Al-Biqa'iAl‑Mutaffifin · 83:1–17

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

المطففين

Al-Mutaffifin

The Defrauding · Meccan · 36 ayahs

83:1Page 587

وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ ١

Woe to those who give less [than due],1

(p-٣١٠)سُورَةُ التَّطْفِيفِ

مَقْصُودُها شَرْحُ آخَرِ الِانْفِطارِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن دَيْنُونَةِ العِبادِ يَوْمَ التَّنادِ بِإسْكانِ الأوْلِياءِ أهْلِ الرَّشادِ دارَ النَّعِيمِ، والأشْقِياءِ أهْلِ الضَّلالِ والعِنادِ دارَ الجَحِيمِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ مُرَبِّيهِمْ والمُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِعُمُومِ النِّعْمَةِ، ولا يَتَخَيَّلُ عاقِلٌ أنَّ أحَدًا يُرَبِّي أحَدًا مِن غَيْرِ سُؤالٍ عَمّا حَمَلَهُ إيّاهُ وكَلَّفَهُ بِهِ ولا أنَّهُ لا يُنْصِفُ بَعْضَ مَن يُرَبِّيهِمْ مِن بَعْضٍ، واسْمُها التَّطْفِيفُ أدَلُّ ما فِيها عَلى ذَلِكَ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ والقُدْرَةُ الكامِلَةُ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ والبَيانِ الشّامِلَةِ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي أكْرَمَ حِزْبَهُ بِالتَّوْفِيقِ لِحُسْنِ المُعامَلَةِ.

* *

لَمّا خَتَمَ الِانْفِطارَ بِانْقِطاعِ الأسْبابِ وانْحِسامِ الأنْسابِ [ يَوْمَ الحِسابِ- ]، وأبْلَغَ في التَّهْدِيدِ بِيَوْمِ الدِّينِ وأنَّهُ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، (p-٣١١)وذَكَرَ الأشْقِياءَ والسُّعَداءَ، وكانَ أعْظَمَ ما يَدُورُ بَيْنَ العِبادِ المَقادِيرُ، وكانَتِ المَعْصِيَةُ بِالبَخْسِ فِيها مِن أخَسِّ المَعاصِي وأدْناها، حَذَّرَ مِنَ الخِيانَةِ فِيها وذَكَّرَ ما أعَدَّ لِأهْلِها وجَمَعَ إلَيْهِمْ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفِهِمْ فَحِلْمُهُ وصَفَهُ عَلى نَوْعٍ مِنَ المَعاصِي، كُلُّ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْأشْقِياءِ الغافِلِينَ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ السُّمُومِ المُمْرِضَةِ المُهْلِكَةِ، ونَبَّهَ عَلى الشِّفاءِ لِمَن أرادَهُ [فَقالَ- ]: ﴿ويْلٌ﴾ أيْ هَلاكٌ ثابِتٌ عَظِيمٌ في كُلِّ حالٍ مِن أحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَنْقُصُونَ المِكْيالَ والمِيزانَ ويَبْخَسُونَ حُقُوقَ النّاسِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أصْلَ الآفاتِ الخُلُقُ السَّيِّئُ وهو حُبٌّ الدُّنْيا المُوقِعُ في جَمْعِ الأمْوالِ مِن غَيْرِ وجْهِها ولَوْ بِأخَسِّ الوُجُوهِ: التَّطْفِيفُ الَّذِي لا يَرْضاهُ ذُو مُرُوءَةٍ وهم مَن يُقارِبُونَ مِلْءَ الكَيْلِ وعَدْلَ الوَزْنِ ولا يَمْلُئُونَ ولا يَعْدِلُونَ، وكَأنَّهُ مِنَ الإزالَةِ أيْ أزالَ ما أشْرَفَ مِن أعْلى الكَيْلِ، مَنِ ألْطَفٍ، وهو ما أشْرَفَ مِن أرْضِ العَرَبِ عَلى رِيفِ العِراقِ، ومِنهُ ما في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كُنْتُ فارِسًا فَسَبَقْتُ النّاسَ حَتّى طَفَتْ لِيَ الفَرَسُ مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ - يَعْنِي أنَّ الفَرَسَ وثَبَ حَتّى كادَ يُساوِي المَسْجِدَ، ويُقالُ: طَفَّ الرَّجُلُ الحائِطَ - (p-٣١٢)إذا عَلاهُ، أوْ مِنَ القُرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: أخَذْتُ مِن مَتاعِي ما خَفَّ وطَفَّ، أيْ قَرُبَ مِنِّي، وكُلُّ شَيْءٍ أدْنَيْتُهُ مِن شَيْءٍ فَقَدْ أطَفَفْتُهُ، والطَّفافُ مِنَ الإناءِ وغَيْرِهِ: ما قارَبَ أنْ يَمْلَأهُ، ولا يُتِمَّ مَلْأهُ، وفي الحَدِيثِ: «كُلُّكم بَنُو آدَمَ طَفُّ الصّاعِ»، أوْ مِنَ الطَّفَفِ وهو التَّقْتِيرُ، يُقالُ: طَفَّفَ عَلَيْهِ تَطْفِيفًا - إذا قَتَرَ عَلَيْهِ، أوْ مِنَ الطَّفِيفِ وهو مِنَ الأشْياءِ الخَسِيسِ الدُّونِ والقَلِيلِ، فَكَأنَّ التَّضْعِيفَ لِلْإزالَةِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ كَما مَضى، ولِلْمُقارَبَةِ الكَثِيرَةِ عَلى المَعْنى الثّانِي أيْ أنَّهُ يُقارُّ مَلْءَ المِكْيالِ مُقارَبَةً كَبِيرَةً مَكْرًا وخِداعًا حَتّى يَظُنَّ صاحِبُ الحَقِّ [أنَّهُ - ] وفّى ولا يُوَفِّي، يُقالُ: أطَفَّ فُلانٌ لِفُلانٍ - إذا أرادَ خَتْلَهُ، وإذا نَهى عَنْ هَذا فَقَدَ نَهى عَمّا نَقَصَ أكْثَرَ بِمَفْهُومِ المُوافَقَةِ، وعَلى المَعْنى الثّالِثِ بِمَعْنى التَّقْتِيرِ والمُشاحَحَةِ في الكَيْلِ، وعَلى المَعْنى الرّابِعِ بِمَعْنى التَّنْقِيصِ والتَّقْلِيلِ فِيهِ، وكَأنَّهُ اخْتِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَسْرِقُ في المِيزانِ والمِكْيالِ [ إلّا الشَّيْءُ - ] اليَسِيرُ جِدًّا، هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ وقَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ:

83:2Page 587

ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ ٢

Who, when they take a measure from people, take in full.

﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا﴾ أيْ عالَجُوا الكَيْلَ أوِ الوَزْنَ فاتَّزَنُوا - بِما دَلَّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي، وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ لِيَكُونَ المَعْنى: مُسْتَعْلِينَ أوْ مُتَحامِلِينَ ﴿عَلى النّاسِ﴾ أيْ خاصَّةً بِمُشاهَدَتِهِمْ كائِنِينَ مَن كانُوا [لا - ] يَخافُونَ شَيْئًا ولا يُراعُونَ أحَدًا، بَلْ صارَتِ الخِيانَةُ والوَقاحَةُ (p-٣١٣)لَهم دَيْدَنًا، وهَذا الفِعْلُ يَتَعَدّى بِمِن وعَلى، يُقالُ: اكْتالَ مِنَ الرَّجُلِ وعَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِيارُ التَّعْبِيرِ بِعَلى هُنا مَعَ ما تَقَدَّمَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم إذا كانَ لَهم نَوْعُ عُلُوٍّ بِأنْ كانَ المُكْتالُ مِنهُ ضَعِيفًا خانُوهُ فَيَكُونُ أمْرُهم دائِرًا عَلى الرَّذالَةِ وسُفُولِ الهِمَّةِ الَّتِي لا أسْفَلَ مِنها ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ لِأنْفُسِهِمُ الوَفاءَ وهو تَمامُ الكَيْلِ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ والمُبالَغَةِ في المَلْءِ، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ ”اكْتالُوا“ ولَمْ يَذْكُرِ ”اتَّزِنُوا“ لِأنَّهُ لا يَتَأتّى [فِي - ] الوَزْنِ مِنَ المُعالَجَةِ ما يَتَأتّى في الكَيْلِ، ولِأنَّهم يَتَمَكَّنُونَ في الِاكْتِيالِ مِنَ المُبالَغَةِ في اسْتِيفاءِ المُؤَدِّي إلى الزِّيادَةِ ما لا يَتَمَكَّنُونَ مِن مِثْلِهِ في الِاتِّزانِ، وهَذا بِخِلافِ الإخْسارِ فَإنَّ التَّمَكُّنَ بِسَبَبِهِ حاصِلٌ في المَوْضِعَيْنِ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُما فِيهِ.

83:3Page 587

وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ ٣

But if they give by measure or by weight to them, they cause loss.

ولَمّا أفْهَمَ تَقْدِيمَ الجارِّ الِاخْتِصاصُ فَأفْهَمَ أنَّهم إذا فَعَلُوا مِن أنْفُسِهِمْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ أيْ كالُوا النّاسَ أيْ حَقَّهم أيْ ما لَهم [ مِنَ الحَقِّ - ] ﴿أوْ وزَنُوهُمْ﴾ أيْ وزَنُوا ما عَلَيْهِمْ لَهُ مِنَ الحَقِّ، يُقالُ: اكْتالَ مِنَ الرَّجُلِ وعَلَيْهِ وكالَ لَهُ الطَّعامَ [ وكالَهُ الطَّعامُ- ]، ووَزَنْتُ الرَّجُلَ الشَّيْءَ ووَزَنْتُ لَهُ الشَّيْءَ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ اخْتارَ ”عَلى“ في الأوَّلِ والمُعَدّى إلى اثْنَيْنِ في الثّانِي لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى (p-٣١٤)حُضُورِ صاحِبِ الحَقِّ، فَهو في غَيْبَتِهِ أوْلى، فَهو أدَلُّ عَلى المَرُونِ عَلى الوَقاحَةِ، فَهُما كَلِمَتانِ لا أرْبَعُ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الواوِ ألِفُ جَمْعٍ، قالَ البَغَوِيُّ: وكانَ عِيسى بْنُ عُمَرَ يَجْعَلُهُما حَرْفَيْنِ يَقِفُ عَلى كالُوا ووَزَنُوا ويَبْتَدِئُ هُمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والِاخْتِيارُ الأوْلى، قالَ البَغَوِيُّ: يَعْنِي أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ كَلِمَةٌ لِأنَّهم كَتَبُوهُما بِغَيْرِ ألْفٍ بِاتِّفاقِ المَصاحِفِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا لِلْمُطَفِّفِينَ لِأنَّ الكَلامَ يَخْرُجُ بِهِ إلى نَظْمٍ فاسِدٍ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنى: إذا أخَذُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفُوا وإذا أعْطُوهم أُخْسِرُوا، وإنْ جَعَلْتَ الضَّمِيرَ لِلْمُطَفِّفِينَ انْقَلَبَ إلى قَوْلِكَ: [إذا - ] أخَذُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفُوا، وإذا تَوَلَّوُا الكَيْلَ أوِ الوَزْنَ هم عَلى الخُصُوصِ أُخْسِرُوا، وهو كَلامٌ مُتَنافِرٌ لِأنَّ الحَدِيثَ واقِعٌ في الفِعْلِ لا في المُباشِرِ، والتَّعَلُّقُ في إبْطالِهِ بِخَطِّ المُصْحَفِ وأنَّ الألِفَ الَّتِي تُكْتَبُ بَعْدَ واوِ الجَمْعِ غَيْرُ ثابِتَةٍ فِيهِ رَكِيكٌ لِأنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لَمْ يُراعَ في كَثِيرٍ مِنهُ حَدُّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في عِلْمِ الخَطِّ - انْتَهى. ولا شَكَّ أنَّ في خَطِّ المُصْحَفِ تَقْوِيَةً لِهَذا الوَجْهِ المَعْنَوِيِّ وتَأْكِيدًا ﴿يُخْسِرُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ الخَسارَةَ بِالنَّقْصِ فِيما يَكِيلُونَ لِغَيْرِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهم يَأْخُذُونَ وافِيًا أوْ زائِدًا ويُعْطُونَ ناقِصًا.

(p-٣١٥)وقالَ الإمامُ [ أبُو جَعْفَرِ - ] ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في سُورَةِ الِانْفِطارِ ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] الآيَةُ وكانَ مُقْتَضى ذَلِكَ الإشْعارُ بِوُقُوعِ الجَزاءِ عَلى جُزْئِيّاتِ الأعْمالِ وأنَّهُ لا يَفُوتُ عَمَلٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]

أتْبَعَ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ بِجَزاءِ عَمَلٍ يَتَوَهَّمُ فِيهِ قُرْبَ المُرْتَكِبِ وهو مِن أكْبَرِ الجَرائِمِ، وذَلِكَ التَّطْفِيفُ في المِكْيالِ والمِيزانِ والِانْحِرافِ عَنْ إقامَةِ القِسْطِ في ذَلِكَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ثُمَّ أرْدَفَ تَهْدِيدَهم وتَشْدِيدَ وعِيدِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] ثُمَّ التَحَمَتِ الآيُ مُناسِبَةً لِما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ إلى خِتامِها - انْتَهى.

83:4Page 587

أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ٤

Do they not think that they will be resurrected

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهم أدْمَنُوا عَلى هَذِهِ الرَّذائِلِ حَتّى صارَتْ لَهم خُلُقًا مَرَنُوا عَلَيْهِ وأنِسُوا بِهِ وسَكَنُوا إلَيْهِ، وكانَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنْ أمِنَ العِقابَ وأنْكَرَ الحِسابَ، أنْتَجَ ذَلِكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ لِإفْهامِهِ أنَّ حالَهم أهْلٌ لِأنْ يَتَعَجَّبَ مِنهُ ويَسْتَفْهِمَ عَنْهُ وأنَّ المُسْتَفْهِمَ عَنْ حُصُولِهِ عِنْدَهُمُ الظَّنُّ، وأمّا اليَقِينُ فَلا يَتَخَيَّلُ فِيهِمْ لِبُعْدِ أحْوالِهِمُ الجافِيَةِ وأفْهامِهِ الجامِدَةِ عَنْهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ أيِ الأخِسّاءُ البُعَداءُ الأرْجاسُ الأراذِلُ يَتَجَدَّدُ لَهم وقْتًا مِنَ الأوْقاتِ ظَنَّ أنْ لَمْ يَتَيَقَّنُوا بِما مَضى مِنَ البَراهِينِ الَّتِي أفادَتْ أعْلى رُتَبِ اليَقِينِ، (p-٣١٦)فَإنَّهم لَوْ ظَنُّوا ذَلِكَ ظَنًّا نَهاهم إنَّ كانَ لَهم نَظَرٌ لِأنْفُسِهِمْ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ القَبائِحِ، ومَن لَمْ تُفِدِهِ تِلْكَ الدَّلائِلُ القاطِعَةُ ظَنًّا يَحْتاطُ بِهِ لِنَفْسِهِ فَلا حِسَّ لَهُ أصْلًا ﴿أنَّهُمْ﴾ وعَبَّرَ باسِمِ المَفْعُولِ فَقالَ: ﴿مَبْعُوثُونَ﴾ إشارَةً إلى القَهْرِ عَلى أهْوَنِ وجْهٍ بِالبَعْثِ الَّذِي قَدْ ألِفُوا مِثْلَهُ مِنَ القَهْرِ بِاليَقَظَةِ بَعْدَ القَهْرِ بِالنَّوْمِ

83:5Page 587

لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥

For a tremendous Day -

﴿لِيَوْمٍ﴾ أيْ لِأجْلِهِ وفِيهِ، وزادَ التَّهْوِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَظِيمٍ﴾ أيْ لِعَظَمَةِ ما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الجُمَعِ والحِسابِ الَّذِي يَكُونُ عَنْهُ الثَّوابُ والعِقابُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى.

83:6Page 587

يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦

The Day when mankind will stand before the Lord of the worlds?

ولَمّا عَظُمَ ذَلِكَ اليَوْمُ تَحْذِيرًا مِنهُ، وزادَهُ تَعْظِيمًا بِأنْ أتْبَعَهُ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ قَوْلَهُ ناصِبًا بِتَقْدِيرِ ”أعْنِي“ إعْلامًا بِأنَّ الجَحْدَ فِيهِ بِأعْيُنِ جَمِيعِ الخَلائِقِ فَهو فَضِيحَةٌ لا يُشْبِهُها فَضِيحَةٌ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ أيْ عَلى الأرْجُلِ ﴿النّاسُ﴾ أيْ كُلُّ مَن فِيهِ قابِلِيَّةُ الحَرَكَةِ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ سُبْحانَهُ - رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ ورِجالُهُ ثِقاتٌ ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ لِأجْلِ حُكْمِ مُوجِدِ الخَلائِقِ ومُرَبِّيهِمْ كُلِّهِمْ فَلا يَنْسى أحَدًا مِن رِزْقِهِ ولا يُهْمِلُهُ مِن حُكْمِهِ ولا يَرْضى بِظُلْمِ أحَدٍ مِمَّنْ يُرَبِّيهِ فَهو يَفِيضُ لِكُلٍّ مِن كَلٍّ بِحُكْمِ التَّرْبِيَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ وكُلُّهُ الظَّنُّ، ووَصَفَ اليَوْمَ بِما (p-٣١٧)وصَفَ وغَيْرُ ذَلِكَ لِلْإبْلاغِ في المَنعِ عَنِ التَّطْفِيفِ وتَعْظِيمِ إثْمِهِ، ورَوى الحاكِمُ مِن رِوايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَفَعَهُ: «ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلّا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، وما حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلّا فَشا فِيهِمُ الفَقْرُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِمُ الفاحِشَةُ إلّا فَشا فِيهِمُ المَوْتُ، ولا طَفَّفُوا الكَيْلَ إلّا مَنَعُوا النَّباتَ وأخَذُوا بِالسِّنِينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلّا حُبِسَ عَنْهُمُ القَطْرُ» ومِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، ولِلطَّبَرانِيِّ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنْ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.

83:7Page 588

كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ ٧

No! Indeed, the record of the wicked is in sijjeen.

ولَمّا أنْهى سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن تَعْظِيمِ ذَلِكَ [اليَوْمِ - ] والتَّعْجِيبِ مِمَّنْ لَمْ يُفِدْهُ بَراهِينَهُ أنْ يُجَوِّزَهُ والإنْكارَ عَلَيْهِ، وكانَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّقْرِيعِ مُفْهِمًا لِلتَّقْرِيرِ، نَفى بِأداةِ الرَّدْعِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّفْيِ مَضْمُونَ ما وقَعَ الِاسْتِفْهامُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَظُنُّ أُولَئِكَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِكَثافَةِ طِباعِهِمْ ووُقُوفِهِمْ مَعَ المَحْسُوسِ دَأبَ البَهائِمُ بَلْ لا يُجَوِّزُونَهُ، ولَوْ جَوَّزُوهُ لَما وقَعُوا في ظُلْمِ أحَدٍ مَن يَسْألُونَ عَنْهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ المَهُولِ، وما أوْجَبَ لَهُمُ الوُقُوعَ في الجَرائِمِ إلّا الإعْراضُ عَنْهُ، وقالَ (p-٣١٨)الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: هي بِمَعْنى حَقًّا مُتَّصِلَةً بِما بَعْدَها - انْتَهى. وهي مَعَ ذَلِكَ مُفْهِمَةٌ لِلرَّدْعِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ رَدْعٌ عَنِ اعْتِقادِ مِثْلِ ذَلِكَ والمُوافَقَةِ لِشَيْءٍ مِمّا يُوجِبُ الخِزْيَ فِيهِ.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ إنْكارِهِمُ، اسْتَأْنَفَ إثْباتَ ما أنْكَرُوهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأفْظَعِهِ مُهَوِّلًا لِما يَقَعُ لَهم مِنَ الشُّرُورِ وفَواتِ السُّرُورِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّ كِتابَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الفُجّارِ﴾ أيْ صَحِيفَةَ حِسابِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَمَلَهم عَلى كُفْرِهِمْ مُرُوقِهِمْ وكَذا كُلُّ مَن وافَقَهم في صِفاتِهِمْ فَكانَ في غايَةِ المُرُوقِ مِمّا حَقَّ مُلابَسَتَهُ ومُلازَمَتَهُ، وأبْلَغَ في التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ هو عِلْمٌ مَنقُولٌ في صِيغَةِ المُبالَغَةِ عَنْ وصْفِ [مِنَ - ] السِّجْنِ وهو الحَبْسُ لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ في جَهَنَّمَ أيْ إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أهْلِيَّةِ الصُّعُودِ إلى مَحَلِّ الأقْداسِ إشارَةٌ إلى أنَّ كِتابَهم إذا كانَ في سِجْنٍ عَظِيمٍ أيْ ضَيِّقٍ شَدِيدٍ كانُوا هم [فِي - ] أعْظَمَ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهي (p-٣١٩)الأرْضُ السّابِعَةُ - انْتَهى [وهُوَ يَفْهَمُ -] مَعَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ أنَّهم في غايَةِ الخَسارَةِ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مَنِ انْحَطَّ: صارَ تُرابًا ولَصِقَ بِالأرْضِ - ونَحْوُ ذَلِكَ،

83:8Page 588

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ ٨

And what can make you know what is sijjeen?

ثُمَّ زادَ في هَوْلِهِ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُسْألَ عَنْهُ ويُضْرَبَ إلى العالَمِ بِهِ - إنْ [كانَ - ] يُمْكِنُ - آباطُ الإبِلِ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ جَعَلَكَ دارِيًا وإنِ اجْتَهَدْتَ في ذَلِكَ ﴿ما سِجِّينٌ﴾ أيْ أنَّهُ بِحَيْثُ لا تَحْتَمِلُ وصْفَهُ العُقُولُ، وهو مَعَ ذَلِكَ في أسْفَلِ سافِلِينَ ويَشْهَدُهُ المُبْعِدُونَ مِنَ الشَّياطِينِ وسائِرِ الظّالِمِينَ، يَصْعَدُ بِالمَيِّتِ [مِنهم - ] إلى السَّماءِ فَتُغْلِقُ أبْوابَها دُونَهُ فَيَرِدُ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ تَشْمَتُ بِهِ الشَّياطِينُ.

وكُلُّ ما قالَ فِيهِ: ”وما أدْراكَ“ فَقَدْ أدْراهُ بِهِ بِخِلافِ ”وما يُدْرِيكَ“ .

83:9Page 588

كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٩

It is [their destination1 recorded in] a register inscribed.

ولَمّا أتَمَّ ما أرادَ مِن وصْفِهِ، أعْرَضَ عَنْ بَيانِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ إنَّهُ يَكِلُّ عَنْهُ الوَصْفُ، واسْتَأْنَفَ أمْرَ الكِتابِ المَسْجُونِ فِيهِ فَقالَ مُحَذِّرًا مِنهُ مُهَوِّلًا لِأمْرِهِ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ لِحِفْظِهِ النَّقِيرَ والقِطْمِيرَ ﴿مَرْقُومٌ﴾ أيْ مَسْطُورٌ بَيْنَ الكِتابَةِ كَما تَبَيَّنَ الرَّقْمَةَ البَيْضاءَ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، ويَعْلَمُ كُلَّ مَن رَآهُ أنَّهُ غايَةٌ في الشَّرِّ، وهو كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ والنَّقْشِ في الحَجَرِ لا يَبْلى ولا يَحْمى.

83:10Page 588

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٠

Woe, that Day, to the deniers,

ولَمّا أعْلَمَ هَذا بِما لِلْكِتابِ مِنَ الشَّرِّ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِما أنْتَجَهُ (p-٣٢٠)مِمّا لِأصْحابِهِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ﴾ أيْ أعْظَمَ الهَلاكِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ يَقُومُ النّاسُ لِما تَقَدَّمَ: ولَمّا كانَ الأصْلُ: لَهُمْ، أبْدَلَهُ بِوَصْفٍ ظاهِرٍ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ فَقالَ: ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في التَّكْذِيبِ بِكُلِّ ما يَنْبَغِي التَّصْدِيقُ بِهِ.

83:11Page 588

ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ١١

Who deny the Day of Recompense.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ ويْلِهِمْ، وصَفَهم بِما يُبَيِّنُ ما كَذَّبُوا بِهِ ويَبْلُغُ في ذَمِّهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ التَّكْذِيبَ لِكُلِّ مَن يَنْبَغِي تَصْدِيقُهُ، مُسْتَهِينِينَ ﴿بِيَوْمِ﴾ أيْ بِسَبَبِ الإخْبارِ بِيَوْمِ ﴿الَّذِينَ﴾ أيِ الجَزاءِ الَّذِي هو سِرُّ الوُجُودِ

83:12Page 588

وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢

And none deny it except every sinful transgressor.

﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿يُكَذِّبُ﴾ أيْ يُوقِعُ التَّكْذِيبَ ﴿بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ أيْ مُتَجاوِزٌ لِلْحَدِّ في العِنادِ أوِ الجُمُودِ والتَّقْلِيدِ لِأنَّ مَحَطَّةَ نِسْبَةِ مَن ثَبَتَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إلى العَجْزِ عَنْ إعادَةِ ما ابْتَدَأهُ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ مَبالِغٌ في الِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ المُوجِبَةِ لِلْآثامِ، وهي الذُّنُوبُ، فاسْوَدَّ قَلْبُهُ فَعَمِيَ بِنَظَرِ الشَّهَواتِ الَّتِي حُفَّتْ بِها النّارُ عَمّا عَداها.

83:13Page 588

إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣

When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."

ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الإبْلاغَ في الإثْمِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ بِأداةِ التَّحَقُّقِ: ﴿إذا تُتْلى﴾ أيْ مِن أيِّ تالٍ كانَ، مُسْتَعْلِيَةً بِما لَها مِنَ البَراهِينِ ﴿عَلَيْهِ آياتُنا﴾ أيِ العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى ما أُرِيدَ بَيانُها لَهُ مَعَ [ما - ] لَها مِنَ العَظَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا ﴿قالَ﴾ أيْ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا تَأمُّلٍ بَلْ بِحَظِّ نَفْسٍ أوْقَعَهُ (p-٣٢١)[فِي - ] شَهْوَةِ المُغالَبَةِ الَّتِي سَبَبُها الكِبَرُ: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مِنَ الأباطِيلِ ولَيْسَتْ كَلامَ اللَّهِ، فَكانَ لِفَرْطِ جَهْلِهِ بِحَيْثُ لا يَنْتَفِعُ بِشَواهِدِ النَّقْلِ كَما أنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ في دَلائِلِ العَقْلِ.

83:14Page 588

كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤

No! Rather, the stain has covered their hearts of that which they were earning.1

ولَمّا كانَ هَذا قَدْ صارَ كالأنْعامِ في عَدَمِ النَّظَرِ بَلْ هو أضَلُّ سَبِيلًا لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى النَّظَرِ دُونَها، قالَ رادِعًا لَهُ ومُكَذِّبًا ومُبَيِّنًا لِما أدّى بِهِ إلى هَذا القَوْلِ وهو لا يَعْتَقِدُهُ: ﴿كَلا﴾ أيْ لِيَرْتَدِعَ ارْتِداعًا عَظِيمًا ولِيَنْزَجِرَ انْزِجارًا شَدِيدًا، فَلَيْسَ الأمْرُ كَما قالَ في المَتْلُوِّ ولا [هُوَ - ] مُعْتَقَدٌ لَهُ اعْتِقادًا جازِمًا لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ عَنْ بَصِيرَةٍ ﴿بَلْ رانَ﴾ أيْ غَلَبَ وأحاطَ وغَطّى تَغْطِيَةَ الغَيْمِ لِلسَّماءِ والصَّدَأِ لِلْمِرْآةِ، وجَمَعَ اعْتِبارًا بِمَعْنى ”كُلٍّ“ لِئَلّا يَتَعَنَّتُ مُتَعَنِّتٌ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِجَمْعِ الكَثْرَةِ إشارَةً إلى كَثْرَتِهِمْ: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ كُلِّ مَن قالَ هَذا القَوْلَ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ بِجِبِلّاتِهِمُ الفاسِدَةِ ﴿يَكْسِبُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ كَسْبَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الرَّدِيَّةِ، فَإنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلِكاتِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وإنَّ شَرًّا فَشَرًّا، فَيَتَراكَمُ الذَّنْبُ عَلى القَلْبِ فَيَسْوَدُّ، فَلِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ مِثْلَ هَذا الِاعْتِقادِ، بَلْ هو شَيْءٌ يَسِدُّونَ بِهِ المَجْلِسَ ويُقِيمُونَ لِأنْفُسِهِمْ عِنْدَ العامَّةِ المَعاذِيرَ ويَفْتَرُونَ بِهِ عَزائِمَ التّالِّينَ بِما يَحْرِقُونَ مِن قُلُوبِهِمْ - أحْرَقَ اللَّهُ قُلُوبَهم وبُيُوتَهم بِالنّارِ - فَإنَّهم لا يَنْقَطِعُونَ في عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ ولا يَخْشَوْنَ مِن (p-٣٢٢)عارٍ ولا شَنارٍ، رَوى أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا أذْنَبَ العَبْدُ نَكَتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ فَإنْ تابَ صَقُلَ مِنها، وإنْ زادَ زادَتْ حَتّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى» وقالَ الغَزالِيُّ في كِتابِ التَّوْبَةِ مِنَ الإحْياءِ: قَدْ سَبَقَ أنَّ الإنْسانَ لا يَخْلُو في مَبْدَأِ خِلْقَتِهِ عَنِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ، وكُلُّ شَهْوَةٍ اتَّبَعَها الإنْسانُ ارْتَفَعَ مِنها ظُلْمَةٌ إلى قَلْبِهِ كَما يَرْتَفِعُ عَنْ نَفْسِ الإنْسانِ ظُلْمَةٌ إلى وجْهِ المِرْآةِ [ الصَّقِيلَةِ، فَإنْ تَراكَمَتْ ظُلْمَةُ الشَّهَواتِ صارَ رَيْنًا كَما يَصِيرُ بُخارُ النَّفْسِ في وجْهِ المِرْآةِ - ] عِنْدَ تَراكُمِهِ خَبَثًا، فَإذا تَراكَمَ الرَّيْنُ صارَ طَبْعًا كالخُبْثِ عَلى وجْهِ المِرْآةِ إذا تَراكَمَ وطالَ زَمانُهُ غاصَ في جِرْمِ الحَدِيدِ وأفْسَدَهُ وصارَ لا يَقْبَلُ التَّصْقِيلَ بَعْدَهُ، وصارَ كالمَطْبُوعِ مِنَ الخُبْثِ ولا يَكْفِي في تَدارُكِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ تَرَكَها في المُسْتَقْبَلِ بَلْ لا بُدَّ مِن مَحْوِ تِلْكَ الآثارِ الَّتِي انْطَبَعَتْ في القَلْبِ كَما لا يَكْفِي في ظُهُورِ الصُّورَةِ في المِرْآةِ قَطْعُ الأنْفاسِ والبُخاراتِ المُسَوَّدَةِ لِوَجْهِها في المُسْتَقْبَلِ ما لَمْ يَشْتَغِلْ بِمَحْوِ ما انْطَبَعَ فِيها مِنَ الآثارِ، وكَما يَرْتَفِعُ إلى القَلْبِ ظُلْمَةٌ مِنَ المَعاصِي والشَّهَواتِ فَيَرْتَفِعُ إلَيْهِ نُورٌ مِنَ الطّاعاتِ وتَرْكُ الشَّهَواتِ فَتَنْمَحِي ظُلْمَةُ المَعْصِيَةِ بِنُورِ الطّاعَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها» .

83:15Page 588

كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥

No! Indeed, from their Lord, that Day, they will be partitioned.1

(p-٣٢٣)ولَمّا كانَ ادِّعاؤُهم إنَّما هو قَوْلٌ قالُوهُ بِأفْواهِهِمْ لا يَتَجاوَزُها عَظِيمًا جِدًّا، أعادَ رَدْعَهم عَنْهُ وتَكْذِيبَهم فِيهِ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا مِنَ الأساطِيرِ لا في الواقِعِ ولا عِنْدَهم فَلْيَرْتَدِعُوا عَنْهُ أعْظَمَ ارْتِداعٍ. ولَمّا كانَ قَوْلُ الإنْسانِ لِما لا يَعْتَقِدُهُ ولا هو في الواقِعِ كَما في غايَةِ العَجَبِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ، عِلَلَهُ مُبَيِّنًا أنَّ الحامِلَ لَهم عَلَيْهِ إنَّما هو الحِجابُ الَّذِي خَتَمَ بِهِ سُبْحانَهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِمَن يُنْكِرُ ذَلِكَ مِنَ المَغْرُورِينَ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ وخَشْيَتِهِ ورَجائِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ قالُوا هَذا القَوْلَ الفارِغَ. ولَمّا كانَ المانِعُ إنَّما هو الحِجابُ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَلِذَلِكَ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمُ الشَّياطِينُ والأهْوِيَةُ، فَصارُوا يَقُولُونَ ما لَوْ عَقَلَتِ البَهائِمُ لاسْتَحْيَتْ مِن أنْ تَقُولَهُ، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ بَيانًا وتَعْلِيلًا لِوَيْلِهِمُ الَّذِي سَبَقَ الإخْبارُ بِهِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ كانَ يَوْمَ الدِّينِ، ويَكُونُ المُرادُ الحِجابَ عَنِ الرُّؤْيَةِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِها. وقالَ البَغَوِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: عَنْ رُؤْيَتِهِ، وقالَ: إنَّ الإمامَيْنِ الشّافِعِيِّ وشَيْخِهِ مالِكًا اسْتَدَلّا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الرُّؤْيَةِ، وأسْنَدَ الحافِظُ أبُو نَعِيمٍ في الحِلْيَةِ في تَرْجَمَةِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ قالَ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ أوْلِياءَهُ يَرَوْنَهُ عَلى صِفَتِهِ، وقالَ ابْنُ الفَضْلِ: كَما حَجَبَهم في الدُّنْيا عَنْ تَوْحِيدِهِ حَجَبَهم (p-٣٢٤)فِي الآخِرَةِ عَنْ رُؤْيَتِهِ، وقالَ الحَسَنُ: لَوْ عَلِمَ الزّاهِدُونَ والعابِدُونَ أنَّهم لا يَرَوْنَ رَبَّهم في المَعادِ لَزَهَقَتْ أنْفُسُهم في الدُّنْيا. وقالَ القُشَيْرِيُّ: ودَلِيلُ الخِطابِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ يَرَوْنَهُ كَما يَعْرِفُونَهُ اليَوْمَ [انْتَهى- ] . وفِيهِ تَمْثِيلٌ لِإهانَتِهِمْ بِإهانَةِ مَن يَمْنَعُ الدُّخُولَ عَلى المَلِكِ.

83:16Page 588

ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ١٦

Then indeed, they will [enter and] burn in Hellfire.

ولَمّا بَيَّنَ [ما - ] لَهم مِنَ العَذابِ بِالحِجابِ الَّذِي هو عَذابُ القَلْبِ الَّذِي لا عَذابَ أشَدُّ مِنهُ، لِأنَّهُ يَتَفَرَّعُ [عَنْهُ - ] جَمِيعُ العَذابِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ بَعْضَ ما تَفَرَّعَ عَنْهُ مِن عَذابِ القالِبِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّراخِي إعْلامًا بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ في أنْواعِ العَذابِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ إنَّهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ ما شاءَ اللَّهُ مِن إمْهالِهِمْ ﴿لَصالُو الجَحِيمِ﴾ أيْ لَدَخَلُو النّارَ العُظْمى ويُقِيمُونَ فِيها مُقاسُونَ لِحَرِّها ويُغْمَسُونَ فِيها كَما تُغْمَسُ الشّاةُ المُصْلِيَةُ أيِ [المَشْوِيَّةُ- ] .

83:17Page 588

ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧

Then it will be said [to them], "This is what you used to deny."

ولَمّا بَيَّنَ ما لَهم مِنَ الفِعْلِ الَّذِي هو لِلْقَلْبِ والقالَبِ، أتْبَعَهُ القَوْلَ بِالتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ الَّذِي هو عَذابُ النَّفْسِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُنْكِئَ سَماعُهُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، وإشارَةً إلى أنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِن قَوْلِهِ لَهم كُلُّ مَن يَصِحُّ مِنهُ القَوْلُ مِن خَزَنَةِ النّارِ ومِن أهْلِ الجَنَّةِ وغَيْرِهِمْ لِأنَّهُ لا مَنعَةَ عِنْدَهُمْ: ﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ أيْ لَهم بَعْدَ مُدَّةٍ تَبْكِيتًا وتَقْرِيعًا وتَنْدِيمًا وتَبْشِيعًا: ﴿هَذا﴾ أيِ العَذابُ الَّذِي هو حالٌّ بِكم ﴿الَّذِي كُنْتُمْ﴾ (p-٣٢٥)أيْ بِما لَكَمَ مِنَ الجِبِلّاتِ الخَبِيثَةِ ﴿بِهِ﴾ أيْ خاصَّةً لِأنَّ تَكْذِيبَكم بِغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِما لَهُ مِنَ القَباحَةِ ولَكم مِنَ الرُّسُوخِ فِيهِ والمُلازَمَةِ لَهُ (؟) ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ تُوقِعُونَ التَّكْذِيبَ بِهِ وتُجَدِّدُونَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском