Al-Biqa'iAl‑Jumu'ah · 62:1–7

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الجمعة

Al-Jumu'ah

The Congregation, Friday · Medinan · 11 ayahs

62:1Page 553

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh,1 the Sovereign, the Pure, the Exalted in Might, the Wise.2

(p-٤٤)سُورَةُ الجُمْعَةِ

مَقْصُودُها بَيانُ مُسَمّى الصَّفِّ بِدَلِيلٍ هو أوْضَحُ شَرائِعِ الدِّينِ وأوْثَقُ عُرى الإسْلامِ وهو الجُمْعَةُ الَّتِي اسْمُها مُبَيِّنٌ لِلْمُرادِ مِنها مِن فَرْضِيَّةِ الِاجْتِماعِ فِيها وإيجابِ الإقْبالِ عَلَيْها وهو التَّجَرُّدُ عَنْ غَيْرِها والِانْقِطاعُ لِما وقَعَ مِنَ التَّفَرُّقِ حالَ الخُطْبَةِ عَمَّنْ بَعَثَ لِلتَّزْكِيَةِ بِالِاجْتِماعِهِ عَلَيْهِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ، واسْمُها الجُمْعَةُ أنْسَبُ شَيْءٍ فِيها لِهَذا المَقْصِدِ بِتَدَبُّرِ آياتِهِ وتَأمُّلِ أوائِلِهِ وغاياتِهِ، الحاثَّةِ عَلى قُوَّةِ التَّواصُلِ والِاجْتِماعِ، والحامِلَةِ عَلى دَوامِ الإقْبالِ عَلى المُزَكِّي والحُبِّ لَهُ والِاتِّباعِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي [أحاطَ] عِلْمُهُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ فَتَمَّ بَيانُهُ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَةُ بَيانِهِ بَعْدَ شُمُولِ كَرامَةِ إيجادِهِ فَهو العَظِيمُ شَأْنُهُ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالتَّوْفِيقِ لِما يَرْضاهُ فَثَبَتَ في سُوَيْداءَ كُلٍّ مِنهم حُبُّهُ لَهُ وإيمانُهُ بِهِ.

* *

ولَمّا خُتِمَتِ الصَّفُّ بِالإقْبالِ بِبَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى جَنابِهِ الأقْدَسِ بَعْدَ أنْ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم كُلَّهم أوِ الشّاذَّ مِنهم بِما أفْهَمَهُ إطْلاقُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ تَأْيِيدُهم عَلى مَنِ اسْتَمَرَّ مِنهم عَلى الزَّيْغِ، فَثَبَتَ أنَّ لَهُ (p-٤٥)تَمامَ القُدْرَةِ المُسْتَلْزِمِ لِشُمُولِ العِلْمِ اللّازِمِ مِنهُ التَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ ذَكَرَ التَّسْبِيحَ الَّذِي هو الأعْظَمُ الأشْهَرُ لِلتَّنْزِيهِ بِلَفْظِ الماضِي ثَلاثَ مَرّاتٍ في افْتِتاحِ ثَلاثِ سُوَرٍ، وذَلِكَ نِهايَةُ الإثْباتِ المُؤَكَّدِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ تَنْزِيهُهُ مِن كُلِّ ناطِقٍ وصامِتٍ، أخْبَرَ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ ذَلِكَ التَّنْزِيهَ عَلى وجْهِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ بِالتَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ لِاسْتِمْرارِ مُلْكِهِ فَقالَ: ﴿يُسَبِّحُ﴾ أيْ يُوقِعُ التَّنْزِيهَ الأعْظَمَ الأبْهى الأكْمَلَ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، وأكَدَّ بِذَلِكَ لِما في التَّغابُنِ ولَمْ يَحْتَجْ بَعْدَ الإقْرارِ بِالوُقُوعِ عَلى هَذا الوَجْهِ إلى التَّأْكِيدِ بِأكْثَرِ مِن مَرَّةٍ وجَعَلَ بَيْنَ كُلِّ مِسْبَحَتَيْنِ سُورَةً خالِيَةً مِن ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدُلُّ عَلى قَصْدِ التَّأْكِيدِ مِن حَيْثُ شِدَّةُ الِاعْتِناءِ بِالذِّكْرِ، وإنَّ وقَعَ فَصْلٌ ويَكُونُ التَّأْكِيدُ أكْثَرَ تَنْبِيهًا وأعْظَمَ صَدْعًا وتَذْكِيرًا.

ولَمّا كانَ تَقْرِيعُ العاقِلِ النّاطِقِ بِطاعَةِ الصّامِتِ أعْظَمَ، قالَ: ﴿ما في السَّماواتِ﴾ وإنْ كانَ العاقِلُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ ما عَلَيْهِ فَيَكُونُ تَسْبِيحُهُ تارَةً طَوْعًا مُوافَقَةً لِلْأمْرِ، وتارَةً كُرْهًا بِالِانْقِيادِ مَعَ الإرادَةِ، وتَسْبِيحُ الصّامِتِ طَوْعًا في كُلِّ حالٍ. ولَمّا كانَ الخِطابُ مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا، دَعا ذَلِكَ إلى التَّأْكِيدِ لِاحْتِياجِهِمْ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ كَذَلِكَ. (p-٤٦)ولَمّا ثَبَتَ بِالسُّوَرِ الثَّلاثِ الماضِيَةِ أنَّ المَوْجُوداتِ أوْقَعَتْ لَهُ التَّسْبِيحَ، وأخْبَرَتْ هَذِهِ بِاسْتِمْرارِ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ، دَلَّ ذَلِكَ مَعَ التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقائِصِ عَلى إثْباتِ الكَمالِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا لِمَلِكٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ مُطاعِ الأمْرِ، وكانَ الِاقْتِصارُ عَلى الصّامِتِ بِالتَّعْبِيرِ بِما هو ظاهِرٌ فِيهِ رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا، قالَ مُصَرِّحًا بِما أفْهَمَهُ السِّياقُ: ﴿المَلِكِ﴾ أيِ الَّذِي ثَبَتَتْ لَهُ جَمِيعُ الكَمالاتِ فَهو يَنْصُرُ مَن يَشاءُ مِن جُنْدِهِ ولَوْ كانَ ذَلِيلًا فَيُصْبِحُ ظاهِرًا ﴿القُدُّوسِ﴾ الَّذِي انْتَفَتْ عَنْهُ جَمِيعُ النَّقائِصِ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ وتَنَزَّهَ عَنْ إحاطَةِ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ بِعِلْمِهِ أوْ إدْراكِ كُنْهِ ذاتِهِ فَلَيْسَ في أيْدِي الخَلْقِ إلّا التَّرَدُّدُ في شُهُودِ أفْعالِهِ، والتَّدَبُّرِ لِمَفاهِيمِ نُعُوتِهِ وجَلالِهِ، وأحَقِّهِمْ بِالقُرْبِ والعِدادِ في حِزْبِهِ المُتَخَلِّقِ بِأوْصافِهِ عَلى قَدْرِ اجْتِهادِهِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ التَّنَزُّهُ عَنْ أنْ يَقُولَ ما لا يَفْعَلُ أوْ يَبْنِي شَيْئًا مِن أُمُورِهِ عَلى غَيْرِ إحْكامٍ، وقَدْ مَضى شَرْحُ الِاسْمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ قَرِيبًا وذَكَرَ خُلاصَةَ [شَرْحِهِما] بِما هو خاصَّةُ المُلْكِ وآيَةُ الطَّهارَةِ لِلطّاهِرِ فَقالَ: ﴿العَزِيزِ﴾ أيِ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ، لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَلَوْ أرادَ لَجَعَلَ العُقَلاءَ كُلَّهم أيْضًا مَعَ تَسْبِيحِهِمْ بِالجَرْيِ تَحْتَ مُرادِهِ طَوْعًا وكُرْهًا مُسَبِّحِينَ بِالمُوافَقَةِ لِأمْرِهِ طَوْعًا ﴿الحَكِيمِ﴾ الَّذِي يُوقِعُ كُلَّ ما أرادَهُ في أحْكَمِ (p-٤٧)مَواقِعِهِ وأتِمِّها وأتْقَنِها.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا خُتِمَتْ سُورَةُ الصَّفِّ بِالثَّناءِ عَلى الحَوارِيِّينَ في حُسْنِ اسْتِجابَتِهِمْ وجَمِيلِ إيمانِهِمْ، وقَدْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] الآيَةُ، كانَ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ فَضْلَ أتْباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ فاتَّبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ، والثَّناءِ عَلَيْها، فافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْزِيهِ عَمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] فَإنَّهُمُ ارْتَكَبُوا العَظِيمَةَ وقالُوا بِالنُّبُوَّةِ، فَنَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ [ثُمَّ] قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] ثُمَّ أعْلَمُ تَعالى بِحالِ طائِفَةٍ لاحَ لَهم نُورُ الهُدى ووَضَحَ لَها سَبِيلُ الحَقِّ فَعَمِيَتْ عَنْ ذَلِكَ وارْتَبَكَتْ في ظُلُماتِ جَهْلِها ولَمْ تَزْدَدْ بِما حَمَلَتْ إلّا حِيرَةٌ وضَلالَةٌ فَقالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] الآياتُ وهي في مَعْرِضِ التَّنْبِيهِ لِمَن تَقَدَّمَ الثَّناءُ عَلَيْهِ ورَحِمَهُ اللَّهُ إيّاهُ لِئَلّا يَكُونُوا فِيما يَتْلُو عَلَيْهِمْ نَبِيُّهم مِنَ الآياتِ ويُعَلِّمُهم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ مِثْلَ أُولَئِكَ المُمْتَحِنِينَ، فَإنَّهم مُقِتُوا ولُعِنُوا بَعْدَ حَمْلِهِمُ التَّوْراةَ، وزَعَمُوا أنَّهُمُ التَزَمُوا حَمْلَهُ والوَفاءَ بِهِ فَوَعَظَ هَؤُلاءِ بِمِثالِهِمْ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ (p-٤٨)لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وما يَذْكُرُ إلّا أوَّلُو الألْباب انْتَهى.

62:2Page 553

هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢

It is He who has sent among the unlettered [Arabs] a Messenger from themselves reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the sunnah] - although they were before in clear error -

ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ عَلى تَزْكِيَةِ الجِلْفِ الجافِي [بِحَمْلِهِ] عَلى التَّنْزِيهِ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلى غَيْرِهِ، وكانَ قَدْ أسْلَفَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم لَمْ يَقْبَلُوا التَّزْكِيَةَ بَلْ زاغُوا، دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ في عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ ومِلْكِهِ وقُدْسِهِ عَلى تَزْكِيَةِ جَمِيعِ العُقَلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي بَعَثَ﴾ أيْ مِن حَضْرَةِ غَيْبٍ غَيَّبَهُ بِشَرْعِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ﴿فِي الأُمِّيِّينَ﴾ أيِ العَرَبِ لِأنَّهم كانُوا مَعْرُوفِينَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأُمَمِ لا يَكْتُبُونَ بَلْ هم عَلى الخِلْقَةِ الأوْلى حِينَ الخُرُوجِ مِن بَطْنِ الأُمِّ، وذَكَرَ ظَرْفُ البَعْثِ وإهْمالُ غايَتِهِ دالٌّ عَلى أنَّها كُلٌّ مَن يَتَأتّى البَعْثُ إلَيْهِ وهم جَمِيعُ الخَلْقِ، ويَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ الأُمِّيَّةُ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ لِأنَّ بَعْثَهُ ﷺ كانَ حِينَ ذَهَبَ العِلْمُ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّ العَرَبَ أصْلٌ فَجَمِيعُ الباقِينَ تَبَعٌ لَهُمْ، فَلا بِدَعَ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ وصْفَهم ﴿رَسُولا﴾ ولَمّا كانَ تَقْوِيمُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ أعْجَبَ قالَ: ﴿مِنهُمْ﴾ بَلِ الأُمِّيَّةُ [بِمَعْنى] عَدَمِ الكِتابَةِ والتَّجَرُّدِ عَنْ كُلِّ تَكَلُّفِ وصْفٍ لازِمٍ لَهُ دائِمًا وعِلْمِهِ لِما يَكُنْ يَعْلَمُ مِن غَيْرِ تَطَلُّبٍ، فَكانَتْ آثارُ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ مُنْدَرَسِهِ، وأنْوارِ الحَقائِقِ عَلَيْهِ لائِحَةٌ، وذَلِكَ يَتَوَهَّمُ الِافْتِقارَ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالكُتُبِ لِأنَّ مَنشَأ (p-٤٩)مُشاكَلَتِهِ لِحالِ مَن بُعِثَ فِيهِمْ أقْرَبُ إلى مُساواتِهِمْ لَهُ لَوْ أمْكَنَهُمْ، فَيَكُونُ عَدَمُ إمْكانِ المُساواةِ أدُلَّ عَلى الإعْجازِ، وذَكَرَ [بَعْثَهُ] مِنهم إنْ خُصَّ الوَصْفُ بِالعَرَبِ لا يَنْفِي بَعْثَهُ إلى غَيْرِهِمْ ولا سِيَّما مَعَ ما ورَدَ فِيهِ مِنَ الصَّرائِحِ وأثْبَتَهُ مِنَ الدَّلائِلِ القَواطِعِ، فَذَكَرَ مَوْضِعَ البَعْثِ وابْتِداءَهُ فَتَكُونُ الغايَةُ مُطْلَقَةً تَقْدِيرُها: إلى عامَّةِ الخَلْقِ.

ولَمّا كانَ كَوْنُهُ مِنهم مُفْهِمًا [لِأنَّهُ لا يَزِيدُ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مِنهُمْ] وإنْ زادَ فَبِشَيْءٍ يَسِيرٍ، عَجِبَ مِن أمْرِهِ ونَبَّهَ عَلى مُعْجِزَةٍ عَظِيمَةٍ لَهُ بِقَوْلِهِ مُسْتِأْنِفًا: ﴿يَتْلُو﴾ أيْ يَقْرَأُ قِراءَةً يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا عَلى وجْهِ الكَثْرَةِ والعُلُوِّ والرِّفْعَةِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا مِثْلَهم ﴿آياتِهِ﴾ أيْ يَأْتِيهِمْ بِها عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والمُواصَلَةِ آيَةً بَيِّنَةً عَلى صِدْقِهِ لِأنَّهُ أُمِّيٌّ مِثْلَهم بَلْ فِيهِمُ الكاتِبُ والعالِمُ وإنْ كانُوا مَعْمُورِينَ في كَثْرَتِهِمْ [فَما] خَصَّهُ عَنْهم بِذَلِكَ إلّا القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّنْزِيهِ [ولِتَأْدِيبِ مَن وقَعَ في مُوادَّةِ الكُفّارِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قَدَّمَ التَّزْكِيَةَ فَقالَ]: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ عَنِ الأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ والعَقائِدِ الزّائِغَةِ، فَكانَتْ تَزْكِيَتُهُ لَهم مُدَّةَ حَياتِهِ بِنَظَرِهِ الشَّرِيفِ إلَيْهِمْ وتَعْلِيمِهِ لَهم وتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَرُبَّما نَظَرَ إلى الإنْسانِ نَظْرَةَ مَحَبَّةٍ فَزَكّاهُ (p-٥٠)اللَّهُ بِها، ورُبَّما سَرَتْ تِلْكَ النَّظْرَةُ إلى ثانٍ فَأشْرَقَتْ أنْوارُها عَلَيْهِ عَلى حَسَبِ القابِلِيّاتِ كَما وقَعَ لِعُمَيْرِ بْنِ وهْبٍ ثُمَّ صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ وكَذا ذُو النُّورِ الطُّفَيْلُ بْنُ عامِرِ الدَّوْسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ قَوَّمَهُ، فَأمّا عُمَيْرٌ فَكانَ مِن أعْظَمِ المُؤْذِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِمَن آمَنَ بِهِ فَتَذاكَرَ مَعَ صَفْوانَ وقْعَةَ بَدْرٍ في الحِجْرِ ومَن فَقَدُوا مِن صَنادِيدِهِمْ وأنَّهُ لَيْسَ في العَيْشِ بَعْدَهم خَيْرٌ، ثُمَّ تَمَنَّوْا رَجُلًا بِقِتالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ عُمَيْرُ: لَوْلا فَقْرِي وبَناتٌ لِي وعِيالٌ أخْشى عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ مِن بَعْدِي لَأتَيْتُهُ بَغْلَةَ أسِيرِي عِنْدَهم فَقَتَلْتُهُ، فاغْتَنَمَها صَفْوانُ فَعاهَدَهُ أنْ يَكْفِيَ عِيالَهُ إنْ ماتَ وأنْ يُواسِيَهُ إنْ عاشَ، فَقالَ: اكْتُمْ عَنِّي ثَلاثًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَهَداهُ اللَّهُ فَحَلَفَ صَفْوانُ أنْ لا يُكَلِّمَهُ أبَدًا، فَلَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ فَرَّ صَفْوانُ لِيَرْكَبَ البَحْرَ مِن جَدَّةَ، فاسْتَأْذَنَ عُمَيْرُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ ذَهَبَ إلَيْهِ فَلَحِقَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى رَجَعَ ثُمَّ أسْلَمَ فَكانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأمّا ذُو النُّورِ فَحِينَ دَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ سَألَ آيَةً يُعِينُهُ اللَّهُ بِها عَلى قَوْمِهِ فَآتاهُ اللَّهُ نُورًا حِينَ أشْرَفَ عَلى الحَيِّ الَّذِي هو مِنهُ، ثُمَّ دَعا أباهُ وأُمَّهُ فَأسْلَما، ثُمَّ صاحَبَتْهُ فَكَذَلِكَ ثُمَّ قَوَّمَهُ، فَما تَخَلَّفَ مِنهم أحَدٌ، وأمّا غَيْرُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَتَزْكِيَتُهُ لَهم بِآثارِهِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ والأُمُورِ الَّتِي قَضى اللَّهُ أنْ يَكُونَ مُهَيَّأً، فَمَن كانَ لَهُ أعْشَقُ كانَ لِاتِّباعِهِ ألْزَمٌ، فَكانَ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّتِهِ أرْسَخُ مِن (p-٥١)سِيرَةٍ وغَيْرِها عِلْمًا وعَمَلًا فَكانَ أشَدَّ زُكاءً.

ولَمّا كانُوا بَعْدَ التَّزْكِيَةِ الَّتِي هي تَخْلِيَةٌ عَنِ الرَّذائِلِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلى تَحْلِيَةٍ بِالفَضائِلِ قالَ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ دِينِيٍّ ودُنْيَوِيٍّ في الأُولى والأُخْرى ﴿والحِكْمَةَ﴾ وهي غايَةُ الكِتابِ في قُوَّةِ فَهْمِهِ والعَمَلِ بِهِ، فَهي العِلْمُ المُزَيَّنُ بِالعَمَلِ [والعَمَلُ] المُتْقَنُ بِالعِلْمِ مَعْقُولِهِ ومَنقُولِهِ لِيَضَعُوا كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ في أحْكَمِ مَواضِعِهِ فَلا يَزِيغُوا عَنِ الكِتابِ كَما زاغَ بَنُو إسْرائِيلَ، فَيَكُونُ مَثَلُهم كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا و[لَوْ] لَمْ يَكُنْ لَهُ ﷺ [مُعْجِزَةٌ] إلّا هَذِهِ لَكانَتْ غايَةً.

ولَمّا كانَ الوَصْفُ بِالأُمِّيَّةِ مُفْهِمًا لِلضَّلالِ، وكانَ كَثِيرٌ مِنهم حالَ إنْزالِ هَذِهِ السُّورَةِ يَعْتَقِدُ أنَّهم عَلى دِينٍ مَتِينٍ وحالٍ جَلِيلٍ مُبَيَّنٍ، وكانُوا بَعْدَ هِدايَتِهِ لَهم بَعْدَ الأُمِّيَّةِ سَيَضِلُّونَ لِأنَّ الإرْسالَ مِن حَضْرَةِ غَيْبِ الغَيْبِ في العُلُومِ المُنافِيَةِ لِلْأُمِّيَّةِ إلى ما لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلتَّوَقُّفِ في كَوْنِهِمْ كانُوا أُمِّيِّينَ، أكَّدَ هَذا المَفْهُومَ بِقَوْلِهِ: (p-٥٢)﴿وإنْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ﴿كانُوا﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ لَهم. ولَمّا كانَ كَوْنُهم ذَلِكَ في بَعْضِ الزَّمَنِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ مِن حِينِ غَيَّرُوا دِينَ أبِيهِمْ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَبَدُوا الأصْنامَ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ بُعْدٍ عَنِ المَقْصُودِ ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ ظاهِرٍ في نَفْسِهِ مُنادٍ لِغَيْرِهِ أنَّهُ ضَلالٌ بِاعْتِقادِهِمُ الأباطِيلَ الظّاهِرَةَ وظَنِّهِمْ أنَّهم عَلى شَيْءٍ وعُمُومِ الجَهْلِ لَهم ورِضاهم بِهِ واخْتِيارُهم لَهُ وعَيْبُهم مَن يَمِيلُ إلى التَّعَلُّمِ ويَنْحُو نَحْوَ التَّبَصُّرِ كَما وقَعَ لَهم مَعَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وغَيْرِهِ، فَوَصْفُهم بِهَذا غايَةً في نَفْيِ التَّعَلُّمِ مِن مَخْلُوقٍ عَنْ نَبِيِّهِمْ إعْظامًا لِما جاءَ بِهِ مِنَ الإعْجازِ وتَقْرِيرًا لِشِدَّةِ احْتِياجِهِمْ إلى نَبِيٍّ يُرْشِدُهم إلى الهُدى، ويُنْقِذُهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ العَمى والرَّدى.

62:3Page 553

وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣

And [to] others of them who have not yet joined them. And He is the Exalted in Might, the Wise.

ولَمّا كانَتْ تَزْكِيَتُهُ لَهم مَعَ أُمِّيَّتِهِمْ وغَباوَتِهِمْ لِوَصْفِ الأُمِّيَّةِ في الجَهْلِ أمْرًا باهِرًا في دَلالَتِهِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ، زادَ في الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِإلْحاقِ كَثِيرٍ مِمَّنْ في غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ مِثْلَهم في الأُمِّيَّةِ [بِهِمْ] (p-٥٣)فَقالَ: ﴿وآخَرِينَ﴾ أيْ وبَعْثُهُ في آخَرِينَ ﴿مِنهُمْ﴾ في الأُمِّيَّةِ لا في العَرَبِيَّةِ ﴿لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الماضِيَةِ في صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ، بَلْ هم أجْلَفُ النّاسِ كَعَوامِّ المَجُوسِ واليَهُودِ والنَّصارى والبَرابِرِ ونَحْوِهِمْ مِن طَوائِفِ العَجَمِ الَّذِينَ هم ألْكَنُ النّاسِ لِسانًا وأجْمَدُهم أذْهانًا وأكْثَفُهم طَبْعًا وشَأْنًا، وسَيُلْحِقُهُمُ اللَّهُ بِهِمْ في العِلْمِ والتَّزْكِيَةِ.

ولَمّا كانَ عَدَمُ إلْحاقِهِمْ [بِهِمْ] في الماضِي رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في القُدْرَةِ، وإلْحاقُهم بِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ، قالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ فَهو يُزَكِّي مَن يَشاءُ ويُعْلِمُهُ ما أرادَ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانَ، ولَوْ كانَ أجْمَدَ أهْلِ [تِلْكَ] الطّائِفَةِ لِأنَّ الأشْياءَ كُلَّها بِيَدِهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ فَهو إذا أرادَ شَيْئًا مُوافِقًا لِشَرْعِهِ وأمْرِهِ جَعَلَهُ عَلى أتْقَنِ الوُجُوهِ وأوْثَقِها فَلا يُسْتَطاعُ نَقْضُهُ، ومَهْما أرادَهُ كَيْفَ كانَ فَلا بُدَّ مِن إنْفاذِهِ فَلا يُطْلَقُ رَدُّهُ بِوَجْهٍ، ويَكُونُ المُرادُ بِالآخَرِينَ العَجَمَ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُلْحِقُهم بِالعَرَبِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو رِوايَةُ لَيْثٍ عَنْ مُجاهِدٍ ويُؤَيِّدُهُ ”مارَوِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَجُلًا سَألَ عَنْهم لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ (p-٥٤)الجُمْعَةِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلى سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقالَ:“لَوْ كانَ الإيمانُ عِنْدَ الثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ"».

62:4Page 553

ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤

That is the bounty of Allāh, which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا، عَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِثْمارِ مِن قُدْرَتِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ الرُّتْبَةِ مِن تَفْضِيلِ الرَّسُولِ وقَوَّمَهُ وجَعَلَهم مَتْبُوعِينَ بَعْدَ أنْ كانَ العَرَبُ أتْباعًا لا وزْنَ لَهم عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنَ الطَّوائِفِ ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، والفَضْلُ ما لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا بِخِلافِ الفَرْضِ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ بِأنْ يُهَيِّئَهُ لَهُ ولَوْ كانَ أبْعَدَ النّاسِ مِنهُ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿ذُو الفَضْلِ﴾ ولَمّا كانَتْ ”آلُ“ دالَّةً عَلى الكَمالِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿العَظِيمِ﴾ أيِ الَّذِي يُحَقِّرُ دُونَهُ كُلُّ عَطاءٍ مِن غَيْرِهِ.

62:5Page 553

مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥

The example of those who were entrusted with the Torah and then did not take it on1 is like that of a donkey who carries volumes [of books].2 Wretched is the example of the people who deny the signs of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

ولَمّا أدَّبَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ في المُمْتَحِنَةِ عَمّا يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأتَمَّهُ في الصَّفِّ بِما حَذَّرَ مِن إزاغَةِ القُلُوبِ لِمَن آذى نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأعْلَمُ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ الآدابَ كُلَّها في هَذا الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِمُ الَّذِي جَعَلَهُ خاتَمَ الأنْبِياءِ وأشْرَفَ الأصْفِياءِ، ودَلَّ عَلى فَضْلِهِ العَظِيمِ بِتَعْلِيمِ الجاهِلِ، دَلَّ عَلى عِقابِهِ الألِيمِ تَتْمِيمًا لِلدَّلالَةِ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ بِتَجْهِيلِ العالِمِ بِإزاغَةِ قَلْبِهِ وإذْهابِ لُبِّهِ بِيَأْسِهِ مِنَ الآخِرَةِ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِ تَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ بِما يُوجِبُ الإضْلالَ بَعْدَ العِلْمِ، فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا فَضْلُهُ عَلى الجاهِلِ فَكَيْفَ (p-٥٥)فِعْلُهُ بِالعالَمِ؟ فَقالَ تَحْذِيرًا مَن يُزَكِّي فَلا يَتَزَكّى بِأنْ يَقُولَ ما لا يَعْمَلُ، ويَحْمِلُ الكِتابَ فَيَحْمِلُهُ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ مِن أنْ يُفْعَلَ بِهِ ما فُعِلَ بِاليَهُودِ مِنَ الذُّلِّ في الدُّنْيا والخِزْيِ [والعَذابِ] في الآخِرَةِ بِإزاغَةِ القُلُوبِ وإحاطَةِ الذُّنُوبِ فَيَكُونُ أقْبَحَ مِمّا قِيلَ فِيهِ.

؎مَن فاتَهُ العِلْمُ وأخْطَأ الغِنى ∗∗∗ فَذاكَ والكَلْبُ عَلى حَدٍّ سَوا

﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ العِلْمُ ولا سِيَّما الرَّبّانِيُّ يَجِبُ أنْ يَفْرَحَ بِهِ ويَرْغَبَ فِيهِ مِن أيِّ مَوْصِلٍ كانَ، بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ قَوْلُهُ وصِيانَةٌ لِاسْمِهِ الشَّرِيفِ عَنْ أنْ يَذْكُرَ عَنِ العِصْيانِ: ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ أيْ كُلِّفُوا وأُلْزِمُوا حَمْلَ الكِتابِ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ عَلَّمَهم إيّاها سُبْحانَهُ وكَلَّفَهم حِفْظَ ألْفاظِها عَنِ التَّغْيِيرِ والنِّسْيانِ ومَعانِيها عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّلْبِيسِ وحُدُودِها وأحْكامِها عَنِ الإهْمالِ والتَّضْيِيعِ.

ولَمّا كانَ تَرْكُهم لِحَمْلِها وهي مِن عِنْدِ اللَّهِ وعَلى لِسانِ رَجُلٍ مِنهم هو أعْظَمُ في أنْفُسِهِمْ وأجَلَهِمْ إحْسانًا إلَيْهِمْ في غايَةِ البُعْدِ ولا سِيَّما مَعَ طُولِ الزَّمانِ المُسَهِّلِ لِحِفْظِها المُيَسَّرِ لِتُدَبِّرِها وتُعَرِّفِ مِقْدارِها، عَبَّرَ بِأداةِ البُعْدُ فَقالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ بِأنْ حَفِظُوا ألْفاظَها ولَمْ يَعْمَلُوا بِما فِيها مِنَ الوَصِيَّةِ بِاتِّباعِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا جاءَهم ثُمَّ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا جاءَ، فَهي ضارَّةٌ لَهم بِشَهادَتِها عَلَيْهِمْ قاذِفَةٌ لَهم في النّارِ (p-٥٦)مِن غَيْرِ نَفْعٍ أصْلًا ﴿كَمَثَلِ﴾ أيْ مِثْلُ مَثَلِ ﴿الحِمارِ﴾ الَّذِي هو أبْلَهُ الحَيَوانِ، فَهو مَثَلٌ [فِي] الغَباوَةِ، حالَ كَوْنِهِ ﴿يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ أيْ كُتُبًا مِنَ العِلْمِ كاشِفَةً لِلْأُمُورِ تَنْفَعُ الألِبّاءَ، جَمْعُ سِفْرٍ، وهو الكِتابُ الكَبِيرُ المُسْفِرُ عَمّا فِيهِ.

ولَمّا كانَ المَثَلُ الجامِعُ لَهُما - وهو وجْهُ الشَّبَهِ - شَخْصًا مُثْقَلًا مُتْعَبًا جِدًّا بِشَيْءٍ لا نَفْعَ لَهُ بِهِ أصْلًا فَهو ضَرَرٌ عَلَيْهِ صَرْفٌ لا يُدْرَكُ ما هو حامِلُهُ غَيْرَ أنَّهُ مُتْعَبٌ ولا يَدْرِي أصَخْرٌ هو أمْ كُتُبٌ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا بِالأداةِ الَّتِي هي لِجامِعِ الذَّمِّ تَرْهِيبًا لِلْآدَمِيِّينَ مِن أنْ يَتَهاوَنُوا بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ القُرْآنِ فَيَكُونُوا أسْوَأ مَثَلًا مِن أهْلِ الكِتابِ فَيَكُونُوا دُونَ الحِمارِ لِأنَّ رَسُولَهم ﷺ أعْظَمُ وكِتابَهم أعْلى وأفْخَمُ فَقالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلى مُحاوَلَةِ ما يُرِيدُونَهُ فَلَمْ يُؤْتُوا مَن عَجْزٍ يُعْذَرُونَ بِهِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ عَمَدُوا عَلى عِلْمٍ عِنادًا مِنهم وكُفْرًا ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ دَلالاتِ المَلِكِ الأعْظَمِ عَلى رُسُلِهِ ولا سِيَّما مُحَمَّدٌ ﷺ وجَمِيعُ ما يُرْضِيهِ مِثْلَهم فَإنَّ مِثْلَهم قَدْ تَكَفَّلَ بِتَعْرِيفِ أنَّهم قَدِ اجْتَمَعُوا مَعَ الحِمارِ في وصْفٍ هو الرُّوحُ الباطِنِيُّ، وهو الضَّرَرُ الصِّرْفُ الَّذِي لا نَفْعَ فِيهِ بِوَجْهٍ بِأنْفَعَ الأشْياءِ، وهو ما دَلَّ عَلى اللَّهِ فَضَمِنَ سَعادَةَ الدّارَيْنِ، وهَذا المَثَلُ وإنْ كانَ نَصًّا (p-٥٧)فِي اليَهُودِ فَهو لِجَمِيعِ قُرّاءِ السُّوءِ مِن كُلِّ مِلَّةٍ لِاشْتِراكِهِمْ مَعَهم في وجْهِ الشَّبَهِ كَما أنَّ مَثَلَ الكَلْبِ في الأعْرافِ عَلى هَذا النَّحْوِ، وكَأنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأُمَّةَ في ذَلِكَ صَرِيحًا إشارَةً إلى حِفْظِها مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَها إلى نَفْسِها كَما أنَّهُ آتاها العِلْمَ مَعَ الأُمِّيَّةِ مِنها ومِن رَسُولِها مِن غَيْرِ أنْ يَكِلَهم إلى كِتابَةٍ ولا تَقَدُّمِ عِلْمٍ ما ولا تَكَلُّفِ لِشَيْءٍ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاسْتَحَقُّوا الوَصْفَ بِجَمِيعِ المَذامِّ لِأنَّهم ظُلِمُوا أشَدَّ الظُّلْمِ، عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ لا يَهْدِيهِمْ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرُ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيْ لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ الأقْوِياءِ الَّذِينَ تَعَمَّدُوا الزَّيْغَ: ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ تَعَمَّدُوا الظُّلْمَ بِمُنابَذَةِ الهُدى الَّذِي هو البَيانُ الَّذِي لَمْ يَدَعْ لَبْسًا حَتّى صارَ الظُّلْمُ لَهم صِفَةً راسِخَةً.

62:6Page 553

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦

Say, "O you who are Jews, if you claim that you are allies of Allāh, excluding the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."

ولَمّا كانَ قَوْلُهم أنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ في غايَةِ البُعْدِ مِن هَذا المَثَلِ، اسْتَأْنَفَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المَثَلِ قَطْعًا، فَقالَ مُعْرِضًا عَنْهم آمِرًا لِمَن كَذَّبُوهُ بِتَبْكِيتِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ يا أيُّها الرَّسُولُ الَّذِي هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ تَدِينُوا بِاليَهُودِيَّةِ. ولَمّا كانَ الحَقُّ (p-٥٨)يَصْدَعُ مَن لَهُ أدْنى مَسْكَةٍ، فَكانُوا جَدِيرِينَ بِالرُّجُوعِ عَنِ العِنادِ، عَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ فَقالَ: ﴿إنْ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ قُلْتُمْ قَوْلًا هو مَعْرِضٌ لِلتَّكْذِيبِ ولِذَلِكَ أكَّدْتُمُوهُ ﴿أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، خَصَّكم بِذَلِكَ خُصُوصِيَّةً مُبْتَدَأةً ﴿مِن دُونِ﴾ أيْ أدْنى رُتْبَةً مَن رُتَبِ ﴿النّاسِ﴾ فَلَمْ تَتَعَدَّ الوِلايَةُ تِلْكَ الرُّتْبَةَ الدُّنْيا إلى أحَدٍ مِنكم غَيْرَكُمْ، بَلْ خَصَّكم بِذَلِكَ عَنْ كُلِّ مَن فِيهِ أهْلِيَّةُ الحَرَكَةِ لا سِيَّما الأُمِّيِّينَ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ وأخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِكم بِذَلِكَ لِلْقِلَّةِ مِن دارِ البَلاءِ إلى مَحَلِّ الكَرامَةِ والآلاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ عِنْدَ أنْفُسِكم في الصِّدْقِ فَإنَّ مِن عَلاماتِ المَحَبَّةِ الِاشْتِياقُ إلى المَحْبُوبِ، ومِنَ التَّطَوُّعِ بِهِ أنَّ مَن كانَ في كَدَرٍ وكانَ لَهُ ولِيٌّ قَدْ وعَدَهُ عِنْدَ الوُصُولِ إلَيْهِ الرّاحَةُ الَّتِي لا يَشُوبُها ضَرَرٌ أنَّهُ يَتَمَنّى النَّقْلَةَ إلى ولِيِّهِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ لَهم «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَقُولُها مِنكم أحَدٌ إلّا غَصَّ بِرِيقِهِ» فَلَمْ يُقِلْها أحَدٌ مِنهم عِلْمًا مِنهم بِمُصَدِّقِهِ ﷺ فَلَمْ يَقُولُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا عِنادًا مِنهم.

62:7Page 553

وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧

But they will not wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْتِثالًا لِأمْرِنا ذَلِكَ، فَلَمْ يَتَمَنَّوْهُ في الوَقْتِ الحاضِرِ، تَصْدِيقًا مِنّا لِنُبُوَّتِهِ وتَعْجِيزًا وتَحْقِيقًا لِمُعْجِزاتِ رِسالَتِهِ، دَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ بِما عَطَفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ (p-٥٩)الدّالِّ قَطْعًا عَلى صِدْقِهِ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ بِالكَفِّ عَمّا أخْبَرَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَهُ: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ أيْ في المُسْتَقْبَلِ، واكْتَفى بِهَذا في التَّعْبِيرِ بِلا لِأنَّ المَذْكُورَ مِن دَعْواهم هُنا أنَّهم أوْلِياءُ لا كُلَّ الأوْلِياءِ فَهي دُونُ دَعْوى الِاخْتِصاصِ بِالآخِرَةِ، وأيْضًا الوِلايَةُ لِلتَّوَسُّلِ إلى الجَنَّةِ، ولا يَلْزَمُ مِنها الِاخْتِصاصُ بِالنِّعْمَةِ بِدَلِيلِ أنَّ الدُّنْيا لَيْسَتْ خالِصَةً لِلْأوْلِياءِ المُحَقَّقِ لَهُمُ الوِلايَةُ، بَلِ البَرُّ والفاجِرُ مُشْتَرِكُونَ فِيها. ولَمّا أخْبَرَ بِعَدَمِ تَمَنِّيهِمْ، وسَّعَ لَهُمُ المَجالَ تَحْقِيقًا لِلْمُرادِ فَقالَ: ﴿أبَدًا﴾ وعُرِفَ أنَّ سَبَبَهُ مَعْرِفَتُهم بِأنَّهم أعْداءُ اللَّهِ فَقالَ: ﴿بِما قَدَّمَتْ﴾ ولَمّا كانَ أكْثَرُ الأفْعالِ بِاليَدِ، نَسَبَ الكُلَّ إلَيْها لِأنَّها صارَتْ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿أيْدِيهِمْ﴾ أيْ مِنَ المَعاصِي الَّتِي أحاطَتْ بِهِمْ فَلَمْ تَدَعْ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ بِعِلْمِهِمْ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَسَبُّبًا عَنْ هَذا: لِئَلّا يَقُولُوا: سَلَّمْنا جَمِيعَ ما قِيلَ في الظّالِمِينَ لَكُنّا لَسْنا مِنهم فاللَّهُ عَلِيمٌ بِهِمْ في أفْعالِهِمْ ونِيّاتِهِمْ، عَطْفٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مُعَلَّقًا بِالوَصْفِ تَعْمِيمًا وإعْلامًا بِأنَّ وصْفَ ما قَدَّمُوا مِنَ الظُّلْمِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ مُحِيطٌ بِهِمْ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿بِالظّالِمِينَ﴾ (p-٦٠)تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ لا بِالذّاتِ، فالمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِأصْحابِ هَذا الوَصْفِ الرّاسِخِينَ فِيهِ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ فَهو يُجازِيهِمْ عَلى ظُلْمِهِمْ وهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وأعْظَمُ مُصَدِّقٍ اللَّهَ - ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ [قِيلًا] - في هَذا أنَّهم ما قُوتِلُوا قَطُّ إلّا أرَزُوا إلى حُصُونِهِمْ وقُراهم كَما مَرَّ في سُورَةِ الحَشْرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم أحْرَصُ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا كَما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَإنَّهم عالِمُونَ بِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، والعَرَبُ يَظُنُّونَ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ فَهم لا يَخافُونَ [ما] بَعْدَ المَوْتِ وهم شُجْعانٌ يُقْدِمُونَ عَلى المَوْتِ كَما قالَ عَنْتَرَةُ بْنُ شَدّادٍ العَبْسِيُّ:

؎بَكَرَتْ تُخَوِّفُنِي المَنُونُ كَأنَّنِي ∗∗∗ أصْبَحْتُ عَنْ عِرْضِ الحُتُوفِ بِمَعْزِلِ

؎فَأجَبْتُها أنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لا بُدَّ أنْ أُسْقى بِذاكَ المَنهَلِ

؎فافْنِي حَياكَ لا أبا لَكَ واعْلَمِي ∗∗∗ ∗∗∗ أنِّي امْرُؤٌ سَأمُوتُ إنْ لَمْ أقْتُلِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском