Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الضحى
Ad-Duhaa
The Morning Hours · Meccan · 11 ayahs
(p-١٠٠)سُورَةُ الضُّحى مَقْصُودُها
الدَّلالَةُ عَلى آخِرِ اللَّيْلِ بِأنَّ أتْقى الأتْقِياءِ الَّذِي هو الأتْقى عَلى الإطْلاقِ في عَيْنِ الرِّضا دائِمًا، لا يَنْفَكُّ عَنْهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لِما تَحَلّى بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي هي الإيصالُ لِلْمَقْصُودِ بِما لَها مِنَ النُّورِ المَعْنَوِيِّ كالضُّحى بِما لَهُ مِنَ النُّورِ الحِسِّيِّ الَّذِي هو أشْرَفُ ما في النَّهارِ وقَدْ عَلِمَ بِهَذا أنَّ اسْمَها أدَلُّ ما فِيها عَلى مَقْصُودِها ”بِسْمِ اللَّهِ“ المُعِزُّ لِمَن أرادَ، الكَرِيمُ البَرُّ الوَدُودُ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّنْ بِنِعْمَتِهِ الإيجادُ الخاصُّ والعامُّ ”الرَّحِيم“ الَّذِي أعْلى أهْلَ وِدِّهِ فَخَصَّهم بِإتْمامِ الإنْعامِ.
* *
ولَمّا حَكَمَ في آخِرِ اللَّيْلِ بِإسْعادِ الأتْقِياءِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ أتْقى الخَلْقِ مُطْلَقًا، وكانَ قَدْ قُطِعَ عَنْهُ الوَحْيُ حِينًا ابْتِلاءٌ لِمَن شاءَ مِن عِبادِهِ، وكانَ بِهِ ﷺ صَلاحُ الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ المَلَوانِ سَبَبُ [صَلاحِ] مَعاشِ الخُلُقِ وكَثِيرٌ مِن مَعادِهِمْ، أقْسَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِما عَلى أنَّهُ أسْعَدُ الخَلائِقِ دُنْيا (p-١٠١)وأُخْرى، فَقالَ مُقَدِّمًا ما يُناسِبُ حالَ الأتْقى الَّذِي قَصَدَ بِهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَصْدًا أوَّلِيًّا مِنَ النُّورِ الَّذِي يَمْلَأُ الأقْطارَ، ويَمْحُو كُلَّ ظَلامٍ يَرُدُّ عَلَيْهِ ويَصِلُ إلَيْهِ، مُفْهِمًا بِما ذَكَرَ مِن وقْتِ الضِّياءِ النّاصِعِ حالَةَ أوَّلِ النَّهارِ وآخِرَ اللَّيْلِ الَّتِي هي ظُلْمَةُ مُلْتَفٍّ بِساقِها ساقَ النَّهارَ عِنْدَ الإسْفارِ: ﴿والضُّحى﴾ فَذَكَرَ ما هو أشْرَفُ النَّهارِ وألْطَفُهُ وهو زَهْرَتُهُ، وأضْوَؤُهُ وهو صَدْرُهُ، وذَلِكَ وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ لِأنَّ المُقْسِمَ لِأجْلِهِ أشْرَفُ الخَلائِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَبْلُغُ مِنَ الشَّرَفِ ما لا يَبْلُغُهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ.
ولَمّا ذَكَرَ النَّهارَ بِأشْرَفِ ما فِيهِ مُناسِبَةً لِأجْلِ المُقْسِمِ لِأجْلِهِ، أتْبَعَهُ اللَّيْلُ مُقَيَّدًا لَهُ بِما يَفْهَمُ إخْلاصَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ لِأشْرَفِ ما فِيهِ اسْمٌ يَخُصُّهُ فَقالَ: ﴿واللَّيْلِ﴾ أيِ الَّذِي بِهِ تَمامُ الصَّلاحِ؛ ولَمّا كانَ أوَّلُهُ وآخِرُ النَّهارِ وآخِرُهُ وأوَّلُ النَّهارِ [ضَوْءًا] مُمْتَزِجًا بِظُلْمَةِ الِالتِفاتِ ساقُ اللَّيْلِ بِساقِ النَّهارِ، قَيْدٌ بِالظَّلامِ الخالِصِ فَقالَ: ﴿إذا سَجى﴾ أيْ سَكَنُ أهْلُهُ أوْ رَكَدَ ظَلامُهُ وإلْباسُهُ وسَوادُهُ واعْتَدَلَ فَخَلَصَ فَغَطّى بِظَلامِهِ كُلَّ شَيْءٍ، والمُتَسَجِّي: المُتَغَطِّي، ومَعَ تَغْطِيَتِهِ سَكَنَتْ رِيحُهُ، فَكانَ في غايَةِ الحُسْنِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ [الأوَّلُ] مُشِيرًا إلى ما يَأْتِي بِهِ هَذا الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المُحْكَمِ، والثّانِي مُشِيرًا إلى المُتَشابِهِ، وهَذا الأرْبَعَةُ (p-١٠٢)الأحْوالُ لِلنُّورِ والظُّلْمَةِ - وهي ضَوْءٌ مُمْتَزِجٌ بِظُلْمَةٍ، [وظُلْمَةٌ] مُمْتَزِجَةٌ بِضَوْءٍ، وضِياءٌ خالِصٌ وظَلامٌ خالِصٌ - الحاصِلَةُ في الآفاقِ في الإنْسانِ مِثْلُها، فَرُوحُهُ نُورٌ خالِصٌ، وطَبْعُهُ ظَلامٌ حالِكٌ، وقَلْبُهُ نُورٌ مُمْتَزِجٌ بِظُلْمَةِ النَّفْسِ، والنَّفْسُ ظُلْمَةٌ مُمْتَزِجَةٌ بِنُورِ القَلْبِ، فَإنْ قَوِيَتْ شَهْوَةُ النَّفْسِ عَلى نُورانِيَّةِ القَلْبِ أظْلَمَ جَمِيعُهُ، وإنْ قَوِيَتْ نُورانِيَّةُ القَلْبِ عَلى ظُلْمَةِ النَّفْسِ صارَ نَوْرانِيًّا، وإنْ غَلَبَتِ الرُّوحُ عَلى الطَّبْعِ تُرَوِّحْنَ فارْتَفَعَ عَنْ رُتْبَةِ المَلائِكَةِ، وإنْ غَلَبَ الطَّبْعُ عَلى الرُّوحِ أنْزَلَهُ عَنْ رُتْبَةِ البَهائِمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٤٤]
93:3Page 596
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣
Your Lord has not taken leave of you, [O Muḥammad], nor has He detested [you].
ولَمّا أقْسَمَ بِهَذا [القَسَمِ] المُناسِبِ لِحالِهِ ﷺ، أجابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ أيْ تَرَكَكَ تَرْكًا يَحْصُلُ بِهِ فِرْقَةٌ كَفِرْقَةِ المُوَدِّعِ ولَوْ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ الَّذِي هو مُرادُ المُوَدِّعِ ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْكَ بِإيجادِكَ أوَّلًا، وجَعَلَكَ أكْمَلَ الخَلْقِ ثانِيًا، ورَبّاكَ أحْسَنَ تَرْبِيَةً ثالِثًا، كَما أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَوْدِيعُ اللَّيْلِ لِلنَّهارِ بَلِ الضُّحى لِلنَّهارِ الَّذِي هو أشَدُّ ضِيائِهِ، ولا يُمْكِنُ تَوْدِيعُ الضُّحى لِلنَّهارِ ولا اللَّيْلِ وقْتَ سَجْوِهِ لَهُ.
ولَمّا كانَ رُبَّما تَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ فَقالَ: ما تَرَكَهُ ولَكِنَّهُ لا يُحِبُّهُ، فَكَمْ (p-١٠٣)مِن مُواصِلٍ ولَيْسَ بِواصِلٍ، قالَ نافِيًا لِكُلِّ تَرْكٍ: ﴿وما قَلى﴾ أيْ وما أبْغَضَكَ بُغْضًا ما، وحُذِفَ الضَّمِيرُ اخْتِصارًا لَفْظِيًّا لِيَعُمَّ، فَهو مِن تَقْلِيلِ اللَّفْظِ لِتَكْثِيرِ المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ انْقِطاعُ الوَحْيِ عَنْهُ مُدَّةً لِأنَّهم سَألُوهُ عَنِ الرُّوحِ وقِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: «أُخْبِرُكم بِذَلِكَ غَدًا»، ولَمْ يَسْتَثْنِ، فَقالُوا: [قَدْ] ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ، فَنَزَلَتْ لِذَلِكَ، ولَمّا نَزَلَتْ كَبُرَ ﷺ فَكانَ التَّكْبِيرُ فِيها وفِيما بَعْدَها سَنَةً كَما يَأْتِي إيضاحُهُ وحِكْمَتُهُ آخِرُها، وقَدْ أفْهَمَتْ هَذِهِ العِبارَةُ أنَّ المَراتِبَ التَّقْرِيبِيَّةَ أرْبَعٌ: تَقْرِيبٌ بِالطّاعاتِ ومَحَبَّةٌ وهي لِلْمُؤْمِنِينَ، وإبْعادٌ بِالمَعاصِي وبُغْضٌ وهي لِلْكَفّارِ، وتَقْرِيبٌ بِالطّاعاتِ مَخْلُوطٌ بِتَبْعِيدٍ لِلْمَعاصِي وهي لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وإعْراضِ مَخْلُوطٍ بِتَقْرِيبٍ بِصُوَرِ طاعاتٍ لا قَبُولَ لَها وهي لِعِبادِ الكُفّارِ.
وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ في اللَّيْلِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل: ٧] وبِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] فَلَزِمَ الخَوْفُ واشْتَدَّ الفَزَعُ وتَعَيَّنَ عَلى المُوَحِّدِ الإذْعانَ لِلتَّسْلِيمِ والتَّضَرُّعِ في التَّخَلُّصِ والتِجاؤُهُ إلى السَّمِيعِ العَلِيمِ، أنِسَ تَعالى أحَبُّ عِبادِهِ إلَيْهِ وأعْظَمُهم مَنزِلَةً لَدَيْهِ، وذَكَرَ [لَهُ] (p-١٠٤)ما مَنَحَهُ مِن تَقْرِيبِهِ واجْتِبائِهِ وجَمَعَ خَيْرَ الدّارَيْنِ لَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١] ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِ نِعَمَهُ بَعْدَ وعْدِهِ الكَرِيمِ لَهُ بِقَوْلِهِ: [ ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] وأعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:] ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] فَقَدْ آوَيْتُكَ قَبْلَ تَعَرُّضِكَ وأعْطَيْتُكَ قَبْلَ سُؤالِكَ، فَلا تُقابِلُهُ بِقَهْرِ مَن تَعْرِضُ وانْتِهارِ مَن سَألَ، وقَدْ حاشاهُ سُبْحانَهُ عَمّا نَهاهُ [عَنْهُ] ولَكِنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالنِّعَمِ ولِيَسْتَوْضِحَ الطَّرِيقَ [مَن] وُفِّقَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أمّا هو ﷺ فَحَسْبُكَ مَن تَعَرُّفِ رَحْمَتِهِ ورِفْقِهِ ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ثُمَّ تَأْمَّلْ اسْتِفْتاحَ هَذِهِ السُّورَةِ ومُناسِبَةَ ذَلِكَ المَقْصُودِ ولِذَلِكَ السُّورَةُ قَبْلَها بِرَفْعِ القَسَمِ في الأوْلى بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] تَنْبِيهًا عَلى إبْهامِ الأمْرِ في السُّلُوكِ عَلى المُكَلَّفِينَ وغَيْبَةِ حُكْمِ العَواقِبِ، ولِيُناسِبَ هَذا حالُ المُتَذَكِّرِ بِالآياتِ وما يَلْحَقُهُ مِنَ الخَوْفِ مِمّا أمَرَهُ غائِبٌ عَنْهُ مِن تَيْسِيرِهِ ومَصِيرِهِ واسْتِعْصامِهِ بِهِ يَحْصُلُ اليَقِينُ واسْتِصْغارُ دَرَجاتِ المُتَّقِينَ، ثُمَّ لَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا غائِبًا بِالجُمْلَةِ (p-١٠٥)عَنْ آحادِ المُكَلَّفِينَ أعْنِي ما يُثْمِرُ العِلْمَ اليَقِينَ ويُعْلِي مِن أهْلٍ لِلتَّرَقِّي في دَرَجاتِ المُتَّقِينَ، بَلْ قَدْ يُطْلِعُ سُبْحانَهُ خَواصَّ عِبادِهِ - بِمُلازَمَتِهِ التَّقْوى والِاعْتِبارِ - عَلى واضِحَةِ السَّبِيلِ ويُرِيهِمْ مُشاهَدَةً وعَيانًا ما قَدِ انْتَهَجُوا قَبْلَ سَبِيلِهِ بِمَشَقَّةِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ، «قالَ ﷺ لِحارِثَةَ:
”وجَدْتَ فالزَمْ»“ وقالَ مِثْلَهُ لِلصَّدِيقِ، وقالَ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١] فَلَمْ يَبْقَ في حَقِّ هَؤُلاءِ ذَلِكَ الإبْهامُ، ولا كَدَرُ خَواطِرِهِمْ بِتَكاثُفِ ذَلِكَ الإظْلامِ، بِما مَنَحَهم سُبْحانَهُ وتَعالى مِن نِعْمَةِ الإحْسانِ بِما وعَدَهم في قَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] و ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢] فَعَمَلَ هَؤُلاءِ عَلى بَصِيرَةٍ، واسْتَوْلَوُا اجْتِهادًا بِتَوْفِيقِ رَبِّهِمْ عَلى أعْمالٍ جَلِيلَةٍ خَطِيرَةٍ، فَقَطَعُوا عَنِ الدُّنْيا الآمالَ، وتَأهَّبُوا لِآخِرَتِهِمْ بِأوْضَحِ الأعْمالِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] فَلِابْتِداءِ الأمْرِ وشِدَّةِ الإبْهامِ والإظْلامِ أشارَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا (p-١٠٦)يَغْشى﴾ [الليل: ١] ولَمّا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ الحالُ في حَقِّ مَن كَتَبَ في قَلْبِهِ الإيمانَ وأيَّدَهُ بِرُوحٍ مِنهُ أشارَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] ولِانْحِصارِ السُّبُلِ وإنْ تَشَعَّبْتُ في طَرِيقِي ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] أشارَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] الواحِدُ مُطْلَقًا، فَقَدْ وضَحَ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ بَعْضَ ما يَسُرُّ مِن تَخْصِيصِ هَذا القَسَمِ - واللَّهُ أعْلَمُ، أمّا سُورَةُ الضُّحى فَلا إشْكالَ في مُناسَبَةٍ في اسْتِفْتاحِ القَسَمِ بِالضُّحى لِما يُسِرُّهُ بِهِ سُبْحانَهُ لا سِيَّما إذا اعْتَبَرَ ما ذَكَرَ مِن سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ، وأنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ فَتَرَ عَنْهُ الوَحْيُ حَتّى قالَ بَعْضُ الكُفّارِ: قَلى مُحَمَّدًا رَبُّهُ، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ مُشْعِرَةً عَنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ والبِشارَةِ - انْتَهى.
93:4Page 596
وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ ٤
And the Hereafter is better for you than the first [life].
ولَمّا ذَكَرَ حالَهُ في الدُّنْيا بِأنَّهُ لا يَزالُ يُواصِلُهُ بِالوَحْيِ والكَرامَةِ، ومِنهُ ما هو مَفْتُوحٌ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ رُوِيَ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أرَيْتَ ما هو مَفْتُوحٌ عَلى أُمَّتِي مِن بَعْدِي كُفْرًا كُفْرًا فَسَرَّنِي ذَلِكَ» . فَلَمّا كانَ ذَلِكَ وكانَ ذِكْرُهُ عَلى وجْهٍ شَمِلَ الدّارَيْنِ صَرَّحَ بِالآخِرَةِ الَّتِي هي أعْلى وأجَلُّ، (p-١٠٧)ولِأدْنى مَن يَدْخُلُها فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، فَكَيْفَ بِما لَهُ ﷺ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ كَما أكَّدَ الأوَّلَ بِالقَسَمِ بِما لَهم فِيهِ مِنَ الإنْكارِ: ﴿ولَلآخِرَةُ﴾ أيِ الَّتِي هي المَقْصُودُ مِنَ الوُجُودِ بِالذّاتِ لِأنَّها باقِيَةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ الكَدَرِ أوِ الحالَةِ المُتَأخِّرَةِ لَكَ لِيَفْهَمَ مِنهُ أنَّهُ لا يَزالُ في تَرَقٍّ مِن عَلَيٍّ إلى أعْلى مِنهُ وكامِلٍ إلى أكْمَلَ مِنهُ دائِمًا أبَدًا لا إلى نِهايَةِ ﴿خَيْرٌ﴾ وقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ كَذَلِكَ ﴿مِنَ الأُولى﴾ أيِ الدُّنْيا الفانِيَةِ الَّتِي لا سُرُورَ فِيها خالِصٌ كَما أنَّ النَّهارَ الَّذِي هو بَعْدَ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنهُ وأشْرَفُ ولا سِيَّما الضُّحى مِنهُ، وقَدْ أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ النّاسَ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: مِنهم مَن لَهُ الخَيْرُ في الدّارَيْنِ وهم أهْلُ الطّاعَةِ الأغْنِياءُ، [ومِنهم مَن لَهُ الشَّرُّ فِيهِما وهُمُ الكَفَرَةُ الفُقَراءُ]، ومِنهم مَن لَهُ صُورَةٌ [خَيْرٌ في الدُّنْيا وشَرٌّ في الآخِرَةِ وهُمُ الكَفَرَةُ الأغْنِياءُ، ومِنهم مَن لَهُ صُورَةُ شَرٍّ] في الدُّنْيا وخَيْرٍ في الآخِرَةِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الفُقَراءُ، قَدْ قالَ:
؎النّاسُ في الدُّنْيا عَلى أرْبَعٍ ∗∗∗ والنَّفْسُ في فِكْرَتِهِمْ حائِرَةٌ
؎فَواحِدٌ دُنْياهُ مَقْبُوضَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ إنَّ لَهُ مِن بَعْدِها آخِرَةٌ
؎وواحِدٌ دُنْياهُ مَبْسُوطَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لَيْسَ لَهُ مِن بَعْدِها آخِرَةٌ
؎وواحِدٌ قَدْ حازَ حَظَّيْهِما ∗∗∗ ∗∗∗ سَعِيدٌ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ
؎(p-١٠٨)وواحِدٌ يَسْقُطُ مِن بَيْنِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ فَذَلِكَ لا دُنْيا ولا آخِرَةَ
93:5Page 596
وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ ٥
And your Lord is going to give you, and you will be satisfied.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الدُّنْيا والآخِرَةَ، ذَكَرَ ما يَشْمَلُهُما مِمّا زادَهُ مِن فَضْلِهِ، فَقالَ مُصَدِّرًا بِحَرْفِ الِابْتِداءِ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَهُ ولَيْسَتْ لِلْقَسَمِ لِأنَّها إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ لَزِمَتْهُ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ، وضَمَّ هَذِهِ اللّامَ إلى كَلِمَةِ التَّنْفِيسِ لِلدَّلالَةِ عَلى [أنَّ] العَطاءَ وإنْ تَأخَّرَ وقْتُهُ لِحِكْمَةِ كائِنٍ لا مَحالَةَ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ أيْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ وإنْ تَأخَّرَ وقْتُهُ بِما أفْهَمَتْهُ الأداةُ ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُحْسِنُ إلَيْكَ بِوَعْدِ الدُّنْيا ووَعْدِ الآخِرَةِ ﴿فَتَرْضى﴾ أيْ فَيَتَعَقَّبُ عَلى ذَلِكَ ويَتَسَبَّبُ عَنْهُ رِضاكَ. وهَذا شامِلٌ لِما مَنَحَهُ بَعْدَ كَمالِ النَّفْسِ مِن كَمالِ العِلْمِ وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ وفَتْحِ البِلادِ ودَيْنُونَةِ العِبادِ ونَقْصِ مَمالِكِ الجَبابِرَةِ، وإنْهابِ كُنُوزِ الأكاسِرَةِ [و] القَياصِرَةِ، وإحْلالُ الغَنائِمِ حَتّى كانَ يُعْطِي عَطاءَ مَن لا يَخافُ الفَقْرَ، وشامِلٌ لِما ادَّخَرَهُ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الآخِرَةِ مِنَ المَقامِ المَحْمُودِ والحَوْضِ المَوْرُودِ، والشَّفاعَةِ العُظْمى إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُدُودِ، وقَدْ أفْهَمَتِ العِبارَةُ أنَّ النّاسَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: مُعْطًى راضٍ، ومَمْنُوعٌ غَيْرُ راضٍ، ومُعْطًى (p-١٠٩)غَيْرُ راضٍ، ومَمْنُوعٌ راضٍ، وعَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّها أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ لِأنَّهُ ﷺ لا يَرْضى واحِدًا مِن أُمَّتِهِ في النّارِ.
93:6Page 596
أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ ٦
Did He not find you an orphan and give [you] refuge?
ولَمّا وعَدَهُ بِأنَّهُ لا يَزالُ في كُلِّ لَحْظَةٍ يَرْقِيهِ في مَراقِي العُلا والشَّرَفِ، ذَكَرَهُ بِما رَقّاهُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن حِينِ تُوُفِّيَ أبَوْهُ وهو حَمْلٌ وماتَتْ أُمُّهُ وهو ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ، فَتَمَّ يُتْمُهُ مِنَ الأبَوَيْنِ قَبْلَ بُلُوغِهِ لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ - كَما قالَ جَعْفَرُ الصّادِقُ - حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ، فَقالَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ﴾ أيْ يُصادِفْكَ أيْ يَفْعَلُ بِكَ فِعْلَ مَن صادَفَ آخَرَ حالَ كَوْنِهِ ﴿يَتِيمًا فَآوى﴾
ولَمّا كانَ يَلْزَمُ مِنَ اليُتْمِ في الغالِبِ عَدَمَ العِلْمِ لِلْيَتِيمِ لِتَهاوُنِ الكافِلِ، ومِن عَدَمِ العِلْمِ الضَّلالُ، قالَ مُبَيِّنًا أنْ يُتْمَهُ وإهْمالَهُ مِنَ الحَمْلِ عَلى دِينِهِمْ كانَ نِعْمَةً عَظِيمَةً عَلَيْهِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِ قَوْمِهِ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ أصْلًا: ﴿ووَجَدَكَ﴾ أيْ صادَفَكَ ﴿ضالا﴾ أيْ لا تَعْلَمُ الشَّرائِعَ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] فَأطْلَقَ اللّازِمَ وهو الضَّلالُ عَلى المَلْزُومِ، والمُسَبِّبَ عَلى السَّبَبِ، وهو عَدَمُ العِلْمِ، فَكُنْتُ لِأجْلِ ذَلِكَ [لا تُقْدِمُ] عَلى فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ لِأنَّكَ لا تَعْلَمُ الحُكْمَ فِيهِ إلّا ما عَلِمْتَ بِالعَقْلِ الصَّحِيحِ والفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ المُسْتَقِيمَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ وبَعْضِ تَوابِعِهِ، وهَذا هو التَّقْوى كَما تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، ولَمْ يَرِدْ بِهِ حَقِيقَتُهُ وإنَّما أعْراهُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ ونَحْوِها بِإعْدامِ مَن يَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ لِيُفَرِّغَهُ (p-١١٠)ذَلِكَ التَّأمُّلُ بِنَفْسِهِ فَيُوصِلُهُ بِعَقْلِهِ السَّدِيدِ إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ في الأُصُولِ [والوُقُوفُ فِي] الفُرُوعِ ﴿فَهَدى﴾ أيْ فَهَداكَ هُدًى مُحِيطًا بِكُلِّ عِلْمٍ، فَعِلْمُكَ بِالوَحْيِ والإلْهامِ والتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ.
ولَمّا كانَ العِيالُ يَمْنَعُونَ مِنَ التَّفَرُّغِ لِعِلْمٍ أوْ غَيْرِهِ قالَ: ﴿ووَجَدَكَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِكَ ﴿عائِلا﴾ أيْ ذا عِيالٍ لا تَقْدِرُ عَلى التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ أوْ فَقِيرًا، قالَ ابْنُ القَطّاعِ: عالَ الرَّجُلُ: افْتَقَرَ، وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ.
﴿فَأغْنى﴾ بِما جُعِلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ ثُمَّ مِن كَسْبِ الغَنائِمِ وقَدْ أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ النّاسَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: مِنهم مَن وجَدَ الدِّينَ والدُّنْيا، ومِنهم مَن عَدِمَهُما، ومِنهم مَن وجَدَ الدِّينَ لا وجَدَ الدُّنْيا، ومِنهم مَن وجَدَ الدُّنْيا لا الدِّينَ.
ولَمّا ذَكَرَهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ مِن هَذِهِ [النِّعَمِ] الثَّلاثِ أوْصاهُ بِما يَفْعَلُ في ثَلاثٍ مُقابِلَةٍ لَها، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ مُقَدِّمًا مَعْمُولٌ ما بَعْدَ الفاءِ عَلَيْها اهْتِمامًا: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ ﴿فَلا تَقْهَرْ﴾ أيْ تَغَلُّبُهُ عَلى شَيْءٍ فَإنَّما أذَقْتُكَ اليُتْمَ تَأْدِيبًا بِأحْسَنِ الآدابِ لِتَعْرِفَ ضَعْفَ اليَتِيمِ وذُلَّهُ، وفَوْقَ ذَلِكَ كَفالَتَهُ وهي خِلافَةٌ عَنِ اللَّهِ لِأنَّ اليَتِيمَ لا كافِلَ لَهُ إلّا اللَّهُ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنا وكافِلُ اليَتِيمِ كَهاتَيْنِ» - وأشارَ بِالسَّبّابَةِ والوُسْطى.
(p-١١١)ولَمّا بَدَأ بِما كانَ بِدايَةً لَهُ، ثَنّى بِما هو نِهايَةٌ لَهُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ يَصِيرُ رَأْسَ الخُلُقِ فَيَصِيرُ مَحَطَّ الرِّجالِ في كُلِّ سُؤالٍ مِن عِلْمٍ ومالٍ، فَقالَ مُقَدِّمًا لَهُ اهْتِمامًا بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ جَبْرُ الخَواطِرِ واسْتِئْلافُ الخُلُقِ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ في تَمامِ الدِّينِ: ﴿وأمّا السّائِلَ﴾ أيِ الَّذِي أحْوَجَتْهُ العَيْلَةُ أوْ غَيْرُها إلى السُّؤالِ ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ أيْ تَزْجُرُ زَجْرًا مُهِينًا، فَقَدْ عُلِمَتْ مَضاضَةُ العَيْلَةِ، بَلْ أعْطِهِ ولَوْ قَلِيلًا، أوْ رُدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا، وكَذا السّائِلُ [فِي العِلْمِ].
93:11Page 596
وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ ١١
But as for the favor of your Lord, report [it].
ولَمّا ذَكَرَ لَهُ تَفْصِيلَ ما يَفْعَلُ في اليَتِيمِ والفَقِيرِ والجاهِلِ، أمَرَهُ بِما يَفْعَلُ في العِلْمِ الَّذِي آتاهُ إيّاهُ إعْلامًا بِأنَّهُ الآلَةُ الَّتِي يَسْتَعْمِلُها في الأمْرَيْنِ الماضِيَيْنِ وغَيْرِهِما لِأنَّها أشْرَفُ أحْوالِ الإنْسانِ وهي أوْفَقُ الأُمُورِ لِأنْ يَكُونُ مَقْطَعَ السُّورَةِ لِتُوافُقِ مَطْلَعِها فَقالَ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْكَ بِإصْلاحِ جَمِيعِ ما يُهِمُّكَ مِنَ العِلْمِ وغَيْرِهِ وبِالهِجْرَةِ ومَبادِئِها عند تَمامِ عَدِدِ آيِها [مِنَ] السِّينِ وهي إحْدى عَشْرَةَ ﴿فَحَدِّثْ﴾ أيْ فاذْكُرِ النُّبُوَّةَ وبَلِّغِ الرِّسالَةَ فاذْكُرْ جَمِيعَ نِعَمِهِ عَلَيْكَ فَإنَّها نِعَمٌ عَلى الخَلْقِ كافَّةً، ومِنها إنْقاذُكَ بِالهِجْرَةِ مِن أيْدِي الكَفَرَةِ وإعْزازُكَ بِالأنْصارِ، وتَحْدِيثُكَ بِها شُكْرَها، فَإنَّكَ مُرْشِدٌ يَحْتاجُ النّاسُ إلى الِاقْتِداءِ بِكَ، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْرِفُوا [لَكَ] ذَلِكَ ويَتَعَرَّفُوا مِقْدارَكَ لِيُؤَدُّوا (p-١١٢)حَقَّكَ، فَحِدِّثْهم أنِّي ما ودَّعْتُكَ ولا قَلِيْتُكَ، ومَن قالَ ذَلِكَ فَقَدْ خابَ وافْتَرى، واشْرَحْ لَهم تَفاصِيلَ ذَلِكَ بِما وهَبْتُكَ مِنَ العِلْمِ الَّذِي هو أضْوَأُ مِن [ضِياءِ] الضُّحى وقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها بِالتَّحْدِيثِ بِهَذا القَسَمِ والمُقْسَمِ لِأجْلِهِ، وما لِلْمَلِكِ الأعْلى في ذَلِكَ مِن عَمِيمِ فَضْلِهِ: ولَقَدِ امْتَثَلَ ﷺ وابْتَدَأ هَذا التَّحْدِيثَ الَّذِي يَشْرَحُ الصُّدُورَ، ويَمْلَأُ الأكْوانَ مِنَ السُّرُورِ، والنِّعْمَةَ والحُبُورِ، لِأنَّهُ بِأكْبَرِ النِّعَمِ المُزِيلَةِ لِكُلِّ النِّقَمِ بِالتَّكْبِيرِ كَما ورَدَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وفي رِوايَةِ السَّوَسِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ابْتِدائِهِ وانْتِهائِهِ ولَفْظِهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو مِن أوَّلِ الضُّحى، وقالَ آخَرُونَ: مِن آخِرِها، وقالَ غَيْرُهم مَن أوَّلِ الشَّرْحِ، فَمَن قالَ لِلْأوَّلِ لَمْ يُكَبِّرْ آخِرُ النّاسِ، ومَن قالَ لِلْآخَرِ انْتَهى تَكْبِيرُهُ بِالتَّكْبِيرِ في آخِرِها، وسَبَبُهُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام لَمّا أتى النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَتَلا السُّورَةَ عَلَيْهِ كَبَّرَ مَسْرُورًا لِما كانَ أحْزَنَهُ مِنَ الفَتْرَةِ ومِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: قَلاهُ رَبُّهُ، وتَحْدِيثًا بِالنِّعَمِ الَّتِي حَباهُ اللَّهُ بِها في هَذِهِ السُّورَةِ لَهُ ولِأُمَّتِهِ (p-١١٣)امْتِثالًا لِما أمَرَ بِهِ واخْتَلَفَ عَنْهم في لَفْظِهِ، فَمِنهم مَنِ اقْتَصَرَ عَلى ”اللَّهُ أكْبَرُ“ ومِنهم مَن زادَ التَّهْلِيلَ فَقالَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ“ وهَذا هو المُسْتَعْمَلُ، ومِنهم مَن زادَ ”ولِلَّهِ الحَمْدُ“ والرّاجِحُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لِآخِرِ الضُّحى إسْنادًا ومَعْنى، لِأنَّها وإنْ كانَتْ هي السَّبَبُ والعادَةُ جارِيَةٌ بِأنَّ مَن دَهَمَهُ أمْرٌ عَظِيمٌ يُكَبِّرُ مَعَ أوَّلِهِ، لَكِنَّ شَغْلَهُ ﷺ بِالإصْغاءِ إلى ما يُوحى إلَيْهِ مَنَعَهُ مِن ذَلِكَ، فَلَمّا خُتِمَتِ السُّورَةُ تَفَرَّغَ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ [كَأنَّهُ] ابْتِداءُ مُفاجَأةِ ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ لَهُ، وزادَ ما في السُّورَةِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّحْمِيدِ وما في ذَلِكَ مِن بَدائِعِ الصُّنْعِ المُوجِبِ لِلتَّهْلِيلِ، وقَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ سَبَبُ مَن ظَنَّهُ في أوَّلِها، وأمّا مَن ظَنَّهُ لِأوَّلِ الشَّرْحِ فَكَوْنُهُ كانَ في [آخِرِ] الضُّحى، فَإذا وصَلَ بِها ”ألَمْ نَشْرَحْ“ أُلْبِسَ الحالُ، وتَعْلِيقُ الأشْياءِ بِالأوائِلِ هو الأمْرُ المُعْتادُ، وحِكْمَتُهُ مَعَ ما مَضى مِن سَبَبِهِ أنَّ التَّهْلِيلَ تَوْحِيدُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالأمْرِ، وامْتِناعُ شَرِيكٍ يَمْنَعُهُ مِن شَيْءٍ يُرِيدُهُ مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ، والتَّكْبِيرُ تَفْرِيدُهُ لَهُ بِالكِبْرِياءِ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شَوْبِ نَقْصٍ يُلِمُّ بِهِ مِن أنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ عِلْمُ ما لَمْ يَكُنْ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا (p-١١٤)لِقَطْعِ مَن وصَلَهُ بِوَحْيٍ أوْ غَيْرِهِ، والتَّحْمِيدُ إثْباتُ التَّفَرُّدِ بِالكَمالِ لَهُ عَلى إسْباغِ نِعَمِهِ، وفي ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ آذَنَتْ بِأنَّ القُرْآنَ أشْرَفُ عَلى الخِتامِ، لِأنَّ عادَةَ الحُكَماءِ مِنَ المُدَبِّرِينَ تَخْفِيفُ المَنازِلِ في الأواخِرِ عَلى السّائِرِينَ كَتَخْفِيفِ أوَّلِ مَرْحَلَةٍ رِفْقًا بِالمُقَصِّرِينَ، فَناسَبَ الذِّكْرِ بِهَذا عِنْدَ الآخَرِ لِأنَّ تَذَكُّرَ الِانْقِضاءِ يُهَيِّجُ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَ السّالِكِ، ولِأنَّ تَقْصِيرَ السُّورِ [رُبَّما] أوْهَمَ شَيْئًا مِمّا لا يَلِيقُ، فَسُنَّ التَّنْزِيهُ بِتَكْبِيرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ كُلِّ ما يُوهِمُ نَقْصًا، وإثْباتِ الكَمالِ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ مُنَبِّهٌ عَلى الحَثِّ عَلى تَدَبُّرِ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الجَمْعِ لِلْمَعانِي عَلى وِجازَتِها وقَصْرِ آياتِها وحَلاوَتِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَخْفِيفِ التَّعْلِيمِ، والتَّدْرِيبِ عَلى الحِفْظِ في المَبادِئِ والتَّحْبِيبِ [فِيهِ] والتَّهْيِيمِ، والتَّحْمِيدِ عَلى إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلى غايَةِ الإحْكامِ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences