Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الشورى
Ash-Shuraa
The Consultation · Meccan · 53 ayahs
(p-٢٣٠)سُورَةُ حم عسق وتُسَمّى أيْضًا عسق والشُّورى
مَقْصُودُها الِاجْتِماعُ عَلى الدِّينِ الَّذِي أساسُهُ الإيمانُ، وأُمُّ دَعائِمِهِ الصَّلاةُ، ورُوحُ أمْرِهِ الأُلْفَةُ بِالمُشاوَرَةِ المُقْتَضِيَةِ لِكُلِّ أهْلِ الدِّينِ كُلِّهِمْ في سَواءٍ كَما أنَّهم في العُبُودِيَّةِ لِشارِعِهِ سَواءٌ، وأعْظَمُ نافِعٍ في ذَلِكَ الإنْفاقِ والمُؤاساةِ فِيما في اليَدِ، والعَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ المُسِيءِ، والإذْعانِ لِلْحَقِّ وإنْ صَعُبَ وشَقَّ، وذَلِكَ كُلُّهُ الدّاعِي إلَيْهِ هَذا الكِتابُ الَّذِي هو رُوحُ جَسَدِ هَذا الدِّينِ المُعَبِّرِ عَمّا دَعا إلَيْهِ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ، وشَرائِفِ الخِلالِ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإلى ذَلِكَ لَوَّحَ آخَرُ آخِرَ السُّورَةِ الماضِيَةِ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ ( ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] (وصَرَّحَ ما في هَذِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧] ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] (وتَسْمِيَتُها بِالشُّورى واضِحُ المُطابَقَةِ لِذَلِكَ لِما في الِانْتِهاءِ وكَذَلِكَ بِالأحْرُفِ المُتَقَطِّعَةِ فَإنَّها جامِعَةٌ لِلْمَخارِجِ الثَّلاثَةِ: الحَلْقُ والشَّفَةُ واللِّسانُ، وكَذا (p-٢٣١)جَمْعُها لِصِنْفَيِ المَنقُوطَةِ والعاطِلَةِ، ووَصْفَيِ المَجْهُورَةِ والمَهْمُوسَةِ، وهي واسِطَةٌ جامِعَةٌ بَيْنَ حُرُوفِ أُمِّ الكِتابِ الذِّكْرُ الأوَّلُ، وحُرُوفُ القُرْآنِ العَظِيمِ، وهَذا المَقْصُودُ هو غايَةُ المَقْصُودِ مِن أُخْتِها سُورَةُ مَرْيَمَ المُوافِقَةِ لَها في الِابْتِداءِ بِالتَّساوِي في عَدَدِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وفي الِانْتِهاءِ مِن حَيْثُ أنَّ مَنِ اخْتَصَّ بِمَصِيرِ الأُمُورِ، كانَ المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ عَلى إهْلاكِ القُرُونِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَقْصُودَها اتِّصافُهُ تَعالى بِشُمُولِ الرَّحْمَةِ بِإفاضَةِ جَمِيعِ النِّعَمِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ، وغايَةِ هَذا الِاجْتِماعِ عَلى الدِّينِ، ولَمّا تَوافَقَتا في المَقْصُودِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ، واخْتُصَّتِ الشُّورى بِأنَّ حُرُوفَها اثْنانِ، دَلَّ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ أرْبابَ البَصائِرِ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ قِسْمانِ: أُصُولٌ وفُرُوعٌ، دَلَّتْ مَرْيَمُ عَلى الأُصُولِ
﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] وإنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراط مُسْتَقِيم،
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] والشُّورى عَلى مَجْمُوعِ الدِّينِ أُصُولًا وفُرُوعًا شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] (الآيَةُ، هَذا مُوافَقَةُ البِدايَةِ، وأمّا مُوافَقَةُ النِّهايَةِ فَهو أنَّهُما خَتَمَتا بِكَلِمَتَيْنِ: أوَّلُ كُلٍّ مِنهُما آخِرُ الأُخْرى وآخِرُ كُلِّ أوَّلٍ الأُخْرى وإيذانًا بِأنَّ السُّورَتَيْنِ دائِرَةٌ واحِدَةٌ مُحِيطَةٌ بِالدِّينِ مُتَّصِلَةٌ لا انْفِصامَ لَها، وذَلِكَ أنَّ آخِرَ مَرْيَمَ أوَّلُ الشُّورى وآخِرَ الشُّورى أوَّلُ مَرْيَمَ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] (، الآيَةُ هو ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ (p-٢٣٢)ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] (إلى آخِرِها هو ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢] (- إلى آخِرِ القِصَّةِ في الدُّعاءِ بِإرْثِ الحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ الَّذِي رُوحُهُ الوَحْيُ واللهُ الهادِي، وكَذا تَسْمِيَتُها بِبَعْضِها بِدَلالَةِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ بِسْمِ اللهِ (الَّذِي أحاطَ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَنَفَذَ أمْرُهُ، فاسْتَجابَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ طَوْعًا أوْ كَرْهًا الرَّحْمَنُ (الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ فَهَيَّأتْ عِبادَهُ لِقَبُولِ أمْرِهِ الرَّحِيمِ (الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِما تَرْتَضِيهِ الإلَهِيَّةُ مِن رَحْمَتِهِ، فَجَمَعَ كَلِمَتَهم عَلى دِينِهِ عَقْدًا وفِعْلًا ومَآلًا
* *
﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ هَذِهِ الحُرُوفُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى كَلِماتٍ مُنْتَظِمَةٍ مِن كَلامٍ عَظِيمٍ يُشِيرُ إلى أنَّ مَعْنى هَذا الجَمْعِ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: حِكْمَةُ مُحَمَّدٍ عَلَتْ وعَمَّتْ فَعَفَتْ سِقامَ القُلُوبِ، وقَسَّمَتْ حُرُوفَها قِسْمَيْنِ مُوافِقَةٍ لِبَقِيَّةِ أخَواتِها وبَعْدَها آيَتَيْنِ، ولَمْ تُقَسَّمْ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] لِأنَّها آيَةٌ واحِدَةٌ ولا أُخْتَ لَها ولَمْ تُقَسَّمْ ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] مَثَلًا وإنْ كانَ لَها أخَواتٌ لِأنَّها آيَةٌ واحِدَةٌ، ولَمْ يَعُدْ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ حَرْفٌ واحِدٌ آيَةً، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ مُفْرَدَةً فَتَكُونُ إشارَةً إلى أسْرارٍ تَمْلَأُ الأقْطارَ، وتَشْرَحُ الصُّدُورَ والأفْكارَ، فَإنْ نَظَرْتَ إلى مَخارِجِها وجَدْتَها قَدْ حَصَلَ الِابْتِداءُ فِيها بِأدْنى وسَطِ (p-٢٣٣)الحَلْقِ إلى اللِّسانِ بِاسْمِ الحاءِ وثَنى بِأوْسَطِ حُرُوفِ الشَّفَةِ وهي المِيمُ وحَصَلَ الرُّجُوعُ إلى وسَطِ الحَلْقِ بِأقْصاهُ مِنَ اللِّسانِ في اسْمِ العَيْنِ، وهو جامِعٌ لِلْحَلْقِ واللِّسانِ، وقَصَدَ رابِعًا إلى اللِّسانِ بِالسِّينِ الَّتِي هي مِن أدْناهُ إلى الشَّفَتَيْنِ وهو رَأْسُهُ ولَها التِصاقٌ بِالشَّفَتَيْنِ واتِّصالٌ بِأعْلى الفَمِ فَفِيها بِهَذا الِاعْتِبارِ جَمْعٌ ثُمَّ جَعَلَ بَعْدَ هَذا الظُّهُورِ بُطُونًا إلى أصْلِ اللِّسانِ، وهو أقْصاهُ مِنَ الشَّفَةِ بِالقافِ، ولِاسْمِ هَذا الحَرْفِ جَمْعٌ بِالِابْتِداءِ بِأصْلِ اللِّسانِ مَعَ سَقْفِ الحَلْقِ والِاخْتِتامِ بِالشَّفَةِ العُلْيا والثَّنِيَّتَيْنِ السُّفْلَيَيْنِ، فَفي هَذِهِ الحُرُوفِ ثَلاثَةٌ وهي أكْثَرُها لَها نَظَرَ بِما فِيها مِنَ الجَمْعِ إلى مَقْصُودِ السُّورَةِ، وقَدِ اتَّسَقَ الِابْتِداءُ فِيها فِيما كانَ مِن حَرْفَيْنِ جَمَعَهُما مَخْرَجٌ بِالأعْلى ثُمَّ بِالأدْنى إشارَةً إلى أنَّهُ يَكُونُ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ بَعْدَ الظُّهُورِ بُطُونٌ كَما كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ حَيْثُ حُصِرَ النَّبِيُّ ﷺ وأقارِبُهُ في الشِّعْبِ، وذَلِكَ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ مِن تَحْلِيَةِ الظّاهِرِ يَنْتَقِلُ إلى تَصْفِيَةِ الباطِنِ مَن زَيَّنَ ظاهِرَهُ بِجَمْعِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ صَحَّحَ اللهُ باطِنَهُ بِالمُراقَبَةِ الخالِصَةِ النّاصِحَةِ عَلى أنَّ في هَذا التَّدَلِّي بُشْرى بِأنَّ الحالَ الثّانِي يَكُونُ أعْلى مِنَ الأوَّلِ، كَما كانَ عِنْدَ الظُّهُورِ مِنَ الشِّعْبِ بِما حَصَلَ مِن نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الظّالِمَةِ الَّذِي كانَ الضِّيقُ سَبَبًا لَهُ، لِأنَّ الثّانِي مِن مَراتِبِ هَذِهِ الحُرُوفَ أقْوى صِفَةً مِمّا هو أعْلى مِنهُ مَخْرَجًا، فَإنَّ الحاءَ لَها مِنَ الصِّفاتِ الهَمْسُ والرَّخاوَةُ والِاسْتِفالُ (p-٢٣٤)والِانْفِتاحُ والمِيمُ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ الجَهْرُ والِانْفِتاحُ والِاسْتِفالُ وبَيْنَ الشِّدَّةِ والرَّخاوَةِ، والعَيْنُ لَها مِنَ الصِّفاتِ ما لِلْمِيمِ سَواءٌ، والسِّينُ لَها مِنَ الصِّفاتِ ما لِلِحاءِ، وتَزِيدُ بِالصَّفِيرِ، والقافُ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ الجَهْرُ والشِّدَّةُ والِانْفِتاحُ والِاسْتِعْلاءُ والقَلْقَلَةُ فالحَرْفُ الأوَّلُ أكْثَرُ صِفاتِهِ الضَّعْفُ، ويَزِيدُ بِالإمالَةِ الَّتِي قَرَأ بِها كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ، والثّانِي والثّالِثُ عَلى السَّواءِ، وهُما إلى القُوَّةِ أرَجَحُ قَلِيلًا، وذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ مِن وسَطِ الحالِ عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ الشِّعْبِ، والرّابِعُ فِيهِ قُوَّةٌ وضَعْفٌ وضَعْفُهُ أكْثَرُ، فَإنَّ فِيهِ لِلضَّعْفِ ثَلاثَ صِفاتٍ ولِلْقُوَّةِ صِفَتَيْنِ، وذَلِكَ كَما كانَ حالُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ آخِرِ أمْرِهِ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَةَ حِينَ ماتَ الوَزِيرانِ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وأبُو طالِبٍ لَكِنْ رُبَّما كانَتِ الصِّفَتانِ القَوِيَّتانِ عالِيَتَيْنِ عَلى الصِّفاتِ الضَّعِيفَةِ بِما فِيهِما بِالِانْتِشارِ بِالصَّفِيرِ والجَمْعِ الَّذِي مَضَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مِنَ الإشارَةِ إلى ضَخامَةٍ تَكُونُ بِاجْتِماعِ أنْصارٍ كَما وقَعَ مِن بَيْعَةِ الأنْصارِ، والخامِسُ وهو الأخِيرُ كُلُّهُ قُوَّةٌ كَما وقَعَ بَعْدَ الهِجْرَةِ عِنْدَ اجْتِماعِ الكَلِمَةِ وظُهُورِ العَظَمَةِ، كَما قالَ ﷺ:
«فَلَمّا هاجَرْنا انْتَصَفْنا مِنَ القَوْمِ وكانَتْ سِجالُ الحَرْبِ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ» ثُمَّ تَكامَلَتِ القُوَّةُ عِنْدَ تَكامُلِ الِاجْتِماعِ بَعْدَ قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ (p-٢٣٥)بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ لا جَرَمَ انْتَشَرَ أهْلُ هَذا الدِّينِ في الأرْضِ يَمِينًا وشَمالًا، فَما قامَ لَهم مُخالِفٌ، ولا وافَقَتْهم أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ عَلى ضَعْفِ حالِهِمْ وقِلَّتِهِمْ وقُوَّةِ غَيْرِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ إلّا دَمَّرُوا عَلَيْهِمْ فَجَعَلُوهم كَأمْسِ الدّارِ، وقَدْ جُمِعَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ كَما مَضى وصْفَيِ المَجْهُورَةِ والمَهْمُوسَةِ كانَتِ المَجْهُورَةُ أغْلَبَها إشارَةٌ إلى ظُهُورِ هَذا الدِّينِ عَلى كُلِّ دِينٍ كَما حَقَّقَهُ شاهِدُ الوُجُودِ، وصِنْفَيِ المَنقُوطَةِ والعاطِلَةِ، وكانَتْ كُلُّها عاطِلَةً إلّا حَرْفًا واحِدًا، إشارَةً إلى أنَّ أحْسَنَ أحْوالِ المُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ أغْلَبُ أحْوالِهِ مَحْوًا لا يُرى لَهُ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ بَلْ يُعَدُّ في زُمْرَةِ الأمْواتِ وإلى أنَّ المُتَحَلِّيَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ الخالِصَةِ مِن أهْلِ القُلُوبِ مِن أرْبابِ هَذا الدَّيْنِ قَلِيلٌ جِدًّا، وكانَ المَنقُوطُ آخِرَها إشارَةً إلى أنَّ نِهايَةَ المَراتِبِ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ الجَمْعُ بَعْدَ المَحْوِ والفَرْقِ وكانَ حَرْفُ الشَّفَةِ مِن بَيْنِ حُرُوفِها المِيمُ، وهي ذاتُ الدّائِرَةِ المُسْتَوِيَةِ الِاسْتِدارَةِ إشارَةً إلى أنَّ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ مِنَ الِاجْتِماعِ فِيهِ والِانْطِباقِ عَلَيْهِ والإطافَةِ بِهِ والإسْراعِ إلَيْهِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ وإلى أنَّهم مِنَ القَدَمِ الرّاسِخِ في القَوْلِ المُقْتَطَعِ مِنَ الفَمِ المُخْتَتِمِ بِالشَّفَتَيْنِ ما لا يَبْلُغُهُ غَيْرُهم بِحَيْثُ أنَّهُ لا نِهايَةَ لَهُ (p-٢٣٦)مَعَ حُسْنِ اسْتِنارَتِهِ بِتَناسَبُ اسْتِدارَتُهُ، ثُمَّ إنَّكَ إذا بَلَغْتَ نِهايَةَ الجَمْعِ في هَذِهِ الأحْرُفِ بِأنْ جَمَعْتَ أعْدادَ مُسَمَّياتِها وهو مِائَتانِ وثَمانِيَةٌ وسَبْعُونَ وفي السَّنَةِ المُوافِقَةِ لِهَذا العَدَدِ كانَتْ وِلادَتِي، فَكانَ الِابْتِداءُ في هَذا الكِتابِ الدِّينِيِّ حِينَئِذٍ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنَ الفِعْلِ وسَنَةِ ابْتِدائِيٍّ فِيهِ بِالفِعْلِ وهي سَنَةُ إحْدى وسِتِّينَ في شَعْبانَ كانَ سِنِّي إذا ذاكَ قَدْ شارَفَ أرْبَعًا وخَمْسِينَ سَنَةً، وهو مُوافِقٌ لِعَدَدٍ حَرْفِيٍّ دِنَّ أمْرًا مِنَ الدِّينِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ، فَكَأنَّهُ أمَرَ إذْ ذاكَ بِالشُّرُوعِ في الكِتابِ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُها، وسَنَةُ وُصُولِي إلى هَذِهِ السُّورَةِ وهي سَنَةُ إحْدى وسَبْعِينَ في شَعْبانَ مِنها كانَ سِنِّي قَدْ شارَفَ أرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وهو عَدَدٌ مُوافِقٌ لِعَدَدِ أحْرُفِ دِين الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ، فَأنا أرْجُو بِهَذا الِاتِّفاقِ الغَرِيبِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْمَعُ بِكِتابِي هَذا الَّذِي خَصَّنِي بِإلْهامِهِ وادَّخَرَ لِيَ المِنحَةَ بِحَلِّهِ وإبْرامِهِ، واعْتِناقِهِ والتِزامِهِ، أهْلُ هَذا الدِّينِ القَيِّمِ جَمْعًا عَظِيمًا جَلِيلًا جَسِيمًا، يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ بالِغٌ في اجْتِماعِهِمْ وحُسْنِ تَأسِّيهِمْ بِرُؤُوسِ نَقَلَتِهِ وأتْباعِهِ، ومِنَ الآثارِ الجَلِيلَةِ في لَحْظِها لِلْجَمْعِ أنَّهُ لَمّا كانَ مَقْصُودُ سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها (p-٢٣٧)السَّلامُ بَيانَ اتِّصافِ الرَّحْمَنِ، المُنَزَّلِ لِهَذا القُرْآنِ، بِشُمُولِ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ الأكْوانِ، وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ لِرَحْمَةٍ خاصَّةٍ مِن آثارِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ العامَّةِ، وهي الِاجْتِماعُ عَلى هَذا الدِّينِ المُرادِ ظُهُورُهُ وعُلُوُّهُ عَلى كُلِّ دِينٍ وقَهْرُهُ لِكُلِّ أمْرٍ، فَكانَ لِذَلِكَ مُحِيطًا قاهِرًا لِحَظِّ كَلِّ قاهِرٍ وظالِمٍ، وكانَتْ هَذِهِ الرَّحْمَةُ الخاصَّةُ - لِنِسْبَتِها إلى الخَلْقِ - ثانِيَةً لِتِلْكَ العامَّةِ ومُنْشَعِبَةً مِنها، كانَتْ لِكَوْنِها مِن أوْصافِ الخَلْقِ بِمَنزِلَةِ اليَسارِ، وتِلْكَ لِكَوْنِها مِن صِفَةِ الحَقِّ بِمَنزِلَةِ اليَمِينِ، لِذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِيُّ في كِتابٍ لَهُ في الحَرْفِ: ولَمّا كانَ ذَلِكَ - أيْ هَذِهِ الِاسْمُ المُجْتَمِعُ مِن هَذِهِ الأحْرُفِ المُقَطَّعَةِ - أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا يُنْسَبُ إلى أمْرِ الشَّمالِ كانَ مَتى وضَعَ عَلى أصابِعِ اليَسارِ ثُمَّ وضَعَتْ عَلى هانِجَةِ ظُلْمٍ أوْ جَوْرٍ اسْتَوْلى عَلَيْهِ بِحُكْمِ إحاطَةِ حِكْمَةِ اللَّهِ، وكانَتْ خُمْسُها مُضافَةً إلى خُمْسِ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] المُسْتَوْلِيَةِ عَلى حِكْمَةِ اليَمِينِ مُحِيطًا ذَلِكَ بِالعُشْرِ المُحِيطِ بِكُلِّ الحِكْمَةِ الَّتِي مَسْنَدُها الياءُ الَّذِي هو أوَّلُ العُشْرِ ومَحَلُّ الِاسْتِواءِ بِما هو عائِدٌ وحْدَةُ الألِفِ - انْتَهى.
42:3Page 483
كَذَٰلِكَ يُوحِيٓ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣
Thus has He revealed to you, [O Muḥammad], and to those before you - Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ - واللهُ أعْلَمُ - مُشِيرَةٌ إلى الِاجْتِماعِ كَما أشارَ إلَيْهِ آخِرُ السُّورَةِ الماضِيَةِ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الإيحاءِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي أخْبَرَكَ بِهِ رَبُّكَ صَرِيحًا أوَّلُ ”فُصِّلَتْ“ مِن أنَّ الإلَهَ إلَهٌ واحِدٌ وآخِرُها مِن أنَّهُ ما يُقالُ لَكَ (p-٢٣٨)إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مَن قَبْلِكَ، ومِن أنَّهُ يَجْمَعُ أُمَّتَكَ عَلى هَذا الدِّينِ بِما يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّ هَذا القُرْآنَ هو الحَقُّ بِما يُرِيهِمْ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ والدَّلالاتِ الواضِحاتِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ وبِشَهادَتِهِ سُبْحانَهُ بِإعْجازِ القُرْآنِ لِجَمِيعِ الإنْسِ والجانِّ ولا سِيَّما إذا أقْدَمَ ضالٌّ عَلى مُعارَضَتِهِ كَمُسَيْلِمَةَ فَإنَّهُ يَتَبَيَّنُ لَهُمُ الأمْرُ بِذَلِكَ غايَةَ البَيانِ ”وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ“ ورَمَزَ لَكَ بِهِ سُبْحانَهُ تَلْوِيحًا أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الأحْرُفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي هي أعْلى وأغْلى مِنَ الجَواهِرِ المُرَصَّعَةِ - إلى مِثْلِ ذَلِكَ، فَهُما نَوْعانِ مِنَ الوَحْيِ: صَرِيحٌ وعِبارَةٌ، وتَلْوِيحٌ وإشارَةٌ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإفْهامَ لِأنَّ الإيحاءَ مِنهُ سُبْحانَهُ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ إلى جَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ والبِشارَةِ لَهُ ﷺ بِتَجْدِيدِهِ لَهُ، مُدَّةَ حَياتِهِ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، ودَلالَةً عَلى دَوامِ وِدادِهِ، عَبَّرَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ نَقْلًا عَنْ أبِي حَيّانَ ومِن قَبْلِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّهُ قَدْ لا يُلاحِظُ مِنهُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ يُرادُ مُطْلَقَ الوُجُودِ فَقالَ: ”يُوحى إلَيْك“ أيْ سابِقًا ولاحِقًا ما دُمْتُ حَيًّا لا يَقْطَعُ ذَلِكَ عَنْكَ أصْلًا تَوْدِيعًا ولا قَلى بِما يُرِيدُ مِن أمْرِهِ مِمّا يُعْلِي لَكَ مِقْدارَكَ، ويَنْشُرُ أنْوارَكَ ويُعْلِي مَنارَكَ. (p-٢٣٩)ولَمّا كانَ الِاهْتِمامُ بِالوَحْيِ لِمَعْرِفَةِ أنَّهُ حَقٌّ - كَما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ - والمُوحِي إلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ أنَّهُ رَسُولٌ حَقًّا وكانَ المُرادُ بِالمُضارِعِ مُجَرَّدَ إيقاعِ مَدْلُولِهِ لا يُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ صَحَّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ مُقَدَّمًا عَلى الفاعِلِ: ﴿وإلى الَّذِينَ﴾ والقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ”كَذَلِكَ“ .
ولَمّا كانَ الرُّسُلُ بَعْضُ مَن تَقَدَّمَ في بَعْضِ أزْمِنَةِ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ والأنْبِياءِ الأعْلامِ، بِأنَّ أُمَّتَكَ أكْثَرُ الأُمَمِ وأنَّكَ أشْرَفُ الأنْبِياءِ، وأخَذَ عَلى كُلٍّ مِنهُمُ العَهْدَ بِاتِّباعِكَ، وأنْ يَكُونَ مِن أنْصارِكَ وأشْياعِكَ. ولَمّا قَدَّمَ ما هو الأهَمُّ مِنَ الوَحْيِ والمُوحى إلَيْهِ، أتى بِفاعِلِ ﴿يُوحِي﴾ في قِراءَةِ العامَّةِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ. . وهو مَرْفُوعٌ عِنْدَ ابْنِ كَثِيرٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ الَّذِي يُوحِيهِ. ولَمّا كانَ نُفُوذُ الأمْرِ دائِرًا عَلى العِزَّةِ والحِكْمَةِ قالَ: ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَضَعُ ما يَصْنَعُهُ في أتْقَنِ مِحالِّهِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى نَقْضِ ما أبْرَمَهُ، ولا نَقْصِ (p-٢٤٠)ما أحْكَمَهُ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما تَضَمَّنَتْ سُورَةُ غافِرٍ ما تَقَدَّمَ مِن بَيانِ حالَيِ المُعانِدِينَ والجاحِدِينَ، وأعْقَبَتْ بِسُورَةِ السَّجْدَةِ بَيانًا أنَّ حالَ كُفّارِ العَرَبِ في ذَلِكَ كَحالِ مَن تَقَدَّمَهُ وإيضاحًا لِأنَّهُ الكِتابُ العَزِيزُ وعَظِيمٌ بُرْهانُهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْ عَلى مَن قَضى عَلَيْهِ تَعالى بِالكُفْرِ، اتَّبَعَتِ السُّورَتانِ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الشُّورى مِن أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إنَّما جَرى عَلى ما سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى بِحُكْمِ الأزَلِيَّةِ ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الشورى: ٨] ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٢١] ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٣١] ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] ﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] فَتَأمَّلْ هَذِهِ وما التَحَمَ بِها مِمّا لَمْ يَجْرِ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنهُ إلّا النّادِرُ، ومُحْكَمُ ما اسْتَجَرَّهُ، وبِناءُ هَذِهِ السُّورَةِ (p-٢٤١)عَلى ذَلِكَ ومَدارُ آيِها، يُلِحُّ لَكَ وجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها والتِحامِها بِما جاوَرَها.
ولَمّا خُتِمَتْ سُورَةُ السَّجْدَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ [فصلت: ٥٤] أعْقَبَها سُبْحانَهُ بِتَنْزِيهِهِ وتَعالِيهِ عَنْ رَيْبِهِمْ وشَكِّهِمْ، فَقالَ تَعالى ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥] كَما أعْقَبَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] ولَمّا تَكَرَّرَ في سُورَةِ حم السَّجْدَةِ ذَكَرَ تَكَبُّرَ المُشْرِكِينَ وبُعْدَ انْقِيادِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت: ٤] ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] إلى ما ذَكَرَ تَعالى مِن حالِهِمُ المُنْبِئَةِ عَنْ بُعْدِ اسْتِجابَتِهِمْ فَقالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّورى ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] - انْتَهى.
42:4Page 483
لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٤
To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth, and He is the Most High, the Most Great.1
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ صاحِبُ الوَحْيِ بِالشَّرائِعِ دائِمًا قَدِيمًا وحَدِيثًا، عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ صاحِبُ المُلْكِ العامِّ فَقالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ أيْ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي ﴿وما في الأرْضِ﴾ كَذَلِكَ. ولَمّا كانَ العُلُوُّ مُسْتَلْزِمًا لِلْقُدْرَةِ قالَ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ أيْ عَلى العَرْشِ الَّذِي السَّماواتُ فِيهِ عُلُوُّ رُتْبَةٍ وعَظْمَةٍ ومَكانَةٍ لا مَكانَ ومُلابَسَةً، فاسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ لَهُ السَّماواتُ كُلُّها والأراضِي كُلُّها مَعَ ما فِيها ﴿العَظِيمُ﴾ أيْ فَلا يَتَصَوَّرُ شَيْءٌ في وهْمٍ ولا يَتَخَيَّلُ في عَقْلٍ إلّا وهو أعْظَمُ مِنهُ بِالقَهْرِ والمُلْكِ، فَلِذَلِكَ يُوحِي إلى مَن يَشاءُ بِما يَشاءُ مِن إقْرارٍ وتَبْدِيلٍ، لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ.
42:5Page 483
تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥
The heavens almost break from above them,1 and the angels exalt [Allāh] with praise of their Lord and ask forgiveness for those on earth. Unquestionably, it is Allāh who is the Forgiving, the Merciful.
(p-٢٤٢)ولَمّا كانَ السِّياقُ مُفْهِمًا عَظِيمَ مُلْكِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ بِكَثْرَةِ ما في الأكْوانِ مِنَ الأجْسامِ والمَعانِي الَّتِي هي لِفَظاعَتِها لا تَحْتَمِلُ، قالَ مُبَيِّنًا لِذَلِكَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ أيْ عَلى عِظَمِ خَلْقِهِنَّ ووَثاقَةِ إبْداعِهِنَّ، وفَلْقِهِنَّ بِما أعْلَمَ بِهِ الواقِعَ، ونَبَّهَ عَلَيْهِ بِتَذْكِيرِ ﴿تَكادُ﴾ في قِراءَةِ نافِعٍ والكِسائِيِّ ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ أيْ يَتَشَقَّقْنَ ويَتَفَرَّطُ أجَزاؤُهُنَّ مُطْلَقَ انْفِطارٍ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُّونِ وخَفَّفَ وهم هُنا أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ، وتَفَطُّرًا شَدِيدًا في قِراءَةِ الباقِينَ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقِ مَفْتُوحَةٍ وتَشْدِيدِ الطّاءِ، مُبْتَدِئًا ذَلِكَ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ أنْ يَكُونَ أصْلَبَ مِمّا تَحْتَهُ، فانْفِطارُ غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى، وابْتِداءُ الِانْفِطارِ مِن ثَمَّ لِأنَّ جِهَةَ الفَوْقِ أجْدَرُ بِتَجَلِّي ما يَشُقُّ حَمْلُهُ مِن عَظِيمِ العَظَمَةِ والجَلالِ والكِبْرِياءِ والعِزَّةِ الَّتِي مِنها ما يَحْمِلُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا تَسَعُ عُقُولُهم وصْفَهم عَلى ما عَلَيْهِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم مِن عِظَمِ الخَلْقِ في الهَيْئَةِ والطُّولِ والمَتانَةِ والكِبْرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ عِلْمًا إلّا الَّذِي يَراهم بِحَيْثُ إنَّ أحَدَهم إذا أُشِيرَ لَهُ إلى الأرْضِ حَمَلَها كَما قالَ ﷺ «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ (p-٢٤٣)إلّا فِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ يُصَلِّي» ومِن غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ والجَبَرُوتِ والعَلاءِ، أوْ يَكُونُ انْفِطارُهُنَّ مِن عَظِيمِ شَناعَةِ الكُفْرِ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وجَعَلَهم لَهُ أنْدادًا كَما قالَ في السُّورَةِ المُناظِرَةِ لِهَذِهِ سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] ونَقَصَ ما في هَذِهِ عَنْ تِلْكَ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هُنا لِلْوَلَدِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنِ التَّخْوِيفِ بِالعَذابِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العالِيَ إذا انْفَطَرَ تَهَيَّأ لِلسُّقُوطِ، فَإذا سَقَطَ أهْلَكَ مَن تَحْتَهُ فَكَيْفَ إذا كانَ مِنَ العُلُوِّ والعِظَمِ وثِقَلِ الجِسْمِ عَلى صِفَةٍ لا يُحِيطُ بِها إلّا بارِئُها، فَذِكْرُ الفَوْقِ تَصْوِيرٌ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى هَذا الِانْفِطارِ مِنَ البَلايا الكِبارِ، وعَلى هَذا يَحْسُنُ أنِّي يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى الأراضِي الَّتِي كَفَرُوا بِفاطِرِها.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ سَبَبَ كَيْدُودَةِ انْفِطارِهِنَّ جَلالَةُ العَظَمَةِ الَّتِي مِنها كَثْرَةُ المَلائِكَةِ وشَناعَةُ الكُفْرِ، بَيَّنَ لَها سَبَبًا آخَرَ وهو عَظِيمُ قَوْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُمْ، وعَدَلَ عَنِ التَّأْنِيثِ مُراعاةً لِلَّفْظِ إلى التَّذْكِيرِ وضَمِيرُ الجَمْعِ، إشارَةٌ إلى قُوَّةِ التَّسْبِيحِ وكَثْرَةِ المُسَبِّحِينَ فَقالَ: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ التَّنْزِيهَ والتَّقْدِيسَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ (p-٢٤٤)وتَعالى مُلْتَبِسِينَ ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِإثْباتِ الكَمالِ لِلْمُحْسِنِ إلَيْهِمْ تَسْبِيحًا يَلِيقُ بِما لَهم - بِما أشارَتْ إلَيْهِ الإضافَةُ دائِمًا لا يَفْتَرُونَ، فَلَهم بِذَلِكَ زَجَلٌ وأصْواتٌ لا تَحْمِلُها العُقُولُ، ولا تَثْبُتُ لَها الجِبالُ، فَلا تَسْتَبْعِدْنَ ذَلِكَ، فَكَمْ مِن صاعِقَةٍ سَمِعْتُها مِنَ السَّحابِ فَرَجُّتْ لَها الأرْضُ فَتَصَدَّعَتْ لَها الأبْنِيَةُ المَتِينَةُ والجِبالُ الصِّلابُ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ لِمَدْحِ المَلائِكَةِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم عَرَفُوا إحْسانَ المُحْسِنِ وعَمِلُوا في الشُّكْرِ بِما اقْتَضاهُ إحْسانُهُ فَصارَ تَعْرِيضًا بِذَمِّ الكَفَرَةِ بِما غَطَّوْا مِن إحْسانِهِ، وتَذَرَّعُوا مِن كُفْرانِهِ.
ولَمّا كانُوا لِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِجَلالِ اللهِ سُبْحانَهُ يَسْتَحْيُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الأرْضِ ويَقُولُونَ ما لا يَلِيقُ بِحَضْرَتِهِ الشَّمّاءِ وجَنابِهِ الأسْمى، وكانُوا يَعْلَمُونَ مِمّا جادَلَهم سُبْحانَهُ عَنْهم أنَّ لَهُ بِهِمْ عِنايَةً، فَكانُوا يَرَوْنَ أنَّ الأقْرَبَ إلى رِضاهُ الِاسْتِغْفارُ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ حاذِقًا ما أوْجَبَهُ السِّياقُ في ﴿غافِرِ﴾ [غافر: ٣] مِن ذِكْرِ الإيمانِ، إشارَةً إلى أنَّ أقْرَبَ الخَلْقِ مِنَ العَرْشِ كَأبْعَدِ النّاسِ في الإيمانِ (p-٢٤٥)المَشْرُوطِ بِالغَيْبِ إبْلاغًا في التَّنْزِيهِ لِأنَّهُ لا مُقْتَضى لَهُ هُنا: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ وهم مَعَ التَّسْبِيحِ يَطْلُبُونَ الغُفْرانَ ﴿لِمَن في الأرْضِ﴾ لِما يَرَوْنَ مِن شِدَّةِ تَقْصِيرِهِمْ في الوَفاءِ بِحَقِّ تِلْكَ العَظَمَةِ، الَّتِي لا تُضاهى، أمّا لِلْمُؤْمِنِ فَمُطْلَقًا، وأمّا لِلْكافِرِ فَبِتَأْخِيرِ المُعالَجَةِ، وكَذا لِبَقِيَّةِ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ لِما يَهُولُهم مِمّا يُشاهِدُونَهُ مِن عَظَمَةِ ذِي الكِبْرِياءِ وجَلالَةِ ذِي الجَبَرُوتِ. قالَ ابْنُ بُرْجانَ: لَمْ يَشَأِ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ كَوْنَ شَيْءٍ إلّا قَيَّضَ مَلائِكَةً مِن عِبادِهِ يَشْفَعُونَ في كَوْنِهِ، وكَذَلِكَ في إبْقاءِ ما شاءَ إبْقاءَهُ وإعْدامِ ما شاءَ إعْدامَهُ، وهَذِهِ أُصُولُ الشَّفاعَةِ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ، وألْطَفُ مِن ذَلِكَ أنْ تَكُونَ كَيْدُودَةِ انْفِطارِهِنَّ في حالِ تَسْبِيحِ المَلائِكَةِ واسْتِغْفارِهِمْ لِما يَرَيْنَ مِن فَوْقِهِنَّ مِنَ العَظَمَةِ، ومِن تَحْتِهِنَّ مِن ذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ، فَلَوْلا ذِكْرُهم لَتَفَطَّرْنَ وحَضَرَ العَذابُ، فَعُوجِلَ الخَلْقُ بِالهَلاكِ، وقامَتِ القِيامَةُ، وقُضِيَ الأمْرُ، وإذا كانَتْ كَيْدُودَةُ الِانْفِطارِ مَعَ هَذا التَّنْزِيهِ والِاسْتِغْفارِ، فَما ظَنُّكَ بِما يَكُونُ لَوْ عَرّى الأمْرُ عَنْهُ وخَلا مِنهُ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ العُمُومَ هُنا ولَمْ يَخُصَّ المُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِغْفارِ كَما في ﴿غافِرِ﴾ [غافر: ٣] لِما اقْتَضاهُ السِّياقُ هُنا مِنَ العُمُومِ، ولِأنَّ مَقْصُودَ غافِرٍ (p-٢٤٦)تَصْنِيفُ النّاسِ في الآخِرَةِ صِنْفَيْنِ وتَوْفِيَةُ كُلِّ ما يَسْتَحِقُّهُ فَناسَبَ ذَلِكَ إفْرادُ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالإيمانِ ومَقْصُودُ هَذِهِ الجُمَعِ عَلى الدِّينِ في الدُّنْيا فَناسَبَ الدُّعاءَ لِلْكُلِّ لِيُجازى كُلٌّ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن إطْلاقِ المَغْفِرَةِ في الدّارَيْنِ لِلْمُؤْمِنِ وتَقْيِيدِها بِالتَّأْخِيرِ في الدُّنْيا لِلْكافِرِ.
ولَمّا كانَتْ أفْعالُ أهْلِ الأرْضِ وأقْوالُهم عَظِيمَةَ المُخالَفَةِ لِما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ فَهم يَسْتَحِقُّونَ المُعاجَلَةَ بِسَبَبِها، أجابَ مِن كَأنَّهُ قالَ: هَذا يُسْتَجابُ لَهم في المُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ يُسْتَجابُ لَهم في الكافِرِينَ لِيَجْمَعَ الكَلامَ التَّهْيِيبَ والتَّهْوِيلَ في أوَّلِهِ والبِشارَةَ واللُّطْفَ والتَّيْسِيرَ في آخِرِهِ، فَقالَ لافِتًا القَوْلَ عَنْ صِفَةِ الإحْسانِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ تَعْرِيفًا بِعَظِيمِ الأمْرِ حَمْلًا عَلى لُزُومِ الحَمْدِ وإدامَةِ الشُّكْرِ: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ، فَلَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ، وأكَّدَ لِأنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِهِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ، ورَتَّبَ وصْفَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى أعْلى وُجُوهِ البَلاغَةِ فَبَدَأ بِما أفْهَمَ إجابَةَ المَلائِكَةِ وأتْبَعَهُ الإعْلامَ بِمَزِيدِ الإكْرامِ فَقالَ: ﴿الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ العامِّ السَّتْرِ والإكْرامِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ أمّا لِأهْلِ الإيمانِ فَواضِحٌ دُنْيا وآخِرَةً، وأمّا لِأهْلِ الكُفْرانِ فَفي الدُّنْيا فَهو يَرْزُقُهم ويُعافِيهِمْ ويُمْلِي لَهم ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وأمّا غَيْرُ اللهِ فَلا يُغْفَرُ (p-٢٤٧)لِأهْلِ مَعْصِيَتِهِ، ولَوْ أرادَ ذَلِكَ ما تَمَكَّنَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences