Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
المسد
Al-Masad
The Palm Fiber · Meccan · 5 ayahs
111:1Page 603
تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ ١
May the hands of Abū Lahab be ruined, and ruined is he.1
(p-٣٢٧)سُورَةُ تَبَّتْ
مَقْصُودُها البَتُّ والقَطْعُ الحَتْمُ بِخُسْرانِ الكافِرِ ولَوْ كانَ أقْرَبَ الخَلْقِ إلى أعْظَمِ الفائِزِينَ، اللّازِمُ عَنْهُ أنَّ شارِعَ الدِّينِ لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ما يُقَصِّرُ عَنْهُ الوَصْفُ، فَهو يَفْعَلُ ما يَشاءُ لِأنَّهُ لا كُفُوَ - لَهُ أصْلًا، حَثًّا عَلى التَّوْحِيدِ مِن سائِرِ العَبِيدِ ولِذَلِكَ بَيْنَ سُورَةِ الإخْلاصِ المُقِرُّونَ بِضَمانِ النَّصْرِ وكَثْرَةِ الأنْصارِ، واسْمُها تَبَّتْ واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِتَأمُّلِ السُّورَةِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الجَبّارِ المُتَكَبِّرِ المُضِلِّ الهادِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ الوَلِيَّ والعَدُوَّ بِنِعْمَةِ البَيانِ بَعْدَ الإكْرامِ بِالإيجادِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ بِالتَّوْفِيقِ أهْلَ الوِدادِ.
* *
لَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى في سُورَةِ النَّصْرِ القَطْعَ بِتَحْقِيقِ النَّصْرِ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ بَعْدَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الذِّلَّةِ، والأمْرِ الحَتْمِ بِتَكْثِيرِهِمْ بَعْدَ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِمْ مَعَ الذِّلَّةِ مِنَ القِلَّةِ، وخَتَمَها بِأنَّهُ التَّوّابُ، وكانَ أبُو لَهَبٍ - مِن شِدَّةِ العِنادِ لِهَذا الدِّينِ والأذى لِإمامَةِ النَّبِيِّ ﷺ سَيِّدِ العالَمِينَ مَعَ قُرْبِهِ مِنهُ - بِالمَحَلِّ الَّذِي لا يُجْهَلُ، بَلْ شاعَ واشْتَهَرَ، وأحْرَقَ الأكْبادَ (p-٣٢٨)وصَهِرَ، كانَ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْ حالِهِ إذْ ذاكَ هَلْ يُثْبِتُ عَلَيْهِ أوْ يُذِلُّ، فَشَفى غِلَّ هَذا السُّؤالَ، وأُزِيلَ بِما يَكُونُ [لَهُ] مِنَ النَّكالِ، ولِيَكُونَ [ذَلِكَ -] بَعْدَ وُقُوعِ الفَتْحِ ونُزُولِ الظَّفْرِ والنَّصْرِ، والإظْهارُ عَلى الأعْداءِ بِالعِزِّ والقَهْرِ، مُذَكِّرًا لَهُ ﷺ بِما كانَ أوَّلَ الأمْرِ مِن جَبَرُوتِهِمْ وأذاهم وقُوَّتِهِمْ بِالعَدَدِ والعُدَدِ، وأنَّهُ لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، بَلْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٢] وكَذَّبُوا فِيما كانُوا فِيهِ مِنَ التَّعاضُدِ والتَّناصُرِ والتَّحالُفِ والتَّعاقُدِ، فَذَكَرَ تَعالى أعْداهم لَهُ وأقْرَبَهم إلَيْهِ في النَّسَبِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا فَرْقَ في تَكْذِيبِهِ لَهم بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ. وإلى أنَّهُ لَمْ يَنْفَعْهُ قُرْبُهُ لَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ حامِلًا لِأهْلِ الدِّينِ عَلى الِاجْتِهادِ في العَمَلِ مِن غَيْرِ رُكُونٍ إلى سَبَبٍ أوْ نَسَبٍ غَيْرِ ما شَرَعَهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ تَعالى مُعَبِّرًا بِالماضِي دَلالَةً عَلى أنَّ الأمْرَ قَدْ قَضى بِذَلِكَ وفَرَغَ مِنهُ، فَلا بُدَّ مِن كَوْنِهِ ولا مَحِيصَ: ﴿تَبَّتْ﴾ أيْ حَصَلَ القَطْعُ الأعْظَمُ والحَتْمُ الأكْمَلُ، فَإنَّها خابَتْ وخَسِرَتْ غايَةَ الخَسارَةِ، وهي المُؤَدِّيَةُ إلى الهَلاكِ لِأنَّهُ لا نَجاةَ إلّا نَجاةُ الآخِرَةِ، وجَعَلَ خِطابَ هَذِهِ السُّورَةِ عَنِ اللَّهِ ولَمْ يَفْتَتِحْها بـِ ”قُلْ“ كَأخَواتِها لِأنَّ هَذا أكْثَرُ (p-٣٢٩)أدَبًا وأدْخَلُ في بابِ العُذْرِ وأوْلى في مُراعاةِ ذَوِي الرَّحِمِ، ولِذَلِكَ لَمَّ يُكَرِّرْ ذِكْرَها في القُرْآنِ، وأشَدُّ في انْتِصارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى [لَهُ ﷺ -] وأقْرَبَ إلى التَّخْوِيفِ وتَجْوِيزِ سُرْعَةِ الوُقُوعِ.
ولَمّا كانَتِ اليَدُ مَحَلَّ قُدْرَةِ الإنْسانِ، فَإذا اخْتَلَّتِ اخْتَلَّ أمْرُهُ، فَكَيْفَ إذا حَصَلَ الخَلَلُ في يَدَيْهِ جَمِيعًا، قالَ مُشِيرًا بِالتَّثْنِيَةِ إلى عُمُومِ هَلاكِهِ بِأنَّ قُوَّتَهُ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا، ولِأنَّ التَّثْنِيَةَ يُعَبَّرُ بِها عَنِ النَّفْسِ، ومُشِيرًا بِالكُنْيَةِ وإنْ كانَ يُؤْتى بِها غالِبًا لِلتَّشْرِيفِ إلى مُطابَقَةِ اسْمِهِ لِحالِهِ، ومُجانَسَتِهِ المُوجِبَةِ لِعَظِيمِ نَكالِهِ: ﴿يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ فَلا قُدْرَةَ لَهُ [عَلى -] إعْطاءٍ ولا مَنعٍ، ولا عَلى جَلْبٍ ولا دَفْعٍ، وإشارَةٍ إلى أنَّ حُسْنَ صُورَتِهِ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا مِن قَبِيحِ سِيرَتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم ولا أمْوالِكم ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وأعْمالِكم»
لِأنَّهُ [إنَّما -] كُنِّيَ بِهَذا لِإشْراقِ وجْهِهِ وتَوَقُّدِ وجْنَتَيْهِ، ولِأنَّها أشْهَرُ، فالبَيانُ بِها أقْوى وأظْهَرُ، والتَّعْبِيرُ بِها - مَعَ كَوْنِهِ أوْضَحَ - أقْعَدُ في قَوْلِ الَّتِي [هِيَ -] أحْسَنُ. لِأنَّ اسْمَهُ عَبْدُ العُزّى وهو قَبِيحٌ مُوجِبٌ لِلْعُدُولِ عَنْهُ غَيْرَةً عَلى العُبُودِيَّةِ أنْ تُضافَ إلى غَيْرِ مُسْتَحِقِّها.
(p-٣٣٠)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هَذِهِ السُّورَةُ وإنْ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ وفي قِصَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَهي مَعَ ما تَقَدَّمَها واتَّصَلَ بِها في قُوَّةٍ أنْ لَوْ قِيلَ: قَدِ انْقَضى عُمْرُكَ يا مُحَمَّدُ، وانْتَهى ما قَلَّدَتْهُ مِن عَظِيمِ أمانَةٍ الرِّسالَةِ أمَرَكَ، وأدَّيْتَ ما تَحَمَّلْتَهُ وحانَ أجْلُكُ، وأمارَةُ ذَلِكَ دُخُولُ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، واسْتِجابَتُهم بَعْدَ تَلَكُّئِهِمْ، والوَيْلُ لِمَن عانَدَكَ وعَدَلَ عَنْ مُتابَعَتِكَ وإنْ كانَ أقْرَبَ النّاسِ إلَيْكَ. فَقَدْ فَصَلَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] بَيْنَ أوْلِيائِكَ وأعْدائِكَ، وبانَ بِها حُكْمُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِمَّنْ عاداكَ، ولِهَذا سَمّاها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُبَرِّئَةَ مِنَ النِّفاقِ، ولِيَعْلَمَ كَفّارُ قُرَيْشٍ وغَيْرُهم أنَّهُ لا اعْتِصامَ لِأحَدٍ مِنَ النّارِ إلّا بِالإيمانِ، وأنَّ القُراباتِ غَيْرُ نافِعَةٍ ولا مُجْدِيَةٍ شَيْئًا إلّا مَعَ الإيمانِ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وهَهُنا انْتَهى الكِتابُ بِجُمْلَتِهِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ رُبَّما خَصَّ التَّبابَ بِالهَلاكِ، وحَمَلَ عَلى هَلاكِ اليَدَيْنِ حَقِيقَةً، وكانَ الإنْسانُ لا يَزُولُ جَمِيعَ مَنفَعَتِهِ بِفَواتِ يَدَيْهِ وإنْ كانَ قَدْ يُعَبِّرُ بِهِما عَنِ النَّفْسِ، قالَ مُصَرِّحًا بِالمَقْصُودِ: ﴿وتَبَّ﴾ أيْ هو بِجُمْلَتِهِ بِتَمامِ الهَلاكِ والخُسْرانِ، فَحَقَّقَ بِهَذا ما أُرِيدَ مِنَ الإسْنادِ إلى اليَدَيْنِ (p-٣٣١)مِنَ الكِنايَةِ عَنِ الهَلاكِ الَّذِي لا بَقاءَ بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الأوَّلَ دُعاءٌ والثّانِي خَبَرٌ، وعَرَفَ بِهَذا أنَّ الِانْتِماءَ إلى الصّالِحِينَ لا يُغْنِي إلّا إنْ وقَعَ الِاقْتِداءُ بِهِمْ في أفْعالِهِمْ لِأنَّهُ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ.
ومادَّةُ ”تَبَّ“ و”بَتَّ“ - الجامِعَةُ بِجَمْعِ التّاءِ والباءِ لِلسَّبَبَيْنِ الأدْنى الباطِنِيِّ والأعْلى الظّاهِرِيِّ - تَدُورُ عَلى القَطْعِ المُؤَدِّي في أغْلَبِ أحْوالِهِ إلى الهَلاكِ، لِأنَّ مَنِ انْقَطَعَ إلى الأسْبابِ مُعْرِضًا عَنْ مُسَبِّبِها كانَ في أعْظَمِ تَبابٍ، ورُبَّما كانَ القَطْعُ بِاسْتِجْماعِ الأسْبابِ، فَحَصَلَ العِوَزُ بِالمَقاصِدِ والمَحابِّ، قالَ ابْنُ مَكْتُومٍ في الجَمْعِ بَيْنَ المُحْكَمِ والعُبابِ: التَّبُّ والتَّبابُ: الخَسارُ، وتَبًّا لَهُ - عَلى الدُّعاءِ، وتَبّا تَبْيبًا - عَلى المُبالَغَةِ، قالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: كَأنَّكَ قُلْتَ: خُسْرانًا لَهُ، وهو المَصْدَرُ، نُصِبَ نَصْبَ سَقْيًا لَهُ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وكَأنَّ التَّبَّ المَصْدَرُ والتِّبابَ الِاسْمُ، و[التَّبَبُ و-] [التِّبابُ و-] التَّبِيبَ: الهَلاكُ، والتَّتْبِيبُ النَّقْصُ والخَسارُ، وكُلُّ هَذا واضِحٌ في القَطْعِ عَنِ الخَيْرِ والفَوْزِ، قالَ: [و] التّابُّ: الكَبِيرُ مِنَ الرِّجالِ، والأُنْثى تابَّةٌ، وقالَ القَزّازُ: إذا سَألْتَ الرَّجُلَ عَنِ المَرْأةِ قُلْتَ: أُشابَّةٌ هي أمْ تابَّةٌ، أيْ أمْ [هِيَ -] عَجُوزٌ فانِيَةٌ، [و -] مَعْلُومٌ أنَّ كِبَرَ السِّنِّ مُقَرَّبٌ مِنَ القَطْعِ والهَلاكِ، والتّابُّ: الضَّعِيفُ، والجَمْعُ أتَبابٌ - هَذَلِيَّةٌ، وحِمارٌ (p-٣٣٢)تابُّ الظَّهْرِ - إذا دَبَرَ، وجَمُلَ [تابَّ -] كَذَلِكَ نادِرَةٌ، ولا شَكَّ أنَّ الدُّبُرَ والضَّعْفَ هَلاكٌ في المَعْنى.
وتَبَّ: قَطَعَ مِثْلُ بَتَّ، أيْ بِتَقْدِيمِ المُوَحِّدَةِ ووَقَعُوا في تَبُوبٍ مُنْكِرَةٍ، وهو بِتَبَّةٍ أيْ بِحالَةٍ شَدِيدَةٍ، والتَّبِيُّ - بِالفَتْحِ والكَسْرِ: ضَرْبٌ مِن تَمْرِ البَحْرَيْنِ، قِيلَ: هو رَدِيءٌ يَأْكُلُهُ سِقاطُ النّاسِ، وأتَبَّ اللَّهُ قُوَّتَهُ: أضْعَفَها، وتَبَّبُوهم تَتْبِيبًا: أهْلَكُوهُمْ، وتَبْتَبَ: شاخَ، وكُلُّ ذَلِكَ واضِحٌ في القَطْعِ بِالهَلاكِ والخَسارِ، والتَّبَوُّبُ يَعْنِي بِالضَّمِّ: [ما -] انْطَوَتْ عَلَيْهِ الأضْلاعُ كالصَّدْرِ والقَلْبِ، وهَذا يَحْتَمِلُ الخَيْرَ والشَّرَّ، فَإنَّ القَلْبَ إذا فَسَدَ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا صَلَحَ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ القَطْعُ، بِالفَوْزِ والنَّجاةِ، أوْ لِأنَّ انْطِواءَ الأضْلاعِ عَلَيْهِ قِطْعَةٌ عَنِ الخارِجِ، واسْتَتَبَّ الأمْرُ: تَهَيَّأ واسْتَوى. وقالَ القَزّازُ: ويُقالُ: هَذِهِ العِلَّةُ لا تَسْتَتِبُّ في نَظائِرِ هَذا القَوْلِ، أيْ لا تَجْرِي في نَظائِرِهِ، كَأنَّهُ مِن بابِ الإزالَةِ إذْ إنَّ السِّينَ لَمّا جامَعَتْ حَرْفَ السَّبَبَيْنِ آذَنَتْ بِالنَّجاحِ والفَوْزِ [والفَلاحِ -]، فَإنَّها حَرْفٌ تَدُلُّ عَلى الِاسْتِيفاءِ في الإنْباءِ عَنِ الشَّيْءِ والتَّتِمَّةِ والأُلْفَةِ، وأحْسَنُ مِن هَذا أنَّها إذا جَرَتْ في النَّظائِرِ أوْضَحَتْها وكَشَفَتْ مَعانِيَها فَفَصَلَتْها وأبانَتْها وقَطَعَتْها عَنْ غَيْرِ النَّظائِرِ بِما أزالَتْ مِنَ الإلْباسِ بِها، والَّذِي يُحَقِّقُ مَعانِيَ التَّبِّ ويَظْهَرُ (p-٣٣٣)أنَّهُ يَؤُولُ إلى القَطْعِ مَقْلُوبُهُ، وهو البَتُّ - بِتَقْدِيمِ المُوَحِّدَةِ الَّتِي هي السَّبَبُ الظّاهِرُ الَّذِي هو أقْوى مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِكَمالِ السَّبَبِ الباطِنِيِّ، يُقالُ: بَتَّ الشَّيْءُ يَبُتُّهُ بَتًّا، وأبَتَّهُ: قَطَعَهُ قَطْعًا مُسْتَأْصَلًا، وبَتَّ هو يَبُتُّ وبَيَّتُّ بَتًّا وانَبْتَّ، ولَعَلَّهُ اسْتَوى فِيهِ المُجَرَّدُ والمَزِيدُ في التَّعْدِيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ ما حَصَلَ بِالمُجَرَّدِ مِنَ القَطْعِ هو مِنَ الكَمالِ بِحَيْثُ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وكَذا اسْتَوى القاصِرُ مُجَرَّدًا ومُطاوِعًا مَعَ المُتَعَدِّي في أصْلِ المَعْنى. وصَدَقَهُ بَتَّةٌ: بَتْلَةٌ بايِنَةٌ مَن صاحَبَها، وطَلَّقَها ثَلاثًا بَتَّةً وإبْتاتًا، أيْ قَطْعًا لا عَوْدَ فِيهِ، ولا أفْعَلُهُ البَتَّةَ - كَأنَّهُ قَطَعَ فِعْلَهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وقالُوا: قَعَدَ البَتَّةَ - مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللّامِ، وبَتَّ عَلَيْهِ القَضاءُ بَتًّا وأبَتَّهُ: قَطَعَهُ، وسَكْرانُ ما يَبُتُّ كَلامًا وما يُبَتُّ أيْ [ما -] يَقْطَعُهُ، قالَ القَزّازُ: يَبُتُّ مِن أبَتَّ، ويَبُتُّ مِن بَتَّ، وسَكْرانُ باتٌّ: مُنْقَطِعٌ عَنِ العَمَلِ بِالسُّكْرِ، وأبَتَّ يَمِينَهُ: أمْضاها، أيْ قَطَعَها عَنِ الحِنْثِ، وبَتَّتْ هِيَ: وجَبَتْ وحَلَّتْ بَتًّا وبَتَّةً وبَتاتًا، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ القَطْعِ، وأبَتَّ بِعِيرَهُ، أيْ قَطَعَهُ بِالسَّيْرِ، والمَنبَتُّ في الحَدِيثِ: [الَّذِي -] أتْعَبَ دابَّتَهُ حَتّى عَطَبَ ظَهْرُهُ فَبَقِيَ مُنْقَطِعًا بِهِ، وقالَ القَزّازُ: هو الَّذِي أتْعَبَ (p-٣٣٤)دابَّتَهُ حَتّى قَطَعَ ظَهْرَها فَبَقِيَ مُنْبَتًّا بِهِ، أيْ مُنْقَطِعًا بِهِ، وبَتَّ عَلَيْهِ الشَّهادَةَ وأبَتَّها: قَطَعَ عَلَيْهِ بِها وألْزَمَهُ إيّاها، وبَتَّ عَلَيْهِ [القَضاءُ -] وأبَتَّهُ، قَطَعَهُ، والباتُّ: المَهْزُولُ الَّذِي لا يَقْدِرُ أنْ يَقُومَ - كَأنَّهُ قَدِ انْقَطَعَتْ قُوَّتُهُ، وفي الحَدِيثِ «لا صِيامَ لِمَن لَمْ يَبُتَّ الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ»
فَمَعْناهُ: يُوجِبُهُ، أيْ يَقْطَعُهُ عَلى نَفْسِهِ قَبْلَ الفَجْرِ، مِن أبَتَّ عَلَيْهِ الحُكْمَ - إذا قَطَعَهُ، ورُوِيَ: يَبُتُّ، مِن بَتَّ - إذا قَطَعَ، وكِلاهُما بِمَعْنًى، وهُما لُغَتانِ فَصَيْحَتانِ. ورُوِيَ في حَدِيثِ ”مَن لَمْ يَبُتَّ“ مِنَ البَياتِ، وأحْمَقٌ باتٌّ: شَدِيدُ الحُمْقِ - كَذا قالَهُ اللَّيْثُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: هو تابُّ - بِتَأْخِيرِ المُوَحِّدَةِ، والبَتُّ: كِساءٌ غَلِيظٌ مُهَلْهَلٌ مُرَبَّعٌ أخْضَرُ، وقِيلَ: هو مِن وبَرٍ وصُوفٍ، والجَمْعُ بُتُوتٍ، والبَتاتُ أيْ بِالتَّخْفِيفِ: مَتاعُ البَيْتِ والزّادِ، كَأنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ صاحِبَهُ عَنِ الحاجَةِ، وبَتَّتُوهُ: زَوَّدُوهُ، أوْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الإزالَةِ لِأنَّهُ صِلَةٌ لِصاحِبِهِ ورِفْدٌ لِأنَّ الِاسْتِقْراءَ حاصِلٌ بِأنَّ كُلَّ مادَّةٍ لَها مَعْنًى غالِبٌ تَدُورُ عَلَيْهِ وفِيها شَيْءٌ لِإزالَةِ ذَلِكَ المَعْنى، وفُلانٌ عَلى بَتاتِ أمْرٍ - إذا أشْرَفَ عَلى فَراغِهِ، فَإنَّهُ يَنْقَطِعُ حِينَئِذٍ، وتَقُولُ: طَحَنْتُ بِالرَّحى بَتًّا - إذا ابْتَدَأْتَ الإدارَةَ عَنْ يَسارِكَ، كَأنَّهُ دالٌّ عَلى القَطْعِ بِتَمامِ العَزِيمَةِ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى لِلطّاحِنِ وأمْكَنُ، وانَبْتَّ الرَّجُلُ: انْقَطَعَ ماءُ ظَهْرِهِ، ويُقالُ: (p-٣٣٥)هَذا حَبْلٌ بَتٌّ - إذا كانَ طاقًا واحِدًا، كَأنَّهُ لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَكانَ سَهْلَ القَطْعِ أطْلَقَ عَلَيْهِ القَطْعَ مُبالَغَةً مِثْلَ عَدْلٍ، وقَدِ انْبَتَّ فُلانٌ عَنْ فُلانٍ - إذا انْقَطَعَ وانْقَبَضَ.
111:2Page 603
مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ ٢
His wealth will not avail him or that which he gained.
ولَمّا أوْقَعَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ بِهَلاكِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ المُؤَكَّدِ لَمّا كانَ لِصاحِبِ القِصَّةِ وغَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِلِسانِ حالِهِ وقالَهُ لِما لَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، وما هو فِيهِ مِنَ القُوَّةِ بِالعَدَدِ والعُدَدِ، زادَ الأمْرَ تَحَقُّقًا إعْلامًا بِأنَّ الأحْوالَ الدُّنْيَوِيَّةَ لا غِناءَ لَها فَقالَ مُخْبِرًا، أوْ مُسْتَفْهِمًا مُنْكِرًا ﴿ما أغْنى﴾ أيْ أجْزى ونابَ وسَدَّ ﴿عَنْهُ﴾ أيْ عَنْ أبِي لَهَبٍ الشَّقِيِّ الطَّرِيدِ المَبْعُودِ عَنِ الرَّحْمَةِ مَعَ العَذابِ ﴿مالُهُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ يُنْجِي مِنَ الهَلاكِ.
ولَمّا كانَ الكَسْبُ أعَمَّ مِنَ المالِ، وكانَ المالُ قَدْ يَكْسِبُ مَنافِعَ هي أعْظَمُ مِنهُ مِنَ الجاهِ وغَيْرِهِ، وكانَ الإنْسانُ قَدْ يَكُونُ فائِزًا ولا مالَ لَهُ بِأُمُورِ أثْلِها بِسَعْيِهِ خارِجَةٌ عَنِ المالِ، قالَ مُفِيدًا لِذَلِكَ مُبَيِّنًا أنَّهُ لا يَنْفَعُ إلّا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ﴿وما كَسَبَ﴾ أيْ وإنْ كانَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ هائِلٍ مِنَ الوَلَدِ والأصْحابِ والعِزِّ بِعَشِيرَتِهِ الَّتِي كانَ يُرْضِيها بِاتِّباعِ (p-٣٣٦)النَّبِيِّ ﷺ في المَحافِلِ يُؤْذِيهِ ويُكَذِّبُهُ ويَنْهى النّاسَ عَنْ تَصْدِيقِهِ مَعَ أنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُنادِيهِ بِالصّادِقِ الأمِينِ، وكانَ ابْنُهُ عُتْبَةُ شَدِيدَ الأذى لِلنَّبِيِّ ﷺ حَتّى قالَ النَّبِيُّ ﷺ «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ» فَكانَ أبُو لَهَبٍ يَعْرِفُ أنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ لا بُدَّ أنْ تُدْرِكَهُ، فَلَمّا حانَ الأمْرُ وكانَ قَدْ آنَ ما أرادَ صاحِبُ العِزِّ الشّامِخِ، سَبَّبَ لَهُ أنَّ سافَرَ إلى الشّامِ فَأوْصى بِهِ أبُوهُ الرِّفاقَ لِيُنْجُوهُ رَغْمَ مِن هَذِهِ الدَّعْوَةِ، فَكانُوا يُحَدِّقُونَ بِهِ إذا نامَ لِيَكُونَ وسَطَهُمْ، والحُمُولُ مُحِيطَةٌ بِهِ وهم مُحِيطُونَ بِها والرُّكّابُ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ بَلْ جاءَ الأسَدُ فَتَشَمَّمَ النّاسَ حَتّى وصَلَ إلَيْهِ فاقْتَلَعَ رَأْسَهُ ولَمْ يَنْفَعْ أباهُ ذَلِكَ، بَلِ اسْتَمَرَّ عَلى ضَلالِهِ لِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى حَتّى كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ فَلَمْ يَخْرُجْ، فِيها فَلَمّا جاءَ الفِلالُ كانَ مِنهُمُ ابْنُ أخِيهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ فَقالَ: هَلُمَّ يا ابْنَ أخِي فَعِنْدَكَ الخَبَرُ: فَقالَ نَعَمْ! فَواللَّهِ ما هو إلّا أنْ لَقِيناهم فَمَنَحْناهم أكْتافَنا يَفْتِلُونَنا كَيْفَ شاءُوا [ويَأْسِرُونَنا كَيْفَ شاءُوا -]، ومَعَ ذَلِكَ واللَّهِ مَلَلْتُ النّاسَ لَقِينا رِجالًا بِيضًا عَلى خَيْلٍ بَلْقٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ما تَلِيقُ شَيْئًا [أيْ -] ما تُبْقِيهِ - (p-٣٣٧)ولا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، قالَ أبُو رافِعٍ غُلامُ العَبّاسِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكانَ جالِسًا في حُجْرَةٍ في المَسْجِدِ يَبْرِي نَبْلًا، وكانَ الإسْلامُ قَدْ دَخَلَنا أهْلَ البَيْتِ وكُنّا نَكْتُمُ إسْلامَنا، فَما مَلَكَتْ نَفَسِي أنْ قُلْتُ: تِلْكَ واللَّهِ المَلائِكَةُ، قالَ: فَرَفَعَ أبُو لَهَبٍ يَدَهُ فَضَرَبَ وجْهِي ضَرْبَةً شَدِيدَةً، قالَ: وثاوَرَتْهُ فاحْتَمَلَنِي فَضَرَبَ بِيَ الأرْضَ ثُمَّ بَرَكَ عَلَيَّ يَضْرِبُنِي وكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، فَقامَتْ أُمُّ الفَضْلِ - يَعْنِي سَيِّدَتُهُ زَوْجَةُ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها إلى عَمُودِ الحُجْرَةِ - أيِ الخَيْمَةِ - فَضَرَبَتْهُ [بِهِ -] ضَرْبَةً فَلَقَتْ في رَأْسِهِ شَجَّةً مُنْكَرَةً وقالَتْ: اسْتَضْعَفَتْهُ أيْ عَدُوَّ اللَّهِ إنْ غابَ عَنْهُ سَيِّدُهُ، فَقامَ مُولِيًا ذَلِيلًا فَواللَّهِ ما عاشَ إلّا سَبْعَ لَيالٍ أوْ سِتًّا حَتّى رَماهُ اللَّهُ بِالعَدَسَةِ فَقَتَلَهُ وما نَفَعَهُ إبْعادُهُ عَنِ الخَطَرِ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ بَدْرٍ، والعَدَسَةُ بَثْرَةٌ تُشْبِهُ العَدَسَةَ تَخْرُجُ في مَواضِعَ مِنَ الجَسَدِ مِن جِنْسِ الطّاعُونِ تَقْتُلُ غالِبًا، قالَ القَزّازُ: كانَتْ تُعْدِي في الجاهِلِيَّةِ قَلَّما يَسْلَمُ مِنها أحَدٌ، تَقُولُ: عَدَسَ الرَّجُلُ فَهو مَعْدُوسٌ، كَما تَقُولُ: طَعَنَ فَهو مَطْعُونٌ - إذا أصابَهُ الطّاعُونُ - انْتَهى.
ولِأجْلِ تَشاؤُمِ العَرَبِ بِها تَرَكَ أبُو لَهَبٍ مِن غَيْرِ دَفْنٍ ثَلاثًا (p-٣٣٨)حَتّى أنْتُنَّ، ثُمَّ اسْتَأْجَرُوا بَعْضَ السُّودانِ حَتّى دَفَنُوهُ، ويُقالُ: إنَّهم حَفَرُوا لَهُ حُفْرَةً بَعِيدَةً عَنْهُ مِن شِدَّةِ نَتْنِهِ ثُمَّ دَفَعُوهُ بِخَشَبٍ طُوالٍ حَتّى رَمَوْهُ فِيها ورَجَمُوهُ بِالحِجارَةِ والتُّرابِ مِن بَعِيدٍ حَتّى طَمَوْهُ، فَكانَ ذَلِكَ سُنَّةً في رَجْمِهِ فَهو يُرْجَمُ إلى الآنَ، وذَلِكَ مِن أوَّلِ إعْجازِ هَذِهِ الآياتِ أنْ كانَ سُبَّةً في العَرَبِ [دُونَ أنْ -] يُغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ [مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ -].
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِوُقُوعِ هَذا التَّبارِ الأعْظَمِ بِهِ، وكانَ لا عَذابَ يُدانِي عَذابَ الآخِرَةِ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَصْلى﴾ أيْ عَنْ قُرْبٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿نارًا﴾ أيْ فَيَدُسُّ فِيها وتَنْعَطِفُ عَلَيْهِ وتُحِيطُ بِهِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ شِدَّةَ نِكايَتِهِ بِأشَدِّ ما يَكُونُ مِنَ الحَرارَةِ كَما أحْرَقَ أكْبادَ الأوْلِياءِ، وكانَتِ النّارُ قَدْ تَكُونُ جَمْرًا ثُمَّ تَنْطَفِئُ عَنْ قُرْبٍ قالَ: ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾ أيْ لا تَسْكُنُ ولا تَخْمُدُ أبَدًا لِأنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ الصُّحْبَةِ المُعَبَّرِ عَنْها بـِ ”ذاتِ“، وذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ ولَيْسَ في السُّورَةِ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الصِّلِيُّ عَلى الفِسْقِ، فَلا دَلِيلَ فِيها لِمَن يَقُولُ: إنَّ فِيها التَّكْلِيفَ بِما عَلِمَ أنَّهُ مُحالٌ لِيَكُونَ قَدْ كَلَّفَ بِأنْ يُؤْمِنَ وقَدْ عَلِمَ (p-٣٣٩)أنَّهُ حُكْمٌ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وإنَّ كانَ اللَّهُ قَدْ حَقَّقَ هَذا الخَبَرَ بِمَوْتِهِ كافِرًا في الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ عَقِبَ غَزْوَةَ بَدْرٍ وهي الخامِسَةَ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ، لَكِنْ ما عَرَفَ تَحَتَّمَ كُفْرُهُ إلّا بِمَوْتِهِ كافِرًا لا بِشَيْءٍ في هَذِهِ السُّورَةِ ولا غَيْرِها، ومِنَ الغَرائِبِ أنَّ الكَلِماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، فَكانَتْ مُشِيرَةً إلى سَنَةِ مَوْتِهِ بَعْدَ أنْ رَأى تَبابَهُ في وقْعَةِ بَدْرٍ وغَيْرِها بِعَيْنِهِ، فَإذا ضَمَمْنا إلَيْها كَلِماتِ البَسْمَلَةِ الأرْبَعِ وازَتْ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، وهي سَنَةُ عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ الفَتْحِ السَّبَبِيِّ الَّتِي تُحَقِّقُ فِيها تَبابَهُ [وخَسارَهُ -] عِنْدَ كُلِّ مَن عِنْدَهُ إيمانٌ بِالغَيْبِ ودَفْعٌ لِلرَّيْبِ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها الضَّمِيرَيْنِ البارِزَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما أقْرَبُ إلى الكَلِماتِ الِاصْطِلاحِيَّةِ مِنَ المُسْتَتِرَةِ وازَتْ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ الَّتِي كانَ فِيها الفَتْحُ الحَقِيقِيُّ، فَتَحَقَّقَ عِنْدَ قُرَيْشٍ كافَّةُ ما أُنْزِلَ فِيهِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها الضَّمائِرَ الثَّلاثَةَ المُسْتَتِرَةَ وازَتْ سَنَةَ إحْدى عَشْرَةَ عَلى أنَّكَ إذا بَدَأْتَ بِالضَّمائِرِ المُسْتَتِرَةِ حَصَلَتِ المُناسَبَةُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّها تُوازِي سَنَةَ تِسْعٍ وهي سَنَةُ الوُفُودِ الَّتِي دَخَلَ النّاسُ فِيها في الدِّينِ أفْواجًا وحَجَّ فِيها بِالنّاسِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمِيرًا، ونُودِيَ (p-٣٤٠)فِي المَوْسِمِ بِبَراءَةَ، وأنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، فَتَحَقَّقَتْ خَيْبَةُ أبِي لَهَبٍ عِنْدَ كُلِّ مَن حَضَرَ المَوْسِمَ لا سِيَّما مَن كانَ يَعْلَمُ دَوَرانَهُ وراءَ النَّبِيِّ ﷺ وتَكْذِيبَهُ لَهُ مِن مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، فَإذا ضَمَمْنا إلى ذَلِكَ الضَّمِيرَيْنِ البارِزَيْنِ وازَتْ سَنَةَ إحْدى عَشْرَةَ أوَّلَ سِنِي خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّتِي فَتَحَتْ فِيها [جَمِيعَ -] جَزِيرَةِ العَرَبِ بَعْدَ أنْ لَعِبَ الشَّيْطانُ بِكَثِيرٍ مِن أهْلِها.
فَرَجَعُوا بَعْدَ أنْ قَتَلَ اللَّهُ مِنهم مَن عَلِمَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ لِجَهَنَّمَ، وتَحَقَّقَ حِينَئِذٍ ما لِأبِي لَهَبٍ مِنَ التِّبابِ والنّارِ ذاتِ الِالتِهابِ عِنْدَ العَرَبِ كافَّةً بِإيمانِهِمْ عامَّةً في السَّنَةِ الحادِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مِنَ النُّبُوَّةِ، واسْتَقَرَّ الأمْرُ حِينَئِذٍ، وعَلِمَ أنَّ الدِّينَ قَدْ رَسَخَتْ أوْتادُهُ وثَبَتَ عِمادُهُ، وأنَّ الَّذِي كانَ يَحْمِيهِ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ حَماهُ بَعْدَهُ وهو سُبْحانُهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ وقادِرٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وعَدَدُ كَلِماتِ السُّورَةِ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ وهي تُوازِي سَنَةَ حَجَّةِ الوَداعِ سَنَةَ عَشْرٍ، فَإنَّها السَّنَةُ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ مِنَ المَبْعَثِ وفِيها كَمُلَ الدِّينُ ونَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ، وأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الشَّيْطانَ قَدْ أيِسَ أنْ يُعْبَدَ بِأرْضِ العَرَبِ، (p-٣٤١)فَتَحَقَّقَ كُلُّ النّاسِ لا سِيَّما مَن حَضَرَ المَوْسِمَ تِبابُ أبِي لَهَبٍ الَّذِي كانَ يَدُورُ في تِلْكَ المَشاهِدِ وراءَ النَّبِيِّ ﷺ يُكَذِّبُهُ ويُؤْذِيهِ
إنَّ في ذَلِكَ لِعِبْرَة.
111:4Page 603
وَٱمۡرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلۡحَطَبِ ٤
And his wife [as well] - the carrier of firewood.1
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ بِكَمالِ التِّبابِ الَّذِي هو نِهايَةُ الخَسارِ، وكانَ أشَقَّ ما عَلى الإنْسانِ هَتْكُ ما يَصُونُهُ مِن حَرِيمِهِ حَتّى أنَّهُ يَبْذُلُ نَفْسَهُ دُونَ ذَلِكَ لا سِيَّما العَرَبُ، فَإنَّهُ لا يُدانِيهِمْ في ذَلِكَ أحَدٌ، زادَهُ تَحْقِيرًا بِذِكْرِ مَن يَصُونُها مُعَبِّرًا عَنْها بِما صَدَّرَها بَأزْرَأِ صُورَةٍ وأشْنَعِها، فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ خَلْطَةَ الأشْرارِ غايَةَ الخَسارِ، فَإنَّ الطَّبْعَ وإنْ كانَ جَيِّدًا يُسْرَقُ مِنَ الرَّدِيءِ، فَكَيْفَ إذا كانَ رَدِيئًا وإنَّ أرْضى النّاسِ بِما يُسْخِطُ اللَّهَ أعْظَمَ الهَلاكِ ﴿وامْرَأتُهُ﴾ أيْ أمُّ جَمِيلٍ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ بْنِ قُصِيٍّ مِثْلَ زَوْجِها في التَّبابِ والصِّلِيِّ مِن غَيْرِ أنْ يُغْنِيَ عَنْها شَيْءٌ مِن مالٍ ولا حَسَبٍ ولا نَسَبٍ، وعَدَلَ عَنْ ذِكْرِها بِكُنْيَتِها لِأنَّ صِفَتَها القَباحَةُ وهي ضِدُّ كُنْيَتِها، ومِن هُنا تُؤْخَذُ كَراهَةَ التَّلْقِيبِ بِناصِرِ الدِّينِ ونَحْوِها لِمَن لَيْسَ مُتَّصِفًا بِما دَلَّ عَلَيْهِ لَقَبُهُ، ثُمَّ وصَفَها بِما أشارَ إلَيْهِ ذَنْبُها وأكْمَلَ قَبِيحَ صُورَتِها فَقالَ: ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ أيِ الحامِلَةَ أقْصى ما يُمْكِنُ حَمْلُهُ مِن حَطَبِ (p-٣٤٢)جَهَنَّمَ بِما كانَتْ تَمْشِي بِهِ وتُبالِغُ فِيهِ مِن حَمْلِ حَطَبِ البَهْتِ والنَّمِيمَةِ الَّذِي تَحْمِلُ بِهِ عَلى مُعاداةِ النَّبِيِّ ﷺ وشِدَّةِ أذاهُ وإيقادِ نارِ الحَرْبِ والخُصُومَةِ عَلَيْهِ ﷺ، مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎مِنَ البَيْضِ لَمْ تَصْطَدْ عَلى ظَهْرٍ لِأُمِّهِ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ
أرادَ النَّمِيمَةَ، وعَبَّرَ بِالرَّطْبِ لِلدَّلالَةِ عَلى زِيادَةِ الشَّرِّ بِما فِيهِ مِنَ التَّدْخِينِ وشُبِّهَتِ النَّمِيمَةُ بِالحَطَبِ لِأنَّها تُوقِدُ الشَّرَّ فَتُفَرِّقُ بَيْنَ النّاسِ كَما أنَّ الحَطَبَ يَكُونُ وقُودًا لِلنّارِ فَتُفَرِّقُهُ، وكَذا بِما كانَتْ تَحْمِلُ مِنَ الشَّوْكِ وتَنْثُرُهُ لَيْلًا في طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ لِتُؤْذِيَهُ، وكانَتْ تَفْعَلُهُ بِنَفْسِها مِن شِدَّةِ عَداوَتِها وتُباشِرُهُ لَيْلًا لِتَسْتَخْفِيَ بِهِ لِأنَّها كانَتْ شَرِيفَةً، فَلَمّا نَزَلَتْ سُورَةٌ صَوَّرْتَها بِأقْبَحِ صُورَةٍ فَكانَ [ذَلِكَ -] أعْظَمَ فاضِحٍ لَها، وقِراءَةُ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ لِلْقَطْعِ عَلى الشَّتْمِ تُؤَدِّي أنَّ امْرَأتَهُ مُبْتَدَأٌ وأنَّ الخَبَرَ
﴿فِي جِيدِها﴾ أيْ عُنُقِها وأجْوَدُ ما فِيها - هو حالٌ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ ﴿حَبْلٌ﴾ كالحَطّابِينَ تَخْسِيسًا لِأمْرِها وتَحْقِيرًا لِحالِها ﴿مِن مَسَدٍ﴾ أيْ لِيفٍ أوْ لِيفِ المُقِلِّ أوْ مِن شَيْءٍ قَدْ فُتِلَ وأُحْكِمَ فَتْلُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ مَمْسُودُ الخُلُقِ، أيْ مُجَدْوَلَهُ - وقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها، فَإنَّ مَن كانَتِ امْرَأتُهُ مُصَوَّرَةً بِصُورَةٍ حَطّابَةٍ عَلى ظَهْرِها حِزْمَةُ حَطَبٍ مُعَلَّقٍ (p-٣٤٣)حَبْلُها في جِيدِها فَهو في غايَةِ الحَقارَةِ، والتِّبابِ والخَساسَةِ والخَسارَةِ، وحاصِلُ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ أبا لَهَبٍ قَطَعَ رَحِمَهُ وجارَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ واجْتَهَدَ بَعْدَ ضَلالِهِ في إضْلالِ غَيْرِهِ، وظُلْمِ النّاصِحِ لَهُ الرَّءُوفِ بِهِ الَّذِي لَمْ يَأْلِ جُهْدًا في نُصْحِهِ عَلى ما تَراهُ مِن أنَّهُ لَمْ يَأْلِ [هُوَ -] جُهْدًا في أذاهُ واعْتَمَدَ عَلى مالِهِ وأكْسابِهِ فَهَلَكَ وأهْلَكَ امْرَأتَهُ مَعَهُ ومَن تَبِعَهُ مِن أوْلادِهِ، ومِن أعْظَمِ مَقاصِدِ سُورَةِ النِّساءِ المُناظِرَةِ لَها في رَدِّ المَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ التَّواصُلُ والتَّقارُبُ والإحْسانُ لا سِيَّما لِذَوِي الأرْحامِ، والعَدْلِ في جَمِيعِ الأقْوالِ والأفْعالِ، فَكانَ شَرْحُ حالِ النّاصِحِ الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، [وحالُ الضّالِّ الَّذِي إنَّما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى -] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] وخَتْمُها إشارَةٌ إلى التَّحْذِيرِ مِن مِثْلِ حالِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا فَكُونُوا كَأبِي لَهَبٍ في البَوارِ، وصَلِيَ النّارَ - كَما تَبَيَّنَ لَكُمْ، فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِن كُلِّ ما يُشابِهُ حالَهُ وإنْ ظَهَرَ لَكم خِلافَ ذَلِكَ، فَأنا أعْلَمُ مِنكم - واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ”والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ“.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences