Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الفرقان
Al-Furqan
The Criterion · Meccan · 77 ayahs
25:1Page 359
تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١
Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -
(p-٣٢٩)سُورَةُ الفُرْقانِ
مَقْصُودُها إنْذارُ عامَّةِ المُكَلَّفِينَ بِما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ القُدْرَةِ الشّامِلَةِ، المُسْتَلْزِمِ لِلْعِلْمِ التّامِّ، المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِهَذا القُرْآنِ المُبَيِّنِ، المُسْتَلْزِمِ لِأنَّهُ لا مُوجِدَ عَلى الحَقِيقَةِ سِواهُ، فَهو الحَقُّ، وما سِواهُ باطِلٌ؛ وتَسْمِيَتُها بِالفُرْقانِ واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ الكِتابَ ما نَزَلَ إلّا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُلْتَبِساتِ، وتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ) ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] فَلا يَكُونُ لِأحَدٍ عَلى اللَّهِ حُجَّةً بِسْمِ اللَّهِ (الَّذِي لَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ، لِإحاطَةِ عَظَمَتِهِ، وشُمُولِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ) الرَّحْمَنِ (الَّذِي عَمَّ بِنِعَمِهِ الفُرْقانُ، أهْلَ الإيمانِ والكُفْرانِ) الرَّحِيمِ (الَّذِي خَصَّ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ بِمَلابِسَ الرِّضْوانِ.
لَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ تِلْكَ بِسَعَةِ المِلْكِ، وشُمُولِ العِلْمِ، وتَعْظِيمِ الرَّسُولِ، (p-٣٣٠)والتَّهْدِيدِ لِمَن تَجاوَزَ الحَدَّ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ - مَعَ كَوْنِهِ أضْخَمَ مِنهُ - هو بُرْهانٌ عَلَيْهِ فَقالَ ﴿تَبارَكَ﴾ أيْ ثَبَتَ ثُبُوتًا مَعَ اليُمْنِ والخَيْرِ الَّذِي بِهِ سَبَقَتِ الرَّحْمَةُ الغَضَبَ، والتَّعالِي في الصِّفاتِ والأفْعالِ، فَلا ثُبُوتَ يُدانِيهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ إلّا بِتَمامِ قُدْرَتِهِ، ولا تَتِمُّ قُدْرَتُهُ إلّا بِشُمُولِ عِلْمِهِ، وهَذا الفِعْلُ مُطاوِعُ ”بارَكَ“ وهو مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعالى لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ لِمُسْتَقْبَلٍ ولا اسْمِ فاعِلٍ؛ ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الَّذِي﴾
ولَمّا كانَ تَكْرارُ الإنْذارِ - الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ - أنْفَعَ، وتَفْرِيقُهُ في أوْقاتٍ مُتَراسِلَةٍ أصْدَعَ لِلْقُلُوبِ وأرْدَعَ، وكانَ إيضاحُ المُشْكِلاتِ، في الفَرْقِ بَيْنَ المُلْتَبِساتِ، أعَوْنَ بِما يَكُونُ عِلَّةً، عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى الفَرْقِ وقَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿نَـزَّلَ الفُرْقانَ﴾ أيِ الكِتابَ الَّذِي نَزَلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا فَكانَ كِتابًا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَرَّقًا بِحَسَبِ المَصالِحِ، فَسُمِّيَ لِذَلِكَ فُرْقانًا، ولِأنَّهُ الفارِقُ بَيْنَ مُلْتَبِسٍ، فَلا يَدَعُ خَفاءً إلّا بَيْنَهُ، ولاحِقًا إلّا أثْبَتَهُ، ولا باطِلًا إلّا نَفاهُ ومَحَقَهُ، فِيهِ انْتِظامُ الحَياةِ الأُولى (p-٣٣١)والأُخْرى، فَكانَ قاطِعًا عَلى عِلْمِ مُنْزِلِهِ، ومِن عِلْمِهِ الباهِرِ إنْزالُهُ ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ أيِ الَّذِي لا أحَقَّ مِنهُ بِإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ الشَّرِيفِ، لِأنَّهُ خالِصٌ لَهُ، لا شائِبَةَ لِغَيْرِهِ فِيهِ أصْلًا، ولَمْ يَحُزْ مَخْلُوقٌ ما حازَ مِن طَهارَةِ الشِّيَمِ، وارْتِفاعِ الهِمَمِ، ولا شَكَّ أنَّ الرَّسُولَ دالٌّ عَلى مُرْسِلِهِ في مِقْدارِ عِلْمِهِ، وكَثْرَةِ جُنْدِهِ، واتِّساعِ مِلْكِهِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ثُمَّ عَلَّلَ إنْزالَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ﴾ أيِ العَبْدُ أوِ الفُرْقانِ.
ولَمّا كانَ العالِمُ ما سِوى اللَّهِ، وكانَ رُبَّما ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ المُرادَ البَعْضُ، لِأنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ اللَّفْظُ عَلى جُزْءِ مَعْناهُ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ، وكانَ الجَمْعُ لا بُدَّ أنْ يُفِيدَ ما أفادَهُ المُفْرَدُ بِزِيادَةٍ، جَمَعَ لِيَعْرِفَ أنَّ المُرادَ المَدْلُولُ المُطابَقِيُّ، مَعَ التَّصْرِيحِ بِاسْتِغْراقِ جَمِيعِ الأنْواعِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ مَفْهُومِ المُفْرَدِ، واخْتارَ جَمْعَ العُقَلاءِ تَغْلِيبًا، إعْلامًا بِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالذّاتِ فَقالَ: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ أيِ المُكَلَّفِينَ كُلِّهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ.
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الكِتابِ والمُنَزَّلُ عَلَيْهِ بالِغًا في مَعْناهُ، عَبَّرَ بِما يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ المُنْذَرُ والإنْذارُ عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ فَقالَ: ﴿نَذِيرًا﴾ أيْ وبَشِيرًا، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى النِّذارَةِ لِلْإشارَةِ إلى البِشارَةِ بِلَفْظِ ”تُبارِكُ“ ولِأنَّ المَقامَ لَها، لَمّا خَتَمَ بِهِ تِلْكَ مِن إعْراضِ المُتَوَلِّينَ عَنِ الأحْكامِ، (p-٣٣٢)ونَفى الإيمانَ عَنْهم بِانْتِفاءِ الإسْلامِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ المُسْتَحِقِّينَ لِلنِّذارَةِ، ولا التِفاتَ إلى مَن قالَ: إنَّ الرّازِي والبُرْهانَ النَّسْفِيَّ نَقَلا الإجْماعَ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يُرْسِلِ المَلائِكَةَ، فَإنَّ عِبارَةَ الرّازِي في بَعْضِ نُسَخِ تَفْسِيرِهِ: لَكُنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلى المَلائِكَةِ، وفي أكْثَرِ النُّسَخِ: بَيَّنا - بَدَلَ: أجْمَعْنا، عَلى أنَّهُ لَوِ اتَّفَقَتْ جَمِيعُ النُّسَخِ عَلَيْها لَمْ تَضُرَّ، لِأنَّها غَيْرُ صَرِيحَةٍ في إرادَةِ الإجْماعِ، ولِأنَّ الإجْماعَ لا يَثْبُتُ بِنَقْلٍ واحِدٍ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا الَّذِي تَظافَرَتِ الظَّواهِرُ عَلى خِلافِهِ، ولَمْ يَرِدْ مانِعٌ مِنهُ، وأمّا البُرْهانُ النَّسْفِيُّ فَمِنَ الرّازِّي أخَذَ، وعَبَّرَ بِعِبارَتِهِ، فَصارا واحِدًا، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ
﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] بَيانًا شافِيًا لا ارْتِيابَ مَعَهُ، بَلْ ولَوْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها، لا خُصُوصَ فِيها بِالعُقَلاءِ، وتَكْلِيفُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، لَكانَ وجْهًا، وبِذَلِكَ صَرَّحَ الإمامُ تاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ في أوَّلِ التَّرْشِيحِ في قَوْلِهِ: ”وأُصَلِّي عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ المُصْطَفى المَبْعُوثِ إلى كُلِّ شَيْءٍ“ وكَذَلِكَ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ في آخِرِ ”القُرى لِقاصِدِي أُمِّ القُرى“ وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ ما دَعا جامِدًا (p-٣٣٣)ولا مُتَحَرِّكًا غَيْرَ الإنْسانِ إلّا أجابَهُ بِما هو مُقْتَضى ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها﴾ [الأحزاب: ٧٢] دَعا غَيْرَ مَرَّةٍ عِدَّةً مِن أغْصانِ الأشْجارِ فَأتَتْهُ تَسْجُدُ لَهُ، ثُمَّ أمَرَها بِأنْ تَرْجِعَ إلى مَكانِها فَفَعَلَتْ؛ ودَعا الضَّبَّ وغَيْرَهُ مِنَ الحَيَواناتِ العُجْمِ فَأطاعَتْهُ؛ ودَعا الأشْجارَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَسَمِعَتْ وسَعَتْ إلَيْهِ؛ وأمَرَ الجَبَلَ لَمّا رَجَفَ فَأذْعَنَ؛ وأرْسَلَ إلى نَخْلٍ وأحْجارٍ يَأْمُرُهُنَّ بِالِاجْتِماعِ لِيَقْضِيَ إلَيْهِنَّ حاجَةً فَفَعَلْنَ، ثُمَّ أرْسَلَ يَأْمُرُهُنَّ بِالرُّجُوعِ إلى أماكِنِهِنَّ فَأجَبْنَ؛ وغَمَزَ الأرْضَ فَنَبَعَ مِنها الماءَ؛ وأرْسَلَ سَهْمَهُ إلى البِئْرِ فَجاشَتْ بِالرِّواءِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مُضَمَّنٌ في دَلائِلَ النُّبُوَّةِ، بَلْ ولا دَعا طِفْلًا رَضِيعًا إلّا شَهِدَ لَهُ لِكَوْنِهِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو دالٌّ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ المُقْتَضِي لِزِيادَةِ شَرَفِهِ ﷺ مِن غَيْرِ مَحْذُورٍ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ولا نَصٍّ يُخالِفُهُ - واللَّهُ الهادِي.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: لِما تَضَمَّنَتْ سُورَةُ (p-٣٣٤)النُّورِ بَيانَ كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ كَحُكْمِ الزِّنى، ورَمْيِ الزَّوْجاتِ بِهِ، والقَذْفِ، والِاسْتِئْذانِ، والحِجابِ، وإسْعافِ الفَقِيرِ، والكِتابَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والكَشْفِ عَنْ مُغَيَّباتٍ، مِن تَغايُرِ حالاتٍ، تَبَيَّنَ بِمَعْرِفَتِها والِاطِّلاعِ عَلَيْها الخَبِيثُ مِنَ الطِّيبِ، كَإطْلاعِهِ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ عَلى ما تَقَوَّلَهُ أهْلُ الإفْكِ، وبَيانِ سُوءِ حالِهِمْ، واضْمِحْلالِ مِحالِهِمْ، في قِصَّةِ المُنافِقِينَ في إظْهارِهِمْ ضِدَّ ما يُضْمِرُونَ؛ ثُمَّ كَرِيمِ وعْدِهِ لِلْخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٥] ثُمَّ ما فَضَحَ بِهِ تَعالى مُنافِقِي الخَنْدَقِ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ [النور: ٦٣] إلى آخِرِ الآيَةِ، فَكانَ مَجْمُوعُ هَذا فُرْقانًا يَعْتَضِدُ بِهِ الإيمانُ، ولا يُنْكِرُهُ مُقِرٌّ بِالرَّحْمَنِ، يَشْهَدُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِصِحَّةِ رِسالَتِهِ، ويُوَضِّحُ مُضَمَّنُ قَوْلِهِ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ [النور: ٦٣] مِن عَظِيمِ قَدْرِهِ ﷺ وعَلِيِّ جَلالَتِهِ، أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ وهو القُرْآنُ الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والمُطْلِعُ عَلى ما أخَفاهُ المُنافِقُونَ وأبْطَنُوهُ مِنَ المَكْرِ والكُفْرِ ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ فَيُحَذِّرُهم مِن مُرْتَكَباتِ المُنافِقِينَ والتَّشَبُّهِ بِهِمْ؛ ثُمَّ تَناسَجَ الكَلامُ، (p-٣٣٥)والتَحَمَ جَلِيلُ المَعْهُودِ مِن ذَلِكَ النِّظامِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ النَّعْيِ عَلى الكُفّارِ والتَّعْرِيفِ بِبُهْتِهِمْ وسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ ما لَمْ يَتَضَمَّنْ كَثِيرٌ مِن نَظائِرِها كَقَوْلِهِمْ
﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧] الآياتِ، وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقَوْلِهِمْ ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] إلى ما عَضَّدَ هَذِهِ وتَخَلَّلَها، ولِهَذا خُتِمَتْ بِقاطِعِ الوَعِيدِ، وأشَدِّ التَّهْدِيدِ، وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] انْتَهى.
25:2Page 359
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢
He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and who has not taken a son and has not had a partner in dominion and has created each thing and determined it with [precise] determination.
ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ مُنَزَّلِ الفُرْقانِ سُبْحانَهُ، وذِكْرُ الفُرْقانِ والمَنزِلُ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الإجْمالِ، أتْبَعَ ذَلِكَ تَفْصِيلَهُ عَلى التَّرْتِيبِ، فَبَدَأ بِوَصْفِ المُنَزَّلِ سُبْحانَهُ بِما هو أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى إرادَةِ التَّعْمِيمِ في الرِّسالَةِ لِكُلِّ مَن يُرِيدُ، فَقالَ: ﴿الَّذِي لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَلا إنْكارَ لِأنْ يُرْسِلَ رَسُولًا إلى كُلِّ مَن فِيهِما ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ لِيَتَكَبَّرَ عَلى رَسُولِهِ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ لِيُناقِضَهُ في الرِّسالَةِ أوْ يُقاسِمَهُ إيّاها، فَيَكُونُ بَعْضُ الخَلْقِ خارِجًا عَنْ رِسالَتِهِ، أوْ مُراعِيًا لِأمْرٍ غَيْرِ أمْرِهِ.
ولَمّا كانَ وُقُوفُ الشَّيْءِ عِنْدَ حَدٍّ - بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أنْ يَتَعَدّاهُ إلى حَدِّ شَيْءٍ آخَرَ سِواهُ، فَهَذا حَيَوانٌ لا يَقْدِرُ عَلى جَعْلِ نَفْسِهِ جَمادًا (p-٣٣٦)ولا أعْلى مِنَ الحَيَوانِ، وهَذا جَمادٌ لا يُمْكِنُهُ جَعْلُ نَفْسِهِ حَيَوانًا ولا أسْفَلَ مِن رُتْبَةِ الجَمادِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْجِزُ الخَلْقُ عَنْ شَرْحِهِ دالًّا عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، قالَ تَعالى: ﴿وخَلَقَ﴾ أيْ أحْدَثَ إحْداثًا مُراعًى فِيهِ التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِمّا ادَّعى فِيهِ الوَلَدِيَّةَ أوِ الشِّرْكَ وغَيْرَهُ.
ولَمّا كانَ قَدْ سَوّى كُلَّ شَيْءٍ لِما يَصْلُحُ لَهُ وهَيَّأهُ لِذَلِكَ، قالَ شارِحًا ومُحَقِّقًا لِمَعْنى ”خَلَقَ“: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ في إيجادِهِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ ﴿تَقْدِيرًا﴾ أيْ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُجاوَزَتَهُ فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ وهُيِّئَ ويُسِّرَ لَهُ إلى غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
25:3Page 360
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣
But they have taken besides Him gods which create nothing, while they are created, and possess not for themselves any harm or benefit and possess not [power to cause] death or life or resurrection.
ولَمّا ذَكَرَهم بِما رَكَّزَ في فِطْرِهِمْ مِنَ العِلْمِ، عَجَّبَ مِنهم لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ فِيما خالَفُوا ما لَهم مِنَ المُشاهَدَةِ، فَقالَ مُضْمِرًا لِلْفاعِلِ إشارَةً إلِ اسْتِهْجانِ نِسْبَةِ هَذا الفِعْلِ إلى فاعِلٍ مُعَيَّنٍ تَوْبِيخًا لَهم وإرْشادًا إلى المُبادَرَةِ مِن كُلِّ سامِعٍ إلى نَفْيِهِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿واتَّخَذُوا﴾ أيْ كَلَّفَ أنْفُسَهم عَبَدَةُ الأوْثانِ أنْ أُخِذُوا.
ولَمّا كانَ عُلُوُّهُ لا يُحَدُّ، فَكانَتِ الرُّتَبُ السّافِلَةُ لا تُحْصى، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ بَعْدَ ما قامَ مِنَ الدَّلِيلِ (p-٣٣٧)عَلى أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ مِنَ الحَيْثِيّاتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ ﴿آلِهَةً﴾ المُتَّحِدُونَ مُشاهِدُونَ لِأنَّهم كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ أيْ لا أعْجَزَ مِنهُمْ، لا يَكُونُ مِنهم إيجادُ شَيْءٍ، فِيهِمْ دُونَ مَن عَبَدَهم.
ولَمّا كانَ المُتَعَنِّتُ رُبَّما ادَّعى أنَّهم مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَخْلُوقِينَ قالَ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ أيْ بِما يُشاهِدُ فِيهِمْ مِنَ التَّغَيُّرِ والطَّواعِيَةِ لِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، ومِن ذَلِكَ أنَّ عَبَدَتَهُمُ افْتَعَلُوهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ.
ولَمّا قَرَّرَ أنَّهُ أنْعَمَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وكانَتِ النِّعَمُ أكْثَرَ وُجُودًا، وكانَ أدْنى نِعْمَةٍ عَلى الشَّيْءِ خَلْقَهُ سُبْحانَهُ لَهُ، أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ لا يَقْدِرُ عَلى ضُرِّ نَفْسِهِ ولا بِالإعْدامِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ العُقَلاءِ تَهَكُّمًا بِعابِدِيهِمْ حَيْثُ أقامُوهم في ذَلِكَ المَقامِ، أوْ تَغْلِيبًا لِأنَّهم عَبَدُوا المَلائِكَةَ وعُزَيْرًا والمَسِيحَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿ولا يَمْلِكُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أنْ يَمْلِكُوا ﴿لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ ولِذَلِكَ قَدَّمَهُ، ونَكَّرَهُ لِيَعُمَّ.
فَلَمّا ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهم خَلْقُهُ، ولَكِنْ كانَ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتٌ: إنَّهم يَمْلِكُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّهم يَتْرُكُونَهُ عَمْدًا، لِأنَّ أحْدًا لا يُرِيدُ ضُرَّ نَفْسِهِ، قالَ: ﴿ولا نَفْعًا﴾ أيْ ولَوْ بِالبَقاءِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، وعَبَدَتُهم يَقْدِرُونَ عَلى ما أرادَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ عَلى وجْهِ الكَسْبِ، فَهم أعْلى (p-٣٣٨)مِنهم وعِبادَةُ الأعْلى لِمَن دُونَهُ لَيْسَتْ مِن أفْعالِ العُقَلاءِ.
ولَمّا كانَ المَوْتُ والحَياةُ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِما مِن عَظِيمِ الشَّأْنِ، أعادَ العامِلَ فَقالَ: ﴿ولا يَمْلِكُونَ﴾ وقَدَّمَ المَوْتَ لِأنَّ الحَياةَ أكْثَرُ، فَقالَ مُبْتَدِئًا بِما هو مِن بابِ الضُّرِّ عَلى نَسَقِ ما قَبْلَهُ: ﴿مَوْتًا﴾ أيْ لِأنْفُسِهِمْ ولا لِغَيْرِهِمْ ﴿ولا حَياةً﴾ أيْ مِنَ العَدَمِ ﴿ولا نُشُورًا﴾ أيْ إعادَةً لِما طُوِيَ مِنَ الحَياةِ بِالمَوْتِ، وعَطَفَها بِالواوِ وإنْ كانَ بَعْضُها مُسَبِّبًا عَمّا قَبْلَهُ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها كافِيَةٌ في سَلْبِ الإلَهِيَّةِ عَنْهم بِما ثَبَتَ مِنَ العَجْزِ.
25:4Page 360
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤
And those who disbelieve say, "This [Qur’ān] is not except a falsehood he invented, and another people assisted him in it." But they have committed an injustice and a lie.
ولَمّا وصَفَ مُنْزِلَ الفُرْقانِ بِما لا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُ أحَدٍ غَيْرِهِ مِنَ الشُّؤُونِ، فاتَّضَحَ بِذَلِكَ إعْجازُ المُنْزَلِ الَّذِي أبانَ ذَلِكَ، وهو هَذا القُرْآنُ، وأنَّهُ وحْدَهُ الفُرْقانُ، عَجَّبَ مِن حالِ المُكَذِّبِينَ بِهِ فَقالَ مَوْضِعَ وقالُوا: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُظْهِرًا الوَصْفَ الَّذِي حَمَلَهم عَلى هَذا القَوْلِ، وهو سِتْرُ ما ظَهَرَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ كالشَّمْسِ والِاجْتِهادِ في إخْفائِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هَذا﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿إلا إفْكٌ﴾ أيْ كَذِبٌ مَصْرُوفٌ عَنْ ظاهِرِهِ ووَجْهِهِ هو أسْوَأُ الكَذِبِ ﴿افْتَراهُ﴾ أيْ (p-٣٣٩)تَعَمَّدَ كَذِبَهُ هَذا النَّذِيرُ، فَكانَ قَوْلُهم هَذا مَوْضِعَ العَجَبِ لِكَوْنِهِ ظاهِرَ الخَلَلِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَطْبُوعًا عَلى أنَّهُ يَتَكَثَّرُ بِأدْنى شَيْءٍ مِنَ المَحاسِنِ فَيُحِبُّ أنْ تَظْهَرَ عَنْهُ ولا يُنْسَبَ شَيْءٌ مِنها إلى غَيْرِهِ، كانَ أعْجَبَ مِن ذَلِكَ وأظْهَرَ عَوارًا قَوْلُهُمْ: ﴿وأعانَهُ﴾ أيْ مُحَمَّدًا ﴿عَلَيْهِ﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿قَوْمٌ﴾ أيْ ذَوُو كِفايَةٍ حَبَوْهُ بِما يَتَشَرَّفُ بِهِ دُونَهُمْ؛ وزادُوا بُعْدًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿آخَرُونَ﴾ أيْ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ؛ فَقِيلَ: أرادُوا اليَهُودَ وقِيلَ: غَيْرُهم مِمَّنْ في بَلَدِهِمْ مِنَ العَبِيدِ النَّصارى وغَيْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ أيِ الكُفّارُ في ذَلِكَ ﴿ظُلْمًا﴾ بِوَضْعِ الإفْكِ عَلى ما لا أصْدَقَ مِنهُ ولا أعْدَلَ ﴿وزُورًا﴾ أيْ مَيْلًا مَعَ جَلافَةٍ عَظِيمَةٍ عَنِ السَّنَنِ المُسْتَقِيمِ في نِسْبَةِ أصْدَقِ النّاسِ وأطْهَرِهِمْ خَلِيقَةً، وأقْوَمِهِمْ طَرِيقَةً، إلى هَذِهِ الدَّنايا الَّتِي لا يَرْضاها لِنَفْسِهِ أسْقَطُ النّاسِ، فَإنَّها - مَعَ كَوْنِها دَنِيئَةً في نَفْسِها - مَضْمُونَةُ الفَضِيحَةِ؛ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ وأصْلُ الزُّورِ تَحْسِينُ الباطِلِ وتَأْوِيلُ الكَلامِ.
25:5Page 360
وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥
And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."
ولَمّا تَبَيَّنَ تَناقُضُهم أوَّلًا في ادِّعائِهِمْ في القُرْآنِ ما هو واضِحُ المُنافاةِ لِوَصْفِهِ، وثانِيًا بِأنَّهُ أُعِينَ عَلَيْهِ بَعْدَ ما أشْعَرَتْ بِهِ صِيغَةُ الِافْتِعال مِنَ الِانْفِرادِ، أتْبَعَهُ تَعالى تَناقُضًا لَهم آخَرَ بِقَوْلِهِ مُعَجِّبًا: ﴿وقالُوا﴾ (p-٣٤٠)أيِ الكُفّارُ ﴿أساطِيرُ﴾ جَمْعُ إسْطارَةٍ وأُسْطُورَةٍ ﴿الأوَّلِينَ﴾ مِن نَحْوِ أحادِيثِ رُسْتُمَ وإسْفِنْدِيارَ، فَصَرَّحُوا أنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ ﴿اكْتَتَبَها﴾ أيْ تَطَلَّبَ كِتابَتَها لَهُ ﴿فَهِيَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ تَكَلُّفِهِ أنَّها ﴿تُمْلى﴾ أيْ تُلْقى مِن مُلْقٍ ما إلْقاءً جَيِّدًا مُتَجَدِّدًا مُسْتَمِرًّا ﴿عَلَيْهِ﴾ مِنَ الكِتابِ الَّذِي اكْتَتَبَها فِيهِ في أوْقاتِ الفَراغِ ﴿بُكْرَةً﴾ قُبَلَ أنْ يَنْتَشِرَ النّاسُ ﴿وأصِيلا﴾ أيْ وعَشِيًّا حِينَ يَأْوُونَ إلى مَساكِنِهِمْ، أوْ دائِمًا لِيَتَكَلَّفَ حِفْظَها بَعْدَ أنْ تَكَلَّفَ تَحْصِيلَها بِالِانْتِساخِ أنَّهُ أُمِّيٌّ، وهَذا كَما تَرى لا يَقُولُهُ مَن لَهُ مِسْكَةٌ في عَقْلٍ ولا مُرُوءَةٌ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ الَّذِي لا يَخْفى عَلى عاقِلٍ أنَّ إنْسانًا لَوْ لازَمَ شَيْئًا عَشَرَةَ أيّامٍ بُكْرَةً وعَشِيًّا لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ ويَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِ أحَدٌ حَتّى عَرَفَ ذَلِكَ مِنهُ، فَلَوْ أنْكَرَهُ بَعْدُ لافْتَضَحَ فَضِيحَةً لا يُغْسَلُ عَنْهُ عارُها أبَدًا، فَكَيْفَ والبَلَدُ صَغِيرٌ، والرَّجُلُ عَظِيمٌ شَهِيرٌ، وقَدِ ادَّعَوْا أنَّهُ مُصِرٌّ عَلى ذَلِكَ إلى حِينِ مَقالَتِهِمْ وبَعْدَها لا يَنْفَكُّ، وعَيَّرُوهُ بِأنَّهُ مُعْدِمٌ يَحْتاجُ إلى المَشْيِ في الأسْواقِ، وهو يَدْعُوهم إلى المُعارَضَةِ ولَوْ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، وفِيهِمُ الكُتّابُ والشُّعَراءُ (p-٣٤١)والبُلَغاءُ والخُطَباءُ، وهو أكْثَرُ مِنهُ مالًا، وأعْظَمُ أعْوانًا، فَلا يَقْدِرُونَ.
25:6Page 360
قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦
Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."
ولَمّا رَمَوْهُ بِهَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي هم فِيها في خَبْطِ عَشْواءَ، وكانَتْ مَعَ كَوْنِها ظاهِرَةَ العَوارِ، عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى اسْتِبْصارٍ، تَرُوجُ عَلى بَعْضِ العَرَبِ بَعْضَ الرَّواجِ، مَعَ سَعَةِ عُقُولِهِمْ، وصِحَّةِ أفْكارِهِمْ، لِشُبَهٍ واهِيَةٍ مَكَّنَهم فِيها التَّقْلِيدُ، وشِدَّةُ الإلْفِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَنِ المَدِيدِ، أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِجَوابِهِمْ مُسْتَأْنِفًا فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ دالًّا عَلى بُطْلانِ ما قالُوهُ مُهَدِّدًا لَهُمْ: ﴿أنْـزَلَهُ﴾ أيِ القُرْآنَ مِن خَزائِنِ عِلْمِهِ خِلافًا لِجَمِيعِ ما تَقَوَّلْتُمُوهُ ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ كُلَّهُ، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ فَكَيْفَ بِالجَهْرِ! ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو يُجِيبُكم عَنْ كُلِّ ما تَقَوَّلْتُمُوهُ فِيَّ وفي كِتابِهِ وإنْ أسْرَرْتُمُوهُ، ويُبَيِّنُ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ في الدّارَيْنِ في كَلامٍ مُعْجِزٍ لَفْظًا ومَعْنًى عَلى وجْهٍ يَتَحَقَّقُ كُلُّ ذِي لُبٍّ أنَّهُ لا يَقُولُهُ إلّا عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ولا يُحِيطُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ سِواهُ، وهَذا ظاهِرٌ جِدًّا مِن إخْبارِهِ بِالماضِي بِما يُصَدِّقُهُ العُلَماءُ مِنَ الماضِينَ، وحُكْمُهُ عَلى الآتِي بِما يَكُونُ ضَرْبَةَ لازِمٍ، وإظْهارُهُ الخَبْءَ وإحْكامُهُ لِجَمِيعِ ما يَقُولُهُ، وقَدْ جَرَتْ عادَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَيْهِ بِإظْهارِ كَذِبِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِأخْذِهِ ثانِيًا، ثُمَّ عَذابِهِ العَذابَ الأكْبَرَ ثالِثًا، فَسَتَنْظُرُونَ مَن يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ، وقَدْ بانَ لِعَمْرِي صِدْقُهُ لِما (p-٣٤٢)وقَعَ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العالِمَ بِكُلِّ شَيْءٍ قادِرٍ عَلى شَيْءٍ كَما مَضى تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ طَهَ، وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ مَن عَلِمَ اسْتِخْفافَ غَيْرِهِ بِهِ وكانَ قادِرًا عَلَيْهِ عاجَلَهُ بِالأخْذِ، أُجِيبَ مَن كَأنَّهُ قالَ: فَما لَهُ لا يُهْلِكُ المُكَذِّبِينَ لَهُ؟ بِقَوْلِهِ مُرَغِّبًا لَهم في التَّوْبَةِ، مُشِيرًا إلى قُدْرَتِهِ بِالسِّتْرِ والإنْعامِ، ومُبَيِّنًا لِفائِدَةِ إنْزالِهِ إلَيْهِمْ هَذا الذِّكْرَ مِنَ الرُّجُوعِ عَمّا تَمادَتْ عَلَيْهِ أزْمانَهم مِنَ الكُفْرِ وأنْواعِ المَعاصِي: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أزَلًا وأبَدًا ﴿غَفُورًا﴾ أيْ بَلِيغَ السِّتْرِ لِما يُرِيدُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ، بِأنْ لا يُعاتِبَهم عَلَيْها ولا يُؤاخِذُهم بِها ﴿رَحِيمًا﴾ بِهِمْ في الإنْعامِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ خَلْقِهِمْ، بِرِزْقِهِمْ وتَرْكِيبِ العُقُولِ فِيهِمْ، ونَصْبِ الأدِلَّةِ لَهُمْ، وإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ فِيهِمْ، وإمْهالِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ، أيْ فَلَيْسَ لِإمْهالِهِمْ ووَعْظِهِمْ بِما نَزَّلَهُ إلَيْهِمْ سَبَبٌ إلّا رَحْمَتُهُ وغُفْرانُهُ وعِلْمُهُ بِأنَّ كِتابَهُ صَلاحٌ لِأحْوالِهِمْ في الدّارَيْنِ.
25:7Page 360
وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧
And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن ذِكْرِ المَنزِلِ والمَنزِلِ، وأخْبَرَ عَنْ طَعْنِهِمْ في المَنزِلِ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِنَ الرِّسالَةِ، وأقامَ تَعالى ذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلى كَذِبِهِمْ، أتْبَعَهُ الإخْبارَ عَنْ طَعْنِهِمْ في الرَّسُولِ الآتِي بِهِ، فَقالَ مُعَجِّبًا عُقُولَهُمُ الَّتِي يُعِدُّونَها أصْفى العُقُولِ أفْكارًا، وأعْلاها (p-٣٤٣)آثارًا، فِيما أبْدَوْهُ مِن ذَلِكَ مِمّا ظَنُّوا أنَّهُ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الرِّسالَةِ، ولا شَيْءَ مِنهُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ شُبْهَةً لِذِي مِسْكَةٍ مِن أمْرِهِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا: ﴿وقالُوا﴾ أيْ مُسْتَفْهِمِينَ تَهَكُّمًا بِوَصْفِهِ، قادِحِينَ فِيهِ بِفِعْلِهِ، قَوْلَ مَن هو عَلى ثِقَةٍ مِن أنَّ وصْفَ الرِّسالَةِ يُنافِيهِ: ﴿مالِ هَذا﴾ والإشارَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ تُفْهِمُ الِاسْتِهانَةَ والتَّصْغِيرَ؛ ثُمَّ أظْهَرُوا السُّخْرِيَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿الرَّسُولِ﴾ أيِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ انْفَرَدَ عَنْ بَقِيَّةِ البَشَرِ في هَذا الزَّمانِ بِهَذا الوَصْفِ العالِي ﴿يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ أيْ مِثْلَ ما نَأْكُلُ ﴿ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ أيِ الَّتِي هي مَطالِبُ الدُّنْيا، كَما نَمْشِي.
ولَمّا كانَتْ تَرْجَمَةُ ما مَضى: ما لَهُ مِثْلُنا وهو يَدَّعِي الِاخْتِصاصَ عَنّا بِالرِّسالَةِ؟ أتْبَعُوهُ التَّعْنِيفَ عَلى عَدَمِ كَوْنِهِ عَلى واحِدٍ مِن وُجُوهٍ مُغايِرَةٍ عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَماذا يَفْعَلُ؟ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا، وهي تَأْتِي لِلتَّوْبِيخِ، وهو مُرادُهم ﴿أُنْـزِلَ﴾ أيْ مِنَ السَّماءِ، مِن أيِّ مُنْزِلٍ كانَ، مُنْتَهِيًا ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي هو عَلَيْها في السَّماءِ ﴿مَلَكٌ﴾ أيْ مِنَ مَلائِكَةِ اللَّهِ عَلى هَيْئاتِهِمُ المُبايِنَةِ لِهَيْئاتِ الآدَمِيِّينَ ﴿فَيَكُونَ﴾ بِالنُّصْبِ جَوابًا لِلتَّحْضِيضِ ذَلِكَ المِلْكُ وإنْ كانَ هو إنْسانًا ﴿مَعَهُ نَذِيرًا﴾ فَيَكُونُ مُمْتازًا بِحالٍ (p-٣٤٤)لَيْسَ لِواحِدٍ مِنّا، لِيَكُونَ أهْيَبَ في النِّذارَةِ، لِما لَهُ مِنَ الهَيْبَةِ والقُوَّةِ، وكَأنَّهم عَبَّرُوا بِالماضِي إعْلامًا بِأنَّ مُرادَهم كَوْنُهُ في الظُّهُورِ لَهم عَلى غَيْرِ الهَيْئَةِ الَّتِي يُخْبِرُكم بِها مِن تَجَدُّدِ نُزُولِ المِلْكِ عَلَيْهِ في كُلٍّ حِينٍ مُسْتَسِرًّا بِحَيْثُ لا يَنْظُرُهُ غَيْرُهُ، أوْ لِأنَّ المُلْكَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى حالَةِ المُصاحَبَةِ لَهُ لِلنِّذارَةِ، وإنَّما لا يَتَحَوَّلُ عَنْها بِصُعُودٍ إلى السَّماءِ ولا غَيْرِهِ، بِخِلافِ الكَنْزِ فَإنَّهُ لِلنَّفَقَةِ، فَإنْ لَمْ يَتَعَهَّدْ كُلَّ وقْتٍ نَفِدَ، وهَذا سِرُّ التَّعْبِيرِ بِ ”إلى“ دُونَ ”عَلى“ الَّتِي هي لِلتَّغَشِّي بِالوَحْيِ، ولِذَلِكَ عَبَّرُوا بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِمْ، مُتَنَزِّلِينَ عَنْ عُلُوِّ تِلْكَ الدَّرَجَةِ:
25:8Page 360
أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨
Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
﴿أوْ يُلْقى﴾ أيْ مِن أيِّ مُلْقٍ كانَ.
ولَمّا كانَ الإلْقاءُ دالًّا عَلى العُلُوِّ، عَدَلُوا عَنْ أداةِ الِاسْتِعْلاءِ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّعْبِيرُ بِها في هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإنْزالِ إلى حَرْفِ النِّهايَةِ فَقالُوا: ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تِلْكَ الحالَةُ ﴿كَنْـزٌ﴾ أيْ يُوجَدُ لَهُ هَذا الأمْرُ ويَتَجَدَّدُ لَهُ إلْقاؤُهُ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ولا مَعْبُوءٍ بِهِ، بِرَفْعِهِ عَنْ مُماثَلَتِنا العامَّةَ مِن كُلِّ وجْهٍ، وأيْضًا التَّعْبِيرُ في هَذا والَّذِي بَعْدَهُ بِالمُضارِعِ أدَلُّ عَلى تَكالُبِهِمْ عَلى الدُّنْيا وأنَّها أكْبَرُ هَمِّهِمْ. ثُمَّ تَنَزَّلُوا (p-٣٤٥)أيْضًا في قَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ﴾ أيْ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِمّا مَضى ﴿جَنَّةٌ﴾ أيْ بُسْتانٌ أوْ حَدِيقَةٌ كَما لِبَعْضِ أكابِرِنا ﴿يَأْكُلُ مِنها﴾ فَتُفَرِّغُهُ عَمّا يَتَعاطاهُ في بَعْضِ الأحايِينِ مِن طَلَبِ المَعاشِ، ويَكُونُ غِناهُ أعَزَّ لَهُ وأجْلِبَ لِلْخَواطِرِ إلَيْهِ، وأحَثَّ لِعُكُوفِ الأتْباعِ عَلَيْهِ، وأنْجَعَ فِيما يُرِيدُهُ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالنُّونِ يَكُونُ المَعْنى: أنّا إذا أمْكَنّا مِنها، كانَ ذَلِكَ أجْلِبَ لَنا إلى اتِّباعِهِ، وما قالُوهُ كُلُّهُ فاسِدٌ إذْ لَمْ يَدَّعِ هو ﷺ ولا أحَدَ مِن أتْباعِهِ أنَّهُ هو ولا أحَدَ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ يُبايِنُ البَشَرَ، ولا أنَّ وصْفًا مِن أوْصافِ البَشَرِ الذّاتِيَّةِ يُنافِي النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ، وأمّا الِاسْتِكْثارُ مِنَ الدُّنْيا فَهو عائِقٌ في الأغْلَبِ عَنِ السَّفَرِ إلى دارِ الكَرامَةِ، ومَوْطِنِ السَّلامَةِ، وحامِلٌ عَلى التَّجَبُّرِ، ولا يَفْرَحُ بِهِ إلّا أدْنِياءُ الهِمَمِ، وخِفَّةِ ذاتِ اليَدِ لا تَقْدَحُ إلّا في ناقِصٍ يَسْألُ النّاسَ تَصْرِيحًا أوْ تَلْوِيحًا إرادَةً لِتَكْمِيلِ نَقْصِهِ بِالحُطامِ الفانِي، وقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ (p-٣٤٦)عَنْ ذَلِكَ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، والأخْلاقِ العَوالِ.
ولَمّا كانُوا بِهَذا واضِعِينَ الكَلامَ في غَيْرِ مَواضِعِهِ، بَعِيدِينَ عَنْ وجْهِ الصَّوابِ، قالَ مُعَجِّبًا مِن أمْرِهِمْ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ﴾ فَأظْهَرَ الوَصْفَ المُوجِبَ لَهم ذَلِكَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿تَتَّبِعُونَ﴾ إنِ اتَّبَعْتُمْ ﴿إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أيْ يَتَكَلَّمُ بِما لا يُجْدِيهِ، فَحالُهُ لِذَلِكَ حالُ مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ بِالسِّحْرِ، أوْ ساحِرًا صارَ السِّحْرُ لَهُ طَبْعًا، فَهو يُفَرِّقُ بِما جاءَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ ووَلَدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وعَبَّرُوا بِصِيغَةِ المَفْعُولِ إشارَةً إلى هَذا، وهو أنَّهُ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ مِنهُ مِن ذَلِكَ - صارَ كَأنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ عَلى غَيْرِ اخْتِيارِهِ.
25:9Page 360
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ مِن أقْوالِهِمُ النّاشِئَةِ عَنْ ضَلالِهِمْ، التَفَتَ سُبْحانَهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ مُسَلِّيًا لَهُ فَقالَ: ﴿انْظُرْ﴾ ثُمَّ أشارَ إلى التَّعَجُّبِ مِنهم بِأنَّ ما قالُوهُ يَسْتَحِقُّ الِاسْتِفْهامَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا﴾ وقَدَّمَ ما بِهِ العِنايَةَ فَقالَ: ﴿لَكَ الأمْثالَ﴾ فَجَعَلُوكَ تارَةً مِثْلَهم في الِاحْتِياجِ إلى الغِذاءِ، وتارَةً نَظِيرَهم في التَّوَسُّلِ إلى التَّوَصُّلِ إلى الأرْباحِ والفَوائِدِ، بِلَطِيفِ الحِيلَةِ وغَرِيزِ العَقْلِ، وتارَةً (p-٣٤٧)مَغْلُوبَ العَقْلِ مُخْتَلِطَ المِزاجِ تَأْتِي بِما لا يَرْضى بِهِ عاقِلٌ، وتارَةً ساحِرًا تَأْتِي بِما يَعْجِزُ عَنْهُ قُواهُمْ، وتُحَيَّرُ فِيهِ أفْكارُهم ﴿فَضَلُّوا﴾ أيْ عَنْ جَمِيعِ طُرُقِ العَدْلِ، وسائِرِ أنْحاءِ البَيانِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدُوا قَوْلًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ وأبْعَدُوا جِدًّا ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ في الحالِ ولا في المَآلِ، بِسَبَبِ هَذا الضَّلالِ ﴿سَبِيلا﴾ أيْ سُلُوكِ سَبِيلٍ مَنِ السُّبُلِ المُوَصِّلَةِ إلى ما يَسْتَحِقُّ أنْ يُقْصَدَ، بَلْ هم في مَجاهِلَ مُوحِشَةٍ، وفَيافِيَ مُهْلِكَةٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences