Al-Biqa'iAt‑Taghabun · 64:7–14

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

At-Taghabun 64:7–14

64:7Page 556

زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧

Those who disbelieve have claimed that they will never be resurrected. Say, "Yes, by my Lord, you will surely be resurrected; then you will surely be informed of what you did. And that, for Allāh, is easy."

ولَمّا قَرَّرَ وُجُوبَ الإيمانِ بِهِ وبِرُسُلِهِ وكُتُبِهِ وبِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، وقَسَّمَ النّاسَ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وأخْبَرَ أنَّ الكافِرَ تَكَبَّرَ عَنِ الرُّسُلِ، عَيَّنَ المُوجِبَ الأعْظَمَ لِكُفْرِهِمْ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى وُجُوبِ الإيمانِ بِالعَبَثِ وتَرْكِ القِياسِ والرَّأْيِ فَإنَّ عَقْلَ الإنْسانِ لا يَسْتَقِلُّ بِبَعْضِ أُمُورِ الإلَهِيَّةِ، مُعَبِّرًا بِما أكْثَرَ إطْلاقَهُ عَلى ما يَشُكُّ فِيهِ ويُطْلَقُ عَلى الباطِلِ إشارَةً إلى أنَّهم شاكُّونَ وإنْ كانُوا جازِمِينَ، لِكَوْنِهِمْ لا دَلِيلَ لَهُمْ، وإلى أنَّهم في نَفْسِ الأمْرِ مُبْطِلُونَ: ﴿زَعَمَ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي كُنْيَةُ الكَذِبِ، وفي حَدِيثِ أبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ أبِي داوُدَ: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا» ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التحريم: ٧] أيْ أوْقَعُوا السِّتْرَ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ العُقُولُ مِن وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ.

ولَمّا كانَ الزَّعْمُ ادِّعاءَ العِلْمِ وكانَ مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أقامَ سُبْحانَهُ مَقامَهُما قَوْلَهُ: ﴿أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [أيْ مِن باعِثٍ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ولَمّا كانَ قَدْ أشارَ سُبْحانَهُ بِنَوْعِيِ المُؤْمِنِ والكافِرِ إلى الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ الضَّرُورِيِّ عَلى وُجُودِ المُبْطِلِ اللّازِمِ مِنهُ ودَّعَهُ اللّازِمُ مِنهُ وجَبَّ البَعْثَ، اكْتَفى في الأمْرِ بِإجابَتِهِمْ بِقَوْلِهِ]: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهُمْ: ﴿بَلى﴾ أيْ لَتُبْعَثُنَّ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِصَرِيحِ القَسَمِ فَقالَ: ﴿ورَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ (p-١١٦)بِالِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَ بِي، وبِإحْقاقِ كُلِّ حَقٍّ أُمِيتُ، وإبْطالِ كُلِّ باطِلٍ أُقِيمُ ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ مُشِيرًا بِبِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ إلى أنَّهُ ويَكُونُ عَلى وجْهِ القَهْرِ لَهم بِأهْوَنِ شَيْءٍ وأيْسَرِ أمْرٍ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ أيْ لَتُخْبَرُنَّ حَتْمًا إخْبارًا عَظِيمًا مِمَّنْ يُقِيمُهُ اللَّهُ لِإخْبارِكم ﴿بِما عَمِلْتُمْ﴾ لِلدَّيْنُونَةِ عَلَيْهِ. وشَرَحَ بَعْضَ ما أفادَهُ بِناءُ الفِعْلَيْنِ لِلْمَجْهُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ عِنْدَكم مِنَ البَعْثِ والحِسابِ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ ﴿يَسِيرٌ﴾ لِقَبُولِ المادَّةِ وحُصُولِ القُدْرَةِ، وكَوْنِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ شَأْنُها، نِسْبَةُ الأشْياءِ المُمْكِنَةِ كُلِّها جَلِيلِها وحَقِيرِها إلَيْها عَلى حَدٍّ سَواءٍ.

64:8Page 556

فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٨

So believe in Allāh and His Messenger and the light [i.e., the Qur’ān] which We have sent down. And Allāh is Aware of what you do.

ولَمّا كانَ في رَدِّ قَوْلِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ مَعَ الإقْسامِ مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ إشارَةً إلى تَأمُّلِ الكَلامِ السّابِقِ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي مِنها ذَلِكَ البُرْهانُ البَدِيهِيُّ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ فَذْلَكَةٌ لِما مَضى مِنَ الأدِلَّةِ وجَمْعًا لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ والإسْلامِ والإحْسانِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا أظْهَرَ مِن أنَّ لَهُ الإحاطَةَ الكامِلَةَ بِكُلِّ شَيْءٍ وأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ ولا رادَّ لِأمْرِهِ. ولَمّا دَعاهُ هَذا إلى الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ عَقْلًا ونَقْلًا ذَكَرًا وفِكْرًا، ثَنّى بِالإيمانِ بِالرُّسُلِ مِنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ فَقالَ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيْ كُلُّ مَن أرْسَلَهُ [و]لا سِيَّما مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ (p-١١٧)عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما ثَبَتَ مِن تَصْدِيقِهِ بِالمُعْجِزاتِ مِن أنَّهُ رَسُولُهُ، ويَلْزَمُ مِنَ الإيمانِ بِهِ الإيمانُ بِمَن أبْلَغَهُ مِنَ المَلائِكَةِ. ولَمّا كانَتْ تِلْكَ المُعْجِزاتُ مُوجِباتٍ لِلْعِلْمِ كانَتْ أحَقَّ الأشْياءِ بِاسْمِ التَّوْرِ فَإنَّ النُّورَ هو المَظْهَرُ لِلْأشْياءِ بَعْدَ انْحِجابِها بِرِداءِ الظَّلامِ وكانَ أعْظَمَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ وأحَقَّها بِذَلِكَ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأعْظَمُها القُرْآنُ الَّذِي هو مَعَ إعْجازِهِ بَيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، قالَ: ﴿والنُّورِ﴾ وعَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أنْـزَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ فَكانَ مُعْجِزًا فَكانَ بِإعْجازِهِ ظاهِرًا بِنَفْسِهِ مُظْهِرًا لِغَيْرِهِ، وهَذا وإنْ كانَ [هُوَ] الواقِعُ لَكِنَّ ذِكْرَ هَذا الوَصْفِ صالِحٌ لِشُمُولِ كُلِّ ما أوْحاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى رُسُلِهِ ﷺ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ أعْظَمَهُ القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلى أشْرَفِ رُسُلِهِ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، فَهو أحَقُّ ذَلِكَ بِاسْمِ النُّورِ لِما مَضى مِن إعْجازِهِ، فَمَن آمَنَ بِهِ أدْخَلَ اللَّهُ قَلْبَهُ مِن أنْوارِ الفُهُومِ والألْطافِ والسَّكِينَةِ ما يُضِيءُ الأقْطارَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: واللَّهُ مُحاسِبُكم عَلى ما قابَلْتُمْ بِهِ إنْعامَهُ عَلَيْكم بِذَلِكَ مِن إيمانٍ وكُفْرانٍ، عُطِفَ عَلَيْهِ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، وقَدَّمَ الجارَّ لِما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةً مِن مَزِيدِ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُوقِعُونَ عَمَلَهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ (p-١١٨)﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِباطِنِهِ وظاهِرِهِ.

64:9Page 556

يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩

The Day He will assemble you for the Day of Assembly - that is the Day of Deprivation.1 And whoever believes in Allāh and does righteousness - He will remove from him his misdeeds and admit him to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.

ولَمّا أخْبَرَ بِالبَعْثِ وأقْسَمَ عَلَيْهِ، وأشارَ إلى دَلِيلِهِ السّابِقِ، وسَبَّبَ عَنْهُ ما يُنْجِي في يَوْمِهِ، ذَكَرَ يَوْمَهُ وما يَكُونُ فِيهِ لِيُحَذِّرَ فَقالَ مُتَّبِعًا ما مَضى مِن دَعائِمِ الإيمانِ دِعامَةَ اليَوْمِ الآخِرِ واعِظًا لِمَن يَقُولُ: يا لَيْتَ شِعْرِي ما حالِي بَعْدَ تِرْحالِي؟ وقامِعًا لِمَن يَقُولُ: لا حالَ بَعْدَ التِّرْحالِ، بِالإعْلامِ بِأنَّها أحْوالٌ أيْ: أحْوالٌ، تُشَيِّبُ الأطْفالَ، وتَقْصِمُ ظُهُورَ الرِّجالِ، بَلْ تَهُدُّ شَمَّ الجِبالِ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ تَبْعَثُونَ في يَوْمِ ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ أيْ أيُّها الثِّقْلانِ. ولَمّا كانَ الوَقْتُ المُؤَرَّخُ بِهِ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ إنَّما يَذْكُرُ لِأجْلِ ما وقَعَ فِيهِ، صارَ كَأنَّهُ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ فَقالَ تَعالى: ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ لِأجْلِ ما يَقَعُ في ذَلِكَ [اليَوْمِ] الَّذِي يَجْمَعُ فِيهِ أهْلَ السَّماواتِ وأهْلَ الأرْضِ مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ الَّذِي يَكُونُ فَوْزًا لِناسٍ فَيَكُونُونَ غابِنِينَ، ويَكُونُ خَيْبَةً لِناسٍ فَيَكُونُونَ مَغْبُونِينَ، وكُلٌّ مِنهم يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ غابِنًا.

ولَمّا كانَ هَذا المَقْصِدُ أمْرًا عَظِيمًا مُقَطَّعًا ذِكْرُهُ الأكْبادَ، قالَ تَعالى مُشِيرًا إلى هَوْلِهِ بِأداةِ البُعْدِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ اليَوْمِ العَظِيمِ المَكانَةِ الجَلِيلِ الأوْصافِ ﴿يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ الَّذِي لا تَغابُنَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ لِعَظْمِهِ ودَوامِهِ، والغَبْنُ: ظُهُورُ النُّقْصانِ لِلْحَظِّ النّاشِئِ عَنْ خَفاءٍ لِأنَّهُ يُجْمَعُ (p-١١٩)فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ وسائِرُ الخَلْقِ أجْمَعُونَ، ويَكُونُ فِيهِ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى غايَةٍ لا تُوصَفُ بِحَيْثُ إنَّ جَمِيعَ ما [يَقَعُ] فِيهِ [يُمْكِنُ] أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ مِن أهْلِ ذَلِكَ الجَمْعِ، فَإذا فَضَحَ أحَدٌ افْتَضَحَ عِنْدَ الكُلِّ، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا أُرِي مَقْعَدَهُ نَمَّ النّارُ لَوْ أساءَ لِيَزْدادَ شُكْرًا، وما مِن عَبْدٍ يَدْخُلُ النّارَ إلّا أُرِي مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدادَ حَسْرَةً فَيَغْبِنَ كُلُّ كافِرٍ بِتَرْكِهِ الإيمانَ وكُلُّ مُؤْمِنٍ بِتَقْصِيرِهِ في الإحْسانِ، ومادَّةُ ”غَبَنَ“ تَدُورُ عَلى الخَفاءِ مَن مَغابِنِ الجَسَدِ وهي ما يَخْفى عَنِ العَيْنِ، وسُمِّيَ الغَبْنُ في البَيْعِ - لِخَفائِهِ عَنْ صاحِبِهِ، فالكافِرُ والظّالِمُ يَظُنُّ أنَّهُ غَبْنُ المُؤْمِنِ بِنَعِيمِ الدُّنْيا الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ الكافِرُ، وبِالنَّقْصِ الَّذِي أدْخَلَهُ الظّالِمُ عَلى المَظْلُومِ، وقَدْ غَبَنَهُما المُؤْمِنُ والمَظْلُومُ عَلى الحَقِيقَةِ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ وكَمالِ جَزائِها العَظِيمِ الدّائِمِ، فالغَبْنُ فِيهِ لا يُشْبِهُهُ غَبْنٌ، فَقَدْ بَعَثَ ذِكْرُ هَذا اليَوْمِ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى التَّقْوى أتَمَّ بَعْثٍ، وهي الحامِلَةُ عَلى اتِّباعِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي لِئَلّا يَحْصُلَ الغَبْنُ بِفَواتِ النَّعِيمِ أوْ نُقْصانِهِ، ويَحْصُلُ بَعْدَهُ لِلْكافِرِ العَذابُ الألِيمُ.

ولَمّا كانَ كُلُّ أحَدٍ يَحْسَبُ أنْ يَكُونَ في النُّورِ، ويَكْرَهُ أنْ يَكُونَ في الظَّلامِ، ويُحِبُّ أنْ يَكُونَ غابِنًا، ويَكْرَهُ أنْ يَكُونَ مَغْبُونًا، أرْشَدَتْ (p-١٢٠)سَوابِقُ الكَلامِ ولَواحِقُهُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ، فَمَن آمَنَ كانَ في النُّورِ، وكانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِرُجْحانِ مِيزانِهِ مِنَ الغابِنِينَ، ومَن كَفَرَ كانَ في الظَّلامِ، وكانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِنُقْصانِ مِيزانِهِ مِنَ المَغْبُونِينَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ بَيانًا لِآثارِ ذَلِكَ الغَبْنِ، وتَفْضِيلًا لَهُ بِإصْلاحِ الحامِلِ عَلى التَّقْوى وهو أُمُورٌ مِنها القُوَّةُ العِلْمِيَّةُ: ﴿ومَن يُؤْمِن﴾ أيْ يُوقِعُ الإيمانَ ويُجَدِّدُهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ. ولَمّا ذَكَرَ الرَّأْسَ وهو إصْلاحُ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، أتْبَعُهُ البَدَنُ وهو إصْلاحُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَقالَ: ﴿ويَعْمَلْ﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِ ﴿صالِحًا﴾ أيْ عَمَلًا هو مِمّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِتَحْصِيلِهِ لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ [فِي] جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ.

ولَمّا كانَ الدِّينُ مَعَ سُهُولَتِهِ مَتِينًا لَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ، قالَ حامِلًا عَلى التَّقْوى بِالوَعْدِ بِدَفْعِ المَضارِّ، ولَعَلَّهُ أفْرَدَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى أنَّ زَمانَ التَّكْفِيرِ والدُّخُولِ مُتَفاوِتٌ بِحَسَبِ طُولِ الحِسابِ وقِصَرِهِ، كُلَّما فَرَغَ واحِدٌ مِنَ الحِسابِ دَخَلَ الجَنَّةَ إنْ كانَ مِن أهْلِها: ﴿يُكَفِّرْ﴾ أيِ اللَّهُ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِأنْ يَسْتُرَ سِتْرًا عَظِيمًا ﴿عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾ الَّتِي غَلَّبَهُ عَلَيْها نُقْصانُ الطَّبْعِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ الحامِلَ الآخَرَ وهو التَّرْجِئَةُ يَجْلِبُ المَسارَ لِأنَّ الإنْسانَ يَطَّيَّرُ إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ بِجَناحَيِ الخَوْفِ والرَّجاءِ (p-١٢١)والرَّهْبَةِ [والرَّغْبَةِ] والنِّذارَةِ والبِشارَةِ فَقالَ: ﴿ويُدْخِلْهُ﴾ أيْ رَحْمَةً لَهُ وإكْرامًا [وفَضْلًا] ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ ذاتِ أشْجارٍ عَظِيمَةٍ وأغْصانٍ ظَلِيلَةٍ تَسْتُرُ داخِلَها، ورِياضٍ مَدِيدَةٍ مُنَوِّعَةِ الأزاهِيرِ عَطِرَةِ النَّشْرِ تُبْهِجُ رائِيها، وأشارَ إلى دَوامِ رِيِّها بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي﴾ ولَمّا كانَ عُمُومُ الماءِ لِجَمِيعِ الأرْضِ [غَيْرَ] مَمْدُوحٍ، بَيْنَ أنَّهُ في خِلالِها عَلى [أحْسَنِ] الأحْوالِ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ وبَيْنَ عِظَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الأنْهارُ﴾ ولَمّا كانَ النُّزُوحُ أوْ تُوقِعُهُ عَنْ مِثْلِ هَذا مُحْزِنًا، أزالَ تَوَقُّعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جامِعًا لِئَلّا يَظُنَّ الخُلُودَ لِواحِدٍ بِعَيْنِهِ تَصْرِيحًا بِأنَّ مِن مَعْناها الجَمْعَ وأنَّ كُلَّ مَن تَناوَلَتْهُ مُسْتَوُونَ في الخُلُودِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾ والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِالنُّونِ: نَفْعَلُ التَّكْفِيرَ والإدْخالَ إلى هَذا النَّعِيمِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إسْعادِ مَن شاءَ وإشْقاءِ مَن شاءَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، ولا تَكُونُ هَذِهِ القُدْرَةُ تامَّةً إلّا لِمَن كانَ عَظِيمًا لا رادَّ لِأمْرِهِ أصْلًا.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا جالِبًا بِنَعِيمِهِ سُرُورَ القَلْبِ، أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِما يَجْلِبُ سُرُورَ القَلْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي جِدًّا مِنَ الغُفْرانِ والإكْرامِ، لا غَيْرُهُ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ لِأنَّهُ جامِعٌ لِجَمِيعِ (p-١٢٢)المَصالِحِ مَعَ دَفْعِ المَضارِّ وجَلْبِ المَسارِّ.

64:10Page 557

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٠

But the ones who disbelieved and denied Our verses - those are the companions of the Fire, abiding eternally therein; and wretched is the destination.

ولَمّا ذَكَرَ الفائِزَ بِلُزُومِهِ التَّقْوى تَرْغِيبًا، أتْبَعَهُ الخائِبُ بِسَبَبِ إفْسادِ القُوَّتَيْنِ الحامِلَتَيْنِ عَلى التَّقْوى: العِلْمِيَّةُ والعَمَلِيَّةُ تَرْهِيبًا، فَقالَ بادِئًا بِالعِلْمِيَّةِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطُّوا أدِلَّةَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانُوا في الظَّلامِ. ولَمّا ذَكَرَ إفْسادَهُمُ القُوَّةَ العِلْمِيَّةَ، أتْبَعَهُ العَمَلِيَّةَ فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا جَمِيعَ التَّغْطِيَةِ وجَمِيعَ التَّكْذِيبِ ﴿بِآياتِنا﴾ بِسَبَبِها مَعَ ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِإضافَتِها إلَيْنا، فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا.

ولَمّا بَيَّنَ إفْسادَهم لِلْقُوَّتَيْنِ، تَوَعَّدَهم بِالمَضارِّ فَقالَ مُعْرِيًا مِنَ الفاءِ في جانِبَيِ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ طَرْحًا لِلْأسْبابِ، لِأنَّ نَظَرَ هَذِهِ السُّورَةِ إلى الجِبِلّاتِ الَّتِي لا مَدْخَلَ فِيها لِغَيْرِهِ أكْثَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] فَإنَّ ذَلِكَ أجْدَرُ بِالخَوْفِ مِنهُ لِيَكُونَ أجْدَرَ بِالبُعْدِ عَمّا يَدُلُّ عَلى الجِبِلَّةِ الفاسِدَةِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ ولَمّا كانَ السِّجْنُ إذا رُجِيَ الخَلاصُ مِنهُ قَلَّلَ مِن خَوْفِ داخِلِهِ، وكانَ التَّعْبِيرُ بِالصُّحْبَةِ مُشْعِرًا بِالدَّوامِ المُقَطِّعِ لِلْقُلُوبِ لِأنَّهُ مُؤَيَّسٌ مِنَ الخَلاصِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وزادَ في (p-١٢٣)الإرْهابِ مِنها بِقَوْلِهِ [مُشِيرًا] إلى مَضارِّ القَلْبِ بَعْدَ ذِكْرِ مَضارِّ القالَبِ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ جَمَعَتِ المَذامَّ [كُلَّها] الصَّيْرُورَةُ إلَيْها وبُقْعَتُها الَّتِي لِلصَّيْرُورَةِ إلَيْها، فَكَيْفَ بِكَوْنِها عَلى وجْهِ الإقامَةِ زَمَنًا طَوِيلًا فَكَيْفَ إذا كانَ عَلى وجْهِ الخُلُودِ.

64:11Page 557

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١١

No disaster strikes except by permission of Allāh. And whoever believes in Allāh - He will guide his heart. And Allāh is Knowing of all things.

ولَمّا كانَ مِن تَعَرُّفِهِ مِنَ المُرَغِّبِينَ والمُرْهِبِينَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا فِيما لَيْسَ قادِرًا عَلى حِفْظِهِ وضَبْطِهِ حَتّى لا يَحْتاجَ العامِلُ في عَمَلِ ذَلِكَ إلى رَقِيبٍ يَحْفَظُهُ ووَكِيلٍ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ العَمَلُ ويَضْبِطُهُ، وكانَ قَوْلُ المُنافِقِينَ المُتَقَدِّمِ في الإنْفاقِ والإخْراجِ مِنَ المَصائِبِ، وكانَتِ المَصائِبُ تَطِيبُ إذا كانَتْ مِنَ الحَبِيبِ، قالَ جَوابًا لِمَن يَتَوَهَّمُ عَدَمَ القُدْرَةِ مُتَمِّمًا ما مَضى مِن خِلالِ الأعْمالِ بِالإيمانِ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، مُرَغِّبًا في التَّسْلِيمِ مُرَهِّبًا مِنَ الجَزَعِ قاصِرًا الفِعْلَ لِيَعُمَّ كُلَّ مَفْعُولٍ: ﴿ما أصابَ﴾ أيْ أحَدًا يُمْكِنُ المَصائِبُ أنْ تَتَوَجَّهَ إلَيْهِ، وذَكَرَ الفِعْلَ إشارَةً إلى القُوَّةِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيْ مُصِيبَةٍ كانَتْ دِينِيَّةً أوْ دُنْيَوِيَّةً مِن كُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِتَقْدِيرِ المَلِكِ الأعْظَمِ وتَمْكِينِهِ، فَلا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أنْ يَعُوقَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَنِ التَّقْوى النّافِعَةِ في يَوْمِ التَّغابُنِ.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما تَقْدِيرُهُ: فَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ بِتَقْدِيرِهِ عَلَيْهِ (p-١٢٤)الكَفْرَ يَغْوِ قَلْبَهُ ويَزِدْهُ ضَلالًا فَيَفْعَلُ ما يَتَوَغَّلُ بِهِ في المُصِيبَةِ حَتّى تَصِيرَ مَصائِبَ عِدَّةً فَتُهْلِكَهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ باعِثًا عَلى أوَّلِ رُكْنِيِ الإسْلامِ وهو إصْلاحُ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيْ يُوجَدُ الإيمانُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ويُجَدِّدُهُ بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ بِسَبَبِ المَلِكِ الأعْظَمِ وتَقْدِيرِهِ وإذْنِهِ ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أيْ يَزِدْهُ هِدايَةً بِما يُجَدِّدُهُ لَهُ مِنَ التَّوْفِيقِ في كُلِّ وقْتٍ حَتّى يَرْسُخَ إيمانُهُ فَتَنْزاحَ عَنْهُ كُلُّ مُصِيبَةٍ، فَإنَّهُ يَتَذَكَّرُ أنَّها مِنَ اللَّهِ وأنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ فَيُسَلِّمُ بِقَضائِهِ فَيَصْبِرُ لَهُ ويَفْعَلُ ويَقُولُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ فَيَخِفُّ عَلَيْهِ، ولا يَعُوقُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ المُنْجِياتِ في يَوْمِ التَّغابُنِ، بَلْ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِها عِدَّةُ أرْباحٍ وفَوائِدَ، فَتَكُونُ حَياتُهُ طَيِّبَةً بِالعافِيَةِ الشّامِلَةِ في الدِّينِيّاتِ والكَوْنِيّاتِ لِأنَّ بِالعافِيَةِ في الكَوْنِيّاتِ تَطِيبُ الحَياةُ في [ الدُّنْيا، وبِالعافِيَةِ في الدِّينِيّاتِ تَطِيبُ الحَياةُ في -] الآخِرَةِ فَتَكُونُ العِيشَةُ راضِيَةً، وذَلِكَ بِأنْ يَصِيرَ عَمَلُهُ صَوابًا في سَرّائِهِ وضَرّائِهِ فَيَتْرُكُ كُلَّ فاحِشَةٍ دِينِيَّةٍ بَدَنِيَّةٍ وباطِنَةٍ قَلْبِيَّةٍ ويَتْرُكُ الهَلَعَ في المَصائِبِ الكَوْنِيَّةِ كالخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصِ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ (p-١٢٥)وذَلِكَ لِأنَّهُ بِصَلاحِ القَلْبِ يَنْصَلِحُ البَدَنُ كُلُّهُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَعْلِيلًا لِذَلِكَ: فاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ فَهو -] لا يَدَعُ شَيْئًا يَكُونُ إلّا بِإذْنِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ مَثْنَوِيَّةٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ فَإذا تَحَقَّقَ مَن هَدى قَلْبَهُ ذَلِكَ زاحَ كُلُّ اعْتِقادٍ باطِلٍ مَن كَفَرَ أوْ بِدْعَةٍ أوْ صِفَةٍ خَبِيثَةٍ.

64:12Page 557

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٢

And obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon Our Messenger is only [the duty of] clear notification.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاصْبِرُوا عَنْ هُجُومِ المَصائِبِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَحْذِيرًا مِن أنْ يَشْتَغِلَ بِها [ فَتُوقِعُ في الهَلاكِ وتَقْطَعُ عَنْ أسْبابِ النَّجاةِ دالًّا عَلى تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ مِن مُعاداتِها -] مُشِيرًا إلى أنَّ العِبادَةَ لا تُقْبَلُ إلّا بِالِاتِّباعِ لا بِالِابْتِداعِ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فافْعَلُوا في كُلِّ مُصِيبَةٍ ونائِبَةٍ تَنُوبُكم وقَضِيَّةٍ تَعْرُوكم ما شَرَعَهُ لَكُمْ، وأكَّدَ بِإعادَةِ العامِلِ إشارَةً إلى أنَّ الوُقُوفَ عِنْدَ الحُدُودِ ولا سِيَّما عِنْدَ المَصائِبِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ فَقالَ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أيِ الكامِلَ في الرَّسْلِيَّةِ ﷺ فَإنَّهُ المَعْصُومُ بِما خَلَقَ فِيهِ مِنَ الِاعْتِدالِ [و -] ما زَكّى بِهِ مِن شَقِّ البَطْنِ وغَسْلِ القَلْبِ مِرارًا، وما أيَّدَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ، فَما كانَتِ الأفْعالُ بِإشارَةِ العَقْلِ مَعَ الطّاعَةِ لِلَّهِ والمُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ ﷺ في كُلِّ إقْدامٍ وإحْجامٍ كانَتْ مُعْتَدِلَةً، سَواءٌ كانَتْ شَهْوانِيَّةً أوْ غَضَبِيَّةً، ومَتى لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ (p-١٢٦)كانَتْ مُنْحَرِفَةً إلى أعْلى وإلى أسْفَلَ فَكانَتْ مَذْمُومَةً، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بِلُطْفِ تَدْبِيرِهِ رَكَّبَ في الإنْسانِ قُوَّةً غَضَبِيَّةً دافِعَةً لِما يُهْلِكُهُ ويُؤْذِيهِ، وقُوَّةً شَهْوانِيَّةً جالِبَةً لِما يُنَمِّيهِ ويُقَوِّيهِ، فاعْتِدالُ الغَضَبِيَّةِ شَجاعَةٌ ونَقْصُها جُبْنٌ وزِيادَتُها تَهَوُّرٌ، فالنّاسُ بِاعْتِبارِها جَبانٌ وشُجاعٌ ومُتَهَوِّرٌ، واعْتِدالُ الشَّهْوانِيَّةِ عِفَّةٌ ونُقْصانُها زَهادَةٌ وزِيادَتُها شَرَهٌ، والنّاسُ بِاعْتِبارِها زَهِيدٌ وعَفِيفٌ وشَرِهٌ، وكِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ، ومِيزانُ العَدْلِ مُتابَعَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِيما شَرَعَهُ، فَبِذَلِكَ تَنْزاحُ الفِتَنُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، ولا طَرِيقَ إلى اللَّهِ إلّا بِما شَرَعَهُ، وكُلُّ طَرِيقٍ لَمْ يَشْرَعْهُ ضَلالٌ مِنَ الكُفْرِ إلى ما دَوَّنَهُ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ أمْرِهِ ذَلِكَ قَوْلُهُ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى البِشارَةِ بِحِفْظِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الرِّدَّةِ ومُشْعِرًا بِأنَّ بَعْضَهم يَقَعُ مِنهُ ذَلِكَ ثُمَّ يَقْرُبُ رُجُوعُهُ أوْ هَلاكُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ كَلَّفْتُمْ أنْفُسَكم عِنْدَما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ الإعْراضِ عَنْ هَذا النُّورِ الأعْظَمِ والمَيْلِ إلى طَرَفٍ مِنَ الأطْرافِ المَفْهُومَةِ مِن طَرَفَيِ القَصْدِ فَما عَلى رَسُولِنا شَيْءٌ مِن تَوَلِّيكم ﴿فَإنَّما عَلى رَسُولِنا﴾ أضافَهُ إلَيْهِ عَلى وجْهِ العَظَمَةِ تَعْظِيمًا لَهُ وتَهْدِيدًا لِمَن يَتَوَلّى عَنْهُ ﴿البَلاغُ المُبِينُ﴾ (p-١٢٧)أيِ الظّاهِرِ في نَفْسِهِ المُظْهِرِ لِكُلِّ أحَدٍ أنَّهُ أوْضَحَ لَهُ غايَةَ الإيضاحِ ولَمْ يَدَعْ لَبْسًا، لَيْسَ إلَيْهِ خَلْقُ الهِدايَةِ في القُلُوبِ.

64:13Page 557

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٣

Allāh - there is no deity except Him. And upon Allāh let the believers rely.

ولَمّا كانَ هَذا مُوجِعًا لِإشْعارِهِ بِإعْراضِهِمْ مَعَ عَدَمِ الحِيلَةِ في رَدِّهِمْ، عُرِفَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إلَيْهِ و[ أنَّهُ -] القادِرُ عَلَيْهِ فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما الحِيلَةُ في أمْرِهِمْ - مُكَمِّلًا لِقَسَمِي الدِّينِ بِالِاسْتِعانَةِ بَعْدَ بَيانِ قَسَمِهِ الآخَرِ وهو العِبادَةُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَهو القادِرُ عَلى الإقْبالِ [ بِهِمْ -] ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ، فَإلَيْهِ اللَّجاءُ في كُلِّ دَفْعٍ ونَفْعٍ وهو المُسْتَعانُ في كُلِّ شَأْنٍ فَإيّاهُ فَلْيَرْجُ في هِدايَتِهِمُ المُهْتَدُونَ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا عَلى غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ [ مُطْلَقُ -] الإيمانِ هو التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ بِاعْتِقادِ أنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَلا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ولا كُفُوءَ لَهُ فَكَيْفَ بِالرُّسُوخِ فِيهِ، نَبِّهْ عَلى [ هَذا -] المُقْتَضِي لِلرَّبْطِ بِالفاءِ والتَّأْكِيدِ بِلامِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُوجَدُ التَّوْكِيلُ إيجادًا هو في غايَةِ الظُّهُورِ والثَّباتِ العَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ في رَدِّ المُتَوَلِّي مِنهم إنْ حَصَلَ مِنهم تَوَلَّ وكَذا في كُلِّ مَفْقُودٍ فالعِفَّةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالمَوْجُودِ فَكَما أنَّ قانُونَ العَدْلِ في المَوْجُودِ الطّاعَةُ فَقانُونُ العَدْلِ في المَفْقُودِ التَّوَكُّلُ وكَذا فِعْلُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَكانَ لَهُمُ الحَظُّ الأوْفَرُ في كُلِّ (p-١٢٨)تَوَكُّلٍ لا سِيَّما حِينَ ارْتَدَّتِ العَرَبُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ وكانَ أحَقَّهم بِهَذا الوَصْفِ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَما يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن يَنْظُرُ الكُتُبَ المُصَنَّفَةَ في السِّيَرِ وأخْبارِ الرِّدَّةِ لا سِيَّما كِتابِي المُسَمّى في أخْبارِ الرِّدَّةِ.

64:14Page 557

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤

O you who have believed, indeed, among your spouses and your children are enemies to you, so beware of them. But if you pardon and overlook and forgive - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

ولَمّا كانَتْ أوامِرُ الدِّينِ تارَةً تَكُونُ بِاعْتِبارِ الأمْرِ الدِّينِيِّ مِن سائِرِ الطّاعاتِ المَحْضَةِ، وتارَةً بِاعْتِبارِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ وهو ما كانَ بِواسِطَةِ مالٍ أوْ أهْلٍ أوْ ولَدٍ، أتَمَّ سُبْحانَهُ القَسَمَ الأوَّلَ في الآيَتَيْنِ الماضِيَتَيْنِ، شَرَعَ في الأمْرِ الثّانِي لِأنَّهُ قَدْ يَنْشَأُ عَنْهُ فِتْنَةٌ في الدِّينِ وقَدْ يَنْشَأُ عَنْهُ فِتْنَةٌ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَتِ الفِتْنَةُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَنْهُ أعْظَمَ الفِتَنِ، لِأنَّها تُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وبَيْنَ المَرْءِ وابْنِهِ وتُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ - كَما شُوهِدَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ، وكانَ أعْظَمُ ذَلِكَ في الرِّدَّةِ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ النَّهْيَ عَنْ إلْهاءِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وكانَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ في الأوْلادِ نَهْيًا عَنْهُ في الأزْواجِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ دُونَ الأزْواجِ، وكانَ المَأْمُورُ بِالتَّوَكُّلِ رُبَّما رَأى أنَّ تَسْلِيمَ قِيادِهِ لِكُلِّ أحَدٍ لا يَقْدَحُ في التَّوَكُّلِ، أشارَ إلى [أنَّ] بِناءَ هَذِهِ الدّارِ عَلى الأسْبابِ مانِعٌ مِن ذَلِكَ فَأمَرَ بِنَحْوِ ”اعْقِلْها وتَوَكَّلْ“ ”واحْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ واسْتَعِنْ بِاللَّهِ ولا تَعْجَزْ“ الحَدِيثُ، فَقالَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ لِمَن يَحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنْ مِثْلِهِ مُبَيِّنًا لِلْأوامِرِ بِالِاعْتِبارِ لِلِامْتِحانِ التَّكْوِينِيِّ وإنْ كانَ أوْلى النّاسِ بِبَذْلِ الجُهْدِ في تَأْدِيبِهِ وتَقْوِيمِهِ وتَهْذِيبِهِ أقْرَبَ الأقارِبِ وألْصَقَ النّاسِ بِالإنْسانِ (p-١٢٩)وهُوَ كالعِلَّةِ لِآخَرَ ”المُنافِقُونَ“: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَمّا كانَ الأزْواجُ أقْرَبَ عَداوَةً مِنَ الأوْلادِ قَدَّمَهُنَّ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِمَن يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ وإنْ أظْهَرْنَ غايَةَ المَوَدَّةِ ﴿وأوْلادِكُمْ﴾ وإنْ أظْهَرُوا أيْضًا غايَةَ الشَّفَقَةِ والحَنانِ ﴿عَدُوًّا لَكُمْ﴾ أيْ لِشُغْلِهِمْ لَكم عَنِ الدِّينِ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمْعِ المالِ وتَحْصِيلِ الجاهِ لِأجْلِهِمْ والتَّهاوُنِ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَإنَّ الوَلَدَ مَجْبَنَةٌ وغَيْرُ ذَلِكَ، قالَ أبُو حَيّانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ولا أعْدى عَلى الرَّجُلِ مِن زَوْجِهِ ووَلَدِهِ إذا كانا عَدُوَّيْنِ وذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَبِإذْهابِ مالِهِ - كَما هو مَعْرُوفٌ - وعِرْضِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فِيما يَسْعى في اكْتِسابِهِ مِنَ الحَرامِ لِأجْلِهِمْ وبِما يَكْسِبانِهِ مِنهُ بِسَبَبِ جاهِهِ.

فالرَّجُلُ مَن رَأى ذَلِكَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ فَجَعَلَهُ مُعِينًا لَهُ عَلى طاعَتِهِ لا قاطِعًا ومُعَوِّقًا عَمّا يُرْضِيهِ بِأنَّ [يَلْتَهِي] بِمَحَبَّتِهِ وعَداوَتِهِ وبِغَضَّتِهِ. ولَمّا أخْبَرَ عَنِ العَداوَةِ، عَبَّرَ بِما قَدْ يَفْهَمُ الواحِدُ فَقَطْ تَخْفِيفًا، ولَمّا أمَرَ بِالحَذَرِ [جَمَعَ إشارَةً إلى زِيادَةِ التَّحْذِيرِ والخَوْفِ في كُلِّ أحَدٍ ولَوْ كانَ أقْرَبَ الأقْرِباءِ لِأنَّ الحَزْمَ سُوءُ الظَّنِّ كَما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، فَسَبَّبَ عَنِ الإخْبارِ بِالعَداوَةِ الأمْرَ بِالحَذَرِ] في قَوْلِهِ: ﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ أيْ بِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ في كُلِّ أمْرِهِمْ فَتَطْلُبُوا في (p-١٣٠)السَّعْيِ عَلَيْهِمُ الكَفافَ مِن حَلِّهِ وتَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، ولا يَحْمِلَنَّكم حُبَّهم عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِيَشْتَدَّ حَذَرُكم مِنهم بِالعَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ حَتّى في العَدْلِ بَيْنَهم لِئَلّا يَتَمَكَّنُوا مِن أذاكم فَيَعْظُمُ بِهِمُ الخَطْبُ ويَكُونُ فاتِنًا لَكم في الدِّينِ إمّا بِالرِّدَّةِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - أوْ بِالشُّغْلِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ بِالإقْحامِ في المَعْصِيَةِ ومُخالَفَةِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ.

ولَمّا كانَ قَدْ يَقَعُ ما يُؤْذِي مَعَ الحَذَرِ لِأنَّهُ لا يُغْنِي مِن قَدَرٍ أوْ مَعَ الِاسْتِسْلامِ، وكانَ وكَّلَ المُؤْذِي إلى اللَّهِ أوْلى وأعْظَمَ في الِاسْتِنْصارِ، قالَ مُرْشِدًا إلى ذَلِكَ: ﴿وإنْ تَعْفُوا﴾ أيْ تُوقِعُوا المُجاوَزَةَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ بِعَدَمِ العِقابِ عَلَيْها فَإنَّهُ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ لِأنَّ مَن طُبِعَ عَلى شَيْءٍ لا يَرْجِعُ، وإنَّما النّافِعُ الحَذِرُ الَّذِي أرْشَدَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَكُونُ سَبَبًا لِلَوِ المَنهِيِّ عَنْهُ.

ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ عَنِ الحُظُوظِ صَعْبًا جِدًّا، أكَّدَ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿وتَصْفَحُوا﴾ أيْ بِالإعْراضِ عَنِ المُقابَلَةِ بِالتَّثْرِيبِ بِاللِّسانِ ﴿وتَغْفِرُوا﴾ [أيْ] بِأنْ تَسْتُرُوا ذُنُوبَهم سِتْرًا تامًّا شامِلًا لِلْعَيْنِ والأثَرِ بِالتَّجاوُزِ بَعْدَ تَرْكِ العِقابِ عَنِ العِتابِ، فَلا يَكُونُ مِنكُمُ اشْتِغالٌ بِعَداوَتِهِمْ ولا ما قَدْ يَجُرُّها عَمّا يَنْفَعُ مِنَ الطّاعَةِ، ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بالِغُ.

(p-١٣١)المَحْوِ الأعْيانِ الذُّنُوبِ وآثَرُها جَزاءً لَكم عَلى غُفْرانِكم لَهم وهو جَدِيرٌ بِأنْ يُصْلِحَهم لَكم بِسَبَبِ غُفْرانِكم لَهم فَإنَّهُ ﴿رَحِيمٌ﴾ يَزِيدُكم بَعْدَ ذَلِكَ السَّتْرِ الإكْرامُ بِالإنْعامِ إنْ أكْرَمْتُمُوهُمْ، فَتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ سُبْحانَهُ يَزِدْكم مِن فَضْلِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском