Al-Biqa'iAsh‑Shu'ara · 26:1–13

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الشعراء

Ash-Shu'ara

The Poets · Meccan · 227 ayahs

26:1Page 367

طسٓمٓ ١

Ṭā, Seen, Meem.1

(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الشُّعَراءِ

مَقْصُودُها أنَّ هَذا الكِتابَ بَيِّنٌ في نَفْسِهِ بِإعْجازِهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، مُبَيِّنٌ لِكُلِّ مُلْتَبِسٍ، ومِن ذَلِكَ بَيانٌ آخَرُ الَّتِي قَبْلَها بِتَفْصِيلِهِ، وتَنْزِيلِهِ عَلى أحْوالِ الأُمَمِ وتَمْثِيلِهِ، وتَسْكِينُ أسَفِهِ ﷺ خَوْفًا [مِن] أنْ يَعُمَّ أُمَّتَهُ الهَوانُ، بِعَدَمِ الإيمانِ، وأنْ يَشْتَدَّ قَصْدُهم لِأتْباعِهِ بِالأذى والعُدْوانِ، بِما تُفْهِمُهُ ”سَوْفَ“ مِن طُولِ الزَّمانِ، بِالإشارَةِ إلى إهْلاكِ مَن عُلِمَ مِنهُ دَوامُ العِصْيانِ، ورَحْمَةُ مَن أرادَهُ لِلْهِدايَةِ والإحْسانِ، وتَسْمِيَتُها بِالشُّعَراءِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ بِما يُفارِقُ بِهِ القُرْآنُ الشِّعْرَ مِن عُلُوِّ مَقامِهِ، واسْتِقامَةِ مَناهِجِهِ وعِزِّ مَرامِهِ، وصِدْقِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وعَدْلِ تَبْشِيرِهِ وتَهْدِيدِهِ، وكَذا تَسْمِيَتُها بِالظُّلَّةِ إشارَةً إلى أنَّهُ أعْدَلُ (p-٢)فِي بَيانِهِ، أوْ أدَلُّ في جَمِيعِ شَأْنِهِ، مِنَ المَقادِيرِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمِكْيالِ والمِيزانِ، وأحْرَقَ مِنَ الظُّلَّةِ لِمَن يُبارِزُهُ بِالعِصْيانِ.

”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي دَلَّ عَلى عُلُوِّ كَلامِهِ، عَلى عَظَمَةِ شَأْنِهِ وعِزِّ مَرامِهِ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي لا يَعْجَلُ عَلى مَن عَصاهُ، ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي يُحْيِي قُلُوبَ أهْلِ وُدِّهِ بِالتَّوْفِيقِ لَمّا يَرْضاهُ ﴿طسم﴾ [لَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى الطَّهارَةِ الواقِعَةِ بِذِي طُوًى مِن طُورِ سَيْناءَ وطَيْبَةَ ومَكَّةَ وطِيبِ ما نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِمّا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ، وإلى خَلاصِ بَنِي إسْرائِيلَ بِما سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ القَدِيمِ، وبِإتْمامِ أمْرِهِمْ بِتَهْيِئَتِهِمْ لِلْمُلْكِ بِإغْراقِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ ونَصْرِهِمْ عَلى مَن ناواهم في ذَلِكَ الزَّمانِ بَعْدَ تَطْهِيرِهِمْ بِطُولِ البَلاءِ الَّذِي أوْصَلَهم إلى ذُلِّ العُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ إشارَةً إلى تَهْدِيدِ قُرَيْشٍ بِأنَّهم إنْ لَمْ يَتْرُكُوا لَدَدَهم فَعَلَ بِهِمْ ما فَعَلَ بِفِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ مِنَ الإذْلالِ بِأيِّ وجْهٍ أرادَ. وخَلَّصَ عِبادَهُ مِنهم، وأعَزَّهم عَلى كُلِّ مَن ناواهُمْ].

26:2Page 367

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢

These are the verses of the clear Book.

ولَمّا فَرَّقَ سُبْحانَهُ في تِلْكَ بَيْنَ الدِّينِ الحَقِّ والمَذْهَبِ الباطِلِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ غايَةَ البَيانِ، وفَصَلَ الرَّحْمَنَ مِن عِبادِ الشَّيْطانِ، وأخْبَرَ أنَّهُ عَمَّ بِرِسالَتِهِ ﷺ جَمِيعَ الخَلائِقِ، وخَتَمَ بِشَدِيدِ الإنْذارِ (p-٣)لِأهْلِ الإدْبارِ، بَعْدَ أنْ قالَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] وكانَ حِينَ نُزُولِها لَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا القَلِيلُ، وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ قُرْبَ إهْلاكِهِمْ وإنْزالِ البَطْشِ بِهِمْ، كَما كانَ في آخِرِ سُورَةِ مَرْيَمَ، وأشارَتِ الأحْرُفُ المُقَطَّعَةُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ، فَأوْجَبَ الأسَفَ عَلى فَواتِ ما كانَ يُرْجى مِن رَحْمَتِهِمْ بِالإيمانِ، والحِفْظِ عَنْ نَوازِلِ الحَدَثانِ، وكانَ ذَلِكَ أيْضًا رُبَّما أوْجَبَ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ، أنَّ عَدَمَ إسْلامِهِمْ لِنَقْصٍ في البَيانِ، أزالَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ أوَّلَ هَذِهِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ﴾ أيْ: الآياتُ العالِيَةُ المَرامِ، الحائِزَةُ أعْلى مَراتِبِ التَّمامِ، المُؤَلَّفَةُ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي تَتَناطَقُونَ بِها وكَلِماتِ لِسانِكم،

﴿آياتُ الكِتابِ﴾ أيْ: الجامِعِ لِكُلِّ فُرْقانٍ،

﴿المُبِينِ﴾ أيْ: الواضِحُ في نَفْسِهِ أنَّهُ مُعْجِزٌ، وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ فِيهِ كُلَّ مَعْنًى جَلِيلٍ، الفارِقُ لِكُلِّ مُجْتَمِعٍ مُلْتَبِسٍ بِغايَةِ البَيانِ، فَصَحَّ أنَّهُ كَما ذَكَرَ في الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّ الإبانَةَ هي الفَصْلُ والفَرْقُ، فَصارَ الإخْبارُ بِأنَّهُ فُرْقانٌ مُكْتَنِفًا الإنْذارَ أوَّلَ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها وآخِرَها – واللَّهُ المُوَفِّقُ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا عَرَّفَتْ سُورَةُ الفُرْقانِ بِشَنِيعِ مُرْتَكَبِ الكَفَرَةِ المُعانِدِينَ، وخُتِمَتْ بِما ذُكِرَ مِنَ الوَعِيدِ، كانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإشْفاقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَأسُّفِهِ عَلى فَواتِ إيمانِهِمْ، لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ والإشْفاقِ، فافْتُتِحَتِ السُّورَةُ الأُخْرى بِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-٤)والسَّلامُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ شاءَ لَأنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً تَبْهَرُهم وتُذِلُّ جَبابِرَتَهم فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] - الآيَتَيْنِ، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى عِنْدَ إرادَةِ تَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥] ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧] ثُمَّ أعْقَبَ سُبْحانَهُ بِالتَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧] ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠] وقَلَّما تَجِدُ في الكِتابِ العَزِيزِ وُرُودَ تَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا مُعَقَّبَةً بِقَصَصِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما كابَدَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وفِرْعَوْنَ، وفي كُلِّ قِصَّةٍ مِنها إحْرازُ ما لَمْ تُحْرِزْهُ الأُخْرى مِنَ الفَوائِدِ والمَعانِي والأخْبارِ حَتّى لا تَجِدَ قِصَّةٌ تَتَكَرَّرُ وإنْ ظَنَّ ذَلِكَ مِن لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ، فَما مِن قِصَّةٍ مِنَ القَصَصِ المُتَكَرِّرَةِ في الظّاهِرِ إلّا ولَوْ سَقَطَتْ أوْ قُدِّرَ إزالَتُها لَنَقَصَ مِنَ الفائِدَةِ ما لا يَحْصُلُ مِن غَيْرِها، وسَيُوَضَّحُ هَذا في التَّفْسِيرِ بِحَوْلِ اللَّهِ؛ ثُمَّ أتْبَعَ جَلَّ وتَعالى قِصَّةَ مُوسى بِقَصَصِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أُمَمِهِمْ عَلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ، وتَأْنِيسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى لا يُهْلِكَ نَفْسَهُ أسَفًا عَلى فَوْتِ إيمانِ قَوْمِهِ؛ ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكِتابِ (p-٥)وعَظِيمِ النِّعْمَةِ بِهِ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] فَيا لَها كَرامَةً تَقْصُرُ الألْسُنُ عَنْ شُكْرِها، وتَعْجِزُ العُقُولُ عَنْ تَقْدِيرِها، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِعَلِيِّ أمْرِ هَذا الكِتابِ وشائِعِ ذِكْرِهِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] وأخْبَرَ أنَّ عِلْمَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أعْظَمِ آيَةٍ وأوْضَحِ بُرْهانٍ وبَيِّنَةٍ، وأنَّ تَأمُّلَ ذَلِكَ كافٍ، واعْتِبارَهُ شافٍ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ، ثُمَّ وبَّخَ تَعالى مُتَوَقَّفِي العَرَبِ فَقالَ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] - الآيَةُ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَتَّعِظُ بِهِ المُؤْمِنُ الخائِفُ مِن أنَّ الكِتابَ -مَعَ أنَّهُ هُدًى ونُورٌ- قَدْ يَكُونُ مِحْنَةً في حَقِّ طائِفَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] فَقالَ تَعالى في هَذا المَعْنى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] الآياتُ، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى تَنْزِيهِ الكِتابِ وإجْلالِهِ عَنْ أنْ تَتَسَوَّرَ الشَّياطِينُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ أوْ تَصِلَ إلَيْهِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] أيْ: لَيْسُوا أهْلًا لَهُ ولا يَقْدِرُونَ عَلى اسْتِراقِ سَمْعِهِ، بَلْ هم مَعْزُولُونَ عَنِ السَّمْعِ، مَرْجُومُونَ بِالشُّهُبِ، ثُمَّ وصّى تَعالى (p-٦)نَبِيَّهُ ﷺ والمُرادُ: المُؤْمِنُونَ- فَقالَ: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ثُمَّ أمَرَهُ بِالإنْذارِ ووَصّاهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى بِمَوْقِعِ ما تَوَهَّمُوهُ، وأهْلِيَّةِ ما تَخَيَّلُوهُ، فَقالَ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَـزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ثُمَّ وصَفَهم، وكُلُّ هَذا تَنْزِيهٌ لِنَبِيِّهِ ﷺ عَمّا تَقَوَّلُوهُ، ثُمَّ هَدَّدَهم وتَوَعَّدَهم فَقالَ: ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] -انْتَهى.

26:3Page 367

لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٣

Perhaps, [O Muḥammad], you would kill yourself with grief that they will not be believers.

ولَمّا كانَ قَدْ قَدَّمَ في تِلْكَ أنَّهُ عَمَّ بِرِسالَتِهِ جَمِيعَ الخَلائِقِ، وخَتَمَ بِالإنْذارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ في تَخَلُّفِهِمْ، مَعَ إزاحَةِ جَمِيعِ العِلَلِ، نَفى كُلَّ خَلَلٍ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي شِدَّةَ أسَفِهِ ﷺ عَلى المُتَخَلِّفِينَ كَما هو مِن مَضْمُونِ،

﴿إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] عَلى ما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِما عِنْدَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ مِن مَزِيدِ الشَّفَقَةِ، وعَظِيمِ الرَّحْمَةِ، قالَ تَعالى يُسَلِّيهِ، ويُزِيلُ مِن أسَفِهِ ويُعَزِّيهِ، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا نَقْصَ في إنْذارِهِ ولا في كِتابِهِ الَّذِي يُنْذِرُ بِهِ يَكُونُ سَبَبًا لِوُقُوفِهِمْ عَنِ الإيمانِ. وإنَّما السَّبَبُ في ذَلِكَ مَحْضُ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ: مُهْلِكُها غَمًّا، وقاتِلُها أسَفًا، مِن بَخَعَ الشّاةَ (p-٧)إذا بالَغَ في ذَبْحِها حَتّى قَطَعَ البِخاعَ، بِكَسْرِ المُوَحَّدَةِ، وهو عِرْقٌ باطِنٌ في الصُّلْبِ وفي القَفا، وذَلِكَ أقْصى حَدِّ الذّابِحِ، [وهُوَ] غَيْرُ النُّخاعِ بِتَثْلِيثِ النُّونِ فَإنَّهُ الخَيْطُ الأبْيَضُ في جَوْفِ الفَقارِ، ”أنْ“ أيْ: لِأجْلِ أنْ ”لا يَكُونُوا“ [أيْ: كَوْنًا كَأنَّهُ جِبِلَّةٌ لَهُمْ] ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: راسِخِينَ في الإيمانِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الكِتابُ في غايَةِ البَيانِ في نَفْسِهِ والإبانَةِ لِلْغَيْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، أتَخافُ وتُشْفِقُ عَلى نَفْسِكَ مِنَ الهَلاكِ غَمًّا وتَأسُّفًا عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ والحالُ أنّا لَوْ شِئْنا لَهَدَيْناهم طَوْعًا أوْ كَرْهًا، والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ الإشْفاقِ في مَوْضِعِ حالٍ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ كَما أنَّ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ مِنها، أيْ: نَحْنُ نُشِيرُ إلى الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِمُرادِنا فِيهِمْ والحالُ أنَّكَ -لِمَزِيدِ حِرْصِكَ عَلى نَفْعِهِمْ- بِحالٍ يُشْفِقُ فِيها عَلَيْكَ مَن لا يَعْلَمُ الغَيْبَ مِن أنْ تَقْتُلَ نَفْسَكَ غَمًّا لِإبائِهِمُ الإيمانَ والحالُ أنّا لَوْ شِئْنا أتَيْناهم بِما يَقْهَرُهم ويُذِلُّهم لِلْإيمانِ وغَيْرِهِ.

26:4Page 367

إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ٤

If We willed, We could send down to them from the sky a sign for which their necks would remain humbled.1

ولَمّا كانَ المُحِبُّ مَيّالًا إلى ما يُرِيدُ حَبِيبُهُ، أعْلَمَهم أنَّ كُلَّ ما هم فِيهِ بِإرادَتِهِ فَقالَ: ﴿إنْ نَشَأْ﴾ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ فِيهِ وفي قَوْلِهِ: ﴿نُنَـزِّلْ﴾ إعْلامًا بِدَوامِ القُدْرَةِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الإنْزالُ مِن بابِ القَسْرِ، والجَبَرُوتِ (p-٨)والقَهْرِ، قالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وقالَ مُحَقِّقًا لِلْمُرادِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: الَّتِي جَعَلْنا فِيها بُرُوجًا لِلْمَنافِعِ، وأشارَ إلى تَمامِ القُدْرَةِ بِتَوْحِيدِها فَقالَ: ﴿آيَةً﴾ أيْ: قاهِرَةً كَما فَعَلْنا بِبَعْضِ مَن قَبْلَهم بِنَتْقِ الجَبَلِ ونَحْوِهِ؛ وأشارَ إلى تَحَقُّقِ أثَرِها بِالتَّعْبِيرِ بِالماضِي في قَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ”نَنْزِلُ“ لِأنَّهُ في مَعْنى: ”أنْزَلْنا“: ﴿فَظَلَّتْ﴾ أيْ: عَقِبَ الإنْزالِ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ ﴿أعْناقُهُمْ﴾ الَّتِي هي مَوْضِعُ الصَّلابَةِ، وعَنْها تَنْشَأُ حَرَكاتُ الكِبْرِ والإعْراضِ ﴿لَها﴾ أيْ: لِلْآيَةِ دائِمًا، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِما يُفْهِمُ النَّهارَ لِأنَّهُ مَوْضِعُ القُوَّةِ عَلى جَمِيعِ ما يُرادُ مِنَ التَّقَلُّبِ والحِيَلِ والمُدافَعَةِ ﴿خاضِعِينَ﴾ جَمْعُهُ كَذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ لِأهْلِها لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذُلَّهم لَها يَكُونُ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمِيعًا، ولا يُغْنِي جَمْعُهم وإنْ زادَ شَيْئًا، والأصْلُ: فَظَلُّوا، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ الأعْناقَ لِأنَّها مَوْضِعُ الخُضُوعِ فَإنَّهُ يَظْهَرُ لِينُها بَعْدَ صَلابَتِها، وانْكِسارُها بَعْدَ شَماخَتِها، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ الخُضُوعَ يَكُونُ بِالطَّبْعِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ لَما أبْهَتَهم وحَيَّرَهم مِن عَظَمَةِ الآيَةِ، فَكَأنَّ الفِعْلَ لِلْأعْناقِ لا لَهُمْ؛ والخُضُوعُ: التَّطَأْمُنُ والسُّكُونُ واللِّينُ ذُلًّا وانْكِسارًا، .

26:5Page 367

وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِينَ ٥

And no mention [i.e., revelation] comes to them anew from the Most Merciful except that they turn away from it.

﴿وما﴾ أيْ: هَذِهِ صِفَتُنا والحالُ أنَّهُ ما ﴿يَأْتِيهِمْ﴾ أيْ: الكُفّارُ ﴿مِن ذِكْرٍ﴾ أيْ: شَيْءٌ مِنَ الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ والتَّشْرِيعِ (p-٩)يَذْكُرُونَنا بِهِ، فَيَكُونُ سَبَبَ ذِكْرِهِمْ وشَرَفِهِمْ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ: الَّذِي أنْكَرُوهُ مَعَ إحاطَةِ نِعَمِهِ بِهِمْ ﴿مُحْدَثٍ﴾ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى تَنْزِيلِهِ وعِلْمِهِمْ بِهِ؛ وأشارَ إلى دَوامِ كِبْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو كالخَلْقِ لَهُمْ؛ وأشارَ بِتَقْدِيمِ الجارِّ والمُؤَذِّنُ بِالتَّخْصِيصِ إلى ما لَهم مِن سَعَةِ الأفْكارِ وقُوَّةِ الهِمَمِ لِكُلِّ ما يَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ، وإلى أنَّ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ مِنَ القُوَّةِ ما يُعَدُّ الإعْراضُ مَعَهُ عَنْ غَيْرِهِ عَدَمًا [فَقالَ: ] ﴿عَنْهُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: إعْراضًا هو صِفَةٌ لَهم لازِمَةٌ.

26:6Page 367

فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَيَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٦

For they have already denied, but there will come to them the news of that which they used to ridicule.

ولَمّا كانَ حالُ المْعْرِضِ عَنِ الشَّيْءِ حالَ المُكَذِّبِ بِهِ قالَ: ﴿فَقَدْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الفِعْلِ مِنهم أنَّهم قَدْ ﴿كَذَّبُوا﴾ أيْ: حَقَّقُوا التَّكْذِيبَ وقَرَّبُوهُ كَما تَقَدَّمَ آخِرَ تِلْكَ، [واسْتَهْزَؤُوا مَعَ التَّكْذِيبِ بِآياتِنا].

ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ بِالوَعِيدِ سَبَبًا في إيقاعِهِ، وكانَ حالُهم في تَكْذِيبِهِمْ لَهُ ﷺ حالَ المُسْتَهْزِئِ لِأنَّ مِن كَذَّبَ بِشَيْءٍ خَفَّ عِنْدَهُ قَدْرُهُ، فَصارَ عُرْضَةً لِلْهُزْءِ، قالَ مُهَدِّدًا: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ سَبَّبَهُ بِالفاءِ وحَقَّقَهُ بِالسِّينِ، وقَلَّلَ التَّنْفِيسَ عَمّا في آخِرِ الفُرْقانِ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما كَذَّبُوا بِهِ واقِعٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعًا لِلتَّكْذِيبِ بِوَجْهٍ ﴿أنْباءُ﴾ أيْ: عَظِيمُ أخْبارٍ وعَواقِبَ،

﴿ما﴾ أيْ: العَذابِ الَّذِي ﴿كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا كَأنَّهم جُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿بِهِ﴾ أيْ: خاصَّةً لِشِدَّةِ إمْعانِهِمْ في حَقِّهِ وحْدَهُ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: يَهْزَؤُونَ، (p-١٠)ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالسِّينِ إشارَةً إلى أنَّ حالَهم في شِدَّةِ الرَّغْبَةِ في ذَلِكَ الهُزْءِ حالَ الطّالِبِ لَهُ، [وقَدْ ضَمُّوا إلَيْهِ التَّكْذِيبَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ التَّكْذِيبَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، والِاسْتِهْزاءَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا].

26:7Page 367

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ٧

Did they not look at the earth - how much We have produced therein from every noble kind?

ولَمّا كانَتْ رُؤْيَتُهم لِلْآياتِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ المُوجِبَةِ لِلِانْقِيادِ والخُضُوعِ مُوجِبَةً لِإنْكارِ تَخَلُّفِهِمْ عَمّا تَدْعُو إلَيْهِ فَضْلًا عَنِ الِاسْتِهْزاءِ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ آخِرَ تِلْكَ الحَثُّ عَلى تَدَبُّرِ بُرُوجِ السَّماءِ وما يَتْبَعُها مِنَ الدَّلالاتِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: ألَمْ يَرَوْا إلى السَّماءِ كَمْ أوْدَعْنا في بُرُوجِها وغَيْرِها مِن آياتٍ نافِعَةٍ وضارَّةٍ كالأمْطارِ والصَّواعِقِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ في الأرْضِ في قَوْلِهِ مُعَجِّبًا مِنهم: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ .

ولَمّا كانُوا في عَمًى عَنْ تَدَبُّرِ ذَلِكَ، عَبَّرَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلى الأرْضِ﴾ أيْ: عَلى سَعَتِها واخْتِلافِ نَواحِيها وتُرَبِها؛ ونَبَّهَ عَلى كَثْرَةِ ما صَنَعَ مِن جَمِيعِ الأصْنافِ فَقالَ: [ ﴿كَمْ أنْبَتْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِيها﴾ بَعْدَ أنْ كانَتْ يابِسَةً مَيِّتَةً لا نَباتَ بِها] ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ: صِنْفٍ مُشاكِلٍ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ، فَلَمْ يَبْقَ صِنْفٌ يَلِيقُ بِهِمْ في العاجِلَةِ إلّا أكْثَرْنا مِنَ الإنْباتِ مِنهُ ﴿كَرِيمٍ﴾ أيْ: جَمُّ المَنافِعِ، مَحْمُودُ العَواقِبِ، لا خَباثَةَ فِيهِ، مِنَ الأشْجارِ والزُّرُوعِ وسائِرِ النَّباتاتِ عَلى اخْتِلافِ ألْوانِها في زُهُورِها وأنْوارِها، [و] طَعُومِها وأقْدارِها، (p-١١)ومَنافِعِها وأرْواحِها - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا يُحِيطُ بِها حَدًّا ولا يُحْصِيها عَدًّا، إلّا الَّذِي خَلَقَها، مَعَ كَوْنِها تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ؛ والكِرِيمُ وصْفٌ لِكُلِّ ما يُرْضى في بابِهِ ويُحْمَدُ، وهو ضِدُّ اللَّئِيمِ.

26:8Page 367

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٨

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ باهِرًا لِلْعَقْلِ مُنَبِّهًا لَهُ في كُلِّ حالٍ عَلى عَظِيمِ اقْتِدارِ صانِعِهِ، وبَدِيعِ اخْتِيارِهِ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ مِنَ الإنْباتِ، وما تَقَدَّمَهُ مِنَ العِظاتِ عَلى كَثْرَتِهِ ﴿لآيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً عَظِيمَةً جِدًّا [لَهُمْ] عَلى تَمامِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ، كافِيَةً في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ، والزَّجْرِ عَنِ الطُّغْيانِ، ولَعَلَّهُ وحَّدَها عَلى كَثْرَتِها إشارَةً إلى أنَّ الدَّوالَّ عَلَيْهِ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في الدَّلالَةِ، فالرّاسِخُونَ تُغْنِيهِمْ واحِدَةٌ، وغَيْرُهم لا يَرْجِعُونَ لِشَيْءٍ ”و“ الحالُ أنَّهُ ”ما كانَ“ في الشّاكِلَةِ الَّتِي خَلَقْتُهم عَلَيْها ﴿أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: البَشَرُ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: عَرِيقَيْنِ في الإيمانِ، لِأنَّهُ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]

26:9Page 367

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿وإنَّ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ ﴿رَبَّكَ﴾ أيْ: الَّذِي أحْسَنَ إلَيْكَ بِالإرْسالِ، وسَخَّرَ لَكَ قُلُوبَ الأصْفِياءِ، وزَوى عَنْكَ اللُّدَّ الأشْقِياءَ ﴿لَهُوَ﴾ (p-١٢)ولَمّا كانَ المَقامُ لِإنْزالِ الآيَةِ القاهِرَةِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿العَزِيزُ﴾ أيْ: القادِرُ عَلى كُلِّ مَن قَسَرَهم عَلى الإيمانِ والِانْتِقامِ مِنهم،

﴿الرَّحِيمُ﴾ في أنَّهُ لَمْ يُعاجِلْهم بِالنِّقْمَةِ، بَلْ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكِتابَ تَرَفُّقًا بِهِمْ، وبَيانًا لِما يَرْضاهُ لِيُقِيمَ بِهِ الحُجَّةَ عَلى مَن أُرِيدَ لِلْهَوانِ، ويَقْبَلُ بِقُلُوبِ مَن يَخْتَصُّهُ مِنهم لِلْإيمانِ، قالَ أبُو حَيّانَ: والمَعْنى: أنَّهُ عَزَّ في نِقْمَتِهِ مِنَ الكُفّارِ، ورَحِمَ مُؤْمِنِي كُلِّ أُمَّةٍ - انْتَهى.

ومِن هُنا شَرَعَ سُبْحانَهُ وتَعالى في تَمْثِيلٍ آخِرَ الفَرْقانِ في إظْهارِ القُدْرَةِ بِالبَطْشِ عِنْدَ النِّقْمَةِ حَيْثُ لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ بِأنْ أبى المَدْعُوُّ الإجابَةَ لِدَعْوَةِ الرُّسُلِ، وتَرَكَ الدّاعِي -عَقِبَ الِانْقِيادِ [مِنَ] الشَّدائِدِ- التَّضَرُّعَ لِلْمُرْسَلِ، وقَصَّ أخْبارَ الأُمَمِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَمْ يَقْدِرُ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ عَلى إنْكارِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ومِن ثَمَّ قَرَعَ أسْماعَهم، أوَّلُ شَيْءٍ بِقِصَّتِهِمْ مِن فِرْعَوْنِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَصَحَّ قَطْعًا أنَّ هَذا الكِتابَ جَلِيُّ الأمْرِ، عَلِيُّ القَدْرِ، لَيْسَ بِكِهانَةٍ، ولا شِعْرْ، كَما سَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ عِنْدَ إظْهارِ النَّتِيجَةِ في آخِرِها، بَلْ هو مِن عِنْدِ رَبِّ العالَمِينَ، عَلى لِسانِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وصَحَّ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ مَعَ ذَلِكَ هالِكٌ وإنْ قامَ الدَّلِيلُ. ووَضَحَ السَّبِيلُ؛ لِأنَّ سَلْكَ الذَّكْرِ في قُلُوبِهِمْ شَبِيهٌ في الضِّيقِ بِنَظْمِ السَّهْمِ فِيما يُرْمى بِهِ، وصَحَّ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُمْلِي لَهم ويُنْعِمُ عَلَيْهِمْ بِما فِيهِ حَياةُ أدْيانِهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، وما فِيهِ حَياةُ أبْدانِهِمْ بِالإيتاءِ مِن كُلِّ ما يَحْتاجُونَهُ إظْهارًا لِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، (p-١٣)ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنهم بَعْدَ طُولِ المُهْلَةِ، وتَمادِيهِمْ في سَكَراتِ الغَفْلَةِ، كَشْفًا لِصِفَةِ العِزَّةِ، كُلُّ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ وتَخْفِيفًا وإعْلامًا بِأنَّهُ لا قُصُورَ في بَيانِهِ، ولا تَقْصِيرَ لَدَيْهِ.

26:10Page 367

وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠

And [mention] when your Lord called Moses, [saying], "Go to the wrongdoing people -

ولَمّا اقْتَضى وصْفُ العِزَّةَ الإهْلاكَ، ووَصْفُ الرَّحْمَةِ الإمْهالَ، وكانَ الأوَّلُ مُقَدَّمًا، وكانَتْ عادَتُهم تَقْدِيمَ ما هم بِهِ أهَمُّ، وهو لَهم أعَنى، خِيفَتْ غائِلَتُهُ، فَأتْبَعَ ذَلِكَ أخْبارَ هَذِهِ الأُمَمِ، دَلالَةً عَلى الوَصْفَيْنِ مَعًا تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، ودَلالَةً عَلى أنَّ الرَّحْمَةَ سَبَقَتِ الغَضَبَ، وإنْ قَدَّمَ الوَصْفَ اللّائِقَ بِهِ، فَلا يُعَذِّبُ إلّا بَعْدَ البَيانِ مَعَ طُولِ الإمْهالِ، وأخْلى قِصَّةَ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذِكْرِ الإهْلاكِ إشارَةً إلى البِشارَةِ بِالرِّفْقِ بِبَنِيهِ العَرَبِ في الإمْهالِ كَما رَفَقَ بِهِمْ في الإنْزالِ والإرْسالِ، ولَمّا كانَ مَعَ ذَلِكَ في هَذِهِ القِصَّةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيما يُقاسِيهِ مِنَ الأذى والتَّكْذِيبِ، وكانَتِ التَّسْلِيَةُ بِمُوسى وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ أتَمَّ، لِما لَهُما مِنَ القُرْبِ، والمُشارَكَةِ في الهِجْرَةِ، والقَصْدِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وكانَ قَدِ اخْتَصَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتابِ الَّذِي ما بَعْدَ القُرْآنِ مِثْلُهُ والآياتُ الَّتِي ما أتى بِمِثْلِها أحَدٌ قَبْلَهُ، وإقْرارُ عَيْنِهِ بِهِدايَةِ قَوْمِهِ، وحِفْظِهِمْ (p-١٤)بَعْدَهُ بِالكِتابِ، وسِياسَةُ الأنْبِياءِ المُجَدِّدِينَ لِشَرِيعَتِهِ، وعَدَمِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالعَذابِ والِانْتِقامِ بِأيْدِيهِمْ مِن جَمِيعِ أعْدائِهِمْ، وفَتَحَ بِلادَ الكَفَرَةِ عَلى أيْدِيهِمْ بَعْدَهُ ﷺ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شابَهُوا بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ مَعَ مُجاوَرَتِهِمْ لِلْعَرَبِ حَتّى في دارِ الهِجْرَةِ، ومَوْطِنِ النُّصْرَةِ، لِيَكُونَ في إقْرارِهِمْ عَلى ما يَسْمَعُونَ مِن أخْبارِهِمْ أعْظَمُ مُعْجِزَةٍ، وأتَمُّ دَلالَةٍ، قَدَّمَهُما مُقَدِّمًا لِمُوسى -عَلَيْهِما السَّلامُ، والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ- فَإنْ كانَ القَصْدُ تَسْكِينَ ما أوْرَثَهُ آخِرَ تِلْكَ مِن خَوْفِ المُلازَمَةِ بِالعَذابِ نَظَرًا إلى وصْفِ العِزَّةِ، فالتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ أثَرَ رَحْمَتِنا بِطُولِ إمْهالِنا لِقَوْمِكَ -وهم عَلى أشَدِّ ما يَكُونُ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ في أيّامِ الجاهِلِيَّةِ- بِرَحْمَتِنا الشّامِلَةِ بِإرْسالِكَ إلَيْهِمْ وأنْتَ أشْرَفُ الرُّسُلِ، وإنْزالُ هَذا الكِتابِ الَّذِي هو أعْظَمُ الكُتُبِ، ”و“ اذْكُرْ ”إذْ“ وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيَةِ يَكُونُ العَطْفُ عَلى تِلْكَ لِأنَّ المُرادَ بِها التَّنْبِيهُ، فالتَّقْدِيرُ: خُذْ آياتِ الكِتابِ واذْكُرْ إذْ ﴿نادى رَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ الإحْسانُ بِهِ في هَذِهِ الدّارِ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّرْهِيبِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أوْ لَمْ يَرَوْا إذْ نادى رَبُّكَ، وعُدُّوا رائِينَ لِذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ في بِلادِهِمْ وفي حَدِّ القُرْبِ مِنهم، فَإمّا أنْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِالقِصَّةِ بِما سَمِعُوهُ مِنهم، أوْ مُتَهَيِّئِينَ (p-١٥)لِذَلِكَ لِإمْكانِهِمْ مِن سُؤالِهِمْ؛ ثُمَّ ذَكَرَ المُنادى فَقالَ: ﴿مُوسى﴾ وأتْبَعَهُ ما كانَ لَهُ النِّداءُ فَقالَ مُفَسِّرًا لِأنَّ النِّداءَ في مَعْنى القَوْلِ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ﴾ أيْ: الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ وأيُّ قُوَّةٍ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِوَضْعِهِمْ قَوَّتَهم عَلى النَّظَرِ الصَّحِيحِ المُؤَدِّي لِلْإيمانِ في غَيْرِ مَوْضِعِها.

26:11Page 367

قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١

The people of Pharaoh. Will they not fear Allāh?"

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ قَوْمٍ؟ قالَ مُبْدِلًا إشارَةً أنَّ العِبارَتَيْنِ مُؤَدّاهُما واحِدٌ لِأنَّهم عَرِيقُونَ في الظُّلْمِ، لِظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِالكَفَرَةِ وغَيْرِهِ، وظُلْمُ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العِبادِ: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ .

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالرِّسالَةِ تَخْوِيفَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإعْلامَهم بِجَلالِهِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُعْلِمًا بِذَلِكَ في سِياقِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والإيذانِ بِشَدِيدِ الغَضَبِ مِنهم، والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ في عَظِيمِ عَسْفِهِمْ فِيهِ، وأنَّهُ قَدْ طالَ إمْهالُهُ لَهم وهو لا يَزْدادُونَ إلّا عُتُوًّا ولُزُومًا لِلْمُوبِقاتِ: ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يَحْصُلُ مِنهم تَقْوى.

26:12Page 367

قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢

He said, "My Lord, indeed I fear that they will deny me

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن أتى النّاسَ بِما يُخالِفُ أهْواءَهم لَمْ يَقْبَلْ، أخْبَرَ [مَن تَشَوَّفَ إلى مَعْرِفَةِ جَوابِهِ] أنَّهُ أجابَ بِما يَقْتَضِي الدُّعاءَ بِالمَعُونَةِ، لَمّا عَرَفَ مِن خَطَرِ هَذا المَقامِ، بِقَوْلِهِ مُلْتَفِتًا إلى نَحْوِ: يا رَبّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مهجورًا،

﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها الرَّفِيقُ بِي (p-١٦)﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أيْ: فَلا يَتَرَتَّبُ عَلى إتْيانِي إلَيْهِمْ أثَرٌ، ويَبْغُونَ لِي الغَوائِلَ، فاجْعَلْ لِي قَبُولًا ومَهابَةً تَحْرُسُنِي بِها مِمَّنْ يُرِيدُنِي بِسُوءٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِـ ”أخافُ“: أعْلَمُ أوْ”أظُنُّ“، فَيَكُونُ ”أنْ“ مُخَفَّفَةً، فَيَكُونُ الفِعْلانِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى ”يَكْذِبُونَ“ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ مَعَ جَوازِ العَطْفِ عَلى ”أخافُ“، [فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ] .

26:13Page 367

وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ ١٣

And that my breast will tighten and my tongue will not be fluent, so send for Aaron.

”و“ أخافُ أنَّهُ، أوْ قالَ: إنِّي ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي﴾ عِنْدَ تَكْذِيبِهِمْ أوْ خَوْفِي مِن تَكْذِيبِهِمْ لِي انْفِعالًا كَما هو شَأْنُ أهْلِ المُرُوءاتِ، وأرْبابُ عُلُوِّ الهِمَمِ، لِما غُرِزَ فِيهِمْ مِنَ الحِدَّةِ والشِّدَّةِ في العَزِيمَةِ إذا لَمْ يَجِدُوا مَساغًا ﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾ ونَصَبَ يَعْقُوبُ الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى ﴿يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء: ١٢] عَلى أنَّ”أنْ“ ناصِبَةٌ،

﴿لِسانِي﴾ [أيْ]: في التَّعْبِيرِ عَمّا تُرْسِلُنِي إلَيْهِمْ بِهِ، لِما فِيهِ مِنَ الحَبْسَةِ في الأصْلِ بِسَبَبِ تَعَقُّدِهِ لِتِلْكَ الجَمْرَةِ الَّتِي لَدَغَتْهُ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ، فَإذا وقَعَ التَّكْذِيبُ أوْ خَوَّفَهُ وضاقَ القَلْبُ، انْقَبَضَ الرُّوحُ إلى باطِنِهِ فازْدادَتِ الحَبْسَةُ، فَمَسَّتِ الحاجَةُ إلى مُعَيَّنٍ يُقَوِّي القَلْبُ فَيُعِينُ عَلى إطْلاقِ اللِّسانِ عِنْدَ الحَبْسَةِ لِئَلّا تَخْتَلَّ الدَّعْوَةُ،

﴿فَأرْسِلْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي اعْتَذَرَتْ بِهِ عَنِ المُبادَرَةِ إلى الذَّهابِ عِنْدَ الأمْرِ أنِّي أسْألُكَ في الإرْسالِ ﴿إلى هارُونَ﴾ أخِي، لِيَكُونَ رَسُولًا مِن عِنْدِكَ (p-١٧)فَيَكُونُ لِي عَضُدًا ”عَلى ما“ أمْضى لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ فَيُعِينُ عَلى ما يَحْصُلُ مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ اعْتِذارُهُ بِتَعَلُّلٍ في الِامْتِثالِ، وكَفى بِطَلَبِ العَوْنِ دَلِيلًا عَلى التَّقَبُّلِ، لا عَلى التَّعَلُّلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском