Al-Biqa'iAs‑Sajdah · 32:1–4

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

السجدة

As-Sajdah

The Prostration · Meccan · 30 ayahs

32:1Page 415

الٓمٓ ١

Alif, Lām, Meem.1

(p-٢٢٢)سُورَةُ آلَمَ السَّجْدَةِ

مَقْصُودُها إنْذارُ الكُفّارِ بِهَذا الكِتابِ السّارِّ لِلْأبْرارِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ، واسْمُها السَّجْدَةُ مُنْطَبِقٌ عَلى ذَلِكَ بِما دَعَتْ إلَيْهِ [آيَتُها] مِنَ الإخْباتِ وتَرْكِ الِاسْتِكْبارِ، و[كَذا] تَسْمِيَتُها بِآلَمْ تَنْزِيلُ فَإنَّهُ مُشِيرٌ إلى تَأمُّلِ جَمِيعِ السُّورَةِ، فَهو في غايَةِ الوُضُوحِ في هَذا المَقْصُودِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ العَزِيزِ الغَفّارِ ”الرَّحْمَنِ“ بِعُمُومِ الشّارَةِ والنِّذارَةِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي أسْكَنَ في قُلُوبِ أحْبابِهِ الشَّوْقَ إلَيْهِ والخُشُوعَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿الم﴾ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ وغَيْرِها شَيْءٌ مِن أسْرارِ هَذِهِ الأحْرُفِ، ومِمّا لَمْ يَسْبِقْ أنَّها إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ المُحِيطَ في عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وكُلِّ شَأْنِهِ أرْسَلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مُحَمَّدٍ الفاتِحِ الخاتَمِ ﷺ بِكِتابٍ مُعْجِزٍ دالٍّ بِإعْجازِهِ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ، ووَحْدانِيَّةِ مَن أرْسَلَهُ، وعَدْلِهِ في العاصِينَ، وفَضْلِهِ عَلى المُطِيعِينَ، وسَرَدَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأحْرُفَ في أوائِلِ أرْبَعٍ مِن هَذِهِ السُّوَرِ، فَزادَتْ عَلى الطَّواسِينَ بِواحِدَةٍ، وذَلِكَ بِقَدْرِ العَدَدِ الَّذِي يُؤَكَّدُ بِهِ، وزِيادَةُ مَبْدَأِ العَدَدِ إشارَةً إلى أنَّ التَّكْرِيرَ لَمْ يُرَدْ بِهِ مُطْلَقُ التَّأْكِيدِ، بَلْ دَوامُ التَّكْرِيرِ، (p-٢٢٣)إشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ يَفِي غايَةَ الثَّباتِ لا انْقِطاعَ لَها. واللَّهُ الهادِي.

32:2Page 415

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢

[This is] the revelation of the Book about which there is no doubt from the Lord of the worlds.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ في الَّتِي قَبْلَها إثْباتَ الحِكْمَةِ لِمُنْزِلِ هَذا الكِتابِ الَّذِي هو بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ المَلْزُومِ لِتَمامِ العِلْمِ وكَمالِ الخِبْرَةِ الَّذِي خُتِمَتْ بِهِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُخْتَصٌّ بِعِلْمِ المَفاتِيحِ بَعْدَ أنْ أنْذَرَ بِأمْرِ السّاعَةِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ وما قَبْلَهُ أنَّهُ ما أثْبَتَ شَيْئًا فَقَدَرَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ عَلى نَفْيِهِ، ولا نَفى شَيْئًا فَقَدَرَ غَيْرُهُ عَلى إثْباتِهِ ولا إثْباتِ شَيْءٍ مِنهُ، كانَتْ نَتِيجَةَ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ دَقِيقِها وجَلِيلِها إلّا يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأجَلُّ ذَلِكَ إنْزالًا هَذا الذِّكْرُ الحَكِيمُ الَّذِي فِيهِ إثْباتُ هَذِهِ العُلُومِ مَعَ شَهادَةِ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَتِهِ لَهُ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ﴾ أيِ الجامِعِ لِكُلِّ هُدًى عَلى ما تَرَوْنَ مِنَ التَّدْرِيجِ مِنَ السَّماءِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ يَفِي كَوْنُهُ مِنَ السَّماءِ لِأنَّ نافِيَ الرَّيْبِ ومُمِيطَهُ وهو الإعْجازُ مَعَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَكُلُّ ما يَقُولُونَهُ مِمّا يُخالِفُ ذَلِكَ تَعَنُّتٌ أوْ جَهْلٌ مِن غَيْرِ رَيْبٍ، حالَ كَوْنِهِ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيِ الخالِقِ لَهُمُ المُدَبِّرُ لِمَصالِحِهِمْ، فَلا يَجُوزُ في عَقْلٍ ولا يَخْطُرُ في بالٍ ولا يَقَعُ في وهْمٍ ولا يُتَصَوَّرُ في خَيالٍ [أنَّهُ يَتْرُكُ خَلْقَهُ وهو المُدَبِّرُ الحَكِيمُ (p-٢٢٤)مِن غَيْرِ كِتابٍ يَكُونُ سَبَبَ إبْقائِهِمْ أوْ] أنْ يَصِلَ شَيْءٌ مِن كِتابِهِ إلى هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ بِغَيْرِ أمْرِهِ، فَلا يُتَخَيَّلُ أنَّ شَيْئًا مِنهُ لَيْسَ بِقَوْلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يَتَخَيَّلُ أنَّهُ كَلامُهُ تَعالى ولَكِنَّهُ أخَذَهُ مِن بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّ هَذا لا يُفْعَلُ مَعَ مَلَكٍ فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ، فَكَيْفَ بِمَن هو عالِمٌ بِالسِّرِّ والجَهْرِ، مُحِيطٍ عِلْمُهُ بِالخَفِيِّ والجَلِيِّ، فَلَوِ ادَّعى عَلَيْهِ أحَدٌ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ لَما أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ.

ولَمّا أقَرَّهُ عَلى ذَلِكَ المُدَدِ المُتَطاوِلاتِ، ولا سِيَّما إعْجازُ كُلِّ ما يَنْسِبُهُ إلَيْهِ بِالمُعْجِزاتِ، ويَدَّعِيهِ عَلَيْهِ، وهَذا غايَةُ ما في آلِ عِمْرانَ كَما كانَ أوَّلُ لُقْمانَ غايَةَ أوَّلِ القُرْآنِ المُطْلِقِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا انْطَوَتْ سُورَةُ الرُّومِ عَلى ما قَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ بِعَجائِبِ ما أوْدَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في عالَمِ السَّماواتِ والأرْضِ، وعَلى ذِكْرِ الفِطْرَةِ، ثُمَّ أُتْبِعَتْ بِسُورَةِ لُقْمانَ تَعْرِيفًا بِأنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الشَّواهِدِ مِن آياتِ الكِتابِ وشَواهِدِهِ ودَلائِلِهِ، وأنَّهُ قَدْ هَدى مَن شاءَ إلى سَبِيلِ الفِطْرَةِ وإنْ لَمْ يَمْتَحِنْهُ بِما امْتَحَنَ بِهِ كَثِيرًا مِمَّنْ ذَكَرَ، فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ ودُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ، وتَكَرَّرَتْ عَلَيْهِ الإنْذاراتُ فَلَمْ يُصْغِ [لَها،] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الهُدى والضَّلالِ واقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ وسابِقِ إرادَتِهِ، وأتْبَعَ سُبْحانَهُ (p-٢٢٥)ذَلِكَ بِما يُنَبِّهُ المُعْتَبِرَ عَلى صِحَّتِهِ فَقالَ: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [لقمان: ٢٢] فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ الخَلاصَ والسَّعادَةَ في الِاسْتِسْلامِ لَهُ ولِما يَقَعُ مِن أحْكامِهِ، وعَزّى نَبِيَّهُ ﷺ وصَبَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى لَجَأ الكُلِّ قَهْرًا ورُجُوعًا يُحاكِمُ اضْطِرارَهم لِوُضُوحِ الأمْرِ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ثَمَّ وعَظَ تَعالى الكُلَّ بِقَوْلِهِ ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أيْ إنَّ ذَلِكَ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا يَصْعُبُ، والقَلِيلُ والكَثِيرُ سَواءٌ، ثُمَّ نَبَّهَ بِما يُبَيِّنُ ذَلِكَ مِن إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ والنَّهارِ في اللَّيْلِ وجَرَيانِ الفُلْكِ بِنِعْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ [لقمان: ٣٠] ثُمَّ أكَّدَ ما تَقَدَّمَ مِن رُجُوعِهِمْ في الشَّدائِدِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] فَإذا خَلَّصَهم سُبْحانَهُ وتَعالى ونَجّاهم عادُوا إلى سَيِّئِ أحْوالِهِمْ، هَذا وقَدْ عايَنُوا رِفْقَهُ بِهِمْ وأخْذَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ بِأيْدِيهِمْ وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومُسَخِّرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ شاهِدٌ مِن حالِهِمْ بِجَرَيانِهِمْ عَلى [ما] قَدَّرَ لَهم ووُقُوفَهم عِنْدَ حُدُودِ السَّوابِقِ ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [لقمان: ٢٢] ثُمَّ عَطَفَ سُبْحانَهُ عَلى الجَمِيعِ فَدَعاهم إلى تَقْواهُ، وحَذَّرَهم يَوْمَ المَعادِ وشِدَّتَهُ، وحَذَّرَهم مِنَ الِاغْتِرارِ، وأعْلَمَهم أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِعِلْمِ السّاعَةِ، (p-٢٢٦)وإنْزالِ الغَيْثِ، وعِلْمِ ما في الأرْحامِ، وما يَقَعُ مِنَ المُكْتَسِباتِ، وحَيْثُ يَمُوتُ كُلٌّ مِنَ المَخَلُوقاتِ، فَلَمّا كانَتْ سُورَةُ لُقْمانَ - بِما بَيَّنَ مَن مُضَمَّنِها - مُحْتَوِيَةً مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ عَلى ما ذَكَرَ، ومُعْلِمَةً بِانْفِرادِهِ سُبْحانَهُ بِخَلْقِ الكُلِّ ومِلْكِهِمْ، اتَّبَعَها تَعالى بِما يَحْكُمُ بِتَسْجِيلِ صِحَّةِ الكِتابِ، وأنَّهُ مِن عِنْدِهِ وأنَّ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ والبَراهِينِ يَرْفَعُ كُلَّ رَيْبٍ، ويُزِيلُ كُلَّ شَكٍّ، فَقالَ ﴿الم﴾ [لقمان: ١] ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [السجدة: ٣] أيْ أيَقَعُ مِنهم هَذا بَعْدَ وُضُوحِهِ وجَلاءِ شَواهِدِهِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: [ ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] وهو تَمامٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٢] ولِقَوْلِهِ:] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ولِقَوْلِهِ: ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] ولِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [لقمان: ٣٣] ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤] بِما ذَكَّرْتُمْ، ألا تَرَوْنَ أمْرَ لُقْمانَ وهِدايَتَهُ بِمُجَرَّدِ دَلِيلِ فِطْرَتِهِ، فَما لَكَمَ بَعْدَ التَّذْكِيرِ وتَقْرِيعِ الزَّواجِرِ وتَرادُفِ الدَّلائِلِ وتَعاقُبِ الآياتِ تَتَوَقَّفُونَ عَنِ السُّلُوكِ إلى رَبِّكم وقَدْ أقْرَرْتُمْ بِأنَّهُ خالِقُكُمْ، ولَجَأْتُمْ إلَيْهِ عِنْدَ احْتِياجِكُمْ؟ ثُمَّ أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ بِرُجُوعِ مَن عانَدَ وإجابَتِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ رُجُوعٌ، ولا تُغْنِي عَنْهُ إجابَةٌ، فَقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] (p-٢٢٧)ثُمَّ أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ الواقِعَ مِنهُمُ إنَّما هو بِإرادَتِهِ وسابِقٍ مِن حِكْمَةٍ لِيَأْخُذَ المُوَفَّقُ المُوقِنُ نَفْسَهُ بِالتَّسْلِيمِ فَقالَ: ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] كَما فَعَلْنا بِلُقْمانَ ومَن أرَدْنا تَوْفِيقَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ انْقِسامَهم بِحَسَبِ السَّوابِقِ فَقالَ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] ثُمَّ ذَكَرَ مَصِيرَ الفَرِيقَيْنِ ومَآلَ الحِزْبَيْنِ، ثُمَّ أتْبَعَ [ذَلِكَ] بِسُوءِ حالِ مِن ذُكِّرَ فَأعْرَضَ فَقالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢] وتَعَلَّقَ الكَلامُ إلى آخَرِ السُّورَةِ. انْتَهى.

32:3Page 415

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣

Or do they say, "He invented it"? Rather, it is the truth from your Lord, [O Muḥammad], that you may warn a people to whom no warner has come before you [so] perhaps they will be guided.

ولَمّا كانَ [هَذا] الَّذِي قَدَّمَهُ أوَّلَ السُّورَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ بُرْهانًا ساطِعًا ودَلِيلًا قاطِعًا عَلى أنَّ [هَذا] الكِتابَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، كانَ - كَما حَكاهُ البَغْوِيُّ والرّازِي في اللَّوامِعِ - كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ آمَنُوا بِهِ؟ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ مَعَ ذَلِكَ الَّذِي لا يَمْتَرِئُ فِيهِ عاقِلٌ ﴿افْتَراهُ﴾ أيْ تَعَمَّدَ كَذِبَهُ.

ولَمّا كانَ الجَوابُ: إنَّهم لَيَقُولُونَ: افْتَراهُ، وكانَ جَوابُهُ: لَيْسَ هو مُفْتَرًى لِما هو مُقارِنٌ لَهُ مِنَ الإعْجازِ، تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ﴾ أيِ الثّابِتُ ثَباتًا لا يُضاهِيهِ ثَباتُ شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَهُ، كائِنًا ﴿مِن رَبِّكَ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ وإحْكامِهِ، وخَصَّهُ بِالخِطابِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ (p-٢٢٨)حَقِيقَتَهُ حَقَّ الفَهْمِ سِواهُ.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ إحْسانَهُ إلَيْهِ ﷺ صَرِيحًا، أشارَ بِتَعْلِيلِهِ إلى إحْسانِهِ [بِهِ] أيْضًا إلى كافَّةِ العَرَبِ، فَقالَ مُفْرِدًا النِّذارَةَ لِأنَّ المَقامَ لَهُ بِمُقْتَضى خَتْمِ لُقْمانَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ أيْ ذَوِي قُوَّةٍ وجَلَدٍ ومَنَعَةٍ وصَلاحِيَةٍ لِلْقِيامِ بِما أمَرَهم بِهِ ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ رَسُولٍ في هَذِهِ الأزْمانِ القَرِيبَةِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ المُرادَ الفَتْرَةُ، ويُؤَيِّدُهُ إثْباتُ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ [أيْ بِالفِعْلِ] شاهَدُوهُ أوْ شاهَدَهُ آباؤُهم. وإمّا بِالمَعْنى والقُوَّةِ فَقَدْ كانَ فِيهِمْ دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ غَيَّرَهُ عَمْرُو بْنُ لِحَيٍّ، وكُلُّهم كانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ وأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا ولا اسْتَقْسَمَ بِالأزْلامِ، وذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] أيْ شَرِيعَتِهِ ودِينِهِ، والنَّذِيرُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِمَن باشَرَ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ما أتاهم مَن يُنْذِرُهم عَلى خُصُوصِ ما غَيَّرُوا مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا إسْماعِيلُ ابْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ بَشِيرًا لا نَذِيرًا، لِأنَّهم ما خالَفُوهُ، وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ ما نَقَلَهُ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ومُقاتِلٍ أنَّ ذَلِكَ (p-٢٢٩)فِي الفَتْرَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ قَدْ نَقَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرْسَلَ رُسُلَهُ إلى الآفاقِ أرْسَلَ إلى العَرَبِ رَسُولًا.

ولَمّا ذَكَرَ عِلَّةَ الإنْزالِ، أتْبَعَها عِلَّةَ الإنْذارِ فَقالَ: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم في مَجارِي العاداتِ حالَ مَن تُرْجى هِدايَتُهُ إلى كَمالِ الشَّرِيعَةِ، وأمّا التَّوْحِيدُ فَلا عُذْرَ لِأحَدٍ فِيهِ بِما أقامَهُ اللَّهُ مِن حُجَّةِ العَقْلِ مَعَ ما أبْقَتْهُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ آدَمُ فَمَن بَعْدَهُ مِن واضِحِ النَّقْلِ بِآثارِ دَعَواتِهِمْ وبَقايا دَلالاتِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَن سَألَهُ عَنْ أبِيهِ: «أبِي وأبُوكَ في النّارِ» وقالَ: «لا تَفْتَخِرُوا بِآبائِكُمُ الَّذِينَ مَضَوْا في الجاهِلِيَّةِ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَما تَدَحْرَجَ الجُعْلُ خَيْرٌ مِنهُمْ» في غَيْرِ هَذا مِنَ الأخْبارِ القاضِيَةِ بِأنَّ كُلَّ مَن ماتَ قَبْلَ دَعْوَتِهِ عَلى الشِّرْكِ فَهو لِلنّارِ.

32:4Page 415

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤

It is Allāh who created the heavens and the earth and whatever is between them in six days; then He established Himself above the Throne.1 You have not besides Him any protector or any intercessor; so will you not be reminded?

ولَمّا تَقَرَّرَ بِما سَبَقَ في الَّتِي قَبْلَها مِنِ اتِّصافِهِ تَعالى بِكَمالِ العِلْمِ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ وبِعِلْمِهِ لا مَحالَةَ، وكانَ هَذا أمْرًا يَهْتَمُّ بِشَأْنِهِ ويَعْتَنِي بِأمْرِهِ، لِأنَّهُ عُيِّنَ المَقْصُودُ [الَّذِي] يَنْبَنِي عَلَيْهِ أمْرُ الدِّينِ، وخَتَمَ ما ذَكَرَهُ مِن أمْرِهِ هَهُنا بِإقامَةِ اهْتِدائِهِمْ مَقامَ التَّرَجِّي بِإنْذارِهِ ﷺ، (p-٢٣٠)أتْبَعَهُ بَيانَ ذَلِكَ بِإيجادِ عالَمِ الأشْباحِ والخَلْقِ ثُمَّ عالَمِ الأرْواحِ والأمْرِ، وإحاطَةِ العِلْمِ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلى وجْهٍ يَقُودُ تَأمُّلَهُ إلى الهُدى، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا شارِحًا لِأمْرٍ يَنْدَرِجُ فِيهِ إنْزالُهُ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِاقْتِضاءِ الإيجادِ والتَّدْبِيرِ عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ لَهُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الحاوِي لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ كُلَّها ﴿والأرْضَ﴾ بِأسْرِها ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَنافِعِ العَيْنِيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الدّارُ مَبْنِيَّةً عَلى حِكْمَةِ الأسْبابِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في لُقْمانَ، وكانَ الشَّيْءُ إذا عَمِلَ بِالتَّدَرُّجِ كانَ [أتْقَنَ]، قالَ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ كَما يَأْتِي تَفْصِيلَهُ في فُصِّلَتْ، وقَدْ كانَ قادِرًا عَلى فِعْلِ ذَلِكَ في أقَلَّ مِن لَمْحِ البَصَرِ، [ويَأْتِي في فُصِّلَتْ سِرُّ كَوْنِ المُدَّةِ سِتَّةً.]

ولَمّا كانَ تَدْبِيرُ هَذِهِ وحِفْظُهُ وتَعَهُّدُ مَصالِحِهِ والقِيامُ بِأمْرِهِ أمْرًا - بَعْدَ أمْرِ إيجادِهِ - باهِرًا، أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِأداةِ التَّراخِي [والتَّعْبِيرُ بِالِافْتِعالِ] فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ أيْ [اسْتِواءً لَمْ يَعْهَدُوا مِثْلَهُ وهو أنَّهُ] أخَذَ في [تَدْبِيرِهِ و] تَدْبِيرِ [ما حَواهُ] بِنَفْسِهِ، لا شَرِيكَ لَهُ ولا نائِبَ عَنْهُ ولا وزِيرَ، كَما تَعْهَدُونَ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا إذا اتَّسَعَتْ مَمالِكُهُمْ، وتَباعَدَتْ أطْرافُها، وتَناءَتْ أقْطارُها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى اسْتِئْنافًا جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: العَرْشُ بَعِيدٌ عَنّا جِدًّا فَمَنِ اسْتَنابَهُ في أمْرِنا، ولِذَلِكَ [لَفَتَ] الكَلامَ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أقْعَدُ (p-٢٣١)فِي التَّنْبِيهِ: ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ﴾ لِأنَّهُ كُلُّ ما سِواهُ مِن دُونِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ، ودَلَّ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ يَلِي أُمُورَكم ويَقُومُ بِمَصالِحِكم ويَنْصُرُكم إذا حَلَّ بِكم شَيْءٌ مِمّا تُنْذِرُونَ بِهِ ﴿ولا شَفِيعٍ﴾ يَشْفَعُ عِنْدَهُ في تَدْبِيرِكم أوْ في أحَدٍ مِنكم بِغَيْرِ إذْنِهِ، [وهُوَ كِنايَةٌ عَنْ قُرْبِهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ وإحاطَتِهِ بِهِ، وأنَّ إحاطَتَهُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا مَسافَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ أصْلًا.]

ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ الخَلْقَ خَلْقُهُ والأمْرَ أمْرُهُ، عارِفِينَ بِأنَّهُ لا يَلِي والٍ مِن قِبَلِ مَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ إلّا بِحُجَّةٍ مِنهُ يُقِيمُها عَلى [أهْلِ] البَلْدَةِ الَّتِي أرْسَلَ إلَيْها أوْ نابَ فِيها، ولا يَشْفَعُ شَفِيعٌ فِيهِمْ إلّا ولَهُ إلَيْهِ وسِيلَةٌ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَذَكُّرًا عَظِيمًا بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ ما تَعْلَمُونَهُ مِن أنَّهُ الخالِقُ وحْدَهُ، ومِن أنَّهُ لا حُجَّةَ لِشَيْءٍ مِمّا أشْرَكْتُمُوهُ بِشَيْءٍ مِمّا أهَّلْتُمُوهُ لَهُ ولا وسِيلَةَ لِشَيْءٍ [مِنهم إلَيْهِ يُؤَهِّلُ بِها في الشَّفاعَةِ فِيكم ولا أخْبَرَكم أحَدٌ مِنهم بِشَيْءٍ] مِن ذَلِكَ، فَكَيْفَ تُخالِفُونَ في هَذِهِ الأُمُورِ - الَّتِي هي أهَمُّ المُهِمِّ، لِأنَّ عاقِبَتَها خَسارَةُ الإنْسانِ نَفْسِهِ، فَضْلًا عَمّا دُونَها - عُقُولَكم وما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُكُمْ، وتَتَعَلَّلُونَ فِيها المُحالَ، وتَقْنَعُونَ بِقِيلَ وقالَ، (p-٢٣٢)وتُخاطِرُونَ فِيهِ بِالأنْفُسِ والأوْلادِ والأمْوالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском