Al-Biqa'iAl‑Anfal · 8:7–13

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:7–13

8:7Page 177

وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧

[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

ولَمّا لانُوا بِهَذا الخِطابِ، وأقْبَلُوا عَلى المَلِكِ التَّوّابِ، أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيِ: اذْكُرُوا هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ لَكم وقَدْ كانَ حالُكم فِيهِ ما ذَكَرَهُ، ثُمَّ أفْضى إلى سَعادَةٍ عَظِيمَةٍ وعِزٍّ لا يُشْبِهُهُ عِزٌّ، واذْكُرُوا إذْ: ﴿يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ العِيرِ أوِ النَّفِيرِ، وأبْدَلَ مِنَ الإحْدى - لِيَكُونَ الوَعْدُ بِها مُكَرَّرًا - قَوْلَهُ: ﴿أنَّها لَكُمْ﴾ أيْ: فَتَكْرَهُونَ لِقاءَ ذاتِ الشَّوْكَةِ ﴿وتَوَدُّونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم تُحِبُّونَ مَحَبَّةً عَظِيمَةً ﴿أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ أيِ: السِّلاحِ والقِتالِ والكِفاحِ الَّذِي بِهِ تُعْرَفُ الأبْطالُ ويُمَيَّزُ بَيْنَ الرِّجالِ مِن ذَواتِ الحِجالِ ﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ أيِ: العِيرُ لِكَوْنِها لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا ناسٌ قَلِيلٌ، يُقالُ: إنَّهم أرْبَعُونَ رَجُلًا، جَهْلًا مِنكم بِالعَواقِبِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَكم أنَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ خَيْرٌ لَكم بِما لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ، فَسَلِّمُوا لَهُ الأمْرَ في السِّرِّ والجَهْرِ (p-٢٢٥)تَنالُوا الغِنى والنَّصْرَ، وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ العاصِمِيُّ في مُناسَبَةِ تَعْقِيبِ الأعْرافِ بِهَذِهِ السُّورَةِ ومُناسَبَةِ آخِرِ تِلْكَ لِأوَّلِ هَذِهِ ما نَصُّهُ: لَمّا قَصَّ سُبْحانَهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ في سُورَةِ الأعْرافِ أخْبارَ الأُمَمِ، وقَطَعَ المُؤْمِنُونَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ الهُدى إلّا بِسابِقَةِ السَّعادَةِ، لِافْتِتاحِ السُّورَةِ مِن ذِكْرِ الأشْقِياءِ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ وخَتْمِها بِقِصَّةِ بِلْعامَ، وكِلاهُما كَفَرَ عَلى عِلْمٍ ولَمْ يَنْفَعْهُ ما قَدْ كانَ حَصَلَ عَلَيْهِ، ونَبَّهَ تَعالى عِبادَهُ عَلى البابِ الَّذِي أتى مِنهُ عَلى بِلْعامَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] فَأشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ اتِّباعَ الأهْواءِ أضَلَّ كُلَّ ضَلالٍ، نُبِّهُوا عَلى ما فِيهِ الحَزْمُ مِن تَرْكِ الأهْواءِ جُمْلَةً فَقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] الآيَةَ. فَكانَ قَدْ قِيلَ لَهُمُ: اتْرُكُوا ما تَرَوْنَ أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لَكُمْ، وفَوِّضُوا في أمْرِهِ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ، فَذَلِكَ أسْلَمُ لَكم وأحْزَمُ في رَدْعِ أغْراضِكم وقِمْعِ شَهَواتِكم وتَرْكِ أُمُورِ رَبِّكم وقَدْ ألَّفَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ البَيْضاءِ حَسْمَ الذَّرائِعِ كَثِيرًا وإقامَةَ مَظِنَّةِ الشَّيْءِ مَقامَهُ كَتَحْرِيمِ الجُرْعَةِ مِنَ الخَمْرِ والقَطْرَةِ، والخِطْبَةِ في العِدَّةِ واعْتِدادِ النَّوْمِ الثَّقِيلِ ناقِضًا، فَهَذِهِ مَظانُّ لَمْ يَقَعِ الحُكْمُ فِيها عَلى ما هو لِأنْفُسِها ولا بِما هي كَذا، بَلْ بِما هي مَظانُّ ودَواعٍ لِما مُنِعَ لِعَيْنِهِ (p-٢٢٦)أوِ اسْتَوْجَبَ حُكْمًا لِعَيْنِهِ وعِلَّتِهِ الخاصَّةِ بِهِ، ولَمّا أمَرَ المُسْلِمُونَ بِحَلِّ أيْدِيهِمْ عَنِ الأنْفالِ يَوْمَ بَدْرٍ إذْ كانَ المُقاتِلَةُ قَدْ هَمُّوا بِأخْذِها وحَدَّثُوا أنْفُسَهم بِالِانْفِرادِ بِها ورَأوْا أنَّها مِن حَقِّهِمْ وأنَّ مَن لَمْ يُباشِرْ قِتالًا مِنَ الشُّيُوخِ ومَنِ انْحازَ مِنهُ لِمُهِمٍّ فَلا حَقَّ لَهُ فِيها، ورَأى الآخَرُونَ أيْضًا أنَّ حَقَّهم فِيها ثابِتٌ لِأنَّهم كانُوا فِيهِ لِلْمُقاتِلِينَ عُدَّةً ومَلْجَأً وراءَ ظُهُورِهِمْ، كانَ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن تَسْلِيمِ الحُكْمِ في ذَلِكَ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن بابِ حَسْمِ الذَّرائِعِ؛ لِأنَّ تَمْشِيَةَ أغْراضِهِمْ في ذَلِكَ - وإنْ تَعَلَّقَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِحُجَّةٍ - مَظِنَّةٌ لِرِئاسَةِ النُّفُوسِ واسْتِسْهالِ اتِّباعِ الأهْواءِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ ذَلِكَ والتَّفْوِيضِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ أسْلَمُ لَهم وأوْفى لِدِينِهِمْ وأبْقى في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ وأجْدى في الِاتِّباعِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] الآيَةَ. ثُمَّ ذُكِّرُوا بِما يَنْبَغِي لَهم أنْ يَلْتَزِمُوا فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٢] - إلى قَوْلِهِ: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] ثُمَّ نُبِّهُوا عَلى أنَّ أعْراضَ الدُّنْيا مِن نَفَلٍ أوْ غَيْرِهِ لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ اعْتِمادًا يُدْخِلُ عَلَيْهِ ضِرارًا مِنَ الشِّرْكِ أوِ التِفاتًا إلى غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] ثُمَّ ذُكِّرُوا بِما وصَفَ بِهِ المُتَّقِينَ مِنَ الصَّلاةِ والإنْفاقِ ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَصَّرَ في هَذِهِ الأحْوالِ ولَمْ يَأْتِ بِها عَلى كَمالِها لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الإيمانِ ولَكِنْ يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الكَمالِ بِحَسَبِ تَقْصِيرِهِ، وكانَ في هَذا إشْعارٌ بِعُذْرِهِمْ في كَلامِهِمْ في الأنْفالِ وأنَّهم قَدْ كانُوا في مَطْلَبِهِمْ عَلى حالَةٍ مِنَ الصَّوابِ وشِرْبٌ مِن (p-٢٢٧)التَّمَسُّكِ والاتِّباعِ، ولَكِنَّ أعْلى الدَّرَجاتِ ما بُيِّنَ لَهم ومُنِحُوهُ، وأنَّهُ الكَمالُ والفَوْزُ، ثُمَّ نَبَّهَهم سُبْحانَهُ بِكَيْفِيَّةِ أمْرِهِمْ في الخُرُوجِ إلى بَدْرٍ ووَدِّهِمْ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَهم وهو سُبْحانُهُ يُرِيهِمْ حُسْنَ العاقِبَةِ فِيما اخْتارَهُ لَهُمْ، فَقَدْ كانُوا تَمَنَّوْا لِقاءَ العِيرِ، واخْتارُوا ذَلِكَ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ ولَمْ يَعْلَمُوا ما وراءَ ذَلِكَ.

﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ إلى ما قَصَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ اكْتِنافِهِمْ بِرَحْمَتِهِ وشُمُولِ ألْطافِهِ وآلائِهِ وبَسْطِ نُفُوسِهِمْ ونَبَّهَهم عَلى ما يُثَبِّتُ يَقِينَهم ويَزِيدُ في إيمانِهِمْ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ في التَّقْوى فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] الآيَةَ. وهَذا الفُرْقانُ هو الَّذِي حُرِمَهُ إبْلِيسُ وبِلْعامُ، فَكانَ مِنهُما ما تَقَدَّمَ مِنَ اتِّباعِ الأهْواءِ القاطِعَةِ لَهم عَنِ الرَّحْمَةِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ حُصُولَ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِنِعْمَةِ الِاتِّقاءِ، ثُمَّ أُجْمِلَ الخَيْرانِ مَعًا في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] بَعْدَ تَفْصِيلِ ما إلَيْهِ إسْراعُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الفُرْقانِ والتَّكْفِيرِ والغُفْرانِ، ولَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِخَيْرَيِ الدُّنْيا الخاصِّ بِها مَعَ اقْتِضاءِ الآيَةِ إيّاهُ تَنْزِيهًا لِلْمُؤْمِنِ في مَقامِ إعْطاءِ الفُرْقانِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، والغُفْرانِ مِن ذِكْرِ مَتاعِ الدُّنْيا الَّتِي هي لَهْوٌ ولَعِبٌ فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُ مَتاعِها الفانِي لِيُذْكَرَ مُفَصَّلًا مَعَ ما لا يُجانِسُهُ ولا يُشاكِلُهُ.

﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] ثُمَّ التَحَمَتِ الآيُ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو (p-٢٢٨)أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] بَيَّنَ لَهم كَيْفِيَّةَ هَذا الِاسْتِماعِ وما الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ المُؤْمِنُ مِن ضُرُوبِهِ فَقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٢] الآيَةَ. فَهَؤُلاءِ لَمْ يَسْمَعُوا بِآذانِهِمْ فَقَطْ، ولا كانَتْ لَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ولا قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، ولَوْ كانُوا كَذا لَما وجِلَتْ وعَمَّهُمُ الفَزِعُ والخَشْيَةُ وزادَتْهُمُ الآياتُ إيمانًا، فَإذَنْ إنَّما يَكُونُ سَماعُ المُؤْمِنِ هَكَذا ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ إنَّما أتى عَلَيْهِمْ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ والوُقُوفِ مَعَ أغْراضِهِمْ وشَهَواتِهِمْ ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ [الأعراف: ١٦٩] ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وهَذِهِ بِعَيْنِها كانَتْ آفَةَ إبْلِيسَ، رَأى لِنَفْسِهِ المَزِيدَ واعْتَقَدَ لَها الحَقَّ ثُمَّ اتَّبَعَ هَذا الهَوى حِينَ قالَ: ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] فَلَمّا كانَ اتِّباعُ الهَوى أصْلًا في الضَّلالِ وتَنَكُّبِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِحَسْمِ بابِ الأهْواءِ، والتَّسْلِيمِ فِيما لَهم بِهِ تَعَلُّقٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ هَوًى مُجَرَّدًا لَكِنَّهُ مَظِنَّةُ تَيْسِيرٍ لِاتِّباعِ الهَوى، فافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِسُؤالِهِمْ عَنِ الأنْفالِ وأُخْبِرُوا أنَّها لِلَّهِ ورَسُولِهِ، يَحْكُمُ فِيها ما يَشاءُ.

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١] واحْذَرُوا الأهْواءَ الَّتِي أهْلَكَتْ مَن قُصَّ عَلَيْكم ذِكْرُهُ ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] بِرَفْعِ التَّنازُعِ، وسَلِّمُوا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وإلّا لَمْ تَكُونُوا سامِعِينَ وقَدْ أُمِرْتُمْ أنْ تَسْمَعُوا السَّماعَ الَّذِي (p-٢٢٩)عَنْهُ تُرْجى الرَّحْمَةُ، وبَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٢] - الآياتِ. ووَجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّ قَصَصَ بَنِي إسْرائِيلَ عُقِّبَ بِوَصاةِ المُؤْمِنِينَ وخُصُوصًا بِالتَّقْوى وعَلى حَسَبِ ما يَكُونُ الغالِبُ فِيما يُذْكَرُ مِن أمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ فَفي البَقَرَةِ أتْبَعَ قَصَصَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] ولَمّا كانَ قَصَصُهم مُفْتَتَحًا بِذِكْرِ تَفْضِيلِهِمْ: ”يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ“ افْتَتَحَ خِطابَ هَذِهِ الأُمَّةِ بِما يُشْعِرُ بِتَفْضِيلِهِمْ، وتَأمَّلْ ما بَيْنَ: ”يا بَنِي إسْرائِيلَ“و: ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“ وأمَرَ أُولَئِكَ بِالإيمانِ: ﴿وآمِنُوا بِما أنْـزَلْتُ﴾ [البقرة: ٤١] وأمَرَ هَؤُلاءِ بِتَعَبُّدٍ احْتِياطِيٍّ فَقِيلَ: ﴿وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] ثُمَّ أُعْقِبَتِ البَقَرَةُ بِآلِ عِمْرانَ وافْتُتِحَتْ بِبَيانِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ الَّذِي مِن جِهَتِهِ أتى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في كَثِيرٍ مِن مُرْتَكَباتِهِمْ، ولَمّا ضُمِّنَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ مِن ذِكْرِهِمْ ما ورَدَ فِيها، أُعْقِبَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] ثُمَّ أُعْقِبَتِ السُّورَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] وعَدَلَ عَنِ الخِطابِ بِاسْمِ الإيمانِ لِلْمُناسَبَةِ، وذَلِكَ أنَّ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ خُصَّتْ مِن مُرْتَكَباتِ بَنِي إسْرائِيلَ بِجَرائِمَ كَقَوْلِهِمْ في الكُفّارِ: ﴿هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ [النساء: ٥١] فَهَذا بُهْتٌ، ومِنها قَوْلُهُمْ: ﴿اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] إلى (p-٢٣٠)ما تَخَلَّلَ هاتَيْنِ مِنَ الآياتِ المُنْبِئَةِ عَنْ تَعَمُّدِهِمُ الجَرائِمَ، فَعَدَلَ عَنْ: ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“ إلى: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ [النساء: ١] لِيَكُونَ أوْقَعَ في التَّرْتِيبِ وأوْضَحَ مُناسَبَةً لِما ذُكِرَ، ولَمّا ضُمِّنَتْ سُورَةُ النِّساءِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] - إلى قَوْلِهِ: ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ [النساء: ١٦١] أُتْبِعَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ثُمَّ ذَكَرَ لَهم ما أُحِلَّ لَهم وحُرِّمَ عَلَيْهِمْ لِيَحْذَرُوا مِمّا وقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ، فَعَلى هَذا لَمّا ضُمِّنَتْ سُورَةُ الأعْرافِ مِن قَصَصِهِمْ جُمْلَةً، وبَيَّنَ فِيها اعْتِداءَهُمْ، وبَناهُ عَلى اتِّباعِ الأهْواءِ والهُجُومِ عَلى الأغْراضِ، طَلَبَ هَؤُلاءِ بِاتِّقاءِ ذَلِكَ والبُعْدِ عَمّا يُشْبِهُهُ جُمْلَةً، فَقِيلَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] ثُمَّ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ الأُخْرى بِصَرْفِهِمْ عَمّا لَهم بِهِ تَعَلُّقٌ وإلَيْهِ تَشَبُّثٌ يُقِيمُ عُذْرَهم شَرْعًا فِيما كانَ مِنهُمْ، فَكانَ قَدْ قِيلَ لَهُمْ: تَرْكُ هَذا أعْلَمُ وأبْعَدُ عَنِ اتِّباعِ الأهْواءِ، فَسَلِّمُوا في ذَلِكَ الحُكْمَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ، ثُمَّ تَناسَجَ السِّياقُ والتَحَمَتِ الآيُ، وقَدْ تَبَيَّنَ وجْهُ اتِّصالِ الأنْفالِ بِالأعْرافِ مِن وُجُوهٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ. انْتَهى.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِما هو الحَقُّ مِن أنَّ إرادَتَهم بَلْ وِدادَتَهم إنَّما كانَتْ مُنْصَبَّةً إلى العِيرِ لا إلى النَّفِيرِ، تَبَيَّنَ أنَّهُ لا صُنْعَ لَهم فِيما وقَعَ؛ إذْ لَوْ كانَ لَكانَ عَلى ما أرادُوا، فَلا حَظَّ لَهم في الغَنِيمَةِ إلّا ما يَقْسِمُهُ اللَّهُ لَهُمْ؛ لِأنَّ الحُكْمَ لِمُرادِهِ لا لِمُرادِ غَيْرِهِ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى: ﴿وتَوَدُّونَ﴾ ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العِزِّ والعَظَمَةِ والعِلْمِ ﴿أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ (p-٢٣١)أيْ: يُثْبِتَ في عالَمِ الشَّهادَةِ الثّابِتِ عِنْدَهُ في عالَمِ الغَيْبِ، وهو هُنا إصابَةُ ذاتِ الشَّوْكَةِ ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أيِ: الَّتِي أوْحاها إلى نَبِيِّهِ ﷺ أنَّهم يُهْزَمُونَ ويُقْتَلُونَ ويُؤْسَرُونَ، وأنَّ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ وهَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، لِيُعْلِيَ دِينَهُ ويُظْهِرَ أمْرَهُ عَلى كُلِّ أمْرٍ.

﴿ويَقْطَعَ دابِرَ﴾ أيْ: آخِرَ ﴿الكافِرِينَ﴾ أيْ: كَما يُقْطَعُ أوَّلُهُمْ، أيْ: يَسْتَأْصِلُهم بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ يُشاقِقُ أهْلَ حِزْبِهِ فَهو يُدَبِّرُ أمْرَكم عَلى ما يُرِيدُ، فَلِذَلِكَ اخْتارَ لَكم ذاتَ الجِدِّ والشَّوْكَةِ لِيَكُونَ ما وعَدَكم بِهِ مِن إعْلاءِ الدِّينِ وقَمْعِ المُفْسِدِينَ بِقَطْعِ دابِرِهِمْ

8:8Page 177

لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيِ: الَّذِي هو دِينُهُ القَيِّمُ وفِيهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ وهو كُلُّ ما خالَفَهُ ﴿ولَوْ كَرِهَ﴾ أيْ: ذَلِكَ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَكْسِرَ قُوَّتَهم بِضَعْفِكم ويُفْنِيَ كَثْرَتَهم بِقِلَّتِكم ويَمْحَقَ عِزَّهم بِذِلَّتِكم فَيُظْهِرَ عُلُوَّ أمْرِهِ ويُخْضِعَ الأعْناقَ لِذِكْرِهِ.

8:9Page 178

إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩

[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

﴿إذْ﴾ ظَرْفٌ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ [الأنفال: ٨] ﴿تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ إغاثَةَ المُحْسِنِ إلَيْكُمْ، وهو بَدَلٌ مِن: ”إذْ يَعِدُكُمُ“ فَهو مِنَ البَيانِ لِكَراهَتِهِمْ لِقاءَ ذاتِ الشَّوْكَةِ بِشِدَّةِ جَزَعِهِمُ المُوجِبِ لَهُمُ الِاسْتِغاثَةَ مَعَ إسْفارِ العاقِبَةِ عَنْ أنَّ الخَيْرَ فِيما كَرِهُوهُ، وأنَّهُ أحَقَّ الحَقَّ وأظْهَرَ الدِّينَ وأوْهَنَ أمْرَ المُشْرِكِينَ.

ولَمّا أسْرَعَ سُبْحانَهُ الإجابَةَ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجابَ﴾ أيْ: فَأوْجَدَ الإجابَةَ إيجادَ مَن هو طالِبٌ لَها شَدِيدُ الرَّغْبَةِ فِيها ﴿لَكُمْ﴾ بِغايَةِ ما تُرِيدُونَ تَثْبِيتًا لِقُلُوبِكم ﴿أنِّي﴾ أيْ: بِأنِّي ﴿مُمِدُّكُمْ﴾ أيْ: مُوجِدُ (p-٢٣٢)المَدَدِ ”لَكُمْ“ أيْ: بِإمْدادِكُمْ، ولَعَلَّهُ حَوَّلَ العِبارَةَ لِما في التَّصْرِيحِ بِضَمِيرِهِ مِنَ العَظَمَةِ والبَرَكَةِ ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُرْدِفِينَ﴾ أيْ: مُتْبَعِينَ بِأمْثالِهِمْ.

8:10Page 178

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠

And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

ولَمّا كانَتْ نُصْرَةُ المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ ظاهِرَةً جِدًّا، قالَ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيِ: الإمْدادَ والوَعْدَ بِهِ عَلى ما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي مَن راقَبَها لَمْ يَهَبْ شَيْئًا ﴿إلا بُشْرى﴾ أيْ: لِتَسْتَبْشِرَ بِهِ نُفُوسُكُمْ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدٍ بِأنْ يُقالَ: لَكُمْ، وأمّا في قِصَّةِ أُحُدٍ فَقَدْ كانَ المَقْتُولُ مِنهم أكْثَرَ مِنَ المَقْتُولِ مِنَ الكُفّارِ فَلَوْلا قَوْلُهُ: ”لَكُمْ“ لَرُبَّما طَرَقَ بَعْضَ الأوْهامِ حِينَ سَماعِ أوَّلِ الكَلامِ أنَّ الإمْدادَ بُشْرى لِلْكُفّارِ.

ولَمّا كانَ الَّذِي وقَعَ الحُكْمُ بِهِ هُنا عَلى الإمْدادِ أنَّهُ بُشْرى نَفْسُهُ مِن غَيْرِ قَيْدٍ، عُلِمَ أنَّ العِنايَةَ بِهِ أشَدُّ، فَكانَ المَحْكُومُ بِهِ الطُّمَأْنِينَةَ كَذَلِكَ، فَكانَ أصْلُ الكَلامِ: إلّا بُشْرى هو وطُمَأْنِينَةٌ هُوَ، فَلِذَلِكَ وجَبَ تَقْدِيمُ ضَمِيرِهِ في قَوْلِهِ ”بِهِ“ عَلى القُلُوبِ تَأْكِيدًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وإشارَةً إلى إتْمامِهِ عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَقْدِيمِ ما هم بِهِ أعْنى وهو عِنْدُهم أهَمُّ فَقالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ أيْ: وطُمَأْنِينَةٌ لِتَطْمَئِنَّ ﴿بِهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى شَيْءٍ مِن قُوَّتِكم ولا غَيْرِها ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، وأمّا في قِصَّةِ أُحُدٍ فَلَمّا قُيِّدَتِ البُشْرى بِالإمْدادِ بِلَكم لِما تَقَدَّمَ، عُلِمَ الطُّمَأْنِينَةُ كَذَلِكَ، فَكانَ الأنْسَبُ تَأْخِيرَ ضَمِيرِهِ وتَقْدِيمَ القُلُوبِ المُلابِسَةِ لِضَمِيرِهِمْ مُوازَنَةً لِقَوْلِهِ: ”لَكُمْ“. (p-٢٣٣)ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا أنَّ النَّصْرَ لَيْسَ إلّا بِيَدِهِ وأنَّ شَيْئًا مَنِ الإمْدادِ أوْ غَيْرِهِ لا يُوجِبُ النَّصْرَ بِذاتِهِ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ﴾ أيْ: حاصِلًا ومَوْجُودًا بِالمَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأسْبابِ ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِأنَّ لَهُ وحْدَهُ صِفاتِ الكَمالِ، فَما عِنْدَهُ لَيْسَ مُنْحَصِرًا في الإمْدادِ بِالمَلائِكَةِ فالنَّصْرُ وإنْ كانَ بِها فَلَيْسَ مِن عِنْدِها، فَلا تَعْتَمِدُوا عَلى وُجُودِها ولا تَهِنُوا بِفَقْدِها اعْتِمادًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ خاصَّةً، فَإنَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الأسْبابِ لا يُحاطُ بِهِ عِلْمًا، هَذا إذا أرادَ النَّصْرَ بِالأسْبابِ، وإنْ أرادَ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَعَلَ فَكانَ التَّعْبِيرُ بِعِنْدَ لِإفْهامِ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ في أوَّلِ الأمْرِ، وكانُوا بَعْدَ بُرُوزِ الوَعْدِ الصّادِقِ لَهم بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ كارِهِينَ لِلِقاءِ ذاتِ الشَّوْكَةِ جِدًّا، ثُمَّ وقَعَ لَهم ما وقَعَ مِنَ النَّصْرِ، كانَ المَقامُ مُقْتَضِيًا لِإثْباتِ عِزَّةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ إعْلامًا بِأنَّ صِفاتِ الكَمالِ ثابِتَةٌ لَهُ دائِمًا، فَهو يَنْصُرُ مَن صَبَرَ واتَّقى بِعِزَّتِهِ، ويُحْكِمُ أمْرَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِحِكْمَتِهِ، هَذا فِعْلُهُ دائِمًا كَما فَعَلَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ فَلِذَلِكَ قالَ مُعَلِّلًا لِما قَبْلَهُ مُؤَكِّدًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ: هو في غايَةِ الِامْتِناعِ والقَهْرِ لِمَن يُرِيدُ قَهْرَهُ أزَلًا وأبَدًا. لا يُغْلَبُ ولا يُحْوَجُ ولِيُّهُ إلى زِيادَةِ العَدَدِ ولا نَفاسَةِ العُدَدِ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا كانَ في غايَةِ الإتْقانِ والإحْكامِ، فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْصَ شَيْءٍ مِنهُ، هَذا لَهُ دائِمًا، فَهو يَفْعَلُ في نَصْرِكم هَكَذا مَهْما اسْتَأْنَسْتُمْ (p-٢٣٤)إلى بُشْراهُ ولَمْ تَنْظُرُوا إلى قُوَّتِكم ولا غَيْرِها مِمّا سِواهُ فَلا تَقْلَقُوا إذا أمَرَكم بِالهُجُومِ عَلى البَأْسِ ولَوْ كانَ فِيهِ لِقاءُ جَمِيعِ النّاسِ.

ولَمّا أكَّدَ هُنا، لَمْ يَحْتَجْ إلى إعادَةِ تَأْكِيدِهِ في آلِ عِمْرانَ فَقِيلَ: ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] أيِ: الَّذِي أخْبَرَكم عَنْ عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ بِما يَلِيقُ بِذَلِكَ المَقامِ مِنَ التَّأْكِيدِ، وأخْبَرَكم أنَّكم إنْ فادَيْتُمُ الأسْرى قُتِلَ مِنها في العامِ المُقْبِلِ مِثْلُ عَدَدِهِمْ، فَوُقُوعُ الأمْرِ عَلى ما قالَ مُغْنٍ عَنِ التَّأْكِيدِ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في أُحُدٍ مُتَرَدِّدًا في اللِّقاءِ ولا هائِبًا لَهُ إلّا ما وقَعَ مِنَ الهَمِّ بِالفَشَلِ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ والعِصْمَةِ مِنهُ في الحالِ، وقَدْ مَضى في آلِ عِمْرانَ لِهَذا مَزِيدُ بَيانٍ.

8:11Page 178

إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

ولَمّا ذَكَرَ البُشْرى والطُّمَأْنِينَةَ بِالإمْدادِ، ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ لَهم أنَّهُ أتْبَعَ القَوْلَ الفِعْلَ فَألْقى في قُلُوبِهِمْ بِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ الطُّمَأْنِينَةَ والأمْنَ والسَّكِينَةَ بِدَلِيلِ النُّعاسِ الَّذِي غَشِيَهم في مَوْضِعٍ هو أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْهُ وهو مَوْطِنُ الجِلادِ ومُصاوَلَةِ الأنْدادِ والتَّيَقُّظِ لِمُخاتَلَةِ أهْلِ العِنادِ، وكَذا المَطَرُ وأثَرُهُ، فَقالَ مُبْدِلًا أيْضًا مِن: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ﴾ [الأنفال: ٧] أوْ مُعَلِّقًا بِالنَّصْرِ أوْ بِما في الظَّرْفِ مِن رائِحَةِ الفِعْلِ مُصَوِّرًا لِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ: ”إذْ يَغْشاكُمُ“ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو فالفاعِلُ ”النُّعاسُ“ وضَمَّ الباقُونَ الياءَ، (p-٢٣٥)وأسْكَنَ نافِعٌ الغَيْنَ وفَتَحَها الباقُونَ وشَدَّدُوا الشِّينَ المَكْسُورَةَ، فالفاعِلُ في القِراءَةِ الأُولى مَفْعُولٌ هُنا، والفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ التَّغْشِيَةَ الغَرِيبَةَ الخارِقَةَ لِلْعَوائِدِ، ذَكَرَ ما فُعِلَتْ لِأجْلِهِ فَقالَ: ﴿أمَنَةً﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ خارِقًا لِلْعادَةِ، جاءَ الوَصْفُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾ أيْ: بِحِكْمَتِهِ لِأنَّهُ لا يَنامُ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ إلّا الآمِنُ، ويَمْنَعُ عَنْكُمُ العَدُوَّ وأنْتُمْ نائِمُونَ بِعِزَّتِهِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ فاعِلٌ، الفِعْلُ المُعَلَّلُ في القِراءاتِ الثَّلاثِ لِأنَّ كَوْنَ النُّعاسِ فاعِلًا مَجازٌ، ويَصِحُّ عِنْدِي نَصْبُها عَلى الحالِ.

ولَمّا كانَ النُّعاسُ آيَةَ المَوْتِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ آيَةَ الحَياةِ فَقالَ: ﴿ويُنَـزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ وحَقَّقَ كَوْنَهُ مَطَرًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ ووَقَعَ في البَيْضاوِيِّ وأصْلُهُ -وكَذا تَفْسِيرِ أبِي حَيّانَ- أنَّ المُشْرِكِينَ سَبَقُوا إلى الماءِ وغَلَبُوا عَلَيْهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الَّذِي سَبَقَ إلى بَدْرٍ وغَلَبَ عَلى مائِها المُؤْمِنُونَ كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، فَيَكُونُ شَرْحُ القِصَّةِ أنَّهم مُطِرُوا في المَنزِلِ الَّذِي سارُوا مِنهُ إلى بَدْرٍ فَحَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنهُ ما مَلَؤُوا مِنهُ أسْقَيْتَهم فَتَطَهَّرُوا مِن حَدَثٍ أوْ جَنابَةٍ ولَبَّدَ لَهُمُ الرَّمْلَ وسَهَّلَ عَلَيْهِمُ المَسِيرَ، وأصابَ المُشْرِكِينَ ما زَلِقَ أرْضَهم حَتّى مَنَعَهُمُ المَسِيرَ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِسَبْقِ المُسْلِمِينَ لَهم إلى المَنزِلِ وتَمْكِينِهِمْ مِن بِناءِ الحِياضِ وتَغْوِيرِ (p-٢٣٦)ما وراءَ الماءِ الَّذِي نَزَلُوا عَلَيْهِ مِنَ القَلْبِ كَما هو مَشْهُورٌ في السِّيَرِ، ويَكُونُ رِجْزُ الشَّيْطانِ وسْوَسَتَهُ لَهم بِالقِلَّةِ والضَّعْفِ والتَّخْوِيفِ بِكَثْرَةِ العَدُوِّ، والرَّبْطُ عَلى القُلُوبِ طُمَأْنِينَتُهُمْ، وطَيَّبَ نُفُوسَهم بِما أراهم مِنَ الكَرامَةِ كَما يُوَضِّحُ ذَلِكَ جَمِيعَهُ قَوْلُ ابْنِ هِشامٍ: ﴿ويُنَـزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ﴾ ماءٌ لِلْمَطَرِ الَّذِي أصابَهم تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَحَبَسَ المُشْرِكِينَ أنْ يَسْبِقُوا إلى الماءِ وخَلّى سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ أيْ: مِن كُلِّ دَرَنٍ، وابْتَدَأ مِن فَوائِدِ الماءِ بِالتَّطْهِيرِ لِأنَّهُ المُقَرِّبُ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ مِن حَضَراتِ القُدْسِ وعَطَفَ عَلَيْهِ - بِقَوْلِهِ: ﴿ويُذْهِبَ عَنْكُمْ﴾ أيْ: لا عَنْ غَيْرِكم ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ بِغَيْرِ لامٍ ما هو لازِمٌ لَهُ، وهو العَبْدُ الَّذِي كانَ مَعَ الحَدَثِ الَّذِي مِنهُ الجَنابَةُ المُقَرِّبَةُ مِنَ الخَبائِثِ الشَّيْطانِيَّةِ بِضِيقِ الصَّدْرِ والشَّكِّ والخَوْفِ لِإبْعادِها مِنَ الحَضَراتِ المَلائِكَةَ «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ» والرِّجْزُ يُطْلَقُ عَلى القَذَرِ وعِبادَةِ الأوْثانِ والعَذابِ والشِّرْكِ، فَقَدْ كانَ الشَّيْطانُ وسْوَسَ لَهُمْ، ولا شَكَّ أنَّ وسْوَسَتَهُ مِن أعْظَمِ القَذَرِ؛ فَإنَّها تَجُرُّ مَن تَمادى مَعَها إلى كُلِّ ما ذُكِرَ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما تَهَيَّأ لَهُ القَلْبُ مِنَ الحِكَمِ الإلَهِيَّةِ وهو إفْراغُ السَّكِينَةِ فَقالَ: ﴿ولِيَرْبِطَ﴾ أيْ: بِالصَّبْرِ واليَقِينِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رَبْطًا مُحْكَمًا غالِبًا عالِيًا، عَبَّرَ فِيهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ إسْكانِها الوُثُوقَ بِلُطْفِهِ عِنْدَ كُلِّ مُلِمَّةٍ حَتّى (p-٢٣٧)امْتَلَأتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ وثَبَتَ فِيها الرَّبْطُ، فَشَبَّهَها بِجِرابٍ مُلِئَ شَيْئًا ثُمَّ رُبِطَ رَأْسُهُ حَتّى لا يَخْرُجَ مِن ذَلِكَ الَّذِي فِيهِ شَيْءٌ، وأعادَ اللّامَ إشارَةً إلى أنَّهُ المَقْصِدُ الأعْظَمُ وما قَبْلَهُ وسِيلَةٌ إلَيْهِ وعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لامٍ لازِمَهُ مِنَ التَّثْبِيتِ فَقالَ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ﴾ أيْ: بِالرَّبْطِ بِالمَطَرِ ﴿الأقْدامَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ الخَوْفِ؛ فَإنَّ الخائِفَ لا تَثْبُتُ قَدَمُهُ في المَكانِ الَّذِي يَقِفُ بِهِ، بَلْ تَصِيرُ رِجْلُهُ تَنْتَقِلُ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ أوْ بِتَلْبِيدِ الرَّمْلِ.

8:12Page 178

إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1

ولَمّا ذَكَرَ حِكْمَةَ الإمْدادِ وما تَبِعَهُ مِنَ الآثارِ المُثَبِّتَةِ لِلْقُلُوبِ والأقْدامِ، ذَكَرَ ما أُمِرَ بِهِ المَدَدُ مِنَ التَّثْبِيتِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ بَدَلًا ثالِثًا مِن: ”إذْ يَعِدُكُمُ“ أوْ ظَرْفًا لِيُثَبِّتَ ﴿يُوحِي رَبُّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إلى المَلائِكَةِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ النَّصْرَ مِنهُ لا مِنَ المَدَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ: ومَن كُنْتُ مَعَهُ كانَ ظافِرًا بِجَمِيعِ مَأْمُولِهِ ﴿فَثَبِّتُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِأنْواعِ التَّثْبِيتِ مِن تَكْثِيرِ سَوادِهِمْ وتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ وقِتالِ أعْدائِهِمْ وتَقْلِيلِهِمْ في أعْيُنِهِمْ وتَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ المَعِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَأُلْقِي﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا الكُفْرَ ﴿الرُّعْبَ﴾ فَلا يَكُونُ لَهم ثَباتٌ ﴿فاضْرِبُوا﴾ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ غَيْرَ هائِبِينَ بِسَبَبِ ذَلِكَ. (p-٢٣٨)ولَمّا كانَ ضَرْبُ العُنُقِ والرَّأْسِ أوْحى مَهْلَكِ لِلْإنْسانِ، وكانَ العُنُقُ يُسْتَرُ في الحَرْبِ غالِبًا، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أيِ: الرُّؤُوسِ أوْ أعالِي الأعْناقِ مِنهم لِأنَّها مَفاصِلُ ومَذابِحُ.

ولَمّا كانَ إفْسادُ الأصابِعِ أنْكى ما يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يُبْطِلُ قِتالَ المَضْرُوبِ أوْ كَمالَ قِتالِهِ، قالَ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ أيْ: فَإنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ لِكَوْنِي مَعَكُمْ،

8:13Page 178

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.

ثُمَّ عَلَّلَ تَسْلِيطَهم عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: التَّسْلِيطُ العَظِيمُ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيِ: الَّذِي تَلَبَّسُوا الآنَ بِالكُفْرِ ولَوْ كانُوا مِمَّنْ يُقْضى بِإيمانِهِ بَعْدُ ﴿شاقُّوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لا يُطاقُ انْتِقامُهُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ يَكُونُوا بِمُخالَفَةِ الأوامِرِ والنَّواهِي في شِقٍّ غَيْرِ الَّذِي فِيهِ حِزْبُ الهُدى في مَكْرٍ مِنهم وخِداعٍ، وشاقُّوهُ بِاشْتِهارِ السَّيْفِ جَهْرًا - ثُمَّ بَيَّنَ ما لِفاعِلِ ذَلِكَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى تَقْدِيرِهِ: فَمَن شاقَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ فافْعَلُوا بِهِ ذَلِكَ؛ فَإنِّي فاعِلٌ بِهِ ما فَعَلْتُ بِهَؤُلاءِ، وأظْهَرَ الإدْغامَ في المُضارِعِ لِأنَّ القِصَّةَ لِلْعَرَبِ وأمْرُهم في عَداوَتِهِمْ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ شَدِيدًا ومُجاهَرَةً، وأدْغَمَ في الماضِي لِأنَّ ما مَضى قَبْلَها كانَ ما بَيْنَ مُساتَرَةٍ بِالمُماكَرَةِ ومُجاهَرَةٍ بِالمُقاهَرَةِ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ نَدْبًا إلى التَّوْبَةِ بِتَقْيِيدِ الوَعِيدِ بِالِاسْتِمْرارِ، وأدْغَمَ في الحَشْرِ في المَوْضِعَيْنِ لِأنَّ القِصَّةَ لِلْيَهُودِ وأمْرُهم كانَ ضَعِيفًا (p-٢٣٩)ومُساتَرَةً في مُماكَرَةٍ: ﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ويُشاقُّهُ سِرًّا أوْ جَهْرًا ﴿ورَسُولَهُ﴾ بِأنْ يَكُونَ في شِقٍّ غَيْرِ الشِّقِّ الَّذِي يَرْضَيانِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيْ: لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ، فَلْيَتَوَقَّعْ مُشاقِقُهُ عَذابَهُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الفِعْلِ المُدْغَمِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ المُظْهَرِ ثانِيًا، والمُظْهَرُ ثانِيًا عَلى حَذْفِ المُدْغَمِ أوَّلًا.

ولَمّا خَتَمَ الآيَةَ بِبَيانِ السَّبَبِ المُوجِبِ لِإهانَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِما لَهُ مِنَ الوَصْفِ العَظِيمِ، أتْبَعَهُ ما يَقُولُ لَهم لِبَيانِ الحالِ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ التِفاتًا إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ التَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском