Al-Biqa'iAdh-Dhariyat · 51:1–20

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الذاريات

Adh-Dhariyat

The Winnowing Winds · Meccan · 60 ayahs

51:1Page 520

وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا ١

By the [winds] scattering [dust], dispersing [it]

(p-٤٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الذّارِياتِ

مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى صِدْقِ ما أنْذَرَتْ بِهِ سُورَةُ ”ق“ تَصْرِيحًا وبَشَّرَتْ بِهِ تَلْوِيحًا ولا سِيَّما آخِرُها مِن مُصابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، واسْمُها الذّارِياتُ ظاهِرٌ في ذَلِكَ بِمُلاحَظَةِ جَوابِ القَسَمِ؛ فَإنَّهُ مَعَ القَسَمِ لِشِدَّةِ الِارْتِباطِ كالآيَةِ الواحِدَةِ وإنْ كانَ خَمْسًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الرِّياحِ بِالذّارِياتِ أتَمُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ، فَإنَّ تَكْذِيبَهم بِالوَعِيدِ لِكَوْنِهِمْ لا يَشْعُرُونَ بِشَيْءٍ مِن أسْبابِهِ وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً مَعَهم كَما أنَّ ما يَأْتِي مِنَ السَّحابِ مِنَ الرَّحْمَةِ والنِّقْمَةِ أسْبابُهُ وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً، وهي الرِّياحُ وإنْ كانُوا لا يَرَوْنَها، والرِّيحُ مِن شَأْنِها الذَّرْءُ وهو التَّفْرِيقُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ جُمِعَتْ فَكانَ ما أرادَ، فَإنَّها تُفَرِّقُ الأبْخِرَةَ، فَإذا أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَمْعَها فَحَمَلَها ما أوْجَدَ فِيها فَأوْقَرَها بِهِ فَأجْراها إجْراءً سَهْلًا، فَقَسَّمَ مِنها ما أرادَ تارَةً بَرْقًا وأُخْرى رَعْدًا، يَصِلُّ صَلِيلَ الحَدِيدِ عَلى الحَدِيدِ، أوِ الحَجَرِ عَلى مِثْلِهِ مَعَ لَطافَةِ السَّحابِ، كُلُّ ما يُشاهَدُ فِيهِ مِنَ الأسْبابِ، وآوِنَةً مَطَرًا شَدِيدَ الِانْصِبابِ ومَرَّةً بَرَدًا ومَرَّةً ثَلْجًا يُرْجى ويُهابُ، وحِينًا صَواعِقَ ونِيرانًا لَها أيُّ التِهابٍ، ووَقْتًا جَواهِرَ ومُرْجانًا بَدِيعَةَ الإعْجابِ، فَتَكُونُ مَرَّةً (p-٤٤٥)سُرُورًا ورِضْوانًا، وأُخْرى غُمُومًا وأحْزانًا، وغَبْنًا وخُسْرانًا، عَلى أنَّهم أخْيَلُ النّاسِ في بَعْضِ ذَلِكَ، يَعْرِفُونَ السَّحابَ الَّذِي يُخَيِّلُ المَطَرَ والَّذِي لا يُخَيِّلُهُ والَّذِي مَطَرُهُ دانٍ، والَّذِي لَمْ يَئِنْ لَهُ أنْ يُمْطِرَ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أشْياءَ ذَكَرَها أهْلُ الأدَبِ وحَمَلَها أهْلُ اللُّغَةِ عَنْهُمْ، وكُلُّ ذَلِكَ بِتَصْرِيفِ المَلائِكَةِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ؛ ولِذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ- سُنَّ أنْ يُقالَ عِنْدَ سَماعِ الرَّعْدِ: سُبْحانَ اللَّهِ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، بَيانًا لِأنَّ المُصَرِّفَ الحَقَّ هو اللَّهُ تَعالى: ”رَبُّ المَلائِكَةِ“ أيِ: الَّذِينَ أُقِيمُوا لِهَذا ”والرُّوحِ“ الَّذِي يَحْمِلُهُ هَذا الجِسْمُ مِن مَطَرٍ أوْ نارٍ أوْ غَيْرِهِما. واللَّهُ المُوَفِّقُ.

”بِسْمِ اللَّهِ“ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ فَهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّ الخَلائِقَ بِنِعْمَةِ الإيجادِ. ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ مَنِ اخْتارَهُ بِالتَّوْفِيقِ لِما يَرْضاهُ مِنَ المُرادِ.

* *

لَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ ”ق“ بِالتَّذْكِيرِ بِالوَعِيدِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِالقَسَمِ البالِغِ عَلى صِدْقِهِ، فَقالَ مُناسِبًا بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ: ﴿والذّارِياتِ﴾ أيِ: الرِّياحِ الَّتِي مِن شَأْنِها الإطارَةُ والرَّمْيُ والتَّفْرِيقُ والإذْهابُ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَرْوًا﴾ أيْ: بِما تَصْرِفُها فِيهِ المَلائِكَةُ، قالَ الأصْبِهانِيُّ: الرِّياحُ تَحْتَ أجْنِحَةِ الكُرُوبِيِّينَ حَمَلَةِ العَرْشِ، فَتَهِيجُ مِن ثَمَّ فَتَقَعُ بِعَجَلَةِ الشَّمْسِ ثُمَّ تَهِيجُ عَنْ عَجَلَةِ الشَّمْسِ فَتَقَعُ بِرُؤُوسِ الجِبالِ، ثُمَّ مِن رُؤُوسِ الجِبالِ (p-٤٤٦)تَقَعُ في البَرِّ، فَأمّا الشَّمالُ فَإنَّها تَمُرُّ تَحْتَ عَدْنٍ فَتَأْخُذُ مِن عَرْفِ طِيبِها فَتَمُرُّ عَلى أرْواحِ الصِّدِّيقِينَ، ثُمَّ تَأْخُذُ حَدَّها مِن كُرْسِيِّ بَناتِ نَعْشٍ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وتَأْتِي الدَّبُورُ حَدَّها مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ إلى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ، وتَأْتِي الجَنُوبُ حَدَّها مِن مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلى مَطْلَعِ الشَّمْسِ، وتَأْتِي الصَّبا حَدَّها مِن مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى كُرْسِيِّ بَناتِ نَعْشٍ، فَلا تَدْخُلُ هَذِهِ في حَدِّ هَذِهِ [ولا هَذِهِ في حَدِّ هَذِهِ].

51:2Page 520

فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا ٢

And the [clouds] carrying a load [of water]

ولَمّا كانَتْ غايَةُ الذَّرْوِ التَّهْيِئَةَ لِلْحَمْلِ، قالَ مُسَبِّبًا ومُعَقِّبًا: ﴿فالحامِلاتِ﴾ أيْ: مِنَ السُّحُبِ الَّتِي فَرَّقَتِ الرِّيحُ أصْلَها وهو الأبْخِرَةُ، وأطارَتْهُ في الجَوِّ في جِهَةِ العُلُوِّ ثُمَّ جَمَعَتْهُ، فانْعَقَدَ سَحابًا فَبَسَطَهُ مَعَ الِالتِئامِ فَحَمَّلَهُ اللَّهُ ما أوْجَدَ فِيهِ مِن مُرادِهِ مِنَ الماءِ والصَّواعِقِ وغَيْرِها.

﴿وِقْرًا﴾ أيْ: حِمْلًا ثَقِيلًا، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ لا يُرى شَيْءٌ مِنهُ ولا مِن مَحْمُولِهِ، فَتَحَقَّقُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ وإنْ لَمْ تَرَوْا أسْبابَهُ، ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ.

51:3Page 520

فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا ٣

And the ships sailing with ease

ولَمّا كانَ الحَمْلُ إنَّما هو الوَضْعُ في الأماكِنِ الَّتِي يُرادُ ضَرُّها أوْ نَفْعُها، وكانَ سَيْرُ الغَمامِ بَعْدَ الحَمْلِ في ساحَةِ الجَوِّ وباحَةِ الأُفُقِ مِن غَيْرِ مُمْسِكٍ يُرى أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ، ولا سِيَّما إذا كانَ مَعَ الجَرْيِ الَّذِي يُضْرَبُ [بِهِ] لِسُرْعَتِهِ المَثَلُ، وكَذا جَرْيُ السُّفُنِ في باحَةِ البَحْرِ بَعْدَ ثِقْلِها (p-٤٤٧)بِالوَسْقِ قالَ: ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيْ: جَرْيًا ذا سُهُولَةٍ.

51:4Page 520

فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا ٤

And the [angels] apportioning [each] matter,

ولَمّا كانَ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ بِغَرِيقِ مَحْمُولِها في الأراضِي المُجْتاحَةِ ولا سِيَّما إنْ تَباعَدَتْ أماكِنُ صَبِّهِ ومَواطِنُ سَكْبِهِ، وكانَ ذَلِكَ التَّفْرِيقُ [هُوَ] غايَةَ الجَرْيِ المُتَرَتِّبِ عَلى الحَمْلِ المُتَرَتِّبِ عَلى الذَّرْوِ، قالَ مُسَبِّبًا مُعَقِّبًا مُشِيرًا بِالتَّفْعِيلِ إلى غَرابَةِ فَصْلِها لِقَطَراتِها وبَداعَةِ تَفْرِيقِها لِرَحْمَتِها مِن عَذابِها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ الجارِياتِ وتَصْرِيفِ السّارِياتِ: ﴿فالمُقَسِّماتِ﴾ أيْ: مِنَ السُّحُبِ بِما تُصَرِّفُها فِيهِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَذا السُّفُنُ بِما يُصَرِّفُها اللَّهُ بِهِ مِنَ الرِّياحِ اللَّيِّنَةِ أوِ العاصِفَةِ مِن سَلامَةٍ وعَطَبٍ وسُرْعَةٍ وإبْطاءٍ، وكَذا غَيْرُهُما مِن كُلِّ أمْرٍ تُصَرِّفُهُ المَلائِكَةُ بَيْنَ العِبادِ وتُقَسِّمُهُ.

ولَمّا كانَ المَحْمُولُ مُخْتَلِفًا كَما تَقَدَّمَ، قالَ جامِعًا لِذَلِكَ: ﴿أمْرًا﴾ أيْ: مِنَ الرَّحْمَةِ أوِ العَذابِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وهَذِهِ أقْسامٌ يُقْسِمُ اللَّهُ بِها ولا يُقْسِمُ بِها [الخَلْقُ؛ لِأنَّ قَسَمَ] الخَلْقِ اسْتِشْهادٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِمَن يَعْلَمُ السِّرَّ كالعَلانِيَةِ؛ وهو اللَّهُ تَعالى، وقَسَمُ الخالِقِ إرادَةُ تَأْكِيدِ الخَبَرِ في نُفُوسِهِمْ فَيُقْسِمُ بِبَعْضِ بَدائِعِ خَلْقِهِ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الِاعْتِبارَ ويَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ، فالرِّياحُ بِهُبُوبِها وسُكُونِها لِتَأْلِيفِ السَّحابِ وتَذْرِئَةِ الطَّعامِ واخْتِلافِ الهَواءِ وعُصُوفِها مَرَّةً ولِينِها أُخْرى والسَّحابُ بِنَحْوِ وُقُوفِها مُثْقَلاتٍ بِالماءِ مِن غَيْرِ عِمادٍ وصَرْفِها في وقْتِ الغِنى عَنْها (p-٤٤٨)بِما لَوْ دامَتْ لَأهْلَكَتْ، ولَوِ انْقَطَعَتْ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى قَطْرَةٍ مِنها، وبِتَفْرِيقِ المَطَرِ وإلّا هَلَكَ الحَرْثُ والنَّسْلُ، والسُّفُنُ بِتَسْخِيرِ البَحْرِ لِجَرَيانِها وتَقْدِيرِ الرِّيحِ لَها بِما لَوْ زادَ لَغَرِقَ، ولَوْ رَكَدَ لَأهْلَكَ، والمَلائِكَةُ تُقَسِّمُ الأُمُورَ بِأمْرِ رَبِّها، كُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، والفاطِرِ العَلِيمِ، القادِرِ الماجِدِ الكَرِيمِ.

51:5Page 520

إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ ٥

Indeed, what you are promised is true.

ولَمّا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالوَعِيدِ، أكَّدَ الجَوابَ بَعْدَ التَّأْكِيدِ بِنَفْسِ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما﴾ [أيِ الَّذِي] ﴿تُوعَدُونَ﴾ أيْ: مِنَ الوَعْدِ لِلطّائِعِ والوَعِيدِ لِلْعاصِي، وإنْ لَمْ تَرَوْا أسْبابَهُ، ولَمّا كانَ ما تُوُعِّدُوا بِهِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ وقُرْبِهِ كَأنَّهُ مَوْجُودٌ يُخاطِبُهم عَنْ نَفْسِهِ، عَبَّرَ عَنِ المَصْدَرِ بِاسْمِ الفاعِلِ فَقالَ: ﴿لَصادِقٌ﴾ أيْ: مُطابِقُ الإخْبارِ [بِهِ] لِلْواقِعِ، وسَتَرَوْنَ مُطابَقَتَهُ لَهُ إذا وقَعَ، وتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ الواقِعَ حَقٌّ ثابِتٌ لا خَيالٌ لِمُطابَقَتِهِ لِلْخَبَرِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ما أقْسَمَ بِقَسَمٍ إلّا مُطابِقًا مَعْناهُ لِمَعانٍ في المُقْسَمِ مِن أجْلِهِ بِسِراجٍ مُنِيرٍ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ تَعالى مَن يَشاءُ، وإنَّما يُعْمِي عَنْ رُؤْيَةِ ذَلِكَ ظَواهِرُ إشْخاصٍ لِلْمَحْسُوساتِ، ويَصُمُّ عَنْ إسْماعِ نِدائِها ضَوْضاءُ المُشاهِداتِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَنُودُوا بِها مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، وقالَ البَيْضاوِيُّ: كَأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِاقْتِدارِهِ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ العَجِيبَةِ المُخالِفَةِ لِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ عَلى اقْتِدارِهِ عَلى البَعْثِ.

51:6Page 520

وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٞ ٦

And indeed, the recompense is to occur.

ولَمّا كانَ أجَلُ وعِيدِهِمْ وما يَتَعَلَّقُ بِالجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ وكانُوا يُنْكِرُونَهُ، قالَ: ﴿وإنَّ الدِّينَ﴾ أيِ: المُجازاةَ لِكُلِّ أحَدٍ بِما كَسَبَ يَوْمَ (p-٤٤٩)البَعْثِ، والشَّرْعَ الَّذِي أرْسَلْتُ بِهِ هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ ﴿لَواقِعٌ﴾ لا بُدَّ مِنهُ وإنْ أنْكَرْتُمْ ذَلِكَ، فَيَظْهَرُ دِينُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ كَما وعَدَ بِذَلِكَ، ثُمَّ نُقِيمُ النّاسَ كُلَّهم لِلْحِسابِ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ المَواعِيدَ الأُخْرَوِيَّةَ في سُورَةِ ”ق“ وعَظِيمِ تِلْكَ الأحْوالِ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] إلى آخِرِ السُّورَةِ، أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِالقَسَمِ عَلى وُقُوعِهِ وصِدْقِهِ فَقالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] [إلى] قَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ [الذاريات: ٥] ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ والدِّينُ الجَزاءُ، أيْ أنَّهم سَيُجازَوْنَ عَلى ما كانَ مِنهم ويُوَفَّوْنَ قِسْطَ أعْمالِهِمْ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] ولَمّا أقْسَمَ اللَّهُ عَلى صِدْقِ وعْدِهِ ووُقُوعِ الجَزاءِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ بِالجَزاءِ وازْدِرائِهِمْ فَقالَ: ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ الفَرِيقَيْنِ وانْتِهاءَ الطَّرِيقَيْنِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] فَوَبَّخَ تَعالى مَن لَمْ يُعْمِلْ فِكْرَهُ ولا بَسَطَ نَظَرَهُ فِيما أوْدَعَ سُبْحانَهُ في العالَمِ مِنَ العَجائِبِ، وأعْقَبَ بِذِكْرِ إشاراتٍ إلى أحْوالِ الأُمَمِ وما أعْقَبَهم تَكْذِيبُهُمْ، وكُلُّ هَذا تَنْبِيهٌ لِبَسْطِ النَّظَرِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا﴾ [الذاريات: ٤٩] بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] أيْ: إنَّ هَذا دَأْبُهم وعادَتُهم حَتّى كَأنَّهم تَعاهَدُوا عَلَيْهِ وألْقاهُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَقالَ (p-٤٥٠)تَعالى: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] أيْ: عَجَبًا لَهم في جَرْيِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ [و] الفَسادِ في مِضْمارٍ واحِدٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] أيْ أنَّ عِلَّةَ تَكْذِيبِهِمْ [هِيَ] الَّتِي اتَّحَدَتْ فاتَّحَدَ مَعْلُولُها، والعِلَّةُ طُغْيانُهم وإظْلامُ قُلُوبِهِمْ بِما سَبَقَ ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] ثُمَّ زادَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْياءَ مِمّا ورَدَ عَلى طَرِيقَةِ تَخْيِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أمْرِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] ثُمَّ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] إلى أنَّ إحْرازَ أجْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما هو في التِّذْكارِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَنْفَعُ اللَّهُ بِذَلِكَ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ تَكْذِيبَهُ سَيَنالُهم قِسْطٌ ونَصِيبٌ مِمّا نالَ غَيْرَهم مَنِ ارْتَكَبَ مُرْتَكَبَهُمْ، وسَلَكَ مَسْلَكَهُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩] إلى آخِرِ السُّورَةِ. انْتَهى.

51:7Page 521

وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡحُبُكِ ٧

By the heaven containing pathways,1

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ ثَباتِ خَبَرِهِ، أتْبَعَهُ الإخْبارَ عَنْ وهْيِ كَلامِهِمْ، فَقالَ مُقْسِمًا عَلَيْهِ لِمُبالَغَتِهِمْ في تَأْكِيدِ مَضامِينِهِ مَعَ التَّناقُضِ بِفِعْلِهِ الجَمِيلِ وصُنْعِهِ الجَلِيلِ، إشارَةً إلى أنَّهم [لَمْ] يَتَخَلَّقُوا مِن أخْلاقِهِ الحُسْنى بِقَوْلٍ ولا فِعْلٍ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ أيِ: الآياتِ المُحْتَبِكَةِ بِطَرائِقِ النُّجُومِ (p-٤٥١)المُحْكَمَةِ، الحَسَنَةِ الصَّنْعَةِ، الجَيِّدَةِ الرَّصْفِ والزِّينَةِ، حَتّى كَأنَّها مَنسُوجَةٌ، الجَمِيلَةِ الصَّنْعَةِ الجَلِيلَةِ الآثارِ، الجامِعَةِ بَيْنَ القَطْعِ والِاخْتِلاطِ والِاتِّفاقِ والِاخْتِلافِ، وأصْلُ الحَبْكِ الإحْكامُ في امْتِدادٍ واطِّرادٍ، قالَهُ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ.

51:8Page 521

إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ ٨

Indeed, you are in differing speech.1

﴿إنَّكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ﴿لَفِي قَوْلٍ﴾ مُحِيطٍ بِكم في أمْرِ القُرْآنِ [و] الآتِي بِهِ وجَمِيعِ أمْرِ دِينِكم وغَيْرِهِ مِمّا تُرِيدُونَ بِهِ إبْطالَ الدِّينِ الحَقِّ ﴿مُخْتَلِفٍ﴾ كاخْتِلافِ طَرائِقِ السَّماءِ الَّتِي لا تَكادُ تَنْتَظِمُ، ولا يُعْرَفُ أوَّلُها مِن آخِرِها، واخْتِلافُ هَذِهِ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها مِن أوَّلِ السُّورَةِ واخْتِلافُ غاياتِها لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُتَدافِعٌ، وإنْ كُنْتُمْ تَجْتَهِدُونَ في تَزْيِينِهِ وتَقْرِيبِهِ لِلْأفْهامِ وتَحْسِينِهِ فَإنَّهُ لا يَكادُ إذا عَرَضَهُ النّاقِدُ عَلى الفِكْرِ النّافِذِ يَنْضَبِطُ بِضابِطٍ ولا يَرْتَبِطُ بِرابِطٍ، بَلْ تارَةً تَقُولُونَ: هَذا شَعْرٌ فَيَلْزَمُكم وصْفُهُ بِما تَصِفُونَ بِهِ الشِّعْرَ مِنَ الِاتِّساقِ بِالوَزْنِ المُجَرَّدِ والرَّوِيِّ المُتَّحِدِ، والعُذُوبَةِ والرَّشاقَةِ، وتارَةً تَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ فَيَلْزَمُكم مَعَ الإقْرارِ بِالعَجْزِ [عَنْهُ] أنَّهُ لا حَقائِقَ [لَهُ] والواقِعُ أنَّهُ لا يَتَأمَّلُهُ ذُو فَهْمٍ إلّا رَأى حَقائِقَهُ أثْبَتَ مِنَ الجِبالِ، وتارَةً تَقُولُونَ: أضْغاثُ أحْلامٍ، فَيَلْزَمُكم أنَّهُ لا يَنْضَبِطُ بِضابِطٍ، ولا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ يَحْصُلُ، ولا يَعْجِزُ أحَدٌ عَنْ تَلْفِيقِ مِثْلِهِ، فَقَدْ أبْطَلْتُمْ قَوْلَكُمْ: إنَّهُ شِعْرٌ وإنَّهُ سِحْرٌ.

وتارَةً تَقُولُونَ: إنَّهُ كِهانَةٌ فَيَلْزَمُكم أنْ تَعْتَقِدُوا مِنهُ (p-٤٥٢)ما تَعْتَقِدُونَ في أقْوالِ الكُهّانِ مِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ وإظْهارِ الخَبْءِ وفَصْلِ الحُكْمِ، فَأبْطَلْتُمْ ما مَضى مِن قَوْلِكُمْ: أضْغاثُ أحْلامٍ وسِحْرٌ وشِعْرٌ، وتارَةً تَقُولُونَ: إنَّهُ جُنُونٌ، فَقَدْ نَقَضْتُمْ جَمِيعَ أقْوالِكُمُ الماضِيَةِ ونادَيْتُمْ عَلى أنْفُسِكم بِالمُباهَتَةِ، تَقُولُونَ في الآتِي بِهِ: إنَّهُ شاعِرٌ وساحِرٌ ومَجْنُونٌ وكاهِنٌ وكاذِبٌ، وكُلُّ قَوْلٍ مِنها يَنْقُضُ الآخَرَ، وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّكم أصْدَقُ النّاسِ وأبْعَدُهم عَنْ عارِ الكَذِبِ، وأنَّكم أعْقَلُ النّاسِ وأنْصَفُهُمْ، فَقَدْ تَباعَدَ أوَّلًا ما بَيْنَ أقْوالِكُمْ، ثُمَّ ما بَيْنَها وبَيْنَ أفْعالِكُمْ، فَكانَ اخْتِلافُ طَرائِقِ النُّجُومِ دالًّا عَلى مانِعٍ مُخْتارٍ تامِّ العِلْمِ كامِلِ القُدْرَةِ، وكَذا اخْتِلافُ قَوْلِكم عَلى هَذا الوَجْهِ مَعَ ما لَكم مِنَ العُقُولِ دالٌّ عَلى قاهِرٍ لَكم عَلى ذَلِكَ، فَهُما آيَتانِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِكم.

51:9Page 521

يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ ٩

Deluded away from it [i.e., the Qur’ān] is he who is deluded.

ولَمّا كانَ هَذا الِاخْتِلافُ مِمّا لا يَكادُ يُصَدَّقُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ فِيهِ عاقِلٌ، بَيَّنَ سَبَبَهُ بِأنَّهم مَغْلُوبُونَ عَلَيْهِ بِقَهْرِ يَدِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿يُؤْفَكُ﴾ أيْ: يُصْرَفُ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأسْهَلِهِ عَنْ سُنَنِ الِاسْتِقامَةِ، ويُقْلَبُ مِن وجْهِهِ لِقَفاهُ ﴿عَنْهُ﴾ أيْ: يَصْدُرُ صَرْفُهُ عَنْ هَذا القَوْلِ مَجازًا لِما يَلْزَمُهُ مِن عارِهِ، فَهو لِأجْلِ ذَلِكَ يَقُولُهُ ﴿مَن أُفِكَ﴾ أيْ: قَلَبَهُ قَلْبٌ قاهِرٌ؛ أيْ تَبَيَّنَ بِهَذا الصَّرْفِ الَّذِي هو أعْظَمُ الصَّرْفِ أنَّهُ حَكَمَ في الأزَلِ حُكْمًا ثابِتًا جامِعًا، فَصارَ لا يَصُدُّ عَنْهُ قَوْلٌ ولا فِعْلٌ إلّا كانَ مَقْلُوبًا وجْهُهُ إلى قَفاهُ (p-٤٥٣)لا يُمْكِنُ أنْ يَأْتِيَ مِنهُ بِشَيْءٍ عَلى وجْهِهِ، فَكَأنَّهُ لا مَأْفُوكَ سِواهُ لِشِدَّةِ إفْكِهِ وعَجِيبِ أمْرِهِ.

51:10Page 521

قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ ١٠

Destroyed are the misinformers1

ولَمّا كانَ الكَذِبُ الإخْبارَ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ وتَعَمُّدَ الِافْتِراءِ، وكانَ الخَرْصُ الكَذِبَ والِافْتِراءَ والِاخْتِلافَ وكُلَّ قَوْلٍ بِالظَّنِّ، قالَ مُعْلِمًا بِما لَهم عَلى قَوْلِهِمْ هَذا: قَتَلُوا أوْ قَتَلْتُمْ - هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ أيْ: حَصَلَ بِأيْسَرِ أمْرٍ قَتْلُ الكَذّابِينَ ولا مَحالَةَ مِن كُلِّ قاتِلٍ، والمُتَقَوِّلِينَ بِالظَّنِّ المُنْقَطِعِينَ لِلْكَلامِ مِن أصْلٍ لا يَصْلُحُ لِلْخَرْصِ وهو القَطْعُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَنْ غَيْرِ سَنَدٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ، وهو دُعاءٌ أوْ خَبَرٌ لِأنَّهُ مُجابٌ:

51:11Page 521

ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ ١١

Who are within a flood [of confusion] and heedless.

﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ خاصَّةً ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ أيْ: أعْماقٍ مِنَ العَمى والضَّلالِ، غارِقُونَ في سُكْرِهِمْ وجَهْلِهِمُ الَّذِي غَمَرَهُمْ، ولِذَلِكَ هم مُضْطَرِبُونَ اضْطِرابَ مَن هو يَمْشِي في مُعْظَمِ البَحْرِ فَهو لا يَكادُ يَنْتَظِمُ لَهُ أمْرٌ مِن قَوْلٍ ولا فِعْلٍ ولا حالٍ ﴿ساهُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في السَّهْوِ؛ وهو النِّسْيانُ والغَفْلَةُ والحَيْرَةُ وذَهابُ القَلْبِ إلى غَيْرِ ما يَهُمُّهُ، فَفاعِلُ ذَلِكَ ذُو ألْوانٍ مُتَخالِفَةٍ مِن هَوْلِ ما هو فِيهِ وشِدَّةِ كَرْبِهِ.

51:12Page 521

يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٢

They ask, "When is the Day of Recompense?"

ولَمّا حَكَمَ بِسَهْوِهِمْ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَ﴾ أيْ: حِينًا بَعْدَ حِينٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ اسْتِهْزاءً بِقَوْلِهِمْ: ﴿أيّانَ﴾ أيْ: مَتى وأيَّ حِينٍ ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ: وُقُوعُ الجَزاءِ الَّذِي يُخْبِرُنا بِهِ، ولَوْلا أنَّهم بِهَذِهِ الحالَةِ (p-٤٥٤)لَتَذَكَّرُوا مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنهم يَبُثُّ عَبِيدَهُ أوْ أُجَراءَهُ في عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ إلّا وهو يُحاسِبُهم عَلى أعْمالِهِمْ، ويَنْظُرُ قَطْعًا في أحْوالِهِمْ، ويَحْكُمُ بَيْنَهم في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ أنْ يَتْرُكَ عَبِيدَهُ الَّذِينَ خَلَقَهم عَلى هَذا النِّظامِ المُحْكَمِ وأبْدَعَ لَهم هَذَيْنِ الخافِقَيْنِ وهَيَّأ لِأجْلِهِمْ فِيهِما ما لا ضَرُورَةَ لَهم في التَّزَوُّدِ لِلْمَعادِ إلى سِواهُ فَيَتْرُكُهم سُدًى يُوجِدُهم عَبَثًا.

51:13Page 521

يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ ١٣

[It is] the Day they will be tormented over the Fire

ولَمّا تَقَرَّرَ أمْرُ القِيامَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِساهُونَ قالَ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ: نَقُولُ يَوْمَ ﴿هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ فَيُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُونَ ويُصْبِحُونَ... مِنَ الِاخْتِلافِ مَقُولًا لَهم عَلى سَبِيلِ القَرْعِ والتَّوْبِيخِ:

51:14Page 521

ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ ١٤

[And will be told], "Taste your torment. This is that for which you were impatient."

﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ ... العُقُوبَةَ مِنَ الفِتْنَةِ المُحِيطَةِ.. واسْتِعْجالَكم ما تُوعَدُونَ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ عَجَلَتَهُ ...

51:15Page 521

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٥

Indeed, the righteous will be among gardens and springs,

﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ كانَتِ التَّقْوى لَهم وصْفًا ثابِتًا ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ عَظِيمَةٍ نَحْنُ داخِلَها ...

﴿وعُيُونٍ﴾

51:16Page 521

ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ ١٦

Accepting what their Lord has given them. Indeed, they were before that doers of good.

﴿آخِذِينَ ما﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ ﴿آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْهِمْ... بِتَمامِ عِلْمِهِ وشامِلِ قُدْرَتِهِ وهو لا يَدَعُ لَهم لَذَّةً إلّا أتْحَفَهم بِها فَيَقْبَلُونَها بِغايَةِ الرَّغْبَةِ؛ لِأنَّها في غايَةِ النَّفاسَةِ. ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا عَظِيمًا يَذْهَبُ الوَهْمُ في سَبَبِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِنِسْبَةِ الكُفّارِ لَهم إلى الإساءَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ (p-٤٥٥)إمّا يَكُونُ مُطِيعًا في مَجْمُوعِ عُمْرِهِ أوْ في بَعْضِهِ... عَلى الطّاعَةِ، وكانَتِ الطّاعَةُ تَجُبُّ ما قَبْلَها، وتَكُونُ سَبَبًا في تَبْدِيلِ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ فَضْلًا مِنهُ سُبْحانَهُ، فَكانَ كُلُّ مِنَ القِسْمَيْنِ مُطِيعًا في جَمِيعِ زَمانِهِ، نَزَعَ الجارَّ فَقالَ: ﴿قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أيْ: في دارِ العَمَلِ، وقِيلَ: أخَذُوا ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِغايَةِ القَبُولِ؛ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ فَرْضِ الفَرائِضِ يَعْمَلُونَ عَلى المَحَبَّةِ وهو مَعْنى ﴿مُحْسِنِينَ﴾ أيْ: في مُعامَلَةِ الخالِقِ والخَلائِقِ، يَعْبُدُونَ اللَّهَ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ، ثُمَّ فَسَّرَ إحْسانَهم مُعَبِّرًا عَنْهُ بِما هو في غايَةِ المُبالَغَةِ بِقَوْلِهِ:

51:17Page 521

كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ ١٧

They used to sleep but little of the night,1

﴿كانُوا﴾ أيْ: لِما عِنْدَهم مِنَ الإجْلالِ لَهُ والحُبِّ فِيهِ بِحَيْثُ كَأنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلَيْهِ، ولِغايَةِ التَّأْكِيدِ وقَعَ الإسْنادُ إلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ ﴿قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الَّذِي هو وقْتُ الرّاحاتِ وقَضاءِ الشَّهَواتِ، وأكَّدَ المَعْنى بِإثْباتِ ”ما“ فَقالَ: ﴿ما يَهْجَعُونَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ الهُجُوعَ وهو النَّوْمُ الخَفِيفُ القَلِيلُ، فَما ظَنُّكَ بِما فَوْقَهُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ تُثْبِتُ هُجُوعَهم وهو النَّوْمُ لِلرّاحَةِ وكَسْرِ التَّعَبِ وما يَنْفِيهِ، وذَكَرَ اللَّيْلَ لِتَحَقُّقِ المَعْنى؛ فَإنَّ الهُجُوعَ النَّوْمُ لَيْلًا، فالمَعْنى أنَّهم يُحْيُونَ أكْثَرَ اللَّيْلِ ويَنامُونَ أقَلَّهُ.

51:18Page 521

وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ١٨

And in the hours before dawn they would ask forgiveness,

ولَمّا كانَ المُحْسِنُ لا يَرى نَفْسَهُ إلّا مُقَصِّرًا، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّ تَهَجُّدَهم يَتَّصِلُ بِآخِرِ اللَّيْلِ مُؤَكِّدًا بِالإسْنادِ مَرَّتَيْنِ أيْضًا: ﴿وبِالأسْحارِ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَّحَرُ: السُّدْسُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ.

﴿هُمْ﴾ أيْ: دائِمًا بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَعُدُّونَ مَعَ هَذا الِاجْتِهادِ أنْفُسَهم مُذْنِبِينَ ويَسْألُونَ غُفْرانَ ذُنُوبِهِمْ لِوُفُورِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يُقَدِّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ وإنِ اجْتَهَدُوا لِقَوْلِ سَيِّدِ الخَلْقِ: «لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ». وإبْرازُ الضَّمِيرِ دالٌّ (p-٤٥٦)عَلى أنَّ غَيْرَهم لَوْ فَعَلَ هَذا لَيْلَةً لَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ ورَأى أنَّهُ لا أحَدَ أفْضَلُ مِنهُ، وعَلى أنَّ اسْتِغْفارَهم في الكَثْرَةِ يَقْتَضِي أنَّهم يَكُونُونَ بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّهم أحَقُّ بِالتَّذَلُّلِ مِنَ المُصِرِّينَ عَلى المَعاصِي؛ فَإنَّ اسْتِغْفارَهم ذَلِكَ عَلى بَصِيرَةٍ؛ لِأنَّهم نَظَرُوا ما لَهُ سُبْحانَهُ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ مِنَ الآياتِ والحِكَمِ البالِغَةِ الَّتِي لا تُحْصى فَعَلِمُوا أنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُطاعَ ويُخْشى فاجْتَهَدُوا وتَرَكُوا الهُجُوعَ، وأجْرَوُا الدُّمُوعَ، ثُمَّ قابَلُوا ذَلِكَ بِنِعَمِهِ فَإذا الأعْمالُ في غايَةِ التَّقْصِيرِ فَأقْبَلُوا عَلى الِاسْتِغْفارِ عالِمِينَ بِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ حَقَّ قَدْرِهِ.

51:19Page 521

وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ١٩

And from their properties was [given] the right of the [needy] petitioner and the deprived.

ولَمّا ذَكَرَ مُعامَلَتَهم لِلْخالِقِ، أتْبَعَهُ المُعامَلَةَ لِلْخَلائِقِ تَكْمِيلًا لِحَقِيقَةِ الإحْسانِ فَقالَ: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ﴾ أيْ: كُلِّ أصْنافِها ﴿حَقٌّ﴾ أيْ: نَصِيبٌ ثابِتٌ. ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِلْإحْسانِ، فَكانَ إحْسانُهم لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِمْ إلى عِبادِ اللَّهِ لا يُوقِفُهم عَنِ الواجِبِ بِخِلافِ ما في ”سَألَ“ مِن سِياقِ المُصَلِّينَ مُطْلَقًا تَرَكَ وصْفَهُ بِالمَعْلُومِيَّةِ فَقالَ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ أيِ: الَّذِي يُنَبَّهُ عَلى حاجَتِهِ بِسُؤالِ النّاسِ وهو المُتَكَفِّفُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ وهو المُتَعَفِّفُ الَّذِي لا يَجِدُ ما يُغْنِيهِ، ولا يَسْألُ النّاسَ ولا يُفْطَنُ لَهُ لِيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وهَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الصِّفَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فالمُحْسِنُونَ يَعْرِفُونَ صاحِبَ [هَذا] الوَصْفِ لِما لَهم مِن نافِذِ البَصِيرَةِ ولِلَّهِ بِهِمْ مِنَ العِنايَةِ.

51:20Page 521

وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ ٢٠

And on the earth are signs for the certain [in faith]

ولَمّا دَلَّ إقْسامُهُ بِالسَّماءِ وما قَبْلَها مِنَ الذّارِياتِ عَلى ما لَهُ في العُلْوِيّاتِ مِنَ الآياتِ إلى أنْ خَتَمَ بِالأمْوالِ الَّتِي تُنْبِتُها الأرْضُ، فَكانَ (p-٤٥٧)التَّقْدِيرُ: فَفي السَّماواتِ آياتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ دالّاتٌ عَلى عَظَمَتِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ بِغايَةِ الخُضُوعِ رَغَبًا ورَهَبًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وفِي الأرْضِ﴾ مِمّا فِيهِ أيْضًا مِنَ الِاخْتِلافِ بِالمَعادِنِ الكَثِيرَةِ المُتَبايِنَةِ مَعَ اتِّحادِ أصْلِها والنَّباتِ والحَيَوانِ والجَمادِ والبَرِّ والبَحْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ الدّالَّةِ عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ ﴿آياتٌ﴾ أيْ: دَلالاتٌ عَظِيماتٌ هي مَعَ وُضُوحِها بَعْدَ التَّأمُّلِ خَفِيّاتٌ ﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾ الَّذِينَ صارَ الإيقانُ لَهم غَرِيزَةً ثابِتَةً، فَهم لِذَلِكَ يَتَفَطَّنُونَ لِرُؤْيَةِ ما فِيها مَعَ ما يُلابِسُهم مِنها مِنَ الأسْبابِ فَيَشْغَلُهم ولا يَرَوْنَ أكْثَرَ أسْبابِ ما فِيها مِنَ الآياتِ فَأدّاهم ذَلِكَ إلى الإيقانِ بِما نَبَّهَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ مِمّا تَسْتَقِلُّ بِهِ العُقُولُ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: مِنَ الآياتِ فِيها أنَّها تَحْمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، فَكَذَلِكَ العارِفُ يَحْمِلُ كُلَّ أحَدٍ ومَنِ اسْتَثْقَلَ أحَدًا أوْ تَبَرَّمَ بِرُؤْيَتِهِ أحَدًا فَلِغَيْبَتِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ ومُطالَعَةِ الخَلْقِ بِعَيْنِ التَّفْرِقَةِ. وأهْلُ الحَقائِقِ لا يَتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ومِنَ الآياتِ فِيها أنَّهُ يُلْقى عَلَيْها كُلُّ قَذارَةٍ وقُمامَةٍ فَتُنْبِتُ كُلَّ زَهْرٍ ونَوْرٍ وكَذَلِكَ العارِفُ يَتَشَرَّبُ ما يَلْقى مِنَ الجَفاءِ ولا يَتَرَشَّحُ إلّا بِكُلِّ خُلُقٍ عَلِيٍّ وشِيمَةٍ زَكِيَّةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском