Al-Biqa'iAl‑Fajr · 89:1–20

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الفجر

Al-Fajr

The Dawn · Meccan · 30 ayahs

89:1Page 593

وَٱلۡفَجۡرِ ١

By the dawn

(p-٢١)سُورَةُ الفَجْرِ مَقْصُودُها

الِاسْتِدْلالُ عَلى آخِرِ الغاشِيَةِ الإيابُ والحِسابُ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَقْصُودِ الفَجْرُ بِانْفِجارِ الصُّبْحِ عَنِ النَّهارِ الماضِي بِالأمْسِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ في شَيْءٍ مِنَ الذّاتِ وانْبِعاثِ النِّيامِ مِنَ المَوْتِ الأصْغَرِ وهو النَّوْمُ بِالِانْتِشارِ يَفِي ضِياءَ النَّهارِ لِطَلَبِ المُعايِشِ لِلْمُجازاةِ في الحِسابِ بِالثَّوابِ والعِقابِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ جامِعُ العِبادِ بَعْدَ تَمْزِيقِهِمْ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّهم بَعْدَ العُمُومِ بِالإيجادِ بِالبَيانِ المُهَيِّئِ مَن شاءَ لِلْإيمانِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِالرِّضْوانِ المُبِيحِ الجِنانِ.

* *

لَمّا خَتَمَتْ تِلْكَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإيابِ والحِسابِ، وكانَ تَغْيِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وتَجْدِيدُ كُلٍّ مِنهُما بَعْدَ إعْدامِهِ دالًّا عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، وكانَ الحَجُّ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ في شَرْعِهِ لَهُ عَلى وجْهِ التَّجَرُّدِ عَنِ المَخِيطِ ولُزُومِ التَّلْبِيَةِ والسَّيْرِ إلى الأماكِنِ المَخْصُوصَةِ آيَةٌ مُذَكِّرَةٌ بِذَلِكَ قالَ: ﴿والفَجْرِ﴾ أيِ الكامِلُ في هَذا الوَصْفِ لِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ حَتّى كَأنَّهُ لا فَجْرَ غَيْرُهُ، وهو فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ الَّذِي هو أوَّلُ الأيّامِ الآخِذَةِ في الإيابِ إلى (p-٢٢)بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ بِدُخُولِ حَرَمِهِ والتَّحَلُّلِ مِن مَحارِمِهِ وأكْلِ ضِيافَتِهِ.

89:2Page 593

وَلَيَالٍ عَشۡرٖ ٢

And [by] ten nights1

ولَمّا ذَكَرَ هَذا اليَوْمَ بِما العِبارَةُ بِهِ عَنْهُ أدَلُّ عَلى البَعْثِ لِأنَّهُ يَنْفَجِرُ عَنْ صُبْحٍ قَدْ أضاءَ، ونَهارٍ قَدِ انْبَرَمَ، وانْقَضى، لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما مَضى، عَمَّ فَقالَ مُعَبِّرًا بِالمُقابِلِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ هي أعْظَمُ لَيالِي العامِ. وهي آيَةُ اللَّهِ عَلى البَعْثِ بِالقِيامِ إلى إجابَةِ داعِي اللَّهِ تَعالى عَلى هَيْئَةِ الأمْواتِ

89:3Page 593

وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣

And [by] the even [number] and the odd

﴿والشَّفْعِ﴾ أيْ لِمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ ﴿والوَتْرِ﴾ أيْ لِمَن أتَمَّ - قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، ورَوى أحْمَدُ والبَزّارُ بِرِجالِ الصَّحِيحِ عَنْ عَيّاشِ بْنِ عُقْبَةَ وهو ثِقَةٌ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «العَشْرُ الأضْحى، والشَّفْعُ يَوْمُ الأضْحى، والوِتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ» .

89:4Page 593

وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ ٤

And [by] the night when it passes,

ولَمّا كانَ تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أدُلَّ عَلى القُدْرَةِ وأظْهَرَ في النِّعْمَةِ، قالَ رادًّا لِآخِرِ القِسْمِ عَلى أوَّلِهِ، ومُذَكَّرًا بِالنِّعْمَةِ وكَمالِ القُدْرَةِ، لِأنَّ اللَّيْلَ أخْفاهُما سُرى وسِرًّا، فَهو أعْظَمُهُما في ذَلِكَ أمْرًا، لِأنَّ سَيْرَ النَّهارِ ظاهِرٌ لِسَرايَتِهِ بِخِلافِ اللَّيْلِ فَإنَّهُ مَحْوى صَرْفِهِ فَكانَ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ ﴿واللَّيْلِ﴾ أيْ مِن لَيْلَةِ النَّفَرِ ﴿إذا يَسْرِ﴾ أيْ يَنْقَضِي كَما (p-٢٣)يَنْقَضِي لَيْلُ الدُّنْيا وظَلامُ ظُلْمِها فَيَخْلُفُهُ الفَجْرَ ويُسْرى فِيهِ الَّذِينَ آبُوا إلى اللَّهِ راجِعِينَ إلى دِيارِهِمْ بَعْدَ حَطِّ أوْزارِهِمْ، [وقَدْ رَجَعَ آخِرُ القَسَمِ عَلى أوَّلِهِ -] وأثْبَتَ الياءَ في يَسْرِي ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وحَذَفَها الباقُونَ، وعِلَّةُ حَذْفِها قَدْ سَألَ عَنْها المُؤَرَّجُ الأخْفَشُ فَقالَ: اخْدِمْنِي سَنَةً، فَسَألَهُ بَعْدَ سَنَةٍ فَقالَ: اللَّيْلُ يُسْرى فِيهِ ولا يَسْرِي، فَعَدَلَ بِهِ عَنْ مَعْناهُ فَوَجَبَ أنْ يَعْدِلَ عَنْ لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] لِما عَدَلَ عَنْ ”باغِيَةِ“ عَدَلَ لَفْظُهُ فَلَمْ يَقُلْ: بُغْيَةً - انْتَهى، وهو يَرْجِعُ إلى اللَّفْظِ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ رَدُّ رِواياتِ الإثْباتَ، والحِكْمَةُ المَعْنَوِيَّةُ فِيهِ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِن جِهَةِ السّارِي وما يَقَعُ السُّرى فِيهِ، فَأمّا مِن جِهَةِ السّارِي فانْقِسامُهم لَيْلَةَ النَّفَرِ إلى مُجاوِرٍ وراجِعٍ إلى بِلادِهِ، فَأُشِيرَ إلى المُجاوِرِينَ بِالحَذْفِ حَثًّا عَلى ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن جَلالَةِ المَسالِكِ، فَكانَ لَيْلُ وِصالِهِمْ ما انْقَضى كُلُّهُ، فَهم يَغْتَنِمُونَ حُلُولَهُ ويَلْتَذُّونَ طُولَهُ مِن تِلْكَ المَشاهِدِ والمَشاعِرِ والمَعاهِدِ، وإلى الرّاجِعِينَ بِالإثْباتِ لِما سَرى اللَّيْلُ بِحَذافِيرِهِ عَنْهم آبُوا راجِعِينَ إلى دِيارِهِمْ فِيما انْكَشَفَ مِن نَهارِهِمْ، وأمّا مِن جِهَةِ ما وقَعَ فِيهِ السُّرى فَلِلْإشارَةِ إلى طُولِهِ تارَةً وقِصَرِهِ أُخْرى، فالحَذْفُ إشارَةٌ إلى القَصِيرِ [و] الإثْباتُ إشارَة إلى الطَّوِيلِ بِما وقَعَ مِن تَمامِ سِراهُ وما (p-٢٤)وقَعَ لِلسّارِينَ فِيهِ مِن قِيامِ وصْفِ الأقْدَمِ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ العَلّامِ كَما قالَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ العِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ مُشِيرًا لِذَلِكَ:

؎كَمْ لَيْلَةً فِيكَ وصَلْنا السُّرى ∗∗∗ لا نَعْرِفُ الغَمْضَ ولا نَسْتَرِيحُ

الأبْياتُ المَذْكُورَةُ عَنْهُ في المُزَّمِّلِ، فَقَدِ انْقَسَمَ اللَّيْلُ إلى ذِي طُولٍ وقِصَرٍ، والسّارِي فِيهِ إلى ذِي حَضَرٍ وسَفَرٍ، فَدَلَّتِ المُفاوَتَةُ في ذَلِكَ وفي جَمِيعِ أفْرادِ القَسَمِ عَلى أنَّ فاعِلَها قادِرٌ مُخْتارٌ واحِدٌ قَهّارٌ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ الدَّلالَةَ بِقَهْرِ القَهّارِينَ وإبارَةِ الجَبّارِينَ، وأمّا ”بَغِيٌّ“ فَذُكِرَتْ حِكْمَتُهُ في مَرْيَمَ.

89:5Page 593

هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥

Is there [not] in [all] that an oath [sufficient] for one of perception?1

ولَمّا كانَ هَذا قَسَمًا عَظِيمًا في ذِكْرِ تِلْكَ اللَّيالِي المُتَضَمِّنِ لِذِكْرِ تِلْكَ المَشاعِرِ وما فِيها مِنَ الجُمُوعِ والبُكاءِ كَما قالَ أبُو طالِبٍ في قَصِيدَتِهِ اللّامِيَّةِ المَشْهُورَةِ:

؎ولَيْلَةَ جُمِعٍ والمَنازِلُ مِن مِنى ∗∗∗ وهَلْ فَوْقَها مِن حُرْمَةٍ ومَنازِلِ

وفِي تَذْكِيرِهِ بِالبَعْثِ ودَلالَتِهِ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً واضِحَةً بِالإيجادِ بَعْدَ الإعْدامِ مَعَ ما لِهَذِهِ الأشْياءِ في أنْفُسِها وفي نُفُوسِ المُخاطَبِينَ بِها مِنَ الجَلالَةِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ في ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورِ مَعَ ما لَهُ مِن عَلِيِّ الأمْرِ وواضِحِ القَدْرِ ﴿قَسَمٌ﴾ أيْ كافٍ مُقْنِعٍ ﴿لِذِي﴾ أيْ صاحِبُ ﴿حِجْرٍ﴾ أيْ عَقْلٍ فَيُحَجِّرُهُ ويَمْنَعُهُ عَنِ الهَوى في (p-٢٥)دَرْكِ الهَوى، فَيُعْلِيهِ إلى أوْجِ الهُدى، في دُرْجِ العُلا، حَتّى يَعْلَمَ أنَّ الَّذِي فَعَلَ ما تَضَمَّنَهُ هَذا القَسَمُ لا يَتْرُكُهُ سُدًى، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ مالِكًا نَفْسَهُ قاهِرًا لَها ضابِطًا: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ [انْتَهى، فَمَن بَلَغَ أنْ يُحَجِّرَهُ عَقْلُهُ عَنِ المَآثِمِ ويَحْمِلَهُ عَلى المَكارِمِ فَهو ذُو حِجْرٍ].

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ابْتَدَأ سُبْحانَهُ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وجْهًا آخَرَ مِنَ الِاعْتِبارِ، وهو أنْ يَتَذَكَّرُوا حالَ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الأُمَمِ وما أعْقَبَهم تَكْذِيبَهم واجْتِرامَهم فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن مُرْتَكِباتِ الخَلائِقِ ولا يَغِيبُ عَنْهُ ما أكَنُّوهُ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] فَهَلّا اعْتُبِرَ هَؤُلاءِ بِما يُعايِنُونَهُ ويُشاهِدُونَهُ مِن خَلْقِ الإبِلِ ورَفْعِ السَّماءِ ونَصْبِ الجِبالِ وسَطْحِ الأرْضِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِمَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ، فالإبِلُ لِأثْقالِهِمْ وانْتِقالِهِمْ، والسَّماءُ لِسَقْيِهِمْ وإظْلالِهِمْ، والجِبالُ لِاخْتِزانِ مِياهِهِمْ وأقْلالِهِمْ، والأرْضُ لِحَلِّهِمْ وتَرْحالِهِمْ، فَلا بِهَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها اسْتُبْصَرُوا، ولا بِمَن خَلا مِنَ القُرُونِ اعْتَبَرُوا،

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] عَلى عَظِيمِ طُغْيانِها وصَمِيمِ بُهْتانِها ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَيَتَذَكَّرُونَ (p-٢٦)حِين لا يَنْفَعُ التَّذَكُّرُ ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] - انْتَهى.

89:6Page 593

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦

Have you not considered how your Lord dealt with ʿAad -

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ كَما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ: لِيُبْعَثُنَّ كُلُّهم صاغِرِينَ ثُمَّ لِيُحْشَرُنَّ ثُمَّ لِيُحاسَبُنَّ فَيُجازى كُلُّ أحَدٍ بِما عَمِلَ، فَإنْ آمِنُوا بِذَلِكَ نَجَوْا وإلّا عَذَّبَهُمُ الَّذِي ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ عَلى العَذابِ الأكْبَرِ بَعْدَ العَذابِ الأدْنى بِسَبَبِ قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بِسَبَبِ قُدْرَتِهِ عَلى ما رَأيْتُمْ مِن خَلْقِ الإبِلِ والسَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ عَلى ما في كُلٍّ مِنَ العَجائِبِ بِسَبَبِ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، حَذْفُ زِيادَةٍ في تَعْظِيمِهِ واعْتِمادًا عَلى مَعْرِفَتِهِ بِما هَدى إلَيْهِ مِنَ السِّياقِ في جَمِيعِ السُّورَةِ وما قَبْلَها. ولَمّا طَوى جَوابَ القَسَمِ لِإرْشادِ السِّياقِ إلَيْهِ وتَعْوِيلِ المَعْنى عَلَيْهِ، وتَهْوِيلًا لَهُ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يَكُونُ قَسَمٌ بِغَيْرِ مُقْسِمٍ عَلَيْهِ، وكانَ قَدْ عَلِمَتِ القُدْرَةُ عَلَيْهِ مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ بِالمُقْسَمِ بِهِ، أوْضَحَ تِلْكَ القُدْرَةِ بِأمْرِ العَذابِ [الأدْنى -] لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ، فَقالَ مُخاطِبًا لِمَن قالَ لَهُ في آخِرِ تِلْكَ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ وإشْعارًا بِأنَّهُ لا يَتَدَبَّرُهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ غَيْرُهُ، وتَهْدِيدًا لِمَن كَذَّبَ مِن قَوْمِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ تَنْظُرَ بِعَيْنِ الفِكْرِ يا أشْرَفَ رُسُلِنا فَتَعْلَمَ عِلْمًا هو في التَّيَقُّنِ بِهِ كالمَحْسُوسِ بِالبَصَرِ، وعَبَّرَ (p-٢٧)بِالِاسْتِفْهامِ إشارَةً إلى [أنَّ] ما نَدَبَهُ إلى رُؤْيَتِهِ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يَسْألَ عَنْهُ: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ خِتامًا لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ بِما شارَكُوا بِهِ هَؤُلاءِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ وجَعْلِ مَحَطِّ نَظَرِهِمُ الدُّنْيا، وعَمِلُوا أعْمالَ مَن يَظُنُّ الخُلُودَ، [و] بَدَأ بِأشَدِّهِمْ في ذَلِكَ وأعْتاهُمُ الَّذِينَ قالُوا: مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً؟ فَقالَ: ﴿بِعادٍ﴾ أيِ الَّذِينَ بَلَغُوا في الشِّدَّةِ أنْ قالُوا: مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً؟ وقالَ لَهم نَبِيُّهم هُودٌ ﷺ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِناؤُهم جَنَّةً في هَذِهِ الدُّنْيا [الفانِيَةِ] الَّتِي هي دارُ الزَّوالِ، والقَلْعَةِ والِارْتِحالِ، والنَّكَدِ والبَلاءِ والكَدَرِ، والمَرَضِ والبُؤْسِ والضَّرَرِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لَهم عَلى حَذْفِ مُضافٍ:

89:7Page 593

إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧

[With] Iram1 - who had lofty pillars,2

﴿إرَمَ﴾ أيْ أهْلُها وعُمْدَتُها، وأطْلَقَها عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ لِما لَها مِنَ البِناءِ العَجِيبِ والشَّأْنِ الغَرِيبِ، ثُمَّ بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿ذاتِ﴾ أيْ صاحِبَةُ ﴿العِمادِ﴾ أيِ البِناءِ العالِي الثّابِتِ بِالأعْمِدَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الدّارِ مِثْلُها، ولِذا قالَ:

89:8Page 593

ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨

The likes of whom had never been created in the land?

﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ﴾ أيْ يَقْدِرُ ويَصْنَعُ - بَناهُ لِلْمَفْعُولِ إرادَةً لِلتَّعْمِيمِ ﴿مِثْلُها﴾ يَصِحُّ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى ”عادٍ“ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ، عَلى ”إرَمَ“ بِاعْتِبارِ البَلْدَةِ، وأوْضَحَ هَذا بِقَوْلِهِ مُعَمِّمًا لِلْأرْضِ كُلِّها: ﴿فِي البِلادِ﴾ أيْ في بِنائِها ومَرافِقِها (p-٢٨)وثِمارِها، وتَقْسِيمُ مِياهِها وأنْهارِها، وطِيبِ أرْضِها وحُسْنِ أطْيارِها، وما اجْتَمَعَ بِها مِمّا يَفُوتُ الحُصْرُ ويُعْجِزُ القُوى، ولا مِثْلَ أهْلِها الَّذِينَ بَنَوْها في قُوَّةِ أبْدانِهِمْ وعَظِيمِ شَأْنِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِهِمْ، وكانَ صاحِبُها شَدّادٌ قَدْ مَلَكَ المَعْمُورَةَ كُلَّها فَتَحَيَّزَها فَبَناها في بَرِّيَّةٍ عَدْنٍ في ثَلاثمِائَةِ سَنَةٍ يُضاهِي بِها الجَنَّةَ عَلى ما زَعَمَ - قُلُوبٌ ضَلَّتْ وأضَلَّتْ وأضَلَّها بارِيها - قالَ أبُو حَيّانَ: عَلى أوْصافٍ بَعِيدٍ أوْ مُسْتَحِيلٍ عادَةً أنْ يَكُونَ في الأرْضِ مِثْلُها، فَلَمّا تَمَّتْ عَلى ما أرادَ قَصَدَها لِلسَّكَنِ وعَمَّرَهُ إذْ ذاكَ تِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ، فَلَمّا كانَ مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم فَكانُوا كَأمْسِ الذّاهِبِ، وأخْفى مَدِينَتَهم فَلَمْ يَرَها أحَدٌ إلّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُلابَةَ، خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ ضَلَّتْ لَهُ عَلى زَمَنِ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَقَعَ عَلَيْها، ولَمّا خَرَجَ مِنها وانْفَصَلَ عَنْها خَفِيَتْ عَنْهُ، وكانَ قَدْ حَمَلَ مَعَهُ بَعْضَ ما رَأى فِيها مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمِسْكِ والزَّعْفَرانِ فَباعَهُ، وسَمِعَ بِهِ مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَحَدَّثَهُ، [فَأرْسَلَ]، مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى كَعْبِ الأحْبارِ فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هي إرَمُ ذاتُ العِمادِ، وسَيَدْخُلُها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِكَ أشْقَرُ أحْمَرُ قَصِيرٌ، عَلى حاجِبَيْهِ خالٍ، [و] عَلى عَقِبِهِ خالٍ، يَخْرُجُ في طَلَب إبِلٍ لَهُ، ثُمَّ (p-٢٩)التَفَتَ فَأبْصَرَ ابْنَ قُلابَةَ فَقالَ: هَذا واللَّهِ ذاكَ الرَّجُلُ - ذَكَرَهُ شَيْخُنا في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ [و] قالَ: وآثارُ الوَضْعِ عَلَيْهِ لائِحَةٌ، وقالَ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الأوْصافُ كُلُّها لِلْقَبِيلَةِ وهم عادٌ الأوْلى، واسْمُها إرَمُ بِاسْمِ جَدِّهِمْ، وكانُوا عَرَبًا سَيّارَةً يَبْنُونَ بُيُوتَهم عَلى الأعْمِدَةِ عَلى عادَةِ العَرَبِ، ولَمْ يَخْلُقْ مِثْلَهم أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ في جَمِيعِ البِلادِ.

89:9Page 593

وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩

And [with] Thamūd, who carved out the rocks in the valley?

ولَمّا بَدَأ بِهَؤُلاءِ لِأنَّ أمْرَهم كانَ أعْجَبَ، وقِصَّتَهم أنْزَهُ وأغْرَبُ، ثَنى بِأقْرَبِ الأُمَمِ إلَيْهِمْ زَمانًا وأشْبَهَهم بِهِمْ شَأْنًا لِأنَّهم أُتْرِفُوا بِما حَبَوا بِهِ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ، فَجَعَلُوا مَوْضِعَ ما لَزِمَهم مِنَ الشُّكْرِ الكُفْرُ، واسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى، مَعَ ما في آيَتِهِمْ، وهي النّاقَةُ، مِن عَظِيمِ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا﴾ أيْ نَقَبُوا وقَطَعُوا قَطْعًا حَقِيقًا كَأنَّهُ عِنْدَهم كالواجِبِ ﴿الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ أيْ [وادِي] الحَجَرِ أوْ وادِي القُرى، فَجَعَلُوا بُيُوتًا مَنقُورَةً في الجِبالِ فِعْلَ مَن يَغْتالُ الدَّهْرَ ويُفْنِي الزَّمانَ، قالَ أبُو حَيّانَ: قِيلَ أوَّلُ مَن نَحَتَ الجِبالَ والصُّخُورَ والرُّخامَ ثَمُودُ، وبَنَوْا ألْفًا وسَبْعمِائَةِ مَدِينَةٍ (p-٣٠)كُلُّها بِالحِجارَةِ.

89:10Page 593

وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ١٠

And [with] Pharaoh, owner of the stakes?1

ولَمّا ذَكَرَ القَبِيلَتَيْنِ مِنَ العَرَبِ، ذَكَرَ [بَعْضَ] مَن جاوَرَهم مِن طُغاةِ العَجَمِ لِما في قِصَّتِهِمْ مِنَ العُتُوِّ والجَبَرُوتِ مَعَ ما حَوَتْهُ مِنَ الغَرائِبِ وخَوارِقِ العَجائِبِ لا سِيَّما في القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ بِقَلْبِ العَصا حَيَّةً وإعادَتِها جَمادًا مَعَ التَّكَرُّرِ، وبِإيجادِ الضَّفادِعِ والقَمْلِ مِن كُثْبانِ الأرْضِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وفِرْعَوْنَ﴾ أيْ وفَعَلَ بِفِرْعَوْنَ ﴿ذِي الأوْتادِ﴾ أيِ الَّذِي ثَبَّتَ مُلْكَهُ تَثْبِيتَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَزُولُ بِالعَساكِرِ والجُنُودِ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ ما يَظُنُّ أنَّهُ يَشُدُّ أمْرَهُ مِنَ الجَنّاتِ والعُيُونِ والزُّرُوعِ والمَقاماتِ الكَرِيمَةِ، فَصارَتْ لَهُ اليَدُ المَبْسُوطَةُ في المُلْكِ.

89:11Page 593

ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١١

[All of] whom oppressed within the lands

ولَمّا كانَ المُرادُ بِفِرْعَوْنَ هو وجُنُودُهُ لِأنَّ الرَّأْسَ يُكَنّى بِهِ عَنِ البَدَنِ، لِأنَّهُ جَماعَةٌ وبِهِ قِوامُهُ، وصَفَهُ بِوَصْفٍ يَجْمَعُ قَوْمَهُ وجَمِيعَ مَن ذَكَرَ هُنا فَقالَ: ﴿الَّذِينَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ وكُلُّ مَن ذَكَرَ هُنا مِنَ الكَفَرَةِ مِن عادٍ وثَمُودَ وأتْباعِهِمْ ﴿طَغَوْا﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحُدُودَ ﴿فِي البِلادِ﴾ أيِ [الَّتِي] مَلَكُوها بِالفِعْلِ وغَيْرِها بِالقُوَّةِ

89:12Page 593

فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ١٢

And increased therein the corruption.

﴿فَأكْثَرُوا﴾ عَقِبَ طُغْيانِهِمْ وبِسَبَبِهِ ﴿فِيها الفَسادَ﴾ بِما فَعَلُوا مِنَ الكُفْرِ والظُّلْمِ مِمّا صارَ سُنَّةً لِمَن سَمِعَ بِهِ.

89:13Page 593

فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣

So your Lord poured upon them a scourge of punishment.

ولَمّا كانَ [ذَلِكَ] مُوجِبًا لِلْعَذابِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَصَبَّ﴾ (p-٣١)أيْ أُنْزِلَ إنْزالًا هو في غايَةِ القُوَّةِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ المُدَبِّرُ لِأمْرِكَ الَّذِي جَعَلَ ما مَضى مِن أخْبارِ الأُمَمِ وآثارِ الفِرَقِ مَوْطِئًا لَهم ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ جَعَلَ عَذابَهم مِنَ الإغْراقِ والرَّجْفِ وغَيْرِهِما في وقْتِهِ وتَمَكُّنِهِ وعُلُوِّهِ وإحاطَتِهِ كالمَصْبُوبِ في شِدَّةِ ضَرْبِهِ ولُصُوقِهِ بِالمَضْرُوبِ وإسْراعِهِ إلَيْهِ والتِفافِهِ بِهِ كالسَّوْطِ وفي كَوْنِهِ مُنَوِّعًا إلى أنْواعٍ مُتَشابِكَةٍ، وأصْلُهُ الخَلْطُ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا الجَلْدُ المَضْفُورُ الَّذِي يَضْرِبُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، ولِأنَّهُ يَخْلِطُ اللَّحْمَ والدَّمَ، وقِيلَ: شُبِّهَ بِالسَّوْطِ ما أحَلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا إشْعارًا بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ إلى أنْ يَهْلَكَ المُعَذَّبُ بِهِ وإيذانًا بِأنَّهُ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى السَّيْفِ، هَذا سَوْطُ الدُّنْيا وسَيْفُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأحَدُّ وأمْضى، ثُمَّ عَلَّلَ أخْذَهُ لِكُلِّ ظالِمٍ وانْتِقامَهُ مِن كُلِّ مُفْسِدٍ بِأنَّهُ رَقِيبٌ، فَقالَ مُمَثِّلًا أنَّ العُصاةَ لا يُفَوِّتُونَهُ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ أعْمالَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ أوْ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ:

89:14Page 593

إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ ١٤

Indeed, your Lord is in observation.

﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ مَوْلاكَ المُدَبِّرَ لِأمْرِ نُبُوَّتِكَ ﴿لَبِالمِرْصادِ﴾ أيْ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، بَلْ هو قادِرٌ ومُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اطِّلاعَ مَن يُرِيدُهُ بِالإقامَةِ في مَكانِ (p-٣٢)الرَّصْدِ وزَمانِهِ مَعَ غايَةِ الحِفْظِ والرَّعْيِ وهو قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ.

89:15Page 593

فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥

And as for man, when his Lord tries him and [thus] is generous to him and favors him, he says, "My Lord has honored me."1

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الفِرَقِ كانَتِ الطُّغْيانُ، وذَكَرَ أنَّ عادَةَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فِيمَن تَوَلّى وكَفَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُهُ [كَما] هَدَّدَ بِهِ آخِرُ تِلْكَ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما شُوهِدَ في الأُمَمِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَغْفُلُ، [ذِكْرُ] عادَةِ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِهَؤُلاءِ الفِرَقِ عَنِ الِابْتِلاءِ في حالَيِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى جَوابِ ما كانَتِ الكُفّارُ تَقُولُهُ مِن أنَّهم آثَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا وتُقَلِّلُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ الدُّنْيا مُسَبِّبًا عَمّا مَضى عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ كانَتْ عادَةُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ وعادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ أيِ الَّذِي أوْدَعَ الحِجْرَ لِيَعْقِلَ هَذِهِ الأقْسامَ وما يُرادُ مِنهُ مِنَ اعْتِقادِ المُقْسِمِ عَلَيْهِ بِها وجَبَلَ عَلى النِّسْيانِ والأُنْسِ بِنَفْسِهِ والمَحَبَّةِ لَها والرِّضى عَنْها.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّعْرِيفَ بِحالِهِ عِنْدَ الِابْتِداءِ، قَدَّمَ الظَّرْفَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ عَلى الخَبَرِ فَقالَ: ﴿إذا﴾ وأكَّدَ الأمْرَ بِالنّافِي فَقالَ ﴿ما ابْتَلاهُ﴾ أيْ عامِلَهُ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ بِأنْ خالَطَهُ بِما أرادَ مُخالَطَةً تُمِيلُهُ وتُحِيلُهُ ﴿رَبُّهُ﴾ أيِ الَّذِي أبْدَعَهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ بِما يَحْفَظُ وُجُودَهُ لِيَظْهَرَ (p-٣٣)شُكْرُهُ أوْ كُفْرُهُ ﴿فَأكْرَمَهُ﴾ أيْ بِأنْ جَعَلَهُ عَزِيزًا [بَيْنَ النّاسِ] وأعْطاهُ ما يُكْرِمُونَهُ بِهِ مِنَ الجاهِ والمالِ ﴿ونَعَّمَهُ﴾ أيْ بِأنْ جَعَلَهُ مُتَلَذِّذًا مُتْرَفًا بِما أعْطاهُ [غَيْرَ تَعْبانٍ -] بِسَبَبِهِ ﴿فَيَقُولُ﴾ سُرُورًا بِذَلِكَ وافْتِخارًا: ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُوجِدِ لِي والمُدَبِّرِ لِأمْرِي ﴿أكْرَمَنِ﴾ أيْ فَيَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ عَنِ اسْتِحْقاقٍ فَيَرْتَفِعُ بِهِ

89:16Page 593

وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦

But when He tries him and restricts his provision, he says, "My Lord has humiliated me."

﴿وأمّا﴾ هو ﴿إذا﴾ وأكَّدَ عَلى نَمَطِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿ما ابْتَلاهُ﴾ أيْ رَبُّهُ لِيُظْهِرَ صَبْرَهُ أوْ جَزَعَهُ.

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ في الأوَّلِ ”فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ“ كِنايَةً عَنْ ”فَوَسَّعَ عَلَيْهِ“ قابَلَهُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدَرَ﴾ أيْ ضِيقُ تَضْيِيقِ مَن يَعْمَلُ الأمْرَ بِحِسابٍ وتَقْدِيرٍ ﴿عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ فَهو كِنايَةٌ عَنِ الضِّيقِ كَما أنَّ العَطاءَ بِغَيْرِ حِسابٍ كِنايَةٌ عَنِ السِّعَةِ، فَجَعَلَهُ بِمِقْدارِ ضَرُورَتِهِ الَّذِي لا يَعِيشُ [عادَةً] بِدُونِهِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ فِيهِ فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ ولَمْ يَقُلْ ”فَأهانَهُ“ مَوْضِعَ ”قَدْرٍ عَلَيْهِ“ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ مَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى [و] صَوْنًا لِأهْلِ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ العِبارَةِ لِأنَّ أكْثَرَهم مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ في دُنْياهُ، ولِأنَّ تَرْكَ الإكْرامِ لا يَنْحَصِرُ في كَوْنِهِ إهانَةً ﴿فَيَقُولُ﴾ أيِ الإنْسانُ (p-٣٤)[بِسَبَبِ الضِّيقِ]: ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُرَبِّي لِي ﴿أهانَنِ﴾ فَيَهْتَمُّ لِذَلِكَ ويَضِيقُ بِهِ ذَرْعًا، ويَكُونُ ذَلِكَ أكْبَرَ هَمِّهِ.

89:17Page 593

كـَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ ١٧

No!1 But you do not honor the orphan

ولَمّا كانَ نِسْبَةُ هَذا إلَيْهِ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا لِقُصُورِ نَظَرِهِ فَإنَّ الإقْتارَ قَدْ يُؤَدِّي إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ، والتَّوْسِعَةُ قَدْ تُؤَدِّي إلى شَقاوَتِهِما، وهَذا أكْثَرُ ما يُوجَدُ، قالَ رَدْعًا عَنْ مَثْلِ هَذا القَوْلِ بِأعْظَمِ أدَواتِ الزَّجْرِ مُعَلِّلًا لِلتَّوْسِعَةِ والإقْتارِ: ﴿كَلا﴾ [أيْ] إنِّي لا أُكْرِمُ بِتَكْثِيرِ الدُّنْيا ولا أُهِينُ بِتَقْلِيلِها، لا التَّوْسِعَةُ مُنْحَصِرَةٌ في الإكْرامِ ولا التَّضْيِيقُ مُنْحَصِرٌ في الإهانَةِ والصَّغارِ، وإنَّما أتَتْهُمُ الإهانَةُ مِن حَيْثُ إنَّهم لا يُطِيعُونَ اللَّهَ، ورُبَّما كانَ بِالتَّوْسِعَةِ، ورُبَّما كانَتْ بِالإقْتارِ، فَرُبَّما عَصى فَوَسَّعَ عَلَيْهِ إهانَةً لَهُ، وهَذا لِمَن يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهِ الشَّقاءَ فَيُعَجِّلُ لَهُ طَيِّباتِهِ في الدُّنْيا اسْتِدْراجًا، ورُبَّما عَصى فَضَيَّقَ عَلَيْهِ إكْرامًا [لَهُ] لِأنَّ ذَلِكَ يُكَفِّرُ عَنْهُ، وفي الصَّحِيحِ في حَدِيثِ أقْرَعَ وأبْرَصَ وأعْمى في بَنِي إسْرائِيلَ شاهِدٌ عَظِيمٌ لِذَلِكَ.

ولَمّا زَجَرَ عَنِ اعْتِقادِ أنَّ التَّوْسِعَةَ لِلْكِرامِ والتَّضْيِيقَ لِلْهانَةِ، ذَكَرَ أنَّ مِعْيارَ مَن جَبَلَ عَلى حُبِّ الطّاعَةِ ومَن جَبَلَ عَلى [حُبِّ] المَعْصِيَةِ بُغْضُ الدُّنْيا وحُبُّها، فَقالَ [مُعْرِبًا] عَنْ كَلامِ الإنْسانِ في الشِّقَّيْنِ (p-٣٥)وأفْرَدَ أوَّلًا لِأنَّهُ أنَصُّ عَلى التَّعْمِيمِ وجَمَعَ ثانِيًا إعْلامًا بِأنَّ المُرادَ الجِنْسُ ﴿بَلْ﴾ أيْ يَسْتَهِينُونَ بِأمْرِ اللَّهِ بِما عِنْدَهم مِنَ العِصْيانِ، فَيُوَسِّعُ عَلى بَعْضِ مَن جَبَلَ عَلى الشَّقاءِ إهانَةً لَهُ بِالِاسْتِدْراجِ ويُضَيِّقُ عَلى [بَعْضِ] مَن لَمْ يُجْبَلْ عَلى ذَلِكَ إكْرامًا لَهُ ورَدْعًا عَنِ اتِّباعِ الهَوى ورَدّا إلى الإحْسانِ إلى الضُّعَفاءِ، وتَرْجَمَ هَذا العِصْيانَ الَّذِي هو سَبَبُ الخِذْلانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُكْرِمُونَ﴾ أيْ أكْثَرَ النّاسِ ﴿اليَتِيمَ﴾ بِالإعْطاءِ ونَحْوِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِ ورَحْمَةً لَهُ لِأنَّهُ ضَعِيفٌ لا يُرْجى مِن قِبَلِهِ نَفْع بِثَناءٍ ولا غَيْرِهِ.

89:18Page 593

وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ١٨

And you do not encourage one another to feed the poor.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَمْنَعُهُ مِن حَثٍّ غَرَّهُ عَلى الخَيْرِ إلّا حُبُّ الدُّنْيا إنْ كانَ المَحْثُوثُ أعْظَمَ مِنهُ فَيَدَّخِرُهُ لِحَوائِجِهِ وإنْ كانَ مِثْلَهُ فَإنَّهُ يَخْشى أنْ يُقارِضَهُ بِذَلِكَ فَيَحُثُّهُ عَلى مِسْكِينٍ آخَرَ، وكانَ الإحْسانُ بِالحَثِّ عَلى الإعْطاءِ أعْظَمَ مِنَ الإعْطاءِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ الإعْطاءُ بِخِلافِ العَكْسِ، قالَ: ﴿ولا تَحاضُّونَ﴾ أيْ يُحِثُّونَ حَثًّا عَظِيمًا لِأهْلِهِمْ ولا لِغَيْرِهِمْ ﴿عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ بَذْلِهِ لَهُ سَخاءً وجُودًا، فَكانَتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّهُ شَرِيكٌ لِلْغَنِيِّ في مالِهِ بِقَدْرِ الزَّكاةِ.

89:19Page 593

وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا ١٩

And you consume inheritance, devouring [it] altogether,1

(p-٣٦)ولَمّا دَلَّ عَلى حُبِّ الدُّنْيا بِأمْرٍ خارِجِيٍّ، دَلَّ عَلَيْهِ بِأمْرٍ في الإنْسانِ فَقالَ تَعالى: ﴿وتَأْكُلُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿التُّراثَ﴾ أيِ المِيراثُ، أصْلُهُ وراثَ أُبْدِلَتِ الواوُ تاءً، [و] كَأنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِهِ دَلالَةً عَلى أخْذِ الظّاهِرِ الَّذِي تُشِيرُ إلَيْهِ الواوُ، والتَّفْتِيشُ عَنِ الباطِنِ المُشارِ إلَيْهِ بِمَخْرَجِ التّاءِ تَفْتِيشًا رُبَّما أدّى إلى أخْذِ بَعْضِ مالِ الغَيْرِ: ﴿أكْلا لَمًّا﴾ أيْ ذا لَمٍّ أيْ جَمْعٍ وخَلْطٍ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ فَإنَّهم كانُوا لا يُؤَرِّثُونَ النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ [و] يَأْكُلُونَ ما جَمَعَهُ المُؤَرِّثُ وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَرامٌ ويَقُولُونَ: لا يَسْتَحِقُّ المالَ إلّا مَن يُقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ.

89:20Page 593

وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا ٢٠

And you love wealth with immense love.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَفْعَلُ عَنْ ضَرُورَةٍ [مَعَ الكَراهَةِ] قالَ ما هو صَرِيحٌ في المَقْصُودِ: ﴿وتُحِبُّونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿المالَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، وأكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ والوَصْفِ فَقالَ: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾ أيْ كَثِيرًا مَعَ حِرْصٍ وشَرَهٍ، [فَصارَ] قُصارى أمْرِهِمُ النَّظَرَ الدُّنْيَوِيَّ، ولَمْ يَصْرِفُوا أنْفُسَهم عَنْ حُبِّهِ إلى ما دَعا إلَيْهِ العَقْلُ الَّذِي يَعْقِلُ النَّفْسَ عَنِ الهَوى، والحَجْرُ الَّذِي يَحْجُرُها عَنِ الحُظُوظِ، والنُّهْيَةُ الَّتِي تَنْهاها عَنِ الشَّهَواتِ إلى الإقْبالِ عَلى اللَّهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском