَوابِ ”لَوْ“ والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لِما شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ، قالَ ﷺ:
«لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» الحَدِيثُ، وقَوْلُهُ تَعالى ”لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ“ جَوابُ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ، وتَأكَّدَ بِها التَّهْدِيدُ وكَذا ما بَعْدُ (p-٢٢٨)إلى آخِرِ السُّورَةِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الِاشْتِغالُ بِالتَّكاثُرِ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى السَّفَهِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ هَذا الكَوْنَ عَلى هَذا النِّظامِ لا يَكُونُ إلّا بِصانِعٍ حَكِيمٍ، وكانَ العُقَلاءُ المُنْتَفِعُونَ بِالكَوْنِ في غايَةِ التَّظالُمِ، وكانَ الحَكِيمُ لا يَرْضى أصْلًا أنْ يَكُونَ عَبِيدُهُ يَظْلِمُ بَعْضُهم بَعْضًا ثُمَّ لا يُحْكِمُ بَيْنَهم ولا يَنْظِرُ في مَصالِحِهِمْ عُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ يَبْعَثُهُ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم لِأنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى إبْدائِهِمْ يَقْدِرُ عَلى إعادَتِهِمْ، وقَدْ وعَدَ بِذَلِكَ وأرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، فَثَبَتَ ذَلِكَ ثُبُوتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِأنْ يَرْدَعُ غايَةَ الرَّدْعِ مَن أعْرَضَ عَمّا يَعْنِيهِ وأقْبَلَ عَلى ما لا يَعْنِيهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ مُعَبِّرًا بِأُمِّ الرَّوادِعِ، وجامِعَةِ الزَّواجِرِ والصَّوادِعِ: ﴿كَلا﴾ أيِ ارْتَدِعُوا أتَمَّ رَدْعٍ وانْزَجِرُوا أعْظَمَ زَجْرٍ عَنِ الِاشْتِغالِ بِما لا يُجْدِي، فَإنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما تَظُنُّونَ مِن أنَّ الفَخْرَ في المُكاثَرَةِ بِالأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولَمْ تُخْلِقُوا لِذَلِكَ، إنَّما خُلِقْتُمْ لِأمْرٍ عَظِيمٍ، فَهو الَّذِي يُهِمُّكم [فاشْتَغَلْتُمْ عَنْهُ بِما لا يُهِمُّكم -] فَكُنْتُمْ لاهِينَ كَمَن كانَ يَكْفِيهِ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ فاشْتَغَلَ بِتَحْصِيلٍ أكْثَرَ، وكَذا مَن تَرَكَ المُهِمَّ مِنَ التَّفْسِيرِ واشْتَغَلَ بِالأقْوالِ الشّاذَّةِ أوْ تَرَكَ المُهِمَّ مِنَ الفِقْهِ واشْتَغَلَ بِنَوادِرِ الفُرُوعِ وعِلَلِ النَّحْوِ وغَيْرِها وتَرَكَ (p-٢٢٩)ما هو أهَمُّ مِنهُ مِمّا لا عَيْشَ لَهُ إلّا بِهِ.
ولَمّا كانَ الرَّدْعُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ ضارٍّ يَجُرُّ وبالًا وحَسْرَةً، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿سَوْفَ﴾ أيْ بَعْدَ مُهْلَةٍ طَوِيلَةٍ يَتَذَكَّرُ فِيها مَن تَذَكَّرَ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ لَكُمُ العِلْمُ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَإ عِنْدَ مُعايَنَةِ ما يَكْشِفُهُ المَوْتُ ويَجُرُّ حُزْنَهُ الفَوْتُ مِن عاقِبَةِ ذَلِكَ ووَبالِهِ.
ولَمّا كانَ مِنَ الأُمُورِ ما لَوْ شَرَحَ شَأْنَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ لَطالَ وأدّى إلى المَلالِ، دَلَّ عَلى أنَّ شَرْحَ هَذا الوَعِيدِ مَهُولٌ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا مَعَ التَّعْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي الدّالَّةِ عَلى عُلُوِّ الرُّتْبَةِ: ﴿ثُمَّ كَلا﴾ أيِ ارْتَدِعُوا ارْتِداعًا أكْبَرَ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَأْتِيكُمُ العِلْمُ مِن غَيْرِ شَكٍّ وإنَّ تَأخُّرَ زَمَنِهِ يَسِيرًا بِالبَعْثِ.
102:5Page 600
كـَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ ٥
No! If you only knew with knowledge of certainty...1
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا صادِعًا، أشارَ إلى أنَّهُ يَكْفِي هَذِهِ الأُمَّةَ المَرْحُومَةَ التَّأْكِيدُ بِمَرَّةٍ، فَقالَ مُرَدِّدًا لِلْأمْرِ بَيْنَ تَأْكِيدِ الرَّدْعِ ثالِثًا بِالأداةِ الصّالِحَةِ لَهُ ولِأنْ تَكُونَ لِمَعْنًى - حَقًّا كَما يَقُولُهُ أئِمَّةُ القِراءَةِ: ﴿كَلا﴾ [أيْ -] لِيَشْتَدَّ ارْتِداعُهم عَنِ التَّكاثُرِ فَإنَّهُ أساسُ كُلِّ بَلاءٍ فَإنَّكم ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّها المُتَكاثِرُونَ.
ولَمّا كانَ العِلْمُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الظَّنِّ رُفِعَ مَجازُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ لَوْ يَقَعُ لَكم عِلْمٌ [عَلى -] وجْهِ اليَقِينِ (p-٢٣٠)مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ لَعَلِمْتُمْ ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ، فَلَمْ يُلْهِكُمُ التَّكاثُرُ ولَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعَداتِ تَجْأرُونَ - فَحَذَفَ هَذا الجَوابَ بَعْدَ حَذْفِ المَفْعُولِ لِلتَّفْخِيمِ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَقِينَ غَيْرُهُ، والمَعْنى أنَّ أعْمالَكم أعْمالُ مَن لا يَتَيَقَّنُهُ، قالَ الرّازِيُّ: واليَقِينُ مُرَكَّبُ الأخْذِ في هَذا الطَّرِيقِ، وهو غايَةُ دَرَجاتِ العامَّةِ، وأوَّلُ خُطْوَةِ الخاصَّةِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام: «خَيْرٌ ما أُلْقِيَ في القَلْبِ اليَقِينُ». وعِلْمُ قَبُولِ ما ظَهَرَ مِنَ الحَقِّ وقَبُولِ ما غابَ لِلْحَقِّ والوُقُوفِ عَلى ما قامَ بِالحَقِّ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإلْهاءَ أوَّلًا وحُذِفَ سَبَبُهُ وهو الجَهْلُ لِدَلالَةِ الثّانِي [عَلَيْهِ -]، وذَكَرَ ثانِيًا العِلْمَ الَّذِي هو الثَّمَرَةُ وحَذَفَ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ مِن عَدَمِ اللَّهْوِ الَّذِي هو ضِدُّ الأوَّلِ، وزادَ في التَّفْخِيمِ لِهَذا الوَعِيدِ بِإيضاحِ المُتَوَعِّدِ بِهِ بَعْدَ إبْهامِهِ مَعَ قَسَمٍ دَلَّ عَلَيْهِ بِلامِهِ، فَقالَ:
﴿لَتَرَوُنَّ﴾ أيْ بِالمُكاشَفَةِ وعَزَّتْنا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هَذا جَوابًا لِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ مُحَقَّقٌ ﴿الجَحِيمَ﴾ أيِ النّارَ الَّتِي تَلْقى المُعَذَّبِينَ بِها بِكَراهَةٍ وتَغَيُّظٍ وعُتُوٍّ [و- شَدِيدِ تَوَقُّدٍ، فالمُؤْمِنُ يَراها ويَنْجُو مِنها سَواءٌ خالَطَها أمْ لا والكافِرُ يَخْلُدُ فِيها.
102:7Page 600
ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ ٧
Then you will surely see it with the eye of certainty.1
ولَمّا كانَ هَذا تَوَعُّدًا عَلى التَّكاثُرِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنِ الآخِرَةِ (p-٢٣١)فَيُوقِعُ في غَمَراتِ البَلايا الكِبارِ، أكَّدَ فَقالَ مُفَخِّمًا لَهُ بِحَرْفِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها﴾ وعِزَّةُ اللَّهِ، ورُقِيُّ العِلْمِ عَنْ رُتْبَةِ الأوَّلِ فَقَطْ فَقالَ تَعالى: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، وذَلِكَ هو المُعايَنَةُ بِغايَةِ ما يَكُونُ مِن صَفاءِ العِلْمِ لِكَوْنِهِ لا رِيبَةَ فِيهِ فَإنَّ المُشاهَدَةَ أعْلى أنْواعِ العِلْمِ، قالَ الرّازِيُّ: [و-] هو المُغْنِي بِالِاسْتِدْراكِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ، وعَنِ الخَبَرِ بِالعِيانِ، وخَرَقَ الشُّهُودُ حِجابَ - العِلْمِ - انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الثّانِي بِالمُلامَسَةِ والدُّخُولِ، فالمُؤْمِنُ وارِدٌ والكافِرُ خالِدٌ.
102:8Page 600
ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ٨
Then you will surely be asked that Day about pleasure.1
ولَمّا كانَ مَن أهْوَلِ الخِطابِ التَّهْدِيدُ بِرُؤْيَةِ العَذابِ، زادَ في التَّخْوِيفِ بِأنَّهُ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ما يُعَذَّبُ بِهِ العاصِي عَتِيدًا، فَإذا أوْجَبَ السُّؤالُ النَّكالَ كانَ حاضِرًا لا مانِعَ مِن إيقاعِهِ في الحالِ، ولَوْ [لَمْ -] يَكُنْ حاضِرًا كانَ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ في مُدَّةِ إحْضارِهِ مُحالٌ، فَقالَ مُفَخِّمًا بِأداةِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ أُمُورٍ طَوِيلَةٍ عَظِيمَةٍ مَهُولَةٍ جِدًّا ﴿لَتُسْألُنَّ﴾ وعِزَّتُنا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ [إذْ -] تَرَوْنَ الجَحِيمَ ﴿عَنِ النَّعِيمِ﴾ أيِ الَّذِي أدّاكُمُ التَّكاثُرُ إلَيْهِ حَتّى عَنِ الماءِ البارِدِ في الصَّيْفِ والحارِّ في (p-٢٣٢)الشِّتاءِ هَلْ كانَ اسْتِمْتاعُكم بِهِ عَلى وجْهِ السَّرَفِ لِإرادَةِ التَّرَفِ أوْ كانَ لِإرادَةِ القُوَّةِ لِلنَّشْأةِ إلى الخَيْرِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنِ السَّرَفِ، فالمُؤْمِنُ المُطِيعُ يَسْألُ سُؤالَ تَشْرِيفٍ، والعاصِي يَسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَأْفِيفٍ، ولامُ النَّعِيمِ قَدْ تَكُونُ لِمُطْلَقِ الجِنْسَ وإلَيْهِ يُشِيرُ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضافَ أبا الهَيْثَمِ بْنَ التِّيهانِ مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَأطْعَمَهم بُسْرًا ورُطَبًا وسَقاهم ماءً بارِدًا وبَسَطَ لَهم بِساطًا في ظِلٍّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:
”إنَّ هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تَسْألُونَ عَنْهُ: ظِلٌّ بارِدٌ ورَطْبٌ طَيِّبٌ وماءٌ بارِدٌ»“ [و -] قَدْ يَكُونُ لِلْكَمالِ فَيَكُونُ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ كَما في حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ أحْمَدَ مِن وجْهٍ حَسَنٍ «إنْ شاءَ اللَّهُ أنَّهم قالُوا عِنْدَ نُزُولِها: أيْ نَعِيمٍ وإنَّما هُما الأسْوَدانِ: التَّمْرُ والماءُ، وسُيُوفُنا عَلى رِقابِنا والعَدُوُّ حاضِرٌ، قالَ: ”إنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ»“. لَهُ شاهِدٌ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وعِنْدَ الطَّبَرانِيِّ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ مُرْسَلًا، فَقَدِ التَحَمَ آخِرُها بِأوَّلِها عَلى وجْهٍ [هُوَ -] مِن ألْطَفِ الخِطابِ، وأدَقِّ المَسالِكِ في النَّهْيِ عَمّا يَجُرُّ إلى العَذابِ، لِأنَّ العاقِلَ إذا عَلِمَ أنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ سُؤالًا عَنْ كُلِّ ما يَتَلَذَّذُ بِهِ عَلِمَ أنَّهُ يَعُوقُهُ (p-٢٣٣)ذَلِكَ في زَمَنِ السُّؤالِ عَنْ لَذاذاتِ الجَنَّةِ العِوالِ الغِوالِ، فَكانَ خَوْفُهُ مِن مُطْلَقِ السُّؤالِ مانِعًا لَهُ عَنِ التَّنَعُّمِ بِالمُباحِ فَكَيْفَ بِالمَكْرُوهِ فَكَيْفَ ثُمَّ كَيْفَ بِالمُحَرَّمِ؟ فَكَيْفَ إذا كانَ السُّؤالُ مَن مَلَكٍ تَذُوبُ لِهَيْبَتِهِ الجِبالُ؟ فَكَيْفَ إذا كانَ السُّؤالُ عَلى وجْهِ العِتابِ؟ فَكَيْفَ إذا جَرَّ إلى العَذابِ؟ فَتَأمَّلَ كَلامَ خالِقِكَ ما ألْطَفَ إشاراتِهِ وأجَلَّ عِباراتِهِ، في نِذاراتِهِ وبِشاراتِهِ - واللَّهُ أرْحَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences