Al-Biqa'iAt‑Tariq · 86:1–17

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الطارق

At-Tariq

The Nightcommer · Meccan · 17 ayahs

86:1Page 591

وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ ١

By the sky and the knocker

(p-٣٧٠)سُورَةُ الطّارِقِ

مَقْصُودُها بَيانُ مَجْدِ القُرْآنِ في صِدْقِهِ في الإخْبارِ بِتَنْعِيمِ أهْلِ الإيمانِ، وتَعْذِيبِ أهْلِ الكُفْرانِ، في يَوْمِ القِيامَةِ حِينَ تُبْلى السَّرائِرُ وتَكْشِفُ المُخِبّاتُ [الضَّمائِرُ - ] عَنْ مِثْقالِ الذَّرِّ وما دُونُ المِثْقالِ، مِمّا دَوَّنَتْهُ الحَفَظَةُ الكِرامُ في صَحائِفِ الأعْمالِ، بَعْدَ اسْتِيفاءِ الآجالِ، كَما قُدِّرَ في أزَلِ الآزالِ، مِن غَيْرِ اسْتِعْجالٍ، ولا تَأْخِيرٍ عَنِ الوَقْتِ المَضْرُوبِ ولا إهْمالٍ، واسْمُها الطّارِقُ أدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَوْعُودِ الصّادِقِ بِتَأمُّلِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ حَسَبَ ما اتَّسَقَ الكَلامُ إلَيْهِ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ( الرَّحْمَنُ ) الَّذِي وسِعَ الخَلائِقَ فَضْلُهُ وعَدْلُهُ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِتَوْفِيقِهِ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ جُودُهُ وإحْسانُهُ وكَرَمُهُ وفَضْلُهُ.

* *

لِما تَقَدَّمَ [فِي - ] آخِرِ البُرُوجِ أنَّ القُرْآنَ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ لِأنَّ مَنزِلَهُ مُحِيطٌ بِالجُنُودِ مِنَ المُعانِدِينَ وبِكُلِّ شَيْءٍ، أخْبَرَ أنَّ مِن إحاطَتِهِ حِفْظَ كُلِّ فَرْدٍ مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ [المُخالِفِينَ - ] والمُوافِقِينَ والمُؤالِفِينَ، (p-٣٧١)لِيُجازى عَلى أعْمالِهِ يَوْمَ إحْقاقِ الحَقائِقِ وقَطْعِ العَلائِقِ، فَقالَ مُقْسِمًا عَلى ذَلِكَ لِإنْكارِهِمْ لَهُ: ﴿والسَّماءِ﴾ أيْ ذاتِ الأنْجُمِ المَوْضُوعَةِ لِحِفْظِها مِنَ المَرَدَةِ لِأجْلِ حِفْظِ [القُرْآنِ - ] المَجِيدِ الحافِظِ لِطَرِيقِ الحَقِّ، قالَ المَلْوِيُّ: [و - ] المُرادُ بِها [هُنا - ] ذاتُ الأفْلاكِ الدّائِرَةِ لا السَّماواتُ العُلى [بِما - ] جَعَلَ فِيها مِن لَيْلٍ ونَهارٍ ودَوْرَتُهُما ثَلاثُمِائَةٍ وسِتِّينَ دَرَجَةً لا تَتَغَيَّرُ أبَدًا في هَذِهِ [الدّارِ - ] بِنَقْصٍ و[لا - ] زِيادَةَ بِنِصْفِ دَرَجَةٍ ولا دَقِيقَةَ ولا ثانِيَةَ ولا ما دُونُ ذَلِكَ، بَلْ كُلَّما زادَ أحَدُهُما شَيْئًا نَقَصَ مِنَ الآخَرِ بِحِسابِهِ عَرَفَ ذَلِكَ مِنَ العَقْلِ والنَّقْلِ والتَّجْرِبَةِ فَعَرَفَ أنَّهُ يَحْفَظُ [حَفِيظٌ - ] حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيَوْمَ لا يَغْفُلُ ولا يَنامُ - انْتَهى.

ولَمّا أقْسَمَ بِالسَّماءِ لِما لَها مِنَ الشَّرَفِ والمَجْدِ تَنْبِيهًا عَلى ما فِيها مِن بَدائِعِ الصُّنْعِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. أقْسَمَ بِأعْجَبِ ما فِيها وهو جِنْسُ النُّجُومِ ثُمَّ بِأعْرُبِهِ وهو المُعَدُّ لِلْحِراسَةِ تَنْبِيهًا عَلى ما في ذَلِكَ مِن غَرائِبِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿والطّارِقِ﴾ أيْ جِنْسِ الكَواكِبِ الَّذِي يَبْدُو لَيْلًا ويَخْفى نَهارًا، ويُطْرَقُ مُسْتَرْقِي السَّمْعِ فَيُبَدِّدُ شَمْلَهم ويُهْلِكُ مَن أرادَ اللَّهُ مِنهم لِأجْلِ هِدايَةِ [النّاسِ - ] بِالقُرْآنِ في الطُّرُقِ المَعْنَوِيَّةِ وظُهُورِهِ وإشْراقِهِ في السَّماءِ لِهِدايَتِهِمْ في الطُّرُقِ الحِسِّيَّةِ وهو في الأصْلِ (p-٣٧٢)لِسالِكِ الطَّرِيقِ، واخْتَصَّ عُرْفًا بِالآتِي لَيْلًا لِأنَّهُ يَجِدُ الأبْوابَ مُغْلَقَةً فَيَحْتاجُ إلى طَرْقِها، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ لِلْبادِي فِيهِ كالنَّجْمِ.

86:2Page 591

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٢

And what can make you know what is the knocker?

ولَمّا كانَ الطّارِقُ [يُطْلَقُ - ] عَلى غَيْرِ النَّجْمِ أبْهَمَهُ أوَّلًا ثُمَّ عَظَّمَ المُقْسِمُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ عَرَّفَكَ يا أشْرَفَ خَلْقِنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ حاوَلْتَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ وبالَغْتَ في الفَحْصِ عَنْهُ ﴿ما الطّارِقُ﴾

86:3Page 591

ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ ٣

It is the piercing star1.

ثُمَّ زادَهُ تَهْوِيلًا بِتَفْسِيرِهِ بَعْدَ إبْهامِهِ مَرَّةً أُخْرى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أيِ المُتَوَهِّجِ العالِي المُضِيءِ كَأنَّهُ يَثْقُبُ الظَّلامُ بِنُورِهِ فَيَنْفُذُ فِيهِ، يُقالُ: أثْقُبُ نارَكَ لِلْمَوْقِدِ، أوْ يَثْقُبُ بِضَوْئِهِ الأفْلاكَ فَتَشِفُّ عَنْهُ، أوْ يَثْقُبُ الشَّيْطانُ بِنارِهِ إذا اسْتَرَقَ السَّمْعَ، والمُرادُ الجِنْسُ أوْ مَعْهُودٌ بِالثُّقْبِ وهو زُحَلُ، عَبَّرَ عَنْهُ أوَّلًا بِوَصْفٍ عامٍّ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِما يَخُصُّهُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ لِعُلُوِّ مَكانِهِ.

86:4Page 591

إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ ٤

There is no soul but that it has over it a protector.

ولَمّا ذَكَرَ الَّذِي دَلَّ بِهِ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ عَنِ التَّلْبِيسِ وعَلى حِفْظِ الإنْسانِ، ذَكَرَ جَوابَهُ في حِفْظِ النُّفُوسِ الَّتِي جَعَلَ فِيها قابِلِيَّةً لِحِفْظِ القُرْآنِ في الصُّدُورِ، ودَلَّ عَلى حِفْظِ ما خَلَقَ لِأجْلِها مِن هَذِهِ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها عَلى حِفْظِ الإنْسانِ لِأنَّها إذا كانَتْ مَحْفُوظَةً عَنْ أدْنى زَيْغٍ وهي مَخْلُوقَةٌ لِتَدْبِيرِ مَصالِحِهِ فَما الظَّنُّ بِهِ؟ فَقالَ مُؤَكِّدًا غايَةَ [التَّأْكِيدِ - ] لِما لِلْكَفَرَةِ مِن إنْكارِ ذَلِكَ والطَّعْنِ [فِيهِ- ] (p-٣٧٣)﴿إنْ﴾ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الثَّقِيلَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ [أيْ - ] أنَّ الشَّأْنَ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ مِنَ الأنْفُسِ مُطْلَقًا لا سِيَّما نُفُوسُ النّاسِ ﴿لَمّا عَلَيْها﴾ أيْ بِخُصُوصِها لا مُشارِكَ لَها في ذاتِها ﴿حافِظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ عَتِيدٌ لا يُفارِقُها، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ مِنَ المَلائِكَةِ، فَبَعْضُهم لِحِفْظِها مِنَ الآفاتِ، وبَعْضُهم لِحِفْظِها مِنَ الوَساوِسِ، وبَعْضُهم لِحِفْظِ أعْمالِها وإحْصائِها بِالكِتابَةِ، وبَعْضُهم لِحِفْظِ ما كُتِبَ لَها مِن رِزْقٍ وأجَلٍ وشَقاوَةٍ أوْ سَعادَةٍ ومَشْيٍ(؟) ونِكاحٍ وسَفَرٍ وإقامَةٍ، فَلا يَتَعَدّى شَيْئًا مِن ذَلِكَ نَحْنُ قَسَّمْنا نَحْنُ قَدْرَنا، فَإنْ قُلْتَ: إنَّ الحافِظَ المَلائِكَةُ، صَدَقْتَ، وإنْ قُلْتَ: إنَّهُ اللَّهُ، صَدَقْتَ، لِأنَّهُ الآمِرُ لَهم والمُقَدِّرُ عَلى الحِفْظِ، والحافِظُ [لَهم - ] مِنَ الوَهْنِ والزَّيْغِ، فَهو الحافِظُ الحَقِيقِيُّ، واللّامُ في هَذِهِ القِراءَةِ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ ”وما“ مُؤَكَّدَةٌ بِنَفْيِ [صَدْرَ - ] ما أثْبَتَتْهُ الجُمْلَةُ، ”وحافِظٌ“ خَبَرُ ”إنَّ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ الخَبَرَ، و”حافِظٌ“ مُرْتَفِعٌ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِتَشْدِيدِ ”لَمّا“ عَلى أنَّها بِمَعْنى ”إلّا“ و”إنَّ“ نافِيَةٌ بِمَعْنى ”ما“، والمُسْتَثْنى مِنهُ ”كُلُّ نَفْسٍ“ وخَبَرُ النّافِيَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كائِنَةٌ أوْ مَوْجُودَةٌ [أوْ نَحْوُهُما-]، والمُسْتَثْنى ”نَفْسٌ“ مَوْصُوفَةٌ بِ ”عَلَيْها حافِظٌ“ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا فَمَحَلُّهُ يَحْتَمِلُ (p-٣٧٤)الرَّفْعَ بِأنَّهُ خَبَرُ النّافِي [فِي - ] هَذا الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ، والنُّصْبُ بِأنَّهُ خَبَرٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، أوْ حالٌ مِن ”نَفْسٍ“، لِأنَّها عامَّةُ، والتَّقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ مَوْجُودَةٌ إلّا نَفْسُ كائِنًا أوْ كائِنٌ عَلَيْها حافِظٌ، والنِّسْبَةُ بَيْنَ مَفْهُومَيِ القِراءَتَيْنِ أنَّ المُشَدِّدَ أخَصُّ لِأنَّها دائِمَةٌ مُطْلَقَةٌ، والمُخَفَّفَةُ مُطْلَقَةٌ عامَّةٌ، ولا يَظُنُّ أنَّ المُشَدَّدَةَ غَيْرُ مُساوِيَةٍ لِلْمُخَفِّفَةِ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ أخَصَّ لِأنَّ حَرْفَ النَّفْيِ دَخَلَ عَلى ”كُلٍّ“ وهو مِن أسْوارِ السَّلْبِ الجُزْئِيِّ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ فَيَنْحَلُّ إلى أنَّ بَعْضَ النُّفُوسِ لَيْسَ إلّا عَلَيْها حافِظٌ [وإنَّما - ] كانَ لا يَظُنُّ ذَلِكَ لِأنَّها تَنْحَلُّ لِما فِيها مِنَ الحَصْرِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّفْيِ والإثْباتِ إلى جُمْلَتَيْنِ، إحْداهُما إثْباتُ [الحِفْظِ - ] لِلنَّفْسِ المَوْصُوفَةِ والأُخْرى سَلْبُ نَقِيضِهِ عَنْها، لِأنَّهُ مَن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ. ونَقِيضُ الكُلِّيَّةِ المُوجِبَةِ الجُزْئِيَّةِ السّالِبَةِ أيْ لَيْسَ كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ [ والسّالِبَةُ الجُزْئِيَّةُ أعَمُّ مِنَ السّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ، فَإذا نَفَيْتَها قُلْتَ: لَيْسَ لَيْسَ كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ - ] فَهو سَلْبُ السَّلْبِ الجُزْئِيِّ، وإذا سَلَبَ السَّلْبَ الجُزْئِيَّ [سَلَبَ الكُلِّيَّ -] لِما تَبَيَّنَ أنَّهُ أخَفُّ. وإذا انْتَفى الأعَمُّ انْتَفى الأخَصُّ فَلا شَيْءَ مِنَ الأنْفُسِ لَيْسَ عَلَيْها حافِظٌ، فانْحَلَّ الكَلامُ إلى: لا نَفْسَ (p-٣٧٥)كائِنَةٌ إلّا نَفْسٌ عَلَيْها حافِظٌ، وإنْ كانَ لَفْظُ ”لَيْسَ كُلُّ“ مِن أسْوارِ الجُزْئِيَّةِ لِما مَضى، فَصارَتِ الآيَةُ عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ مُرَكَّبَةً مِن مُطْلَقَةٍ عامَّةٍ هي ”كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ“ بِالفِعْلِ. ومَن سَلَبَ نَقِيضَها وهو الدّائِمَةُ [المُطْلَقَةُ - ] الَّذِي هو ”دائِمًا لَيْسَ كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْها [حافِظٌ“ - ] ورَفَعَهُ بِأنْ يُقالَ: لَيْسَ دائِمًا لَيْسَ كُلُّ نَفْسٍ لَيْسَ عَلَيْها حافِظٌ، [ أيْ لَيْسَ دائِمًا كُلُّ نَفْسٍ لَيْسَ عَلَيْها حافِظٌ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ وقَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ، مَعْناهُ أنَّ المَوْصُوفَ لا يَتَعَدّى صِفَتُهُ الَّتِي قَصَرَ عَلَيْها، فَأقَلُّ الأُمُورِ أنْ لا يَتَجاوَزُها إلى عَدَمِ الحِفْظِ، وذَلِكَ مَعْنى الدّائِمَةِ المُطْلَقَةِ وهو الحُكْمُ بِثُبُوتِ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ ما دامَ ذاتُ المَوْضُوعِ مَوْجُودَةً، وهي عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ مُطْلَقَةٌ عامَّةٌ أيْ حُكِمَ فِيها بِثُبُوتِ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ بِالفِعْلِ وهو الجُزْءُ الأوَّلُ مِمّا انْحَلَّتْ إلَيْهِ قِراءَةُ التَّشْدِيدِ، فَمَفْهُومُ الآيَةِ في قِراءَةِ التَّشْدِيدِ أخَصُّ مِنهُ في قِراءَةِ التَّخْفِيفِ، لِأنَّ كُلَّ دائِمٍ كائِنٌ بِالفِعْلِ، ولا يَنْعَكِسُ - هَذا إذا نَظَرْنا إلى نَفْسِ المَفْهُومِ مِنَ اللَّفْظِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الدَّلالَةِ الخارِجِيَّةِ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِ الأمْرِ فالجِهَةُ الدَّوامُ فَلا فَرْقَ، غَيْرَ أنَّهُ دَلَّ عَلَيْها بِاللَّفْظِ في قِراءَةِ التَّشْدِيدِ دُونَ قِراءَةِ التَّخْفِيفِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لِما قالَ اللَّهُ (p-٣٧٦)سُبْحانَهُ وتَعالى في سُورَةِ البُرُوجِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] وكانَ في ذَلِكَ تَعْرِيفُ العِبادِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا يَفُوتُهُ شَيْءٌ ولا يَنْجُو مِنهُ هارِبٌ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِتَفْصِيلٍ يَزِيدُ إيضاحَ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ الجُمَلِيِّ مِن شَهادَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإحاطَتِهِ بِهِ فَقالَ تَعالى ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ فَأعْلَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِخُصُوصِ كُلِّ نَفْسٍ مِمَّنْ يَحْفَظُ أنْفاسَها ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] لِيَعْلَمَ العَبْدُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُهْمَلٍ ولا مُضَيَّعٍ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى الغَنِيُّ عَنْ كُتُبِ الحَفَظَةِ وإحْصائِهِمْ وشَهادَةِ الشُّهُودِ مِنَ الأعْضاءِ وغَيْرِهِمْ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِإظْهارِ عَدْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ولا أقَلَّ مِنَ المِثْقالِ، ولَكِنَّ هي سُنَّتُهُ حَتّى لا يَبْقى لِأحَدٍ حُجَّةٌ ولا تَعَلُّقٌ، وأقْسَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ذَلِكَ تَحْقِيقًا وتَأْكِيدًا يُناسِبُ القَصْدَ المَذْكُورَ - انْتَهى.

86:5Page 591

فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ ٥

So let man observe from what he was created.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ العَرْضِ عَلى الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّ التَّوْكِيلَ بِالإنْسانِ لا يَكُونُ إلّا لِعَرْضِهِ عَلى المَلِكِ الدَّيّانِ صاحِبِ الأمْرِ والبُرْهانِ ومُحاسَبَتِهِ لَهُ عَلى ما كانَ، كانَ التَّقْدِيرُ: يَحْفَظُ أعْمالَها (p-٣٧٧)ويَكْتُبُها لِيُحاسِبَها المَلِكُ عَلى ذَلِكَ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ﴾ أيْ بِالبَصِيرَةِ ﴿الإنْسانُ﴾ أيِ الآنِسُ بِنَفَسِهِ النّاظِرُ في عَطْفِهِ إنْ كانَ يَسْلُكُ في ذَلِكَ ﴿مِمَّ﴾ أيْ مِن أيِّ شَيْءٍ، وبَنى لِلْمَفْعُولِ العامِلَ في [مَن - ] أمْرٌ بِالنَّظَرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿خُلِقَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الدّالَّ هو مُطْلَقُ الخَلْقِ، وتَنْبِيهًا عَلى تَعْظِيمِ الفاعِلِ بِأنَّ العِلْمَ بِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى ذِكْرِهِ بِاللَّفْظِ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى صَنْعَةٍ مِن صَنائِعِهِ غَيْرُهُ، وأمَرَ الإنْسانَ بِهَذا النَّظَرِ لِيَعْلَمَ بِأمْرِ مَبْدَئِهِ أمْرَ مَعادِهِ، فَإنَّ مِن قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ قَطْعًا، فَإذا صَحَّ عِنْدَهُ ذَلِكَ اجْتَهَدَ في أنْ لا يُمْلِي عَلى حافِظِيهِ إلّا ما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى يَوْمَ عَرْضِهِ عَلى المَلِكِ الدَّيّانِ لِيُسْرِهِ وقْتَ حِسابِهِ.

86:6Page 591

خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ ٦

He was created from a fluid, ejected,

ولَمّا نَبَّهَ بِالِاسْتِفْهامِ عَلى أنَّ هَذا أمْرٌ جِدًّا يَنْبَغِي لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَتْرُكَ جَمِيعَ مُهِمّاتِهِ ويَتَفَرَّغَ لِلنَّظَرِ فِيهِ فَإنَّهُ يَكْسِبُهُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ الدّائِمَةَ، وكانَ الإنْسانُ - مَعَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا عاجِزًا - لا يَنْفَكُّ عَنْ شاغِلٍ ومُفْتَرٍ، فَلا يَكادُ يَصِحُّ لَهُ نَظَرٌ، تَوَلّى سُبْحانَهُ وتَعالى شَرْحَ ذَلِكَ عَنْهُ فَأجابَ الِاسْتِفْهامَ بِقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ﴾ أيِ الإنْسانِ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ وأسْهَلِهِ بَعْدَ خَلْقِ أبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تُرابِ، وأُمِّهُ حَوّاءُ عَلَيْها السَّلامُ مِن ضِلْعِهِ ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ أيْ هو - لِقُوَّةِ دَفْقِ الطَّبِيعَةِ لَهُ - (p-٣٧٨)كَأنَّهُ يَدْفُقُ بِنَفْسِهِ فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ، والدَّفْقُ لِصاحِبِهِ، أوْ هو مَثَلُ ”لِابْنِ“ أيْ ذِي دَفْقِ، والدَّفْقُ صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ، ولَمْ يَقُلْ: ماءَيْنِ - إشارَةً إلى أنَّهُما يَجْتَمِعانِ في الرَّحِمِ [و - ] يَمْتَزِجانِ أشَدَّ امْتِزاجٍ بِحَيْثُ يَصِيرانِ ماءً واحِدًا.

86:7Page 591

يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ ٧

Emerging from between the backbone and the ribs.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِهِ ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ قالَ: ﴿يَخْرُجُ﴾ وبَعْضٌ بِإثْباتِ الجارِّ فَأفْهَمَ الخُرُوجَ عَنْ مَقَرِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ أيْ صُلْبِ الرَّجُلِ وهو عَظْمٌ مُجْتَمِعٌ مِن عِظامٍ مُفَلَّكَةٍ أحْكَمَ رَبْطَها غايَةَ الإحْكامِ مِن لَدُنِ الكاهِلِ إلى عَجَبِ الذَّنَبِ ﴿والتَّرائِبِ﴾ أيْ تَرائِبِ المَرْأةِ وهي عِظامُ الصَّدْرِ حَيْثُ تَكُونُ القِلادَةُ، وصَوَّبَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، أوْ ما ولِيَ التَّرْقُوَتَيْنِ مِنهُ، أوْ ما بَيْنَ الثَّدْيَيْنِ والتُّرْقَوَتَيْنِ [أوْ - ] أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةٌ مِن يَسْرَتِهِ، أوِ اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرِ شَهْوَتِها مِن أمامِها وشَهْوَةِ الرَّجُلِ فِيما غابَ عَنْهُ مِن ورائِهِ، ولَوْ نَزَعَ الخافِضَ لَأفْهَمَ أنَّ الماءَ يَمْلَأُ البَيْنَ المَذْكُورَ ولَمْ يَفْهَمْ أنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ صاحِبِي البَيْنِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: ولَوْ صَحَّ أنَّ النُّطْفَةَ تَتَوَلَّدُ (p-٣٧٩)مِن فَضْلِ الهَضْمِ [الرّابِعِ - ] وتَنْفَصِلُ عَنْ جَمِيعِ الأعْضاءِ حَتّى تَسْتَعِدَّ لِأنْ يَتَوَلَّدُ مِنها مِثْلُ تِلْكَ الأعْضاءِ، ومَقَرُّها عُرُوقُ مُلْتَفٍّ بَعْضُها بِالبَعْضِ عِنْدَ الأُنْثَيَيْنِ، فَلا شَكَّ أنَّ الدِّماغَ أعْظَمُ الأعْضاءِ مَعُونَةً في تَوْلِيدِها، ولِذَلِكَ تُشْبِهُهُ ويُسْرِعُ الإفْراطَ في الجِماعِ بِالضَّعْفِ فِيهِ ولَهُ خَلِيفَةٌ وهو النُّخاعُ وهو في الصُّلْبِ، وشُعَبٌ كَثِيرَةٌ نازِلَةٌ إلى التَّرائِبِ وهُما أقْرَبُ إلى أوْعِيَةِ المَنِيِّ فَلِذَلِكَ خُصّا بِالذِّكْرِ. وقالَ المَلْوِيُّ: فالَّذِي أخْرَجَهُ مِن ظُرُوفٍ عِظامِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ إلى أنْ صَيَّرَهُ في مَحَلِّهِ مِنَ الأُنْثَيَيْنِ إلى [أنْ - ] دَفَقَ واعْتَنى بَعْدَ ذَلِكَ بِنَقْلِهِ مِن خَلْقٍ إلى خَلْقٍ بَعْدَ كُلِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى أنْ صَيَّرَهُ إنْسانًا يَعْقِلُ ويَتَكَلَّمُ ويَبْنِي القُصُورَ، ويَهْدِمُ الصُّخُورَ، قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ.

86:8Page 591

إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرٞ ٨

Indeed, He [i.e., Allāh], to return him [to life], is Able.

ولَمّا عَلِمَ بِالحِفْظِ والخَلْقِ في الأطْوارِ المُشارِ إلَيْها أنَّهُ خُلِقَ لِأمْرٍ عَظِيمٍ وهو الحِسابُ، وثَبَتَ بِالقُدْرَةِ عَلى ابْتِدائِهِ مِن هَذا الماءِ وبِتَطْوِيرِهِ في الحالاتِ المُشارِ إلَيْها بِذِكْرِ الماءِ، المَعْلُومَةِ لِكُلِّ أحَدٍ القُدْرَةُ عَلى الإعادَةِ بِلا فَرْقٍ إلّا كَوْنُ الإعادَةِ عَلى ما نَعْرِفُ أسْهَلُ، وكانَ العَرَبُ يُنْكِرُونَها، قالَ مُؤَكِّدًا اسْتِئْنافًا لِمَن يَقُولُ: قَدْ نَظَرْتُ في ذَلِكَ فَمَهْ: ﴿إنَّهُ﴾ (p-٣٨٠)أيْ خالِقُهُ القادِرُ عَلى ما ذَكَرَ مِن شُؤُونِهِ المَدْلُولِ عَلى عَظْمِهِ بِبِناءِ ”خُلِقَ“ لِلْمَفْعُولِ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ أيْ رَجْعِ الإنْسانِ بِالعَبَثِ ورَدِّهِ إلى حالَتِهِ الأُولى وخَلْقِهِ الأوَّلِ كَما كانَ قَبْلَ المَوْتِ وعَلى رَدٍّ هَذا الماءِ الدّافِقِ إلى مَجارِيهِ الَّتِي خَرَجَ مِنها وحَلَّهُ إلى المائِيَّةِ بَعْدَ انْعِقادِهِ عَظْمًا ولَحْمًا ودَمًا ﴿لَقادِرٌ﴾ أيْ لِثابِتَةٌ قُدْرَتُهُ عَلى ذَلِكَ أتَمَّ ثَباتٍ، فَمِن أيْسَرِ ما يَكُونُ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى [رَدُّهُ - ] بَعْدَ شَيْخُوخَتِهِ عَلى عَقِبِهِ بِأنْ يَجْعَلَهُ كَهْلًا ثُمَّ شابًّا ثُمَّ طِفْلًا ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ نُطْفَةً ثُمَّ يَدْفَعُهُ إلى ذِكْرِ الرَّجُلِ ورَحِمِ المَرْأةِ ثُمَّ إلى صُلْبِهِ وتَرائِبِها وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ كَقُدْرَتِهِ عَلى رَدِّهِ بِالبَعْثِ، وعَبَّرَ بِـ”أنَّهُ“ ولَمْ يَقُلْ: إنَّ اللَّهَ - مَثَلًا لِأنَّهُ أقْعَدُ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ إنْسانٍ: مَن أخْرَجَكَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ فَصَيَّرَكَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؟ فَإذا قالَ: القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ الكامِلَةِ، قِيلَ لَهُ: وبِتِلْكَ القُدْرَةِ بِعَيْنِها يُعِيدُكَ، ولَوْ سَمّى لَهُ اسْمَ غَيْرِ الضَّمِيرِ لَكانَ رُبَّما قالَ: [لَيْسَ - ] هو خالِقِي.

86:9Page 591

يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ ٩

The Day when secrets will be put on trial,1

ولَمّا كانَ هَذا يُحَرِّكُ السّامِعَ غايَةَ التَّحْرِيكِ لِأنْ يَقُولُ: مَتى تَكُونُ رَجْعُهُ لَهُ؟ قالَ مُجِيبًا لَهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةٌ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى السُّهُولَةِ إلى [أنَّ - ] مِنَ الأمْرِ البَيِّنِ غايَةَ البَيانِ أنَّ الَّذِي يَبْلُوها (p-٣٨١)هُوَ الَّذِي يُرْجِعُها، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى ذِكْرِهِ ﴿السَّرائِرُ﴾ أيْ كُلُّ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ الصُّدُورُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وأخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الإخْلالِ بِالوُضُوءِ والغُسْلِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ الجِناياتِ، بِأنْ تُخالِطَ السَّرائِرَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ ما يُمِيلُها فَيُحِيلُها عَمّا هي عَلَيْهِ فَتَعُودُ جَهْرًا بَعْدَ أنْ كانَتْ سِرًّا، فَيُمَيَّزُ طِيبَها مِن خَبِيثِها ويُجازى عَلَيْهِ صاحِبُهُ.

86:10Page 591

فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ ١٠

Then he [i.e., man] will have no power or any helper.

ولَمّا كانَ المانِعُ مِن جَزائِهِ عِنْدَ إظْهارِ سَرائِرِهِ إمّا هو نَفْسُهُ أوْ أحَدٌ يَنْصُرُهُ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ إظْهارِ ما يَجْتَهِدُ في إخْفائِهِ: ﴿فَما لَهُ﴾ أيِ الإنْسانُ الَّذِي أخْرَجَتْ سَرائِرُهُ، وأعْرَقَ في التَّعْمِيمِ والنَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ يَمْنَعُ بِها نَفْسَهُ مِنَ الجَزاءِ ﴿ولا ناصِرٍ﴾ أيْ يَنْصُرُهُ فَيَمْنَعُهُ مِن نُفُوذِ الحُكْمِ فِيهِ. ولَيْسَ الدَّفْعُ إلّا بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ: قُوَّةٌ قائِمَةٌ بِهِ أوْ قُوَّةٌ خارِجَةٌ عَنْهُ.

86:11Page 591

وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجۡعِ ١١

By the sky which sends back1

ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمَلُ عَلى وجازَتِها عَلى الذُّرْوَةِ العُلْيا مِنَ البَلاغَةِ في إثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ والوَحْدانِيَّةِ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن بُحُورِ العُلُومِ، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَثَبَتَ أنَّ (p-٣٨٢)كُلَّ ما فِيهِ حَقٌّ مَعَ مُنازَعَتِهِمْ في ذَلِكَ [كُلِّهِ- ]، اقْتَضى الحالُ الإقْسامَ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقالَ: ﴿والسَّماءِ﴾ أيِ الَّتِي كانَ المَطْلَعُ الإقْسامُ بِها ووَصَفَها بِما يُؤَكِّدُ العِلْمَ بِالعَبَثِ الَّذِي هو مَنبَعُ العُلُومِ والتَّقْوى فَعَلَيْهِ مَدارُ السَّعادَةِ فَقالَ: ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ الَّتِي تَرْجِعُ بِالدَّوَرانِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأتِ الدَّوَرانَ مِنهُ فَتَرْجِعُ الأحْوالُ الَّتِي كانَتْ وتَصَرَّمَتْ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ والفُصُولِ مِنَ الشِّتاءِ وما فِيهِ مِن بَرْدِ ومَطَرٍ، والصَّيْفِ وما فِيهِ مِن حَرٍّ وصَفاءٍ وسُكُونٍ وغَيْرِ ذَلِكَ والنَّباتُ بَعْدَ تَهَشُّمُهُ وصَيْرُورَتُهُ تُرابًا مُخْتَلِطًا بِتُرابِ الأرْضِ وتَرْجِعُ الماءُ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ السَّحابَ يَأْخُذُهُ مِنَ البَحْرِ ويَعْلُو بِهِ فَيَعْصِرُهُ في الهَواءِ ثُمَّ يَرُدُّهُ إلى الأرْضِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الدّالُّ كُلٌّ مِنها قِطَعًا عَلى أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ قادِرٌ عَلى إعادَةِ كُلِّ ما فَنِيَ كَما كانَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا.

86:12Page 591

وَٱلۡأَرۡضِ ذَاتِ ٱلصَّدۡعِ ١٢

And [by] the earth which splits,1

ولَمّا ذَكَرَ الأمْرَ العُلْوِيَّ بادِئًا بِهِ لِشَرَفِهِ، أتْبَعَهُ السُّفْلِيُّ فَقالَ تَعالى: ﴿والأرْضِ﴾ أيْ مَسْكَنُكُمُ الَّذِي أنْتُمْ مُلابِسُوهُ ومُعانُوهُ كُلَّ وقْتٍ ومُلامِسُوهُ ﴿ذاتِ الصَّدْعِ﴾ أيِ الَّتِي تَتَصَدَّعُ وتَنْشَقُّ فَيَخْرُجُ مِنها النَّباتُ (p-٣٨٣)والعُيُونُ بَدْءًا وإعادَةُ دَلالَةٍ ظاهِرَةٍ عَلى البَعْثِ، فَجَمَعَ بِالقِسْمِ العالَمَ العُلْوِيَّ الَّذِي هو كالرَّجُلِ والسُّفْلِيَّ الَّذِي هو كالمَرْأةِ، فَكَما أنَّ الرَّجُلَ يَسْقِيها مِن مائِهِ فَتَصَدَّعَ [ عَنِ الوَلَدِ، فَكَذَلِكَ السَّماءُ تَسْقِي الأرْضَ فَتَتَصَدَّعُ - ] عَنِ النَّباتِ [ وكَما أنَّها تَتَصَدَّعُ عَنِ النَّباتِ - ] بَعْدَ فَنائِهِ وصَيْرُورَتِهِ رُفاتًا فَيَعُودُ كَما كانَ فَكَذَلِكَ تَتَصَدَّعُ عَنِ النّاسِ بَعْدَ فَنائِهِمْ فَيَعُودُونَ كَما كانُوا بِإذْنِ رَبِّها مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا.

86:13Page 591

إِنَّهُۥ لَقَوۡلٞ فَصۡلٞ ١٣

Indeed, it [i.e., the Qur’ān] is a decisive statement,

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ كُلُّها بَراهِينٌ قاطِعَةٌ ودَلائِلُ باهِرَةٌ ساطِعَةٌ عَلى حَقِّيَّةِ القُرْآنِ وإتْيانِهِ بِأعْلى البَيانِ، فَكانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا طَعْنُهم في القُرْآنِ بَعْدَ هَذا البَيانِ، قالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ بِالتَّأْكِيدِ مُعَبِّرًا بِالضَّمِيرِ إشارَةً لِما مَضى إلى أنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ الآنَ، فَهو الثّابِتُ في جَمِيعِ الأذْهانِ لا غَيْبَةَ [لَهُ - ] عَنْ شَيْءٍ مِنها أصْلًا ﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنِ الَّذِي أخْبَرَ بِهَذِهِ الإخْباراتِ الَّتِي هي في غايَةِ الوُضُوحِ وتَقَدَّمَ أنَّهُ مَجِيدٌ وفي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ، وأنَّ الكَفَرَةَ في تَكْذِيبٍ بِهِ ولا سِيَّما ما تَضَمَّنَ مِنهُ الإخْبارُ بِالبَعْثِ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أيْ جِدًّا يُرادُ بِهِ فَصْلُ الأُمُورِ، ولَهُ مِنَ العَراقَةِ في الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ما صارَ بِهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ نَفْسُ الفَصْلِ،

86:14Page 591

وَمَا هُوَ بِٱلۡهَزۡلِ ١٤

And it is not amusement.

ثُمَّ أكَّدَ الأمْرَ لِشِدَّةِ إنْكارِهِمْ وجَحْدِهِمْ وتَغْطِيَتِهِمُ الحَقَّ بِالباطِلِ فَقالَ: ﴿وما هُوَ﴾ (p-٣٨٤)أيِ القُرْآنُ في باطِنِهِ و[لا - ] ظاهِرُهُ ﴿بِالهَزْلِ﴾ أيْ بِالضَّعِيفِ المَرْذُولِ الَّذِي لا طائِلَ تَحْتَهُ، فَمِن حَقِّهِ ما هو عَلَيْهِ الآنَ مِن كَوْنِهِ مَهِيبًا في القُلُوبِ مُعْظَّمًا في الصُّدُورِ يَرْتَفِعُ بِهِ قارِئُهُ وسامِعُهُ عَنْ أنْ [يُلِمُّ - ] بِهَزْلٍ ويَعْلَمَ بِهِ في أعْيُنِ العامَّةِ والخاصَّةِ.

86:15Page 591

إِنَّهُمۡ يَكِيدُونَ كَيۡدٗا ١٥

Indeed, they are planning a plan,

ولَمّا كانَ ثَباتُ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ مُقْتَضِيًا ولا بُدَّ رُجُوعُهم عَنِ العِنادِ، [ فَكانَ ذَلِكَ مُحَرِّكًا لِلسّامِعِ إلى تَعَرُّفِ ما كانَ مِن أمْرِهِمُ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ دَلالَةً عَلى بَقائِهِمْ عَلى الإنْكارِ وأكَّدَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ بَقاءَهم عَلى العِنادِ - ] مَعَ هَذا مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ الكُفّارُ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ بِما يَعْمَلُونَ في أمْرِهِ مِنَ الحِيَلِ ﴿كَيْدًا﴾ في إبْطالِهِ وإطْفاءِ نُورِهِ بِإثْباتِكَ أوْ إخْراجِكَ أوْ قَتْلِكَ أوْ تَنْفِيرَ النّاسِ عَنْكَ والحالُ أنَّهُ لا قُوَّةَ لَهم أصْلًا عَلى ذَلِكَ ولا ناصِرَ لَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وسُمِّيَ جَزاؤُهُ لَهم سُبْحانَهُ كَيْدًا مُشاكَلَةً، ولِأنَّهُ خَفِيٌّ عَنْهم ومَكْرُوهٌ إلَيْهِمْ فَهو عَلى صُورَةِ الكَيْدِ فَقالَ:

86:16Page 591

وَأَكِيدُ كَيۡدٗا ١٦

But I am planning a plan.

﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أنا بِإتْمامِ اقْتِدارِي ﴿كَيْدًا﴾ بِاسْتِدْراجِي (p-٣٨٥)لَهم إلى تَوَغُّلِهِمْ فِيما يُغْضِبُنِي لِيُكْمِلَ ما يُوجِبُ أخْذِي لَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.

86:17Page 591

فَمَهِّلِ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَمۡهِلۡهُمۡ رُوَيۡدَۢا ١٧

So allow time for the disbelievers. Leave them awhile.1

ولَمّا كانَ هَذا مُعْلِمًا بِأنَّهم عَدَمٌ لا اعْتِبارَ بِهِمْ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ تَهْدِيدًا لَهم يا لَهُ مِن تَهْدِيدٍ ما أصْعَبَهُ: ﴿فَمَهِّلِ﴾ أيْ تَمْهِيلًا عَظِيمًا بِالتَّدْرِيجِ. ولَمّا كانَ في المُكَذِّبِينَ في عِلْمِ اللَّهِ مَن يُؤْمِنُ فَلَيْسَ مُسْتَحِقًّا لِإيقاعٍ مِثْلِ هَذا التَّهْدِيدِ، عَبَّرَ بِالوَصْفِ المُقْتَضِي لِلرُّسُوخِ فَقالَ: ﴿الكافِرِينَ﴾ أيْ فَلا تَدْعُ عَلَيْهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم بِالإهْلاكِ، فَإنّا لا نُعَجِّلُ لِأنَّهُ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ إلّا مَن يَخافُ الفَوْتَ، حُكِيَ أنَّ الحَجّاجَ كانَ سِجْنُهُ مِن رُخامٍ وأرْضُهُ مِن رَصاصٍ، فَكانَ يَتَلَوَّنُ بِتَلَوُّنِ الأوْقاتِ، فَوَقْتُ الحُرِّ جَهَنَّمُ، ووَقْتُ البَرْدِ زَمْهَرِيرُ، فَمَرَّ بِهِ يَوْمًا فاسْتَغاثُوا فَطَأْطَأ رَأْسَهُ لَهم وقالَ: اخْسَؤُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ، فَأخَذَتِ الأرْضُ قَوائِمَ جَوادِهِ فَرَفَعَ طَرَفَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: سُبْحانَكَ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ إلّا مَن يَخافُ الفَوْتَ، وانْطَلَقَ مِن وقْتِهِ، فَإنَّ العَجَلَةَ - [وهِيَ - ] إيقاعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ وقْتِهِ الألْيَقِ بِهِ - نَقَصَ فَإنَّهُ لا يُعَجِّلُ إلّا مَن يَكُونُ [ما يَفْعَلُ -] المُسْتَعْجَلُ عَلَيْهِ خارِجًا عَنْ قَبْضَتِهِ.

ولَمّا كانَتْ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ رُبَّما أفْهَمَتِ التَّطْوِيلَ، أكَّدَ ذَلِكَ مُجَرَّدًا لِلْفِعْلِ دَلالَةً عَلى أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ إيقاعُ الإمْهالِ مَعَ أنَّ زَمَنَهُ قَصِيرٌ بِالتَّدْرِيجِ لِيَطْمَئِنَّ المُمْهِلُ بِذَلِكَ وتَصِيرُ لَهُ [بِهِ - ] قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ ودُرَّتُهُ؟ وعَزِيمَةٌ (p-٣٨٦)صادِقَةٌ لِأنَّ ما يَقُولُونَهُ مِمّا تَشْتَدُّ كَراهَةُ النُّفُوسِ لَهُ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ إلّا بِمَعُونَةٍ عَظِيمَةٍ: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ أيْ بِالإعْراضِ عَنْهم مَرَّةً واحِدَةً بَعْدَ التَّدْرِيجِ [ لِما صارَ لَكَ عَلى حَمْلِهِ مِنَ القُوَّةِ بِالتَّدْرِيجِ - ] الَّذِي أمَرْتَ بِهِ سابِقًا ﴿رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا يَسِيرًا فَسَتَكُونُ عَنْ قَرِيبٍ لَهم أُمُورٌ، وأيُّ أُمُورٍ تُشْفِي الصُّدُورَ، وهو تَصْغِيرُ ”ارْوادًا“ تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ، قالَ ابْنُ بُرْجانِ: وهي كَلِمَةٌ تُعْطِي الرِّفْقً، وهَذا الآخَرُ هو المُرادُ بِما في أوَّلِها مِن أنَّ كُلًّا مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مَحْفُوظٌ بِحِفْظِهِ مَضْبُوطَةٌ أقْوالُهُ وأفْعالُهُ وحَرَكاتُهُ وسَكَناتُهُ وأحْوالُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزَمٌ لِأنَّهُ في القَبْضَةِ، فَقَدِ التَقى الطَّرَفانِ عَلى أعْظَمِ [شَأْنٍ بِأبْيَنِ -] بُرْهانٍ، ووَقَعَ أوَّلُ هَذا الوَعِيدِ يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ تَوَلّى نَكالُهم وتَحْقِيرُهم وإسْفالُهم إلى أنْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنهم بِالسَّيْفِ وكَثِيرٌ مِنهم [بِالمَوْتِ - ] حَتْفَ الأنْفِ إلى النّارِ، وبَقِيَ الباقُونَ في الصَّغارِ إلى أنَّ أعَزَّهُمُ اللَّهُ بِعِزِّ الإسْلامِ، وصارُوا مِنَ الأكابِرِ الأعْلامَ، تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا وتَعْظِيمًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، واللَّهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском