Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
التغابن
At-Taghabun
The Mutual Disillusion · Medinan · 18 ayahs
64:1Page 556
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١
Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh.1 To Him belongs dominion, and to Him belongs [all] praise, and He is over all things competent.
(p-٩٩)سُورَةُ التَّغابُنِ
مَقْصُودُها الإبْلاغُ فى التَّحْذِيرِ مِمّا حَذَّرَتْ مِنهُ المُنافِقُونَ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ القاطِعِ عَلى أنَّهُ مِنَ العِرْضِ عَلى الدَّيْنُونَةِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمَ الجَمْعِ الأعْظَمِ، واسْمُها التَّغابُنُ واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ،[و] هو أدَلُّ ما فِيها عَلَيْهِ لِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِهِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ مالِكِ المُلْكِ فَلا كُفُؤَ لَهُ ولا مَثِيلَ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي وسِعَ الخَلائِقَ بِرُّهُ الجَلِيلُ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ مِمَّنْ عَمَّهُ بِالبَرِّ قَوْمًا فَوْقَهم لِلْجَمِيلِ.
* *
لَمّا خُتِمَتْ تِلْكَ بِإثْباتِ القَهْرِ بِنُفُوذِ الأمْرِ وإحاطَةِ العِلْمِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِإحاطَةِ الحَمْدِ ودَوامِ التَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، إرْشادًا إلى النَّظَرِ في أفْعالِهِ والتَّفَكُّرِ في مَصْنُوعاتِهِ لِأنَّهُ الطَّرِيقُ إلى مَعْرِفَتِهِ، وأمّا مَعْرِفَتُهُ بِكُنْهِ الحَقِيقَةِ فَمُحالٌ فَإنَّهُ لا يَعْرِفُ الشَّيْءَ كَذَلِكَ إلّا مِثْلَهُ ولا مِثْلَ لَهُ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما أفْهَمَهُ أوَّلَ الجُمْعَةِ: ﴿يُسَبِّحُ﴾ أيْ يُوقِعُ التَّنْزِيهَ التّامَّ مَعَ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿لِلَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الأراضِي وما فِيها فَلا يُرِيدُ مِن شَيْءٍ مِنهُ شَيْئًا إلّا كانَ عَلى وفْقِ الإرادَةِ، فَكانَ لِذَلِكَ الكَوْنِ والكائِنِ (p-١٠٠)شاهِدًا لَهُ بِالبَراءَةِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ.
ولَمّا كانَ الخِطابُ مَعَ مَن تَقَدَّمَ في آخِرِ المُنافِقِينَ مِمَّنْ هو مُحْتاجٌ إلى التَّأْكِيدِ، قالَ مُؤَكِّدًا بِإعادَةِ المَوْصُولِ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيْ كَذَلِكَ بِدَلالَتِها عَلى كَمالِهِ واسْتِغْنائِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مُوافَقَةَ العاقِلِ لِلْأمْرِ مِثْلَ مُوافَقَةِ غَيْرِ العاقِلِ لِلْإرادَةِ، فَعَلَيْهِ أنْ يُهَذِّبَ نَفْسَهُ غايَةَ التَّهْذِيبِ فَيَكُونُ في طاعَتِهِ بِامْتِثالِ الأوامِرِ كَطاعَةِ غَيْرِ العاقِلِ في امْتِثالِهِ لِما يُرادُ مِنهُ.
ولَمّا ساقَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ كَمالَ نَزاهَتِهِ عَلى وجْهٍ يَفْهَمُ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ لِمَن لَهُ لُبٌّ كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ إذا لَمْ يَكُنْ مَطْبُوعًا، كَما لا تَنْفَعُ الشَّمْسُ [و]ضَوْءُ العَيْنِ مَمْنُوعٌ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ جَعَلَهم مَظْرُوفِينَ كَما هو المُشاهَدُ، والمَظْرُوفُ مُحْتاجٌ لِوُجُودِ ظَرْفِهِ قَبْلَهُ فَهو عاجِزٌ فَهو مُسَبِّحٌ دائِمًا إنْ لَمْ يَكُنْ بِلِسانٍ قالَهُ كانَ بِلِسانِ حالِهِ، وصانِعُهُ الغَنِيُّ عَنِ الظَّرْفِ فَغَيْرُهُ سَبُوحٌ، [عَلَّلَ] ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿المُلْكُ﴾ [أيْ] كُلُّهُ مُطْلَقًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو السِّيادَةُ العامَّةُ لِلْخاصِّ والعامِّ والسِّياسَةُ العامَّةُ بِرُكْنَيْها دَفْعُ الشُّرُورِ وجَلْبُ الخُيُورِ الجالِبُ لِلسُّرُورِ (p-١٠١)والحُبُورُ مِنَ الإبْداعِ والإعْدامِ، فَهو أبْلَغُ مِمّا في الجُمْعَةِ، فَإنَّ المُلْكَ قَدْ يَكُونُ مُلْكًا في الصُّورَةِ، وذَلِكَ المُلْكُ الَّذِي هو ظاهِرٌ فِيهِ لِغَيْرِهِ، فَداوَمَ التَّسْبِيحَ الَّذِي اقْتَضَتْهُ عَظَمَةُ المَلِكِ هُنا أعْظَمُ مِن ذَلِكَ الدَّوامِ.
ولَمّا أتْبَعُهُ في الجُمْعَةِ التَّنْزِيهُ عَنِ النَّقْصِ، أتْبَعَهُ هُنا الوَصْفُ بِالكَمالِ فَقالَ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الحَمْدُ﴾ أيِ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ كُلِّها فَلِذَلِكَ يُنَزِّهُهُ جَمِيعُ مَخْلُوقاتِهِ، فَمَن فَهِمَ تَسْبِيحَها فَذَلِكَ [المُحْسِنُ]، ومَن كانَ في طَبْعِهِ وفِطْرَتِهِ الأُولى بِالفَهْمُ ثُمَّ ضَيَّعَهُ يُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ فَيَفْهَمُ، ومَن لَمْ يُهَيَّأْ لِذَلِكَ فَذَلِكَ الضّالُّ الَّذِي لا حِيلَةَ فِيهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ شَيْءٍ مُمْكِنٍ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ المَشِيئَةُ ﴿قَدِيرٌ﴾ لِأنَّهُ وحْدَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُطْلَقًا عَلِيمٌ، لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ المُقْتَضِيَةَ لِلْقُدْرَةِ إلى الأشْياءِ كُلِّها عَلى حَدٍّ سَواءٍ وهَذا واضِحٌ جِدًّا، ولِأنَّ مَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالنَّقْصِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالكَمالِ وقُوَّةِ السُّلْطانِ والجَلالِ.
وقالَ [الإمامُ] أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لَمّا بَسَطَ في السُّورَتَيْنِ قَبِلَ مِن حالِ مَن حَمَلَ التَّوْراةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلْها، وحالَ المُنافِقِينَ المُتَظاهِرِينَ بِالإسْلامِ، وقُلُوبُهم كُفْرًا وعِنادًا مُتَكاثِفَةَ الإظْلامِ، وبَيَّنَ خُرُوجَ الطّائِفَتَيْنِ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ، وتَنَكُّبُهم عَنْ هُدى الدِّينِ القَوِيمِ، وأوْهَمَ ذِكْرَ اتِّصافِهِمْ بِمُتَحَدِّ أوْصافِهِمْ خُصُوصُهم في الكُفْرِ بِوَسْمِ الِانْفِرادِ وسْمًا يُنْبِئُ عَنْ عَظِيمِ ذَلِكَ الإبْعادِ، سِوى ما (p-١٠٢)تَناوَلَ غَيْرُهم مِن أحْزابِ الكُفّارِ، فَأنْبَأ تَعالى [عَنْ] أنَّ الخَلْقَ بِجُمْلَتِهِمْ وإنْ تَشَعَّبَتِ الفِرَقُ وافْتَرَقَتِ الطُّرُقُ راجِعُونَ بِحُكْمِ السَّوابِقِ إلى طَرِيقَيْنِ فَقالَ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] وقَدْ أوْضَحْنا الدَّلائِلَ أنَّ المُؤْمِنِينَ عَلى دَرَجاتٍ، و[أهْلُ] الكُفْرِ ذُو طَبَقاتٍ، وأهْلُ النِّفاقِ أدْوَنُهم حالًا وأسْوَأُهم كُفْرًا وضَلالًا ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْزِيهِ لِعَظِيمِ مُرْتَكَبِ المُنافِقِينَ في جَهْلِهِمْ ولَوْ لَمْ تَنْطَوِ سُورَةُ المُنافِقِينَ مِن عَظِيمِ مُرْتَكَبِهِمْ إلّا عَلى ما حَكاهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وقَدْ أشارَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤] إلى ما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مِنَ الآياتِ إلى سُوءِ جَهْلِ المُنافِقِينَ وعَظِيمِ حِرْمانِهِمْ في قَوْلِهِمْ بِألْسِنَتِهِمْ مِمّا لَمْ تَنْطَوِ عَلَيْهِ قُلُوبُهم ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] واتِّخاذُهم أيْمانَهم جُنَّةً وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إلى ما وصَفَهم سُبْحانَهُ بِهِ، فافْتَتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى سُورَةَ التَّغابُنِ بِتَنْزِيهِهِ عَمّا تَوَهَّمُوهُ مِن مُرْتَكَباتِهِمُ الَّتِي لا تَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [التغابن: ٤] فَقَرَعَ ووَبَّخَ في عِدَّةِ آياتٍ ثُمَّ (p-١٠٣)أشارَ إلى ما مَنَعَهم مِن تَأمُّلِ الآياتِ، وصَدِّهِمْ عَنِ اعْتِبارِ المُعْجِزاتِ، وأنَّهُ الكِبَرُ المُهْلِكُ غَيْرَهُمْ، فَقالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ سَلَفِهِمْ في هَذا المُرْتَكِبِ، مِمَّنْ أعْقَبَهُ ذَلِكَ ألِيمَ العَذابِ وسُوءَ المُنْقَلَبِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا﴾ [التغابن: ٦] ثُمَّ تَناسَجَ الكَلامُ مَعْرُفًا بِمَآلِهِمُ الأُخْرَوِيِّ ومَآلِ غَيْرِهِمْ إلى قَوْلِهِ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التغابن: ١٠] ومُناسَبَةُ ما بَعْدُ يَتَبَيَّنُ في التَّفْسِيرِ بِحَوْلِ اللَّهِ - انْتَهى.
64:2Page 556
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢
It is He who created you, and among you is the disbeliever, and among you is the believer. And Allāh, of what you do, is Seeing.
ولَمّا كانَ أعْظَمُ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ آياتِ الآفاقِ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ [فصلت: ٥٣] وآياتِ الأنْفُسِ، وقَدَّمَ الأوَّلَ عُلْوِيَّهُ وسُفْلِيَّهُ لِوُضُوحِهِ، أتْبَعَهُ الثّانِي دَلِيلًا عَلى عُمُومِ قُدْرَتِهِ الدّالِّ عَلى تَمامٍ مُلْكِهِ بِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِالِاخْتِراعِ لِأعْجَبِ الأشْياءِ خَلْقًا والحَمْلُ عَلى المَكارِهِ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيْ أنْشَأكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِأنْ قَدَّرَكم وأوْجَدَكم بِالحَقِّ عَلى وفْقِ التَّقْدِيرِ خِلافًا لِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وأهْلِ الطَّبائِعِ.
ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المُنافِقِينَ ما أعْلَمَ أنَّهم فَرِيقانِ، عَرَفَ في هَذِهِ أنَّ ذَلِكَ مُسَبِّبٌ عَنْ إبْداعِهِ لِأنَّ مِن مَعْهُودِ المُلْكِ أنْ يَكُونَ في مَمْلَكَتِهِ الوَلِيُّ والعَدُوُّ والمُؤالِفُ والمُخالِفُ والطّائِعُ والعاصِي والمَلِكُ يَنْتَقِمُ ويَعْفُو ويُعاقِبُ ويُثِيبُ ويُقَدِّمُ ويُؤَخِّرُ ويَرْفَعُ ويَضَعُ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا فَتَسْتَغْفِرُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكم ثُمَّ جاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيُغْفَرُ لَهُمْ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ (p-١٠٤)أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ تَعالى مُقَدِّمًا لِلْعَدُوِّ إشارَةً إلى أنَّهُ عالِمٌ بِهِ وقادِرٌ عَلَيْهِ، وما كانَ مِنهُ شَيْئًا إلّا بِإرادَتِهِ، وفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى أنَّهُ الأكْثَرُ ومَعَ كَثْرَتِهِ هو الأضْعَفُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ مَعَهُ بِمَعُونَتِهِ وإلّا لَأعْدَمَ الصِّنْفَ الآخَرَ: ﴿فَمِنكُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ خَلْقِهِ لَكم وتَقْدِيرِهِ لِأشْباحِكُمُ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها الأخْلاقُ إنْ كانَ مِنكم بِإبْداعِهِ لِصِفاتِكم كَما أبْدَعَ لِذَواتِكم ﴿كافِرٌ﴾ أيْ عَرِيقٌ في صِفَةِ الكُفْرِ مُهْلِكٌ نَفْسَهُ بِما هَيَّأهُ لِاكْتِسابِهِ ويُسْرِهِ لَهُ بَعْدَ ما خَلَقَهُ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى، وفي الحَدِيثِ أنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ طُبِعَ كافِرًا فَمَعْنى أنَّ فِطْرَتَهُ الأُولى خُلِقَتْ مُهَيَّأةً لِلْكُفْرِ، فَإنَّ الأفْعالَ عامَّةٌ وخاصَّةٌ، فالخاصَّةُ تُضافُ إلى العَبْدِ يُقالُ: صَلّى وصامَ وآمَنَ وكَفَرَ، والعامَّةُ تُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيُقالُ: أوْجَدَ القُدْرَةَ عَلى الحَرَكَةِ والسُّكُونِ وخَلْقِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، والأفْعالُ الخاصَّةُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ أيْ راسِخٌ في الإيمانِ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى في الأزَلِ مُنْجٍ نَفْسَهُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي طابَقَ بِها العِلْمُ الأزَلِيُّ، فَهو سُبْحانُهُ خَلَقَ الكافِرَ وخَلَقَ كُفْرَهُ فِعْلًا لَهُ، والمُؤْمِنُ وإيمانُهُ فِعْلًا لَهُ، لِأنَّهُ خَلَقَ القُدْرَةَ (p-١٠٥)والِاخْتِيارَ وغَيَّبَ أمْرَ العاقِبَةِ، فَكُلٌّ مِنهُما يَكْتُبُ بِاخْتِيارِهِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، ولا يُوجَدُ مِن كُلٍّ مِنهُما إلّا ما قَدَّرَهُ عَلَيْهِ وأرادَهُ مِنهُ لِأنَّ وُجُودَ غَيْرِ المَقْدُورِ عَجْزٌ، وخِلافُ المُرادِ المَعْلُومِ جَهْلٌ، وقَدْ عَلِمَ مِن هَذِهِ القِسْمَةِ عِلْمًا قَطْعِيًّا أنَّ أحَدَ القِسْمَيْنِ مُبْطِلٌ ضالٌّ مُخالِفٌ لِأمْرِ المَلِكِ الَّذِي ثَبَتَ مُلْكُهُ، ومِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ كُلَّ مَلِكٍ لا بُدَّ لَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَ رَعِيَّتِهِ في [الأمْرِ] الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ويُنْصِفُ المَظْلُومَ مِن ظالِمِهِ، ومِنَ المُشاهَدِ أنَّ بَعْضَهم يَمُوتُ عَلى كُفْرانِهِ مِن غَيْرِ نَقْصٍ يَلْحَقُهُ، وبَعْضُهم عَلى إيمانِهِ كَذَلِكَ، فَعَلِمَ أنَّ هَذِهِ الدّارَ لَيْسَتْ دارَ الفَصْلِ، وأنَّ الدّارَ المُعَدَّةَ لَهُ إنَّما هي بَعْدَ المَوْتِ والبَعْثِ، وهَذا مِمّا هو مَرْكُوزٌ في الطَّبائِعِ لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ، ولَكِنَّ الخَلْقَ أعْرَضُوا عَنْهُ بِما هم فِيهِ مِنَ القَواطِعِ، فَصارَ مِمّا لا يَخْطُرُ بِإنْكارِهِمْ، فَصارَ بِحَيْثُ لا تَسْتَقِلُّ بِهِ عُقُولُهُمْ، ولَكِنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِهِ وأوْضَحَتْ لَهم هَذِهِ القَواطِعُ الَّتِي أشارَ سُبْحانَهُ إلَيْها وجَرَّدُوا النَّفْسَ عَنِ الحُظُوظِ والمُرُورِ مَعَ الإلْفِ عَدُّوهُ كُلُّهم مِنَ الضَّرُورِيّاتِ، وعَلِمَ مِن تَسْبِيبِهِ تَقْسِيمَهم هَذا عَنْ تَقْدِيرِهِ وُجُوبَ [الإيمانِ] بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فالَّذِي أبْدَعَكم وحَمَلَكم عَلى ذَلِكَ وفاوَتَ بَيْنَكم (p-١٠٦)عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، وقَدَّمَ الجارَّ لا لِلتَّخْصِيصِ بَلْ إشارَةً إلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ كَما تَقُولُ لِمَن سَألَكَ: هَلْ تَعْرِفُ كَذا، وظَهَرَ مِنهُ التَّوَقُّفُ في عِلْمِكَ لَهُ: نَعَمْ أعْرِفُهُ ولا أعْرِفُ غَيْرَهُ، فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُوقِعُونَ عَمَلَهُ كَسْبًا ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِذَلِكَ، فَهو الَّذِي خَلَقَ جَمِيعَ أعْمالِكُمُ الَّتِي نُسِبَ كَسْبُها إلَيْكُمْ، وهو خالِقُ جَمِيعِ الِاسْتِعْداداتِ والصِّفاتِ كَما خَلَقَ الذَّواتِ خِلافًا لِلْقَدَرِيَّةِ لِأنَّهُ لا يَتَصَوَّرُ أنْ يَخْلُقَ الخالِقُ ما لا يَعْلَمُهُ، ولَوْ سُئِلَ الإنْسانُ كَمْ مَشى في يَوْمِهِ مِن خُطْوَةٍ لَمْ يَدْرِ، فَكَيْفَ لَوْ سُئِلَ أيْنَ مَوْضِعُ مَشْيِهِ ومَتى زَمانُهُ فَكَيْفَ وإنَّهُ لِيَمْشِي أكْثَرَ مَشْيِهِ وهو غافِلٌ عَنْهُ، ومِن جَهْلِ أفْعالِهِ كَمًّا وكَيْفًا وأيْنًا وغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ خالِقًا لَها بِوَجْهٍ.
64:3Page 556
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣
He created the heavens and earth in truth and formed you and perfected your forms; and to Him is the [final] destination.
ولَمّا ذَكَرَ المَظْرُوفَ ذَكَرَ ظَرْفَهُ دالًّا عَلى تَمامِ إحاطَتِهِ بِالبَواطِنِ، والظَّواهِرِ بِأنَّهُ يَخْلُقُ الشَّيْءَ العَظِيمَ جِدًّا فَيَأْتِي عَلى وفْقِ الإرادَةِ ثُمَّ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُزادَ فِيهِ ولا أنْ يَنْقُصَ مِنهُ فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ الَّتِي هي السَّقْفُ لِبَيْتِ عَبِيدِ المَلِكِ عَلى كِبَرِها وعُلُوِّها كَما تَرَوْنَ ﴿والأرْضَ﴾ الَّتِي هي قَرارُ بَيْتِهِمْ ومِهادُهُ عَلى سِعَتِها وما فِيها مِنَ المَرافِقِ والمُعاوِنِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ فَلا زائِدًا عَنْهُ ولا ناقِصًا بَلْ جاءَ الواقِعُ مِنها مُطابِقًا لِما أرادَ سَواءٌ لا كَما يُرِيدُ أحَدُنا الشَّيْءَ فَإذا (p-١٠٧)أوْجَدَهُ لَمْ يَكُنْ عَلى وفْقِ مُرادِهِ سَواءٌ، وبِسَبَبِ إظْهارِ الأمْرِ الثّابِتِ وإبْطالِ الباطِلِ فَهو خالِقُ المَسْكَنَيْنِ: الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، خِلافًا لِمَن لا يَقُولُ بِذَلِكَ مِن صابِئٍ وفَلْسَفِيٍّ وغَيْرِهِمْ.
ولَمّا كانَ أهْلُ الطَّبائِعِ يَقُولُونَ: إنَّ الأفْلاكَ لَها تَأْثِيرٌ بِحَسَبِ الذّاتِ والطَّبْعِ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ مُذَكِّرًا بِنِعْمَتِهِ لِتَشْكُرَ: ﴿وصَوَّرَكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُخاطِبُونَ عَلى صُوَرٍ لا تُوافِقُ شَيْئًا مَن صُوَرِ العُلْوِيّاتِ ولا السُّفْلِيّاتِ ولا فِيها صُورَةٌ تُوافِقُ الأُخْرى مِن كُلِّ وجْهٍ ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ فَجَعَلَها أحْسَنَ صُوَرِ الحَيَواناتِ كُلِّها كَما هو مُشاهَدٌ في الدُّنْيا وكَذا في الآخِرَةِ خِلافًا لِأهْلِ التَّناسُخِ مَعَ أنَّ وضْعَها في نَفْسِها أحْسَنُ الأوْضاعِ، لَوْ غَيَّرَ شَيْءٌ مِنها عَنْ مَكانِهِ إلى شَيْءٍ مِمّا نَعْلَمُهُ فَحَصَلَتِ البَشاعَةُ بِهِ مَعَ تَفْضِيلِ الآدَمِيِّ بِتَزْيِينِهِ بِصَفْوَةِ أوْصافِ الكائِناتِ وجَعَلَ سُبْحانَهُ أعْضاءَ مُتَصَرِّفَةً بِكُلِّ ما يَتَصَرَّفُ بِهِ أعْضاءُ سائِرِ الحَيَوانِ مَعَ زِياداتٍ اخْتَصَّ بِها الآدَمِيُّ إلى حُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، فَهو أحْسَنُ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّوْعِ مِن حَيْثُ هو هُوَ، وبِالنِّسْبَةِ إلى الأفْرادِ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ كانَ بَعْضُها أحْسَنَ مِن بَعْضٍ، فَقُبْحِ القَبِيحِ مِنهُ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى أحْسَنَ مِنهُ، ولِذا قالَ الحُكَماءُ، شَيْئانِ لا غايَةَ لَهُما: الجَمالُ والبَيانُ، فَخَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ (p-١٠٨)لِلنَّوْعِ الَّذِي جَعَلَ أحْسَنَ أفْرادِ أنْواعٍ لِما فَوْقَهُ مِنَ الجِنْسِ، لا نِهايَةَ لِأحْسَنِيَّةِ بَعْضِها بِالنِّسْبَةِ [إلى بَعْضٍ] يُشاهِدُ ما وجَدَ مِن أفْرادِ نَوْعِهِ مِنَ الذَّواتِ فَقُدْرَةُ اللَّهِ لا تَتَناهى، فَإيّاكَ أنْ تُصْغِيَ لِما وقَعَ في كُتُبِ الإمامِ الغَزالِيِّ أنَّهُ لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعَ مِمّا كانَ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ وأجابَ عَنْهُ في الكِتابِ الَّذِي أجابَ فِيهِ عَنْ أشْياءَ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِيها فَإنَّهُ لا عِبْرَةَ بِذَلِكَ الجَوابِ أيْضًا، فَإنَّ ذَلِكَ يَنْحَلُّ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ أحْسَنَ مِن هَذا العالَمِ، وهَذا لا يَقُولُهُ أحَدٌ، وهو لا يُنْقِصُ مِقْدارَ الغَزالِيِّ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يُؤْخَذُ مِن كَلامِهِ ويُرَدُّ كَما قالَ الإمامُ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَزاهُ الغَزالِيُّ بِنَفْسِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ: صَنَّفْتُ هَذِهِ الكُتُبُ وما ألَوْتُ فِيها جُهْدًا وإنِّي لَأعْلَمُ أنَّ فِيها الخَطَأ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانَ مِنهُ سُبْحانَهُ المَبْدَأ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿المَصِيرُ﴾ أيْ بَعْدِ البَعْثِ بِعَيْنِ القُدْرَةِ الَّتِي قَدَّرَ بِها عَلى البَدْأةِ فَمَن كانَ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى لَمْ يُغَيِّرْها أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، ومَن كانَ قَدْ أفْسَدَها فَجَعَلَ رُوحَهُ نَفَسًا بِما طَبَعَها بِهِ مِن حَيْثُ جَسَّدَهُ أدْخَلَهُ (p-١٠٩)النّارَ، وفي الدُّنْيا أيْضًا بِانْفِرادِهِ بِالتَّدْبِيرِ، فَلا يَكُونُ مِنَ المَلِكِ والسُّوقَةِ إلّا ما يُرِيدُ، [لا ما يُرِيدُ] ذَلِكَ المُرِيدُ الفاعِلُ.
64:4Page 556
يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤
He knows what is within the heavens and earth and knows what you conceal and what you declare. And Allāh is Knowing of that within the breasts.
ولَمّا تَقَرَّرَ بِما مَضى إحاطَةُ قُدْرَتِهِ بِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِن إبْداعِهِ لِلْخَلْقِ عَلى هَذا الوَجْهِ المُحْكَمِ وشَهِدَ البُرْهانُ القاطِعُ بِأنَّ ذَلِكَ صَنَعَهُ وحْدَهُ، لا فِعْلَ فِيهِ لِطَبِيعَةٍ ولا غَيْرِها، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ شُمُولِ عِلْمِهِ إشارَةً إلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ تامَّ العِلْمِ فَهو ناقِصُ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ عِلْمُهُ حاصِلٌ في الماضِي، والحالُ والمَآلُ يَتَعَلَّقُ بِالمَعْلُوماتِ عَلى حَسَبِ تَعْلِيقِ قُدْرَتِهِ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ بِوِجْدانِها ﴿ما﴾ أيِ الَّذِي أوْ كُلُّ شَيْءٍ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ كُلِّها.
ولَمّا كانَ الكَلامُ بَعْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ البَدِيهِيِّ عَلى جَمِيعِ أُصُولِ الدِّينِ مَعَ الخُلَّصِ لِأنَّ بَداهَةَ الأدِلَّةِ قادَتْهم إلى الِاعْتِقادِ أوْ إلى حالٍ صارُوا فِيهِ أهْلًا لِلِاعْتِقادِ، والتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ أهْلِ السَّدادِ، ولَمْ يُؤَكِّدْ بِإعادَةِ المَوْصُولِ بَلْ قالَ: ﴿والأرْضِ﴾ ولَمّا ذَكَرَ حالَ الظَّرْفِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ المَظْرُوفَ، وكانَ الِاطِّلاعُ عَلى أحْوالِ العُقَلاءِ أصْعَبَ، قالَ مُؤَكِّدًا بِإعادَةِ العامِلِ: ﴿ويَعْلَمُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿ما تُسِرُّونَ﴾ (p-١١٠)أيْ حالَ الِانْفِرادِ وحالَ الخُصُوصِيَّةِ مَعَ بَعْضِ الإفْرادِ. ولَمّا كانَتْ لِدِقَّتِها وانْتِشارِها بِحَيْثُ يُنْكِرُ بَعْضَ الضُّعَفاءِ الإحاطَةَ بِها، وكانَ الإعْلانُ رُبَّما خَفِيَ لِكَثْرَةِ لَغَطِ واخْتِلاطِ أصْواتٍ ونَحْوِ ذَلِكَ أكَّدَ فَقالَ: ﴿وما تُعْلِنُونَ﴾ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزَيْئاتِ خِلافًا لِمَن يَقُولُ: يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ [فَقَطْ] و[لا يَعْلَمُ] الجُزْئِيّاتِ إلّا بَعْدَ وُجُودِها، مِن فَلْسَفِيٍّ وغَيْرِهِ، ولِمَن يَقُولُ: [يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ] خاصَّةً. ولَمّا ذَكَرَ حالَ المَظْرُوفِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ ظُرُوفَهُ وهي الصُّدُورُ، وكانَ أمْرُها أعْجَبَ مِن أمْرِ غَيْرِها، قالَ مُصَرِّحًا بِها إشارَةً إلى دِقَّةِ أمْرِها مُظْهِرًا مَوْضِعَ [الإضْمارِ] تَعْظِيمًا: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ لِكُلِّ كَمالٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ ﴿بِذاتِ﴾ أيْ صاحِبَةِ ﴿الصُّدُورِ﴾ مِنَ الأسْرارِ والخَواطِرِ الَّتِي لَمْ تُبْرَزْ إلى الخارِجِ سَواءٌ كانَ صاحِبَ الصَّدْرِ قَدْ عَلِمَها أوْ لا، وعِلْمُهُ لِكُلِّ ذَلِكَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا تَفاوُتَ فِيهِ بَيْنَ عِلْمِ الخَفِيِّ وعِلْمِ الجَلِيِّ، لِأنَّ نِسْبَةَ المُقْتَضِي لِعِلْمِهِ وهو وُجُودُ ذاتِهِ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ إلى الكُلِّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَراقِبُوهُ في الإخْلاصِ وغَيْرِهِ مُراقَبَةَ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ بِعَيْنِهِ لا يَغِيبُ عَنْهُ واحْذَرُوا أنْ يُخالِفَ السِّرَّ العَلانِيَةَ، فَإنَّ حَقَّهُ أنْ يَتَّقِيَ ويُحَذِّرَ، وتَكْرِيرُ العِلْمِ في مَعْنى (p-١١١)تَكْرِيرِ الوَعِيدِ وتَقْدِيمِ تَقْرِيرِ القُدْرَةِ عَلى تَقْرِيرِهِ لِأنَّ دَلالَةَ المَخْلُوقاتِ عَلى قُدْرَتِهِ أوَّلًا وبِالذّاتِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ يَسْتَلْزِمُ كَمالَ عِلْمِهِ لِأنَّ مَن لا يُكْمِلُ عِلْمَهُ لا تُتِمُّ قُدْرَتُهُ، فَلا يَأْتِي مَصْنُوعَهُ مُحْكَمًا.
64:5Page 556
أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٥
Has there not come to you the news of those who disbelieved before? So they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
ولَمّا تَقَرَّرَ الإيمانُ بِهِ مِن أنَّهُ المَلِكُ الَّذِي لَهُ وحْدَهُ المَلِكُ، وأشارَ بِما يُشاهِدُ مِنَ انْقِسامِ عَبِيدِهِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ إلى أنَّهُ لا مِنَ الأخْذِ عَلى يَدِ الظّالِمِ مِنهُما كَما هي عادَةُ المُلُوكِ، لا يُسَوِّغُ في الحِكْمَةِ ولا في العادَةِ غَيْرُ ذَلِكَ، وأخْبَرَ أنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ لِنِسْبَتِهِ إلى العَلَوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ والظَّواهِرِ والبَواطِنِ عَلى حَدٍّ سَواءَ، أتَبْعَ ذَلِكَ وُجُوبُ الإيمانِ بِرُسُلِهِ لِجَمْعِ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِنُكْمِلَ الحَياةَ بِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ لِئَلّا يَقَعَ الخِلافُ فَتُفْسِدُ الحَياةَ ووُجُوبَ الِاعْتِبارِ لِمَن مَضى مِن أُمَمِهِمْ، فَمَن لَمْ يَعْتَبِرْ عَثَرَ عَلى مَهْواهُ مِنَ الأمَلِ، ودَلَّ عَلَيْهِ بِإهْلاكِهِ مَن خالَفَهم إهْلاكًا مُنَسَّقًا في خَرْقِهِ لِلْعادَةِ وخُصُوصِهِ لَهم عَلى وجْهٍ مُقَرَّرٍ ما مَضى مِنَ انْفِرادِهِ بِالمُلْكِ مُعْلِمٌ أنَّ الكَفَرَةَ هُمُ المُبْطِلُونَ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ أيُّها النّاسُ ولا سِيَّما الكُفّارُ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ شامِلُ العِلْمِ مُحِيطُ القُدْرَةِ يَنْتَقِمُ مِنَ المُسِيءِ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ﴾ وعَبَّرَ بِما يَشْمَلُ شَدِيدَ الكُفْرِ وضَعِيفَهُ فَقالَ: ﴿كَفَرُوا﴾ أيْ خَبَرَهُمُ العَظِيمُ.
ولَمّا كانَ المُهْلِكُونَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ بَعْضَ الكُفّارِ وهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، فَلَمْ يَسْتَغْرِقُوا ما مَضى مِنَ الزَّمانِ قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ (p-١١٢)كالقُرُونِ المَذْكُورِينَ في الأعْرافِ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ كُفْرِهِمْ وعَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿فَذاقُوا﴾ أيْ باشَرُوا مُباشَرَةَ الذّائِقِ بِالعَدْلِ الثّانِي كَما كانَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَدْلِ الأوَّلِ بِالتَّقْسِيمِ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ ﴿وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ شِدَّةِ ما كانُوا فِيهِ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُشاوَرَ فِيهِ ويُؤْمَرَ ويُنْهى وثِقَلُهُ ووَخامَةُ مَرْعاهُ في الدُّنْيا، وأصْلُهُ الثِّقَلُ كَيْفَما قَلَبَ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ مَعَ ما ذاقُوهُ بِسَبَبِهِ في الدُّنْيا ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في البَرْزَخِ ثُمَّ القِيامَةِ الَّتِي هي مَوْضِعُ الفَصْلِ الأعْظَمِ.
64:6Page 556
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ٦
That is because their messengers used to come to them with clear evidences, but they said, "Shall human beings guide us?" and disbelieved and turned away. And Allāh dispensed [with them]; and Allāh is Free of need and Praiseworthy.
ولَمّا ذَكَرَ ما أحَلَّهُ بِهِمْ سُبْحانَهُ وأشارَ إلى القَطْعِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ بِاتِّساقِهِ في خَرْقِهِ العَوائِدَ بِالِاسْتِئْصالِ والخُصُوصِ لِمَن كَذَّبَ الرُّسُلَ والتَّنْجِيَةُ لِمَن صَدَّقَهُمْ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ الشَّنِيعُ العَظِيمُ مِنَ الوَبالِ الدّالِّ قَطْعًا عَلى أنَّ الكُفْرَ أبْطَلُ الباطِلِ وأنَّهُ مِمّا يُغْضِبُ الخالِقَ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُها كَمَقْصُودِ غافِرٍ مِن تَصْنِيفِ النّاسِ صِنْفَيْنِ، وإنَّما حَصَلَ تَصْنِيفُهم هُنا بِالعَرْضِ لِلدَّلالَةِ عَلى السّاعَةِ اكْتَفى بِضَمِيرِ الشَّأْنِ فَقالَ: ﴿بِأنَّهُ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ الشَّأْنَ العَظِيمَ البالِغَ في الفَظاعَةِ ﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ﴾ عَلى عادَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ ﴿رُسُلُهُمْ﴾ أيْ رُسُلُ اللَّهِ الَّذِينَ أرْسَلَهم إلَيْهِمْ وخَصَّهم بِهِمْ لِيَكُونُوا مَوْضِعَ سُرُورِهِمْ بِهِمْ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ الأُمُورِ الَّتِي تُوَضِّحُ غايَةَ الإيضاحِ أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ مِنَ الكُتُبِ وغَيْرِها، فَشَهِدُوا الأمْرَ مِن مَعْدِنِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ عَذابُهم أشَدَّ.
(p-١١٣)ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ أوْدَعَ الإنْسانَ مِن جُمْلَةِ ما مَنَحَهُ بِهِ خاصَّةً لَطِيفَةً وهي العِزَّةُ وحَبُّ الكِبَرِ والعُلُوِّ، فَمَن وضَعَها مَوْضِعَها [بِالتَّكَبُّرِ] عَلى مَن أمَرَ اللَّهُ بِالتَّكَبُّرِ عَلَيْهِ وهم شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ مِمَّنْ عَصاهُ سُبْحانَهُ نَجا، ومَن وضَعَها في غَيْرِ مَوْضِعِها بِالتَّكَبُّرِ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ رَبِّ العِزَّةِ هَلَكَ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ وضَعُوها في غَيْرِ مَوْضِعِها: ﴿فَقالُوا﴾ أيِ الكُلُّ لِرُسُلِهِمْ مُنْكِرِينَ غايَةَ الإنْكارِ تَكَبُّرًا: ﴿أبَشَرٌ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ وهو مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ يَطْلَبُ الفِعْلَ، ولَمّا كانَ تَكْذِيبُ الجَمْعِ أعْظَمَ، وكانَ لَوْ أفْرَدَ الضَّمِيرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَوْعَةُ الجَمْعِ قالَ: ﴿يَهْدُونَنا﴾ فَأنْكَرُوا عَلى المَلِكِ الأعْظَمِ إرْسالَهُ لَهم ﴿فَكَفَرُوا﴾ بِذَلِكَ عَقِبَ مَجِيءِ الرُّسُلِ وبِسَبَبِهِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ وتَفَكُّرٍ وأدْنى تَأمُّلٍ وتَبَصُّرٍ حَسَدًا لِلرُّسُلِ لِكَوْنِهِمْ مُساوِينَ لَهم في البَشَرِيَّةِ فاسْتَبْعَدُوا أنْ يَخُصُّوا مِن بَيْنِهِمْ بِأمْرٍ ولا سِيَّما إنْ كانَ عَظِيمًا جِدًّا، فَلَزِمَهُمُ ارْتِكابَ أقْبَحِ الأُمُورِ وهو اسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ بَشَرًا مَعَ الإقْرارِ بِأنْ يَكُونَ الإلَهُ حَجَرًا ﴿وتَوَلَّوْا﴾ أيْ كَلَّفُوا أنْفُسَهم خِلافَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ الإعْراضِ عَنِ الرُّسُلِ بَعْدَ إنْكارِ رِسالَتِهِمْ لِشُبْهَةٍ قامَتْ عِنْدَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَظِيمٌ لا يُشْبِهُ البَشَرَ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ رُسُلُهُ مِن غَيْرِ البَشَرِ، ولَوْ تَأمَّلُوا حَقَّ التَّأمُّلِ لَعَلِمُوا أنَّ هَذا (p-١١٤)هَكَذا، وأنَّ الرُّسُلَ إنَّما هي مَلائِكَةٌ، لَكِنْ لَمّا كانَ لا يَقْوى جَمِيعُ البَشَرِ عَلى رُؤْيَةِ المَلائِكَةِ كَما هو مُقْتَضى العَظَمَةِ الَّتِي تَوَهَّمُوها ولَمْ يُثْبِتُوها عَلى وجْهِها، خَصَّ سُبْحانَهُ مِنَ البَشَرِ ناسًا وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقُوًى زائِدَةٍ طَوَّقَهم بِها عَلى مُعالَجَتِهِمْ، فَأتَوْا إلَيْهِمْ لِيَكُونُوا واسِطَةً بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ لِأنَّ بَعْضَ الجِنْسِ أمَيْلُ إلى بَعْضٍ وأقْبَلُ.
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ إنَّما هو لِمَصالِحِ الخَلْقِ لا يَعُودُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَزَّ شَأْنُهُ نَفْعٌ مِن وُجُودِهِ ولا يُلْحِقُهُ ضَرَرٌ مَن عَدِمَهُ ولا بِالعَكْسِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ أيْ فِعْلِ المَلِكِ الأعْظَمِ [الَّذِي] لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، فِعْلُ مَن يَطْلُبُ الغِنى عَنْهم وأوْجَدَهُ إيجادًا عَظِيمًا مِمَّنْ هَداهُ لِاتِّباعِ الرُّسُلِ فَأعْرَضَ عَنْهم حِينَ أعْرَضُوا عَنْ رُسُلِهِ فَضَرَّهم إعْراضُهُ [عَنْهُمْ] ولَمْ يَضُرُّهُ إعْراضُهم وما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم وأطْلَقَ الِاسْتِغْناءَ لِيَعُمَّ كُلَّ شَيْءٍ.
ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ قَدْ يُوهِمُ حُدُوثَ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا زِيادَةً في العَظَمَةِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ مِن غَيْرِ تَقَيُّدٍ بِحَيْثِيَّةٍ ﴿غَنِيٌّ﴾ عَنِ الخَلْقِ جَمِيعًا ﴿حَمِيدٌ﴾ لَهُ صِفَةُ الغِنى المُطْلَقِ والحَمْدِ الأبْلَغِ الَّذِي هو الإحاطَةُ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ (p-١١٥)لِيَ الدَّوامُ أزَلًا وأبَدًا، لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences