Al-Hijr 15:99
The Rocky Tract · Juz 14 · Page 267
وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩
And worship your Lord until there comes to you the certainty [i.e., death].
Tafsir · in Arabic
Ash-Shinqiti
Detailed
Change
Commentary on 15:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾.
أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ، أيْ: يَتَقَرَّبَ لَهُ عَلى وجْهِ الذُّلِّ والخُضُوعِ والمَحَبَّةِ، بِما أُمِرَ أنْ يَتَقَرَّبَ لَهُ بِهِ مِن جَمِيعِ الطّاعاتِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ. وجُلُّ القُرْآنِ في تَحْقِيقِ هَذا الأمْرِ الَّذِي هو حَظُّ الإثْباتِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، مَعَ حَظِّ النَّفْيِ مِنها. وقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ أنَّ هَذا لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ تَحْقِيقِ الجُزْءِ الثّانِي مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، الَّذِي هو حَظُّ النَّفْيِ مِنها، وهو خَلْعُ جَمِيعِ المَعْبُوداتِ سِوى اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ؛ قالَ تَعالى: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقالَ ﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]، وقالَ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقالَ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقالَ: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، والآياتُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ .
قالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، مِنهم سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وغَيْرُهم: (p-٣٢٤)اليَقِينُ: المَوْتُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ولَمْ ﴿نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٧]، وهو: المَوْتُ.
وَيُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ أُمِّ العَلاءِ (امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ): «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَخَلَ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وقَدْ ماتَ، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أبا السّائِبِ ! فَشَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”وَما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أكْرَمَهُ“ ؟ فَقالَتْ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَن يُكْرِمُهُ اللَّهُ ؟ فَقالَ: ”أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ، وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ. .“» الحَدِيثَ. وهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَقِينَ المَوْتُ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِاليَقِينِ انْكِشافُ الحَقِيقَةِ، وتَيَقُّنُ الواقِعِ لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا جاءَهُ المَوْتُ ظَهَرَتْ لَهُ الحَقِيقَةُ يَقِينًا. ولَقَدْ أجادَ التُّهامِيُّ في قَوْلِهِ:
؎والعَيْشُ نَوْمٌ والمَنِيَّةُ يَقَظَةٌ والمَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سارِي
وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ في التّارِيخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «" ما أُوحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ المالَ وأكُونَ مِنَ التّاجِرِينَ، ولَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾» [الحجر: ٩٨ - ٩٩] .
وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «" ما أُوحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ المالَ وأكُونَ مِنَ التّاجِرِينَ، ولَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾» .
وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «" ما أُوحِيَ إلَيَّ أنْ أكُونَ تاجِرًا ولا أجْمَعُ المالَ مُتَكاثِرًا، ولَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾» .
تَنْبِيهانِ
الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ ما دامَ حَيًّا ولَهُ عَقْلٌ ثابِتٌ يُمَيِّزُ بِهِ، فالعِبادَةُ واجِبَةٌ عَلَيْهِ بِحَسَبِ طاقَتِهِ. فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّلاةَ قائِمًا فَلْيُصَلِّ قاعِدًا، فَإنْ لَمْ (p-٣٢٥)يَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ، وهَكَذا قالَ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ عِيسى - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]، وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ ”بابُ إذا لَمْ يُطِقْ قاعَدًا صَلّى عَلى جَنْبٍ“، وقالَ عَطاءٌ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَتَحَوَّلَ إلى القِبْلَةِ، صَلّى حَيْثُ كانَ وجْهُهُ، حَدَّثَنا عَبْدانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ طَهْمانَ، قالَ: حَدَّثَنِي الحُسَيْنُ المُكْتِبُ، عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -، قالَ: «كانَتْ بِي بَواسِيرُ، فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ، فَقالَ: ”صَلِّ قائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ“ .» اه.
وَنَحْوُ هَذا مَعْلُومٌ؛ قالَ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقالَ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ ﷺ: «إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ. . .» الحَدِيثَ.
التَّنْبِيهُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّ ما يُفَسِّرُ بِهِ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ بَعْضُ الزَّنادِقَةِ الكَفَرَةِ المُدَّعِينَ لِلتَّصَوُّفِ، مِن أنَّ مَعْنى اليَقِينِ المَعْرِفَةَ بِاللَّهِ - جَلَّ وعَلا -، وأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا وصَلَ مِنَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ إلى تِلْكَ الدَّرَجَةِ المُعَبَّرَ عَنْها بِاليَقِينِ، أنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ العِباداتُ والتَّكالِيفُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اليَقِينَ هو غايَةُ الأمْرِ بِالعِبادَةِ.
إنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا كُفْرٌ بِاللَّهِ وزَنْدَقَةٌ، وخُرُوجٌ عَنْ مِلَّةِ الإسْلامِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ. وهَذا النَّوْعُ لا يُسَمّى في الِاصْطِلاحِ تَأْوِيلًا، بَلْ يُسَمّى لَعِبًا كَما قَدَّمْنا في ”آلِ عِمْرانَ“ . ومَعْلُومٌ أنَّ الأنْبِياءَ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ هم وأصْحابُهُ - هم أعْلَمُ النّاسِ بِاللَّهِ، وأعْرُفُهم بِحُقُوقِهِ وصِفاتِهِ وما يَسْتَحِقُّ مِنَ التَّعْظِيمِ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ أكْثَرَ النّاسِ عِبادَةً لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا -، وأشَدَّهم خَوْفًا مِنهُ وطَمَعًا في رَحْمَتِهِ. وقَدْ قالَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Page 267
15:91
ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ ٩١
Who have made the Qur’ān into portions.1
1 translator’s note
- Accepting part and rejecting part according to their own inclinations. ↩
15:92
فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢
So by your Lord, We will surely question them all
15:93
عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣
About what they used to do.
15:94
فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤
Then declare what you are commanded1 and turn away from the polytheists.2
15:95
إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ ٩٥
Indeed, We are sufficient for you against the mockers
15:96
ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٩٦
Who make [equal] with Allāh another deity. But they are going to know.
15:97
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧
And We already know that your breast is constrained by what they say.
15:98
فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٩٨
So exalt [Allāh] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].
15:99
وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩
And worship your Lord until there comes to you the certainty [i.e., death].
سورة النحل
An-Nahl
The Bee · Meccan · 128 ayahs
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
16:1
أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١
The command of Allāh is coming,1 so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.
1 translator’s note
- Literally, "has come," indicating the certainty and nearness of the Last Hour. ↩
16:2
يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ٢
He sends down the angels, with the inspiration [i.e., revelation] of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."
16:3
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣
He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.
16:4
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٤
He created man from a sperm-drop; then at once1 he is a clear adversary.
1 translator’s note
- As soon as he becomes strong and independent. ↩
16:5
وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥
And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth1 and [numerous] benefits, and from them you eat.
1 translator’s note
- i.e., in clothing, tents, furnishings, etc. ↩
16:6
وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦
And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].