Al-Biqa'i'Abasa · 80:1–24

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

عبس

'Abasa

He Frowned · Meccan · 42 ayahs

80:1Page 585

عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١

He [i.e., the Prophet (ﷺ) ] frowned and turned away

(p-٢٤٩)سُورَةُ عَبَسَ وتُسَمّى الصّاخَّةُ

مَقْصُودُها شَرْحُ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] بِأنَّ المُرادَ الأعْظَمَ تَزْكِيَةُ القابِلِ لِلْخَشْيَةِ بِالتَّخْوِيفِ بِالقِيامَةِ الَّتِي قامَ الدَّلِيلُ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْها بِابْتِداءِ الخَلْقِ مِنَ الإنْسانِ، وبِكُلٍّ مِنَ الِابْتِداءِ والإعادَةِ لِطَعامِهِ والتَّعْجِيبِ مِمَّنْ أعْرَضَ مَعَ قِيامِ الدَّلِيلِ والإشارَةِ إلى أنَّ الِاسْتِغْناءَ والتَّرَفَ أمارَةُ الإعْراضِ وعَدَمُ القابِلِيَّةِ والتَّهَيُّؤِ لِلْكُفْرِ والفُجُورِ، وإلى أنَّ المَصائِبَ أمارَةٌ لِلطَّهارَةِ والإقْبالِ واسْتِكانَةِ القُلُوبِ وسُمُوِّ النُّفُوسِ لِشَرِيفِ الأ " مالَ، فَكُلُّ مَن كانَ فِيها أرْسَخُ كانَ قَلْبَيْهِ أرَقَّ وألْطَفَ فَكانَ أخْشى، فَكانَ الإقْبالُ عَلَيْهِ أحَبَّ وأوْلى، واسْمُها عَبَسَ هو الدّالُّ عَلى ذَلِكَ بِتَأمُّلِ آياتِهِ وتَدَبُّرِ فَواصِلِهِ وغاياتِهِ، وكَذا الصّاخَّةُ النّافِخَةُ بَشَرِّها وشَرَرِها والباخَةُ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ والحِكْمَةُ الباهِرَةُ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ الظّاهِرَةِ ثُمَّ بِآياتِ البَيانِ الزّاهِرَةِ، ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِأنْ أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، فَكانَتْ بِهِمْ إلى مَرْضاتِهِ سائِرَةٌ.

* *

(p-٢٥٠)لِما قَصَرَهُ سُبْحانَهُ عَلى إنْذارِهِ مَن يَخْشى، وكانَ قَدْ جاءَهُ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ [الأعْمى - ] رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكانَ مِنَ السّابِقِينَ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ مَجِيئِهِ مُشْتَغِلًا بِدُعاءِ ناسٍ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ وجَدَ مِنهم نَوْعَ لِينٍ، فَشَرَعَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْألُهُ [ وهو لا يَعْلَمُ ما هو فِيهِ مِنَ الشَّغْلِ، يَسْألُهُ - ] أنْ يُقْرِئَهُ ويُعَلِّمَهُ [ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ - ] فَكَرِهَ أنْ يَقْطَعَ كَلامَهُ مَعَ أُولَئِكَ خَوْفًا مِن أنْ يَفُوتَهُ مِنهم ما يَرْجُوهُ مِن إسْلامِهِمُ المُسْتَتْبَعِ لِإسْلامِ ناسٍ كَثِيرٍ مِن أتْباعِهِمْ، فَكانَ يُعْرِضُ عَنْهُ ويُقْبِلُ عَلَيْهِمْ، وتَظْهَرُ الكَراهَةُ في وجْهِهِ، لاطَفَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالعِتابِ عَنِ التَّشاغُلِ عَنْ أهْلِ ذَلِكَ بِالتَّصَدِّي لِمَن شَأْنُهُ أنْ لا يَخْشى لِافْتِتانِهِ بِزِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وإقْبالِهِ بِكُلِّيَّتِهِ عَلى ما يَفْنى، فَقالَ مُبَيِّنًا لِشَرَفِ الفَقْرِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وفَضْلِ أهْلِ الدِّينِ وإنْ هانُوا، وخِسَّةِ أهْلِ الدُّنْيا وإنْ زانُوا، مُعَظِّمًا لَهُ ﷺ بِسِياقِ الغَيْبَةِ كَما قالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا حَكَمَ في بَنِي قُرَيْظَةَ: وعَلى مَن هَهُنا - يُشِيرُ إلى ناحِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ وهو مُعْرِضٌ عَنْها حَياءً مِنهُ ﷺ وإجْلالًا لَهُ: ﴿عَبَسَ﴾ أيْ فَعَلَ الَّذِي هو أعْظَمَ خَلْقِنا ونُجِلُّهُ عَنْ أنْ نُواجِهَهُ بِمِثْلِ هَذا العِتابِ بِوَجْهِهِ فِعْلَ الكارِهِ لِلشَّيْءِ مِن تَقْطِيبِ الوَجْهِ بِما لَهُ مِنَ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ حِينَ يُحالُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِ، وآذَنَ بِمَدْحِهِ ﷺ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافَ ما طَبَّعَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن رَحْمَةِ المَساكِينِ ومَحَبَّتِهِمْ والسُّرُورِ بِقُرْبِهِمْ وصُحْبَتِهِمْ (p-٢٥١)[بِقَوْلِهِ - ] ﴿وتَوَلّى﴾ أيْ كَلَّفَ نَفْسَهُ الإعْراضَ عَنْهُ رَجاءِ أنْ يُسْلِمَ أُولَئِكَ الأشْرافُ الَّذِينَ كانَ يُخاطِبُهم فَيَتَأيَّدُ بِهِمُ الإسْلامُ ويُسْلِمُ بِإسْلامِهِمْ أتْباعُهم فَتَعْلُو كَلِمَةُ اللَّهِ [لِأجَلِ - ]

80:2Page 585

أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ ٢

Because there came to him the blind man,1 [interrupting].

﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُبالِغَ في العَطْفِ عَلَيْهِ وفي إكْرامِهِ جَبْرًا لِكَسْرِهِ واعْتِرافًا بِحَقِّهِ في مَجِيئِهِ، وذَكَرَهُ بِالوَصْفِ لِلْإشْعارِ بِعُذْرِهِ في الإقْدامِ عَلى قَطْعِ الكَلامِ والبَعْثِ عَلى الرَّأْفَةِ [بِهِ - ] والرَّحْمَةِ لَهُ، فَكانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ قالَ: «مُرَحِّبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي» واسْتَخْلَفَهُ عَلى المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ عِنْدَ غَزْوِهِ مَرَّتَيْنِ، قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ورَأيْتُهُ يَوْمَ القادِسِيَّةَ عَلَيْهِ دِرْعٌ ومَعَهُ رايَةٌ سَوْداءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

80:3Page 585

وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣

But what would make you perceive, [O Muḥammad], that perhaps he might be purified1

ولَمّا عَرَفَ بِسِياقِ الغَيْبَةِ ما أُرِيدَ مِنَ الإجْلالِ، وكانَ طُولُ الإعْراضِ مُوجِبًا لِلِانْقِباضِ، أقْبَلَ عَلَيْهِ ﷺ فَقالَ: ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِهِ وإنِ اجْتَهَدْتَ في ذَلِكَ فَإنَّ ذَواتَ الصُّدُورِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى ﴿لَعَلَّهُ﴾ أيِ الأعْمى ﴿يَزَّكّى﴾ أيْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُرْجى تَطَهُّرُهُ ونُمُوُّ أحْوالِهِ الصّالِحَةِ بِما يَسْمَعُ مِنكَ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ إدْغامُ تاءِ الِافْتِعالِ (؟)، وكَذا قَوْلُهُ:

80:4Page 585

أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ ٤

Or be reminded and the remembrance would benefit him?

﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ أيْ أوْ يَقَعُ مِنهُ التَّذَكُّرُ لِشَيْءٍ يَكُونُ سَبَبًا لِزَكائِهِ وتَذَكُّرِهِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنهُ (p-٢٥٢)عَلى أدْنى الوُجُوهِ المُخْرِجَةِ مِنَ الكُفْرِ فَإنَّ الخَيْرَ لا يُحَقَّرُ شَيْءٌ مِنهُ، وسَبَّبَ عَنْ تَزَكِّيهِ وتَذَكُّرِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ أيْ عَقِبِ تَذَكُّرِهِ وسَبَبُهُ ﴿الذِّكْرى﴾ وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ الإعْراضَ كانَ لِتَزْكِيَةِ غَيْرِهِ وتَذَكُّرِهِ، وقِراءَةِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابُ ”لَعَلَّ“ .

80:5Page 585

أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ ٥

As for he who thinks himself without need,1

ولَمّا ذَكَرَ العُبُوسَ والتَّوَلِّيَ عَنْهُ فَأفْهَما ضِدَّهُما لِمَن كانَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ، بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ أيْ طَلَبَ الغِنى وهو المالُ والثَّرْوَةُ فَوَجَدَهُ وإنْ لَمْ يَخْشَ ولَمْ يَجِئْ إلَيْكَ

80:6Page 585

فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦

To him you give attention.

﴿فَأنْتَ لَهُ﴾ أيْ دُونَ الأعْمى ﴿تَصَدّى﴾ أيْ تَتَعَرَّضُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والِاجْتِهادِ في وعْظِهِ رَجاءَ إسْلامِهِ وإسْلامِ أتْباعِهِ بِإسْلامِهِ وهم عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلٍ و[ أُبَيُّ و- ] أُمَيَّةً ابْنا خَلْفٍ، وأشارَ حَذْفَ تاءِ التَّفَعُّلِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ وإدْغامِها في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ [إلى - ] أنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى وجْهٍ خَفِيفٍ كَما هي عادَةُ العُقَلاءِ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦] وقالَ بَعْدَ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] افْتُتِحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الأُخْرى بِمِثالٍ يَكْشِفُ عَنِ المَقْصُودِ مِن حالِ أهْلِ التَّذَكُّرِ والخَشْيَةِ وجَمِيلِ الِاعْتِناءِ الرَّبّانِيِّ بِهِمْ و[ أنَّهم و- ] إنْ كانُوا في دُنْياهم ذَوِي خُمُولٍ لا يَؤُبُّهُ لَهم فَهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ في عِدادِ مَنِ اخْتارَهُ لِعِبادَتِهِ (p-٢٥٣)وأهْلِهِ لِطاعَتِهِ وإجابَةِ رَسُولِهِ ﷺ وأعْلى مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ «رُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ لَأبَرَّهُ» ومِنهُمُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [وهُوَ - ] الَّذِي بِسَبَبِهِ نَزَلَتِ السُّورَةُ ووَرَدَتْ بِطَرِيقِ العَتَبِ وُصاةً لِنَبِيِّهِ ﷺ وتَنْبِيهًا عَلى أنْ يَعْمَلَ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ عَلى مُصابَرَةِ [أمْثالِ - ] ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وأنْ لا يَحْتَقِرَ وحاشاهُ ﷺ مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ التَّحْذِيرَ مِن هَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ وقْعٌ يُشْعِرُ بِعَظِيمِ الِاعْتِناءِ بِمَن حَذَّرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] و﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] و﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وهو كَثِيرٌ، وبَسْطٌ هَذا الضَّرْبِ لا يُلائِمُ مَقْصُودُنا في هَذا التَّعْلِيقِ، لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ ﷺ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ سائِلًا ومُسْتَرْشِدًا وهو ﷺ يُكَلِّمُ رَجُلًا مِن أشْرافِ قُرَيْشٍ وقَدْ طَمِعَ في إسْلامِهِ ورَجاءَ إنْقاذِهِ مِنَ النّارِ وإنْقاذِ ذَوِيهِ وأتْباعِهِ، فَتَمادى عَلى طَلَبِهِ هَذا الرَّجُلُ لَمّا كانَ يَرْجُوهُ ووَكَّلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ إلى إيمانِهِ [فَأغْفَلَ - ] فَوْرِيَّةَ مُجاوَبَتِهِ وشَقَّ عَلَيْهِ إلْحاحُهُ خَوْفًا مَن تَفَلُّتِ الآخِرَةِ ومُضِيِّهِ عَلى عَقِبِهِ وهَلاكِهِ (p-٢٥٤)عَتَبَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ [عبس: ٢] ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ [عبس: ٤] وهي مِنهُ سُبْحانَهُ واجِبَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ في السُّورَةِ قَبْلَ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨] فَلَمْ يُقَدِّرْ لَهُ بِذَلِكَ ولا انْتَفَعَ بِبُعْدِ صِيتِهِ في دُنْياهُ ولا أغْنى عَنْهُ ما نالَ مِنها وبارَتْ [مَوادُّ - ] تَدْبِيرِهِ وعَمِيَتْ عَلَيْهِ الأنْباءُ إلى أنْ قالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [القصص: ٣٨] ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر: ٣٧] فَأنّى يَزَّكّى؟ ولَوْ سَبَقَتْ لَهُ سَعادَةٌ لَأبْصَرَ مِن حالِهِ عَيْنَ اللَّهْوِ ولِلَّعِبِ حِينَ مَقالَتِهِ الشَّنْعاءِ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢]

ولَمّا سَبَقَتْ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الحُسْنى لَمْ يَضِرْهُ عَدَمُ الصِّيتِ الدُّنْياوِيِّ ولا أخَلَّ بِهِ عَماهُ بَلْ عَظَّمَ رَبَّهُ شَأْنُهُ لَمّا نَزَلَ في حَقِّهِ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] فَيا لَهُ صِيتًا ما أجَّلَهُ بِخِلافِ مَن قَدَّمَ ذِكْرَهُ مِمَّنْ طُرِدَ فَلَمْ يَتَزَكَّ ولَمْ يَنْتَفِعْ بِالذِّكْرى حِينَ قُصِدَ بِها ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] كابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، ومِن نَمَطِ ما نَزَلَ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] [ وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] - ] فَتَبارَكَ رَبُّنا ما أعْظَمَ لُطْفَهُ بِعَبِيدِهِ - اللَّهُمَّ لا تُؤْيِسَنا (p-٢٥٥)مِن رَحْمَتِكَ ولا تَقْنُطْنا مِن لُطْفِكَ ولا تَقْطَعْ بِنا عَنْكَ بِمَنِّكَ وإحْسانِكَ - انْتَهى.

80:7Page 585

وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧

And not upon you [is any blame] if he will not be purified.1

ولَمّا كانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ فِعْلَ مَن يَخْشى أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ في بَقائِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ مَلامَةً، بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ سالِمٌ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وما﴾ [أيْ - ] فَعَلْتَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ ما ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ مِن بَأْسٍ في ﴿ألا يَزَّكّى﴾ أصْلًا ورَأْسًا ولَوْ بِأدْنى تَزَكٍّ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ - إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا أيْ وأيُّ شَيْءٍ يَكُونُ عَلَيْكَ في عَدَمِ تَزَكِّيهِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاجْتِهادُ في تَزَكِّيةِ التّابِعِ الَّذِي عَرَفَ مِنهُ القَبُولَ.

80:8Page 585

وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨

But as for he who came to you striving [for knowledge]

ولَمّا ذَكَرَ المُسْتَغْنِي، ذَكَرَ مُقابِلَهُ فَقالَ: ﴿وأمّا مَن جاءَكَ﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿يَسْعى﴾ أيْ مُسْرِعًا رَغْبَةً فِيما عِنْدَكَ مِنَ الخَيْرِ المُذَكِّرِ بِاللَّهِ وهو فَقِيرٌ

80:9Page 585

وَهُوَ يَخۡشَىٰ ٩

While he fears [Allāh],

﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿يَخْشى﴾ أيْ يُوجَدُ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنَ الكُفّارِ في أذاهم عَلى الإتْيانِ إلى النَّبِيِّ ﷺ ومِن مَعاثِرِ الطَّرِيقِ لِعَماهُ

80:10Page 585

فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ ١٠

From him you are distracted.

﴿فَأنْتَ عَنْهُ﴾ أيْ خاصَّةً في ذَلِكَ المَجْلِسِ لِكَوْنِهِ في الحاصِلِ ﴿تَلَهّى﴾ أيْ تَتَشاغَلُ لِأجْلِ أُولَئِكَ الأشْرافِ (p-٢٥٦)الَّذِينَ تُرِيدُ إسْلامَهم لِعُلُوٍّ بِهِمُ الدِّينَ تَشاغُلًا حَفِيفًا بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ، مِن لَهّى عَنْهُ كَرَضِيَ - إذا سَلّى وغَفَلَ وتَرَكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِأُولَئِكَ لا فائِدَةَ فِيهِ عَلى ما تَفْهَمُهُ تَصارِيفُ المادَّةِ وإلى أنَّ مَن يَقْصِدُ الإنْسانَ ويَتَخَطّى رِقابَ النّاسِ إلَيْهِ لَهُ عَلَيْكَ حَقٌّ عَظِيمٌ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الغِنى أوَّلًا يَدُلُّ عَلى الفَقْرِ ثانِيًا، وذِكْرُ المَجِيءِ والخِسِّيَّةِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ التَّحْذِيرِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ الطَّبْعُ البَشَرِيُّ مِنَ المَيْلِ إلى الأغْنِياءِ، ومِنَ الِاسْتِهانَةِ بِحَقِّ الآتِي إعْظامًا لِمُطْلَقِ إتْيانِهِ.

80:11Page 585

كـَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ ١١

No! Indeed, they [i.e., these verses] are a reminder;

ولَمّا كانَ العِتابُ الَّذِي هو مِن شَأْنِ الأحْبابِ مُلَوِّحًا بِالنَّهْيِ عَنِ الإعْراضِ عَمَّنْ وقَعَ العِتابُ عَلَيْهِ، وكُلُّ مَن كانَ حالُهُ كَحالِهِ والتَّشاغُلُ عَنْ راغِبٍ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا تَفْعَلُ ذَلِكَ أصْلًا فَإنَّ الأمْرَ في القَضاءِ والقَدْرِ لَيْسَ عَلى ما يَظُنُّ العِبادُ ولا هو جارٍ عَلى الأسْبابِ الَّتِي تَعْرِفُونَها بَلْ هو مِن وراءِ عُلُومِهِمْ عَلى حُكْمٍ تَدُقُّ عَنْ أفْكارِهِمْ وفُهُومِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ،

﴿إنَّها﴾ أيِ القُرْآنُ، ولَعَلَّهُ أنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ ما تُلِيَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ المَجْلِسِ مِنَ الآياتِ أوِ السُّوَرِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ تُذَكِّرُهم تَذْكِيرًا عَظِيمًا بِما إنْ تَأمَّلُوهُ شاهَدُوهُ في أنْفُسِهِمْ (p-٢٥٧)وفِي الآفاقِ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إلّا وهم يَعْرِفُونَهُ لَوْ أقْبَلُوا بِكُلِّيَّتِهِمْ عَلَيْهِ، فَما عَلى المُذَكِّرِ بِها غَيْرُ البَلاغِ، فَمَن أقْبَلَ عَلَيْهِ فَأهْلًا وسَهْلًا، ومَن أعْرَضَ فَبُعْدًا [لَهُ - ] وسُحْقًا.

80:12Page 585

فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ١٢

So whoever wills may remember it.1

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ خَلَقَ لِلْإنْسانِ عَقْلًا واخْتِيارًا، ويَسَّرَ أمْرَ القُرْآنِ في الحِفْظِ والفَهْمِ لِمَن أقْبَلَ عَلَيْهِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن شاءَ﴾ أيْ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى كَما تَقَدَّمَ تَقْيِيدُهُ في القُرْآنِ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ذَكَرَهُ﴾ أيْ حَفِظَ القُرْآنَ كُلَّهُ وتَذَكَّرَ ما فِيهِ مِنَ الوَعْظِ مِن غَيْرِ تَكْرِيرٍ ولا مُعالَجَةٍ تُحْوِجُ إلى الإعْراضِ عَنْ بَعْضِ المُقْبِلِينَ الرّاغِبِينَ، ولِلْإشارَةِ إلى حِفْظِهِ كُلِّهِ ذَكَرَ الضَّمِيرَ.

80:13Page 585

فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ ١٣

[It is recorded] in honored sheets,

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: حالَ كَوْنِ القُرْآنُ مُثْبِتًا أوْ حالَ كَوْنِ الذّاكِرُ لَهُ [مُثْبِتًا- ]، قالَ واصِفًا لِتَذْكِرَةٍ مُبَيِّنًا لِشَرَفِها بِتَشْرِيفِ ظَرْفِها وظَرْفِ ظَرْفِها ﴿فِي صُحُفٍ﴾ أيْ أشْياءَ يُكْتَبُ فِيها مِنَ الوَرَقِ وغَيْرِهِ ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ أيْ مُكَرَّرَةِ التَّكْرِيمِ ومُعَظَّمَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ في كُلِّ أُمَّةٍ و[كُلِّ - ] مِلَّةٍ

80:14Page 585

مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ ١٤

Exalted and purified,

﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ عَلَيْهِ المِقْدارُ بِإعْلاءِ كُلِّ أحَدٍ لا سِيَّما مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أيْ مُنَزَّهَةٌ عَنْ أيْدِي أهْلِ السُّفُولِ وعَنْ قَوْلِهِمْ (p-٢٥٨)إنَّها شِعْرٌ أوْ سِحْرٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، وعَلَّقَ [أيْضًا - ] بِمُثْبِتٍ - بِالفَتْحِ أوِ الكَسْرِ عَلى اخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ - قَوْلُهُ مُبَيِّنًا شَرَفَ ذَلِكَ الظَّرْفِ لِذَلِكَ الظَّرْفِ إشارَةً إلى نِهايَةِ الشَّرَفِ لِلْمَظْرُوفِ:

80:15Page 585

بِأَيۡدِي سَفَرَةٖ ١٥

[Carried] by the hands of messenger-angels,

﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أيْ كَتَبَةٍ يُظْهِرُونَ الكِتابَةَ بِما فِيها مِنَ الأخْبارِ الغَرِيبَةِ والأحْكامِ العَلِيَّةِ في [كُلِّ - ] حالٍ، فَإنْ كانَ ما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ بِالفَتْحِ فَهو حَقِيقَةٌ في أنَّهم مَلائِكَةٌ يَكْتُبُونَهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ يَكُونُ جَمْعًا سافِرًا إمّا بِمَعْنى الكِتابِ أوِ المُسافِرِ [أيِ - ] القَطْعِ لِلْمَسافَةِ أوِ السَّفِيرِ الَّذِي [هُوَ - ] المُصْلِحُ لِأنَّهم سُفَراءُ بَيْنَ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ، وبِهِمْ يَصْلُحُ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا، وإنْ كانَ بِالكَسْرِ فَهو مَجازٌ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى كِتابَةِ الذِّكْرُ يَكُونُ مُهَذَّبًا في الحالِ أوْ في المَآلِ في الغالِبِ، وتَرْكِيبُ سِفْرٍ لِلْكَشْفِ

80:16Page 585

كِرَامِۭ بَرَرَةٖ ١٦

Noble and dutiful.

﴿كِرامٍ﴾ [ أيْ يَنْطَوُونَ عَلى مَعالِي الأخْلاقِ مَعَ أنَّهم أعِزّاءُ عَلى اللَّهِ - ] ﴿بَرَرَةٍ﴾ أيْ أتْقِياءٍ في أعْلى مَراتِبِ التَّقْوى والكَرَمِ وأعَزِّها وأوْسَعِها.

80:17Page 585

قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ ١٧

Destroyed [i.e., cursed] is man;1 how disbelieving is he.

ولَمّا كانَ الوَصْفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ العالِيَةِ لِلْكَتَبَةِ الَّذِينَ أيْدِيهِمْ ظَرْفٌ لِلصُّحُفِ الَّتِي هي ظَرْفٌ لِلتَّذْكِرَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عُلُوِّ المَكْتُوبِ وجَلالَةِ مِقْدارِهِ وعَظْمَةِ آثارِهِ وظُهُورِ ذَلِكَ لِمَن تَدَبَّرَهُ وتَأمَّلَهُ حَقَّ تَأمُّلِهِ (p-٢٥٩)وأنْعَمَ نَظَرَهُ، عَقِبَهُ [بِقَوْلِهِ - ] ناعِيًا عَلى مَن [لَمْ - ] يُقْبِلْ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْهِ داعِيًا بِأعْظَمِ شَدائِدِ الدُّنْيا الَّتِي هي القَتْلُ في صِيغَةِ الخَبَرِ لِأنَّهُ أبْلَغُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الآنِسُ بِنَفَسِهِ النّاسِي لِرَبِّهِ المُتَكَبِّرُ عَلى غَيْرِهِ المُعْجَبُ بِشَمائِلِهِ الَّتِي أبْدَعَها لَهُ خالِقُهُ، حَصَلَ قَتْلُهُ بِلَعْنِهِ وطَرْدِهِ وفَرَغَ مِنهُ بِأيْسَرِ سَعْيٍ وأسْهَلِهِ مِن كُلِّ مَن يَصِحُّ ذَلِكَ مِنهُ لِأنَّهُ أسْرَعُ شَيْءٍ إلى الفَسادِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى النَّقائِصِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ أيْ ما أشَدَّ تَغْطِيَتَهُ لِلْحَقِّ وجَحْدَهُ لَهُ وعِنادَهُ فِيهِ لِإنْكارِهِ البَعْثَ وإشْراكِهِ بِرَبِّهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ، فَهو دُعاءُ عَلَيْهِ بِأشْنَعِ دُعاءٍ [و -] تَعْجِيبٌ مِن إفْراطِهِ في سَتْرِ مَحاسِنِ القُرْآنِ الَّتِي لا تَخْفى عَلى أحَدٍ ودَلائِلُهُ عَلى القِيامَةِ وكُلُّ شَيْءٍ لا يَسَعُ [أحَدًا - ] التَّغْبِيرُ في وجْهِ شَيْءٍ مِنها، وهَذا الدُّعاءُ عَلى وجازَتِهِ يَدُلُّ عَلى سُخْطٍ عَظِيمٍ وذَمٍّ بَلِيغٍ وهو وإنْ كانَ في مَخْصُوصٍ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِهِ في كُلِّ مَن كَفَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ غاضِبِ أباهُ فَأسْلَمَ ثُمَّ اسْتَصْلَحَهُ أبُوهُ وأعْطاهُ مالًا وجَهَّزَهُ إلى الشّامِ فَبَعَثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كافِرٌ بِرَبِّ النَّجْمِ إذا هَوى، وأفْحَشَ في غَيْرِ هَذا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «اللَّهُمَّ ابْعَثْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ» فَلَمّا انْتَهى إلى مَكانٍ مِنَ الطَّرِيقِ فِيهِ الأسَدُ (p-٢٦٠)ذَكَرَ الدُّعاءَ فَجَعَلَ لِمَن مَعَهُ ألْفَ دِينارٍ إنْ أصْبَحَ [حَيًّا - ] فَجَعَلُوهُ في وسَطِ الرُّفْقَةِ والمَتاعِ والرِّحالِ فَأقْبَلَ الأسَدُ إلى الرِّحالِ ووَثَبَ فَإذا هو فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ فَكانَ أبُوهُ يَنْدُبُهُ ويَبْكِي عَلَيْهِ وقالَ: ما قالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا إلّا كانَ، [ومَعَ - ] ذَلِكَ فَما نَفَعَهُ ما عَرَفَ مِن ذَلِكَ، فَسُبْحانَ مَن بِيَدِهِ القُلُوبُ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن هِدايَتِهِ وإضْلالِهِ شاهِدٌ بِأنَّ لَهُ الحَمْدُ.

80:18Page 585

مِنۡ أَيِّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ ١٨

From what thing [i.e., substance] did He create him?

ولَمّا كانَ أكْثَرُ انْصِبابِ التَّعْجِيبِ مِنهُ ناظِرًا إلى تَكْذِيبِهِ بِالسّاعَةِ لِأجْلِ ظُهُورِ أدِلَّتِها في القُرْآنِ جِدًّا ولِأنَّهُ تَوالَتْ في هَذِهِ السُّوَرِ إقامَةُ الأدِلَّةِ عَلَيْها مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، شَرَعَ في إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْها بِآيَةِ الأنْفُسِ مِنَ ابْتِداءِ الخَلْقِ في أُسْلُوبٍ مُبَيِّنٍ لِخِسَّتِهِ وحَقارَتِهِ وأنَّ مَن ألْبَسَهُ أثْوابَ الشَّرَفِ بَعْدَ تِلْكَ الخِسَّةِ والحَقارَةِ جَدِيرٌ مِنهُ بِالشُّكْرِ لا بِالكُفْرِ، فَقالَ مُنَبِّهًا لَهُ بِالسُّؤالِ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ مَعَ التَّحْقِيرِ ﴿خَلَقَهُ﴾

80:19Page 585

مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ١٩

From a sperm-drop He created him and destined for him;1

ثُمَّ أجابَ إشارَةً إلى أنَّ الجَوابَ واضِحٌ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى وقْفَةٍ أصْلًا فَقالَ مُبَيِّنًا حَقارَتَهُ: ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ ماءٍ يَسِيرٍ جِدًّا لا مِن غَيْرِهِ ﴿خَلَقَهُ﴾ أيْ أوْجَدَهُ مُقَدَّرًا عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ التَّخْطِيطِ ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ هَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ مِنَ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ والأشْكالِ والأطْوارِ (p-٢٦١)إلى [أنْ - ] صَلَحَ لِذَلِكَ ثُمَّ جَعَلَهُ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ: ظُلْمَةِ البَطْنِ ثُمَّ الرَّحِمِ ثُمَّ المَشِيمَةِ، أوْ هي عَلى ما قالَ أهْلُ التَّشْرِيحِ ثَلاثَةُ أغْشِيَةِ: أحَدُها المَشِيمَةُ تَتَّصِلُ بِسُرَّةِ الجَنِينِ تَمُدُّهُ بِالغِذاءِ، والثّانِي يَقْبَلُ بَوْلَهُ، والثّالِثُ يَقْبَلُ البُخاراتِ الَّتِي تَصْعَدُ مِنهُ بِمَنزِلَةِ العَرَقِ والوَسَخِ في أبْدانِ الكامِلِينَ، وأعْطاهُ قُدْرَةً لِما أرادَهُ [مِنهُ - ]

80:20Page 585

ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ٢٠

Then He eased the way for him;1

﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ انْتِهاءِ المُدَّةِ ﴿السَّبِيلَ﴾ أيِ الأكْمَلَ في العُمُومِ والِاتِّساعِ والوُضُوحِ لا غَيْرُهُ، وهو مُخْرِجُهُ مِن بَطْنِ أُمِّهِ وطَرِيقِهِ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ ﴿يَسَّرَهُ﴾ أيْ سَهَّلَ لَهُ أمْرَهُ في خُرُوجِهِ بِأنْ فَتَحَ فَمَ الرَّحِمِ وألْهَمَهُ أنْ يَنْتَكِسَ، وذَلَّلَ [لَهُ - ] سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وجَعَلَ لَهُ عَقْلًا يَقُودُهُ إلى ما يَسَّرَ لَهُ مِنهُما، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ الدُّنْيا دارُ المَمَرِّ، والمَقْصِدُ غَيْرُها وهو الأُخْرى الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْها الدُّنْيا، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ عادًا المَوْتُ مِنَ النِّعَمِ لِأنَّهُ لَوْ دامَ الإنْسانُ حَيًّا مَعَ ما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ والخَوْفِ لَكانَ في غايَةِ البَشاعَةِ والشَّماتَةِ لِأعْدائِهِ والمُساءَةِ لِأوْلِيائِهِ عَلى أنَّ المَوْتَ سَبَبُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ:

80:21Page 585

ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ ٢١

Then He causes his death and provides a grave for him.1

﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ أُمُورٍ قَدَّرَها سُبْحانَهُ مِن أجَلْ وتَقَلُّباتٍ (p-٢٦٢)﴿أماتَهُ﴾ وأشارَ إلى إيجابِ المُبادَرَةِ إلى التَّجْهِيزِ بِالفاءِ المُعَقِّبَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا فَغَيَّبَهُ [فِيهِ - ] وأمَرَ بِدَفْنِهِ تَكْرِمَةً لَهُ وصِيانَةً عَنِ السِّباعِ، والإقْبارُ جَعْلُكَ لِلْمَيِّتِ قَبْرًا وإعْطاؤُكَ القَتِيلَ لِأهْلِهِ لِيَدْفِنُوهُ، والمَعْنى الِامْتِنانُ بِأنَّهُ جَعَلَ لَلْأنِسانِ مَوْضِعًا يَصْلُحُ لِدَفْنِهِ وجَعَلَهُ بَعْدَ المَوْتِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِن دَفْنِهِ، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ يَتَفَتَّتُ مَعَ النَّتِنِ ونَحْوِهِ مِمّا يَمْنَعُ مِن قُرْبانِهِ، أوْ جَعَلَهُ بِحَيْثُ يَتَهاوَنُ بِهِ فَلا يُدْفَنُ كَبَقِيَّةِ الحَيَواناتِ، فَقَدْ عَرَفَ بِهَذا أنَّ أوَّلَ الإنْسانِ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وآخِرَهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وهو فِيما بَيْنَ ذَلِكَ يَحْمِلُ العُذْرَةَ، فَما شَرَّفَهُ بِالعِلْمِ إلّا الَّذِي أبْدَعَهُ وصَوَّرَهُ، وذَلِكَ مُوجِبُ لِأنْ يَشْكُرُهُ لا أنْ يَكْفُرَهُ.

80:22Page 585

ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ ٢٢

Then when He wills, He will resurrect him.

ولَمّا كانَتْ مُدَّةُ البَرْزَخِ طَوِيلَةً، وكانَ البَعْثُ [أمْرًا - ] مُحَقَّقًا غَيْرَ مَعْلُومِ الوَقْتِ بِالعَيْنِ بِغَيْرِهِ تَعالى، عَبَّرَ عَنِ المَعانِي الثَّلاثَةِ بِأداتَيِ التَّراخِي والتَّحَقُّقِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ﴾ أيْ إنْشارَهُ ﴿أنْشَرَهُ﴾ أيْ بَعَثَهُ مِن قَبْرِهِ كَما كانَ في دُنْياهُ بِزِيادَةِ أنَّهُ عَلى تَرْكِيبٍ قَوِيٍّ لا يَتَهَيَّأُ فِيهِ فِراقُ الرُّوحِ الجَسَدَ.

80:23Page 585

كـَلَّا لَمَّا يَقۡضِ مَآ أَمَرَهُۥ ٢٣

No! He [i.e., man] has not yet accomplished what He commanded him.

ولَمّا كانَ إخْبارُهُ بِأنَّهُ مَعَ الَّذِي يَسَّرَ لَهُ السَّبِيلَ قَدْ يَفْهَمُ أنَّهُ لا يَعْمَلُ إلّا بِما يُرْضِيهِ، نَفى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الرَّدْعِ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لِيَرْتَدِعَ هَذا الإنْسانُ الَّذِي عَرَفَ أنَّ هَذِهِ حالاتُهُ أوَّلًا وآخِرًا وأثْناءً ومَخْرَجًا (p-٢٦٣)تارَةً مِن مَخْرَجِ البَوْلِ وأُخْرى مِن مَخْرَجِ الحَيْضِ ومَقْبَرًا، ولِيَنْزَجِرَ ولِيَعْرِفَ، نَفْسَهُ بِالذِّلَّةِ والخِسَّةِ والحاجَةِ والعَجْزِ، ولِيَعْرِفَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ بِالعِزَّةِ والعَظَمَةِ والكِبْرِياءِ والفَناءِ والقُدْرَةِ عَلى تَشْرِيفِ الحَقِيرِ وتَحْقِيرِ الشَّرِيفِ، وبِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَلا يَلْزَمُ مِن تَعْرِيفِ هَذا الإنْسانِ السَّبِيلَ وتَمْيِيزَهُ لَهُ لِأنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا ما لا يُعاتِبُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ [مِنَ - ] الإنْسانِ وغَيْرِهِ إلّا ما يُرِيدُهُ، وتارَةً يُرِيدُ هُداهُ، وتارَةً يُرِيدُ ضَلالَهُ، فَقَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُهُ ويُرِيدُ ما لا يَأْمُرُ بِهِ ولا يَرْضاهُ، ولِذَلِكَ قالَ مُسْتَأْنِفًا نَفْيُ ما أفْهَمَهُ بِتَيْسِيرِهِ لِلسَّبِيلِ مِن [أنَّ - ] الإنْسانَ يَفْعَلُ جَمِيعَ ما أمَرَهُ بِهِ اللَّهُ الَّذِي يَسَّرَ لَهُ السَّبِيلَ: ﴿لَمّا يَقْضِ﴾ أيْ يَفْعَلُ الإنْسانُ فِعْلًا نافِذًا ماضِيًا ﴿ما أمَرَهُ﴾ أيْ بِهِ اللَّهُ كُلُّهُ مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ ما مِن حِينِ تَكْلِيفِهِ إلى حِينِ إقْبارِهِ بَلْ مِن حِينِ وجَدَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى حِينِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وإلى آخِرِ الدَّهْرِ، لِأنَّ الإنْسانَ [مَبْنِيٌّ - ] عَلى النُّقْصانِ والإلَهُ مُنَزَّهٌ التَّنَزُّهَ الأكْمَلَ، وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وأيْضًا الإنْسانُ الَّذِي هو النَّوْعُ لَمْ [يَعْمَلْ - ] بِأسْرِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهُ فَرْدٌ جَمِيعَ ما أمَرَهُ، بَلْ أغْلَبُ الجِنْسِ عَصاهُ وكَذَّبَ بِالسّاعَةِ الَّتِي هي حِكْمَةُ الوُجُودِ، وإنْ صَدَّقَ بِها بَعْضُهم كانَ تَصْدِيقُهُ بِها تَكْذِيبًا لِأنَّهُ يَعْتَقِدُ أشْياءَ مِنها عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ.

80:24Page 585

فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ ٢٤

Then let mankind look at his food -

(p-٢٦٤)ولَمّا رَدَعَهُ بَعْدَ تَفْصِيلِ [ ما لَهُ - ] في نَفْسِهِ مِنَ الآياتِ، وأشارَ إلى ما لَهُ مِنَ النَّقائِصِ، شَرَعَ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى تَقْصِيرُهُ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى شُكْرِ نِعْمَةِ المُنْعِمِ فِيما لَهُ مِنَ المَطْعَمِ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ فَكَيْفَ بِغَيْرِها في أُسْلُوبٍ دالٍّ عَلى الإنْشارِ بِآياتِ الآفاقِ مُنَبِّهٌ عَلى سائِرِ النِّعَمِ في مُدَّةِ بَقائِهِ المُسْتَلْزِمِ لِدَوامِ احْتِياجِهِ إلى رَبِّهِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ أيْ يُوقِعُ النَّظَرَ التّامَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلى النَّظَرِ بِهِ مِن بَصَرِهِ وبَصِيرَتِهِ ومَدَّ لَهُ المَدى فَقالَ: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ يَعْنِي مَطْعُومَهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ مُلْتَفِتًا إلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ بِالِاعْتِبارِ بِما فِيهِ مِنَ العِبَرِ الَّتِي مِنها أنّا لَوْ لَمْ نُيَسِّرْهُ لَهُ هَلَكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском