Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-A'la 87:15–19
ولَمّا كانَ أعْظَمَ الأعْمالِ المُزَكِّيَةِ الذِّكْرِ والصَّلاةِ قالَ تَعالى: ﴿وذَكَرَ﴾ أيْ بِالقَلْبِ واللِّسانِ ذِكْرٌ وذُكْرٌ - بِالكَسْرِ والضَّمِّ ﴿اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ صِفاتُ المُحْسِنِ إلَيْهِ فَإنَّهُ إذا ذَكَرَ الصِّفَةَ سُرَّ بِها فَأفاضَ باطِنُهُ عَلى ظاهِرِهِ ذِكْرَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلَيْها، وإذا ذَكَرَ اللَّفْظَ وهو الِاسْمُ الدّالُّ عَلَيْها انْطَبَعَ في قَلْبِهِ ذِكْرُ المُسَمّى ﴿فَصَلّى﴾ أيِ الصَّلاةَ الشَّرْعِيَّةَ لِأنَّها أعْظَمُ الذِّكْرِ، فَهي أعْظَمُ عِباداتِ البَدَنِ كَما أنَّ الزَّكاةَ أعْظَمُ عِباداتِ المالِ، ومَن فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَراحَ مِن داءِ الإعْجابِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ النَّقائِصِ المُوجِبَةِ لِسُوءِ الِانْقِلابِ، وكانَ مُتَخَلِّقًا بِما ذَكَرَ مِن أخْلاقِ اللَّهِ في أوَّلِ السُّورَةِ مِنَ التَّخَلِّي عَنِ النَّقائِصِ بِالتَّزْكِيَةِ، والتَّحَلِّي بِالكَمالاتِ بِالذِّكْرِ والصَّلاةِ لِأنَّهُ لِعَظَمَتِهِ لا يَتَأهَّلُ لِذِكْرِهِ إلّا مَن واظَبَ إلى [ذِكْرِ - ] اسْمِهِ فَلا يَشْقى فَلا يَصْلى النّارَ الكُبْرى بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ - فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ في (p-٤٠٤)الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا الصَّلى دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، وثانِيًا التَّزْكِيَةُ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّها أوَّلًا، وقَدْ تَكَفَّلَ ذِكْرُ التَّزْكِيَةِ والذِّكْرِ، والصَّلاةُ مِن أسْبابِ التَّداوِي بِالإنْضاجِ ثُمَّ الأشْرِبَةِ ثُمَّ الأغْذِيَةِ، والآيَةُ صالِحَةٌ لِإرادَةِ زَكاةِ الفِطْرِ وتَكْبِيراتِ العِيدِ وصَلاتِهِ وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً وفُرِضَ الصِّيامُ بِالمَدِينَةِ، لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالماضِي والحالِ والِاسْتِقْبالِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وتُقَدَّمُ زَكاةُ الفِطْرِ عَلى صَلاةِ العِيدِ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَصَدَّقَ ثُمَّ صَلّى - ثُمَّ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النُّزُولُ سابِقًا عَلى الحُكْمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] والسُّورَةُ مَكِّيَّةُ، وظَهَرَ أثَرُ الحَلِّ يَوْمَ الفَتْحِ - انْتَهى، وأخَذَهُ مِنَ البَغَوِيِّ، وزادَ البَغَوِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كانَ يَأْمُرُ نافِعًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَحْوِ ما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويَقُولُ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في هَذا. ورَوى البَزّارُ: ”عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ العِيدِ ويَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ“» وفي السَّنَدِ كُثَيِّرُ بْنُ (p-٤٠٥)عَبْدِ اللَّهِ - حَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وأنْتُمْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ، أوْ [و - ] هم لا يَفْعَلُونَهُ - عَلى القِراءَتَيْنِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ بِالخِطابِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ عَلى الِالتِفاتِ الدّالِّ عَلى تَناهِي [الغَضَبِ- ]، مُنَبِّهًا عَلى المُعامَلاتِ بِسَبَبِ التَّداوِي الرّابِعِ وهو الِاسْتِفْراغُ بِنَفْيِ الرَّذائِلِ والخَبائِثِ بِالذَّمِّ عَلى ما يَنْبَغِي البَراءَةَ مِنهُ والحَثَّ عَلى ما يَتَعَيَّنُ تَحْصِيلُهُ تَحْصِيلًا لِحُسْنِ الرِّعايَةِ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ أيْ تَخْتارُونَ وتَخُصُّونَ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِبْدادِ، أيُّها الأشْقِياءُ، وبِالغَيْبِ عَلى الأصْلِ عِنْدَ أبِي عَمْرٍو ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيِ الدَّنِيَّةِ بِالفَناءِ الحاضِرَةِ، مَعَ أنَّها [شَرٌّ و- ] فانِيَةٌ، اشْتِغالًا بِها لِأجْلِ حُضُورِها كالحَيَواناتِ الَّتِي هي مُقَيَّدَةٌ بِالمَحْسُوساتِ، فاسْتَغْرَقَ اشْتِغالُكم بِها أوْقاتَكم ومَنَعَكم عَنْ ذِكْرِ [اسْمِ - ] اللَّهِ المَنهِيِّ إلى ذِكْرِ اللَّهِ والمُهَيِّئِ لَهُ، وعَنْ تَزْكِيَةِ نُفُوسِكُمْ، فَأوْقَعَكم ذَلِكَ في داءِ القُبْقُبِ وهو البَطْنُ، والدُّبْدُبُ وهو الفَرْجُ، وحُبُّ المالِ المُؤَدِّي إلى شَرِّ الأعْمالِ، وتَتْرُكُونَ الآخِرَةَ
﴿والآخِرَةُ﴾ [أيْ - ] والحالُ أنَّ الدّارَ الَّتِي هي غايَةُ الخَلْقِ ومَقْصُودِ الأمْرِ، العالِيَةُ (p-٤٠٦)المُبَرِّئَةُ عَنِ العَبَثِ، المُنَزَّهَةُ عَنِ الخُرُوجِ عَنِ الحِكْمَةِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ [مِنَ - ] الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لِأنَّ فِيها خَيْرًا لِأنَّ نَعِيمَها خالِصٌ لا كَدَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ ﴿وأبْقى﴾ أيْ مِنها عَلى تَقْدِيرِ المُحالِ في الدُّنْيا مِن أنَّ تَمادِيَها إلى وقْتِ زَوالِها تُسَمّى بَقاءً، لِأنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ دائِمٌ لا انْقِطاعَ لَهُ أصْلًا، وما كانَ [باقِيًا - ] لا يُعادِلُ بِما يُغْنِي بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَمَن عَلِمَ ذَلِكَ - وهو أمْرٌ لا يُجْهَلُ - اشْتَغَلَ بِما يَحْصُلُ الآخِرَةَ ويَنْفِي الدُّنْيا بِقِسْمَيْها مِنَ الأعْيانِ الحِسِّيَّةِ والشَّهَواتِ المَعْنَوِيَّةِ مِنَ الرَّعُوناتِ النَّفْسانِيَّةِ والمُسْتَلَذّاتِ الوَهْمِيَّةِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الإيثارِ والدُّنُوِّ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى التَّرْكِ والعُلُوِّ ثانِيًا، وذِكْرُ الخَيْرِ والبَقاءِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ لا يُؤْثِرُ الدَّنِيءَ إلّا دَنِيءٌ فَذَكَرَهُ أوَّلًا لِأنَّهُ أشَدُّ في التَّنْفِيرِ، وذَكَرَ الخَيْرَ والبَقاءَ ثانِيًا لِأنَّهُ أشَدُّ في التَّرْغِيبِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ النَّتِيجَةُ - الَّتِي هي الفَلّاحُ بِالتَّزْكِيَةِ وما تَبِعَها - خالِصَةَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ الَّتِي بِها تَدْبِيرُ البَقاءِ الأوَّلِ، وصَفَها تَرْغِيبًا فِيها بِوَصْفِ جَمْعِ القِدَمِ المُسْتَلْزِمِ لِلصِّحَّةِ بِتَوارُدِ الأفْكارِ عَلى تَعاقُبِ الأعْصارِ، لِأنَّ ما مَضَتْ عَلَيْهِ السُّنُونُ ومَرَّتْ عَلى قَبُولِهِ الدُّهُورُ تَكُونُ النَّفْسُ أقْبَلُ لِلْإذْعانِ [لَهُ - ] وأدْعى إلى إلْزامِهِ، وأفادَ مَعَ القِدَمِ أنَّ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ ﷺ لَيْسَ بِدَعًا مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هو عَلى (p-٤٠٧)مِنهاجِهِمْ، فَرَدَّ رِسالَتَهُ مِن بَيْنِهِمْ لا يَقُولُ بِهِ مُنْصِفٌ لا سِيَّما وقَدْ زادَ عَلَيْهِمْ في المُعْجِزاتِ و[سائِرِ - ] الكَراماتِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ مَن يَكْذِبُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الوَعْظِ العَظِيمِ بِالتَّسْبِيحِ الَّذِي ذَكَّرَ في هَذِهِ السُّوَرِ وما تَأثَّرَ عَنْهُ مِنَ التَّزْكِيَةِ بِالذَّكَرِ المُوجِبِ لِلصَّلاةِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، لِأنَّهُ جامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وهو ثابِتٌ في كُلِّ شَرِيعَةٍ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالحُكْمِ فَهو لا يَقْبَلُ النَّسْخَ ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ فَمَن تَبِعَ هَذا القُرْآنَ الَّذِي هو في هَذِهِ الصُّحُفِ الرَّبّانِيَّةِ فَقَدْ تَحَلّى مِن زِينَةِ اللِّسانِ بِما يَنْقُلُهُ مِنَ البَيانِ الَّذِي هو في غايَةِ التَّحْرِيرِ وعِظَمِ الشَّأْنِ وما يَعْلَمُهُ مِنَ المُغَيَّباتِ مِمّا يَكُونُ أوْ كانَ، ونَسِيَهُ أهْلُ هَذِهِ الأزْمانِ، فاسْتَراحَ مِن ضَلالِ الشُّعَراءِ والكُهّانِ، المُوقِعِينَ في الإثْمِ والعُدْوانِ، فَإنَّ القُرْآنَ جَمْعُ المَدِيحِ الفائِقِ والنَّسِيبِ الرَّقِيقِ في وصْفِ الحَوَرِ والرَّحِيقِ والفَخْرِ الحَماسِيِّ والهِجاءِ البَلِيغِ لِأعْداءِ اللَّهِ، والتَّرْغِيبِ الجاذِبِ لِلْقُلُوبِ والتَّرْهِيبِ والمِلْحِ الخَبَرِيَّةِ والحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا تَصِلُ إلَيْها الشُّعَراءُ، ولا يَنْتَهِي إلى أدْنى جَنابِها بَلاغاتُ البُلَغاءِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ عامًا خُصَّ مِن بَيْنِهِ تَعْظِيمًا لِقَدْرِ هَذِهِ المَوْعِظَةِ (p-٤٠٨)أعْظَمَ الأنْبِياءِ الأقْدَمِينَ، فَقالَ مُبَدِّلًا مُشِيرًا إلى الِاسْتِدْلالِ بِالتَّجْرِبَةِ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ﴾ قَدَمُهُ لِأنَّ صُحُفَهُ أقْرَبُ إلى الوَعْظِ كَما نَطَقَ بِهِ حَدِيثُ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿ومُوسى﴾ خَتَمَ بِهِ لِأنَّ الغالِبَ عَلى كِتابِهِ الأحْكامُ، والمَواعِظُ فِيهِ قَلِيلَةٌ، ومِنها الزَّواجِرُ البَلِيغَةُ كاللَّعْنِ لِمَن خالَفَ أوامِرَ التَّوْراةِ الَّتِي أعْظَمُها البِشارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والإخْبارُ بِأنَّهم يُخالِفُونَها كَما [هُوَ - ] مَذْكُورٌ في أواخِرِها مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الوُجُودِ والأفْضَلِيَّةِ، وقَدْ حَثَّ آخِرُها عَلى التَّزَكِّي وهو التَّطَهُّرُ مِنَ الأدْناسِ الَّذِي هو مَعْنى التَّنَزُّهِ والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ، وكانَ في إتْيانِهِ والتَّذْكِيرِ بِهِ إعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْمِلِ الخَلْقَ مِنَ البَيانِ [ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم - ] لِأنَّهُ لَمْ يَخْلُقْهم سُدًى، لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ العَبَثِ الَّذِي هو مِن أكْبَرِ النَّقائِصِ [ وهو سُبْحانُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ شَوائِبِ النَّقْصِ - ] فَقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها، وكانَ تَنْزِيهُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَنْزِيهُ النَّفْسِ أيْضًا غايَةَ مِعْوَلِها - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences